قراءة في مفهوم العلم

0


 

جاء في " لسان العرب": "العلم نقيض الجهل"، وفي "المعجم الوسيط" : هو "إدراك الشيء بحقيقته". كما عرف بأنه: " نور يقذفه الله في قلب من يحب". والعلم أساس الدين والدنيا، وسر صلاحهما سيما إذا أقترن بالخشية. وكلما استضاءت الحياة بالعلم استزادت من النعيم، وكلما ابتعدت وانحرفت عنه، اقتربت من الجحيم. فالعلم والسعادة صنوان، كما أن الجهل والشقاوة أخوان. وما تنعم المتنعمون ولا تلذذ المتلذذون بأكثر من تنعمهم وتلذذهم بنعمة العلم. لأن كل لذة سوى لذته فانية. فلذة الأكل تنتهي عند الشبع، ولذة الوقاع تنتهي عقب الإنزال، ولذة جمع المال منغصة بنوائب الدهر وفجائعه، بينما لذة العلم لا تفنى، وقلما يحول بين العالم وعلمه مانع، بل تجده يجد في التحصيل وهو يدافع المرض، أو يعاني الفقر، أو ملقى داخل أقبية السجون. ويكفيه فخرا أن ذكره لا ينقطع ولو بعد موته. وفي هذا المعنى يقول الشيخ عبد الوهاب بن السبكي: "واللذة حصرها الإمام الرازي والشيخ الإمام ( يعني والده السبكي) في المعارف"1 . والعلم هو الكنز الذي لا يفنى والذخيرة التي توقد البصيرة. وقال بعضهم: " أي شيء أدرك من فاته العلم؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم؟ ".
وللعلم قوة لا تضعف وسلطان لا يقهر، ولذا نجد أن الله سبحانه وتعالى سمى الحجة العلمية سلطانا. " قال ابن عباس رضي الله عنه : كل سلطان في القرآن فهو حجة وهذا كقوله تعالى:« قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون» يعني ما عندكم من حجة بما قلتم إن هو إلا قول على الله بلا علم 2، وقال تعالى: «إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان» ما أنزل بها حجة ولا برهانا، بل هي من تلقاء أنفسكم وآبائكم، بل سلطان العلم أعظم من سلطان اليد، ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد. إن الحجة تنقاد لها القلوب وأما اليد إنما ينقاد لها البدن فالحجة تأسر القلب وتقوده وتذل المخالف وإن أظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لها ذليل مقهور تحت سلطانها .3
ثم إن العلوم الصحيحة تتجاذب وتتلاقح، مما يؤدي إلى تطورها ورقيها، خاصة إذا كانت نوايا العلماء خالصة نقية، تحوم حول محور الإنسانية وتهدف إلى تحقيق المثل العليا. أما إذا كان هناك علماء ومفكرون لا تربطهم بالإنسانية، ولا بالمبادئ والمثل العليا أدنى رابطة، مثل صناع القنابل الجرثومية، والأسلحة النووية، أو البيولوجيون الذين يفسدون خلايا الإنسان والحيوان تحت اسم البحث العلمي والتطور، فإن علومهم تكون وبالا عليهم وعلى الإنسانية أجمع، وهذا ما نلمسه اليوم في كثير من العلوم التي ظهرت أو تطورت في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة خاصة في أوربا وأمريكا.
كما أن شعور الغربين بالكبر والغطرسة، ومعاناتهم عقدة التفوق والجنس الآري، جعل الهوة بين ثقافتهم وثقافات الشعوب الأخرى، تزداد إتساعا وعمقا، مما صير الحوار الثقافي بين الشرق والغرب أمرا مستحيلا، خاصة بعد تصعيد وتيرة العولمة.
ومن ناحية أخرى، هناك اختلاف جوهري بين مفهوم العالم في الإسلام والعالم في الثقافة الغربية المعاصرة. فالعالم في التصور الإسلامي هو الذي تتوفر فيه بالإضافة إلى تخصصه، شروط ومميزات أساسية أهمها : العلم بمبادئ الدين، وخشية الله تعالى. قال سبحانه تعالى : "إنما يخشى الله من عباده العلماء". ومفهوم الآية أن من لا يخشى الله ليس عالما على وجه الكمال، ولو بلغ ما بلغ في مجال العلم والمعرفة.
"فلا يصح اعتبار الملحد المتخصص في الفيزياء عالما مهما بلغت شهرته بل هو مهني ماهر في مهنته، وليس إلا فيزيائيا قحا، وهو كالنجار الفنان الذي يعالج قطع الأخشاب ليشكل منها ما يثير إعجاب من لا يتقن حرفة النجارة، ومحترف الكيمياء والفيزياء يتقنون صنعتهم لدرجة تبهر البسطاء أو غير المتخصصين....، وكذلك الذي يحفظ النصوص الدينية ويوظفها في إخراج الفتاوى التي تخدم أغراض السلطان، والقانوني الذي يشارك في صياغة القوانين الظالمة....كل هؤلاء وأمثالهم العلم الحقيقي منهم براء وهم في الحقيقة وباء" .
ثم إن هذا الانحراف والانتكاس في مفهوم العالم في الثقافة العربية المعاصرة، يرجع إلى انتشار واستفحال حركتي الاستغراب والتغريب في العالم الإسلامي. وبما أن الضعيف مولع بتقليد القوي على حد تعبير العلامة ابن خلدون، فإن كثيرا من المصطلحات والمفاهيم التي تزخر بها ثقافتنا العربية والإسلامية، قد أصابها داء التحريف والتشويه. وهكذا أفرغ مفهوم العالم عندنا من محتواه الروحي والإيماني والعقدي تأسيا واحتذاء بالغربيين. ولقد كان للتيار العلماني أثر كبير في خلخلة مفهوم العلم وثوابته في العالم أجمع. إن القطيعة الروحية والمعرفية التي أحدثها مفكرو وفلاسفة النهضة الأوربية الحديثة بين الإنسان والسماء، بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وبين الخلق وخالقه....إن هذه القطيعة الخطيرة التي انبثق منها مذهب العلمانية والإلحاد وألوان من الفلسفات المادية واللادينية، قلصت مجال العلم وحصرته في مساحة ضيقة جدا هي عالم الشهادة المحسوس، وأنكرت وجود ما يسمى عالم الغيب الذي من عناصره الروح، وحياة البرزخ، والجنة والنار، وعالم الملائكة، وما يتعلق بيوم القيامة والحساب.

1- ولي الدين العراقي : "الغيث الهامع، شرح جمع الجوامع"، طبعة 1، دار الكتب العلمية 2004، ص 814.
2-الضوء اللامع2/36.
3- الإمام ابن قيم الجوزية "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة"، دار الكتب العلمية، بيروت ج 1 ص 61، 1419-1998.

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان/المغرب، ربيع الثاني 1433/ مارس 2012.

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق