التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"أنا أعبد الله مسلما، إذن أنا موجود"





يعتبر مبحث الوجود من المباحث الفلسفية الأساسية التي شغلت بال الفلاسفة على مر العصور. وقد اختلفت نظرياتهم حول طبيعة الوجود وحقيقته، باختلاف مدارسهم ومذاهبهم أو إيديولوجياتهم. فقد اختلف أرسطو مع أفلاطون في هذا الشأن، كما اختلف ابن رشد مع الفارابي وابن سينا، وهكذا.


وعندما انسحب التفكير المتافيزيقي من الساحة الفلسفية الأوربية الحديثة والمعاصرة، تحت هيمنة المذاهب المادية والإلحادية، اختفى موضوع الوجود بمعناه الميتافيزيقي، وبقي الوجود بالمعنى المادي والمحسوس.


إن كوجيطو ديكارت؛ "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، لا يمكن فصله عن الإشكالية الفلسفية لمبحث الوجود ، رغم أن هذا الفيلسوف كان بصدد التقعيد لمنهج عقلاني في البحث، ينطلق من شك مطلق للوصول إلى الإيمان اليقيني بالفكر ثم بالوجود الإنساني.


لكن هناك تساؤل:


أي وجود إنساني يقصده ديكارت بقوله: "أنا أفكر إذن أنا موجود" ؟


هل يقصد به الوجود الإنساني بالمعنى العام أو الساذج، كما يتصوره عموم الناس، أم الوجود بالمعنى الفلسفي العقلاني؟


وإذا كان الإنسان مستلبا عقليا، هل يفكر أم لا؟  وهل يحقق وجوده تحت وطأة استلابه؟


وإذا كان الإنسان ميتا، هل ينقطع تفكيره أم لا؟ ومن ثم هل هو موجود أم معدوم؟


إلى غير ذلك من التساؤلات التي يمكن للباحث أن يطرحها. وينبغي ألا يخفى عن الباحث الموضوعي أن القيود التي فرضتها الكنيسة على الإنسان الأوربي خلال القرون الوسطى، حيث حرمت عليه الاشتغال بالعلم والتحصيل، واستعمال العقل في فهم الدين والحياة... وبعبارة أخرى؛  أنها منعت رعاياها من ممارسة التفكير. كل هذا جعل ذلك الإنسان المقيد أقرب إلى العدم منه إلى الوجود.


ثم ما قول ديكارت فيمن يمارس التفكير الفلسفي ثم ينتحر؟ وما أكثر الفلاسفة والعباقرة والمبدعين الذين انتحروا. فأي تفكير فلسفي وإبداعي هذا الذي يؤدي بصاحبه إلى الانتحار؛ أي العدم.


وإذا كانت ظاهرة الانتحار تتجلى بالقوة والفعل، في المجتمعات الغربية المادية، أكثر مما تتجلى في غيرها من المجتمعات، فهل معنى هذا أن الكوجيطو الديكارتي يعاني خللا بنيويا، أم أن الفيلسوف والعبقري لا يمارسان التفكير على الأقل لحظة العزم على الانتحار؟


إن الوجود الإنساني الحقيقي، هو الذي ينبثق من تفكير متين، قائم على تصور يربط الإنسان بخالقه، والأرض بالسماء؛ أي التفكير العمودي المجسد للعبودية الصحيحة الحقة، التي ينطق بها الوحي القرآني. وما سواه من أنواع التفكير الأفقي القائم على القطيعة بين السماء والأرض، لا يثمر إلا الوجود الإنساني المضطرب القلق. قال تعالى:


"وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ" (سورة الحج آية 31).


والخلاصة  أن الإنسان إذا أراد أن يكون موجودا حقا وإن مات، فعليه أن يكون عبدا لله كما أمر في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. وإلا فلا يزال يخر من السماء. ولذا عنونت هذه التدوينة: "أنا أعبد الله مسلما، إذن أنا موجود".


 

د.عبد الله الشارف، الرباط، صفر الخير 1434/ دجنبر 2012

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال