حول الواردات والخواطر

1


 

لا تخلو كتب الفكر والأدب قديما وحديثا من ألوان الواردات والخواطر، وكلما كان الفكر والأدب ينهلان من جوهر الدين، ويرتكزان على القرآن والسنة الصحيحة، كان فضاؤهما مجالا لورود الواردات والخواطر الإيمانية والعكس صحيح؛ أي إذا كان الفكر والأدب لا يسترشدان بالكتاب والسنة ولا يلتزمان بقواعدهما ومبادئهما ولا يحتكمان إلى نصوصهما، تسربت إليهما الأفكار والمعاني ذات الصلة بالخواطر والواردات الفلسفية أو النفسية. ومثال النوع الأول؛ مؤلفات الفقه وأصوله، ورسائل العقيدة الصحيحة، وكتب الآداب وتربية النفس والأخلاق الدينية، وأشعار الجهاد والحكم والمواعظ. ومثال النوع الثاني؛ مؤلفات الفلسفة الميتافيزيقية وعلم الكلام والتصوف الفلسفي؛ وحدة الوجود، الحلول والاتحاد والطرقي، والدواوين الشعرية المشتملة على بعض أنواع الهجاء أو الأمداح الكاذبة أو الغزليات أو الزندقة والانحراف عن العقيدة. فهذا الصنف الثاني من الفكر والأدب قلما يسلم أصحابه من الإيحاءات النفسية والشيطانية التي تكون من وراء الخواطر والواردات الضالة والمضلة.
وإذا علمنا بأن نظريات متفلسفة المسلمين و كثير من أقطاب الكلام والتصوف الفلسفي والطرقي، لها علاقة وطيدة بالفكر اليوناني الوثني وبالفكر الإشراقي والمسيحي، وبالمذاهب الفلسفية والعقائد المختلفة التي كانت منتشرة في ربوع الشام وفارس والهند قبيل مجئ الإسلام، تبين لنا خلو هذا الفكر من الخواطر والواردات الإيمانية، وإن وجدت فهي قليلة. والخلاصة أن نوعية الخواطر والواردات مرتبطة بطبيعة المحل القابل لتنزلها وورودها، وكل إناء يرشح بما فيه. ولقد أحسن محمد ابن قيم الجوزية عندما قال:"مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطي العادة. فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادها بفسادها."1

[1] محمد بن قيم الجوزية "الفوائد" دار الكتب العلمية بيروت 1996 ص 193


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1433- ماي 2012.

التعليقات

  1. تحية تقدير و احترام للأستاذنا: جميلة هي الموضوعات التي تتحفنا بها بين الفينة و الأخرى ،غير ؟أن ما ألاحظه في كتابتكم هو الإرتباط الوثيق بعالم التصوف من خلال مرجعيتكم الفكرية و من خلال المصطلحات الستعملة،فالسؤال كالأتي.هل تتعمدون ذالك على اعتبار أن هذا هو أسلوبكم فب الكتابة ؟ ام أن آثار تجربتكم الصوفية لازال حاضرا و بقوة علما أن لكم من الإمكانات ما يمكنكم من الكتابة و بأساليب مختلفة؟ شكرا

    ردحذف