التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كلام في النفس نفيس لأبي حيان التوحيدي

كلام في النفس نفيس لأبي حيان التوحيدي


"قال قائل: النفس طبيعةٌ دائمة الحركة. وقال قائل: النفس تمامٌ لجسمٍ طبيعيٍ ذي حياة. وقال قائل: النفس جوهرٌ ليس بجسمٍ محركٌ للبدن. وعلى هذا؛ ولعل آخرين يقولون في تحديدها ونعتها أقوالاً أخر، لأن الملحوظ بسيط، والمدروك بعيد، والناظرين كثيرون، والباحثين مختلفون، والكثرة فاتحة الاختلاف، والاختلاف جالبٌ للحيرة، والحيرة خانقةٌ للإنسان، والإنسان ضعيف الأسر، ..... غشاؤه كثيف، وباعه قصير، وفائته أكثر من مدركه، ودعواه أحضر من برهانه، وخطؤه أكثر من صوابه، وسؤاله أظهر من جوابه، فعلى هذا كله الاعتراف بها – أعني بالنفس وبوجدانها – أسهل من الفحص عن كنهها وبرهانها..

قال: وإنما صعب هذا لأن الإنسان يريد أن يعرف النفس وهو لا يعرف النفس إلا بالنفس، وهو محجوبٌ عن نفسه بنفسه؛ وإذا كان الأمر على هذا، فالأمر أن كل من كانت نفسه أصفى، ونوره أشع، ونظره أعلى، وفكره أثقب، ولحظه أبعد، كان من الشك أنجى، وعن الشبهة أنأى، وإلى اليقين أقرب؛ والإنسان ذو أشياء كثيرةٍ، من جملتها نفسه، فلكثرة ما هو به كثيرٌ يعجز عن إدراك ما هو به واحدٌ، أي إنسان"[1]

كلام نفيس وحكيم يتحدث فيه أبو حيان التوحيدي  عن النفس، حيث يشير إلى ما يكتنف البحث في هذا الموضوع من صعوبات جمة، مردها إلى طبيعة النفس وجوهرها المستعصي عن الفهم والإدراك. بل لما كان الإنسان، في هذا المجال من البحث، هو الدارس والمدروس، حيل بينه وبين الوصول إلى الحقيقة لأنه "محجوب عن نفسه بنفسه".

ويستفاد من هذه العبارة أو المقولة الأخيرة أن النفس حجاب وأي حجاب؛ وأنها كثيرا ما تغدو حجابا كثيفا وحائلا يمنع الإنسان من معرفة حقيقة الأمور، عندما يكون شديد التعصب لرأيه أو مذهبه أو توجهه السياسي، أو بسبب تقليده الأعمى، أو بسبب تكبره وعجبه وغروره، أو أسيرا لسلطان أهوائه وميولاته وشهواته.

وعندما يتجرد المسلم من التعصب والتقليد الأعمى ومن الأخلاق والصفات المذمومة من كبر وعجب وغرور ورياء ونفاق، ويتحرر من قيد أهوائه، تغدو  "نفسه أصفى، ونوره أشع، ونظره أعلى، وفكره أثقب، ولحظه أبعد،( و)كان من الشك أنجى، وعن الشبهة أنأى، وإلى اليقين أقرب". وقتئذ يفتح له باب العلم والمعرفة ويسهل عليه تربية نفسه وتزكيتها، ويلج فضاء الصلاح والإصلاح.

والإنسان خلق للعبادة، فإن خرج عنها بعبادة هواه والدنيا، خرج عن أصله وأصبح غريبا عنه وذلك عين التيه. احذر أن تكون غريبا عن أصلك وفطرتك، واحرص على أن تكون غريبا في الدنيا تفز بسعادة الدارين فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بدأ الإسلام غريبا ويعود غريبا فطوبى للغرباء".

ثم إن لذة البصر تكمن في النظر إلى المخلوقات وعجائب الدنيا، فإن أثمر تدبرا سهلت معرفة الخالق ورق الحجاب، وإلا كان المبصر من الذين لهم أعين لا يبصرون بها، لأنه وقف مع المخلوقات فحالت بينه وبين الخالق فعمي. لا تنظر إلى الدنيا بعين البصر، خشية أن تسحرك وانظر إليها بعين البصيرة لعلك ترى عجبا، وإن لم تفعل فلا عذر لك "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره".

 د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1438- موافق  مارس 2017.

 

[1] - أبو حيان التوحيدي: "الإمتاع والمؤانسة"  ج 3 ص 109، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت لبنان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال