التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنين البحر

أنين البحر


البحر مخلوق من مخلوقات الله العظيمة، يضم في أحشائه كائنات حيوانية ونباتية وأصدافا ولآلئ وأنهارا من المياه الحلوة...

إنه يسبح الله؛ قال تعالى: "يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض" (الجمعة 1). وقال أيضا: "تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" (الإسراء44). فكل المخلوقات التي تسكن البحر تسبح الله، بل كل قطرة ماء تسبح باسم ربها.

وإذا تأملت بقلبك ونظرت بعينيك طويلا إلى البحر، شعرت بالهدوء والطمأنينة. إنه على الفطرة؛ يهبك جماله؛ زرقته وحركات أمواجه وأفقه الكبير، وإذا اقتربت من ساحله ذاعبت أقدامك مياهه في لطف وعذوبة. يحملك على ظهره في الفلك والسفن، ويقدم لك ثمرته الطرية من أسماك مختلفة تأكلها هنيئا مريئا.

ورغم أن مخلوقات البحر تسبح الله بطريقة لا إرادية؛ أي أنها مجبولة على التسبيح، فإنها واعية بوعي وشعور يناسب خلقتها وطبيعتها. وإلا فكيف نفسر مثلا استماع النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أنين جذع النخلة عندما تركه ولم يعد يقف عليه أثناء الخطبة، أو كيف ندرك مخاطبته صلى الله عليه وسلم لجبل أحد لما تحرك والنبي صلى الله عليه وسلم فوقه صحبة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قائلا: "إهدأ أحد فإن فوقك نبي وصديق وشهيد". فكذلك البحر له تواصل معين مع بني آدم وباقي المخلوقات. قد نخلص انطلاقا من هذه الحقائق  إلى أن البحر الذي يسبح الله، يملك كيانا روحيا ومعنويا وشعورا معينا.

إن هذا البحر، أيها القراء الأفاضل، قد عاش في سلم وأمن ووئام مع البشرية طوال آلاف السنين، إلى أن جاء بشر الحضارة الغربية، فآذوه ماديا ومعنويا. فمن حيث الجانب المادي؛ عمدوا إلى طرح نفايات المصانع والقاذورات البشرية في جوفه الطاهر، وتسببوا بذلك في قتل خلق عظيم من حيواناته ونباتاته.

ومن حيث الجانب المعنوي؛ فإنهم قد آذوه بعريهم ومنكراتهم وفواحشهم القذرة. فترى العراة وأشباه العراة يلطخون مياهه ويدنسونها بفسقهم وحيوانيتهم القذرة المقيتة. لذا فهو يتألم ويئن، لكن لا يحس بأنينه وشكواه إلا المؤمن. أما العراة المفسدون فهم في غمرة ساهون، وفي أوساخهم يتمرغون، وفي غيهم يعمهون. وإذا أردت أن تنصحهم بقولك لهم: إن عريكم وفحشكم يؤذي البحر كما يؤذي ذوي الحياء والمروءة من الناس، رموك بالتخلف والجمود، وربما قالوا لك: أخرجوهم من شاطئكم إنهم أناس يتطهرون ويستحيون !!

بل أكثر من هذا، إن هؤلاء الشياطين من الآدميين سخروا أبواقا إعلامية للدفاع عن منكراتهم وفواحشهم، وللسخرية من الذين يتطهرون ويسبحون بلباس يستر أبدانهم وعوراتهم. إن هؤلاء الشياطين من الآدميين الذين فسد معدنهم، وفسدت فطرتهم بسبب فحشهم وعريهم، لا يطيقون رؤية السباحين المستورين، وكذلك الشيطان لا يتحمل رؤية المؤمن التقي.

وكثيرا ما يأذن الله للبحر فيغضب يزمجر فيرعب الغافلين بالعواصف أو التسونامي فتكون الكارثة. ومع ذلك يقولون: هذا غضب الطبيعة. ومن أغضب الطبيعة ؟ قال تعالى: "فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" (الحج 46).

د. عبد الله الشـارف، مكـة المكرمـة، ذو القعدة 1437- غشت 2016.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال