التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرض الغفلة

 

88f135a483ef01fac8d7b920488085e4_L

بسـم الله الرحمن الرحيم

قال الله عز وجل في كتابه العزيز:

"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ *إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ *وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ *وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ *لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ " (سورة ق 16-22).

مشهد قرآني مؤثر ورهيب، رسالة ناطقة بالإنذار والوعيد، خطاب إلهي لا تشعر بوزنه ووطأته غير قلوب المؤمنين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيهبوا، يحملهم الشوق، إلى الركوع والسجود والاستغفار، ومناجاة ربهم والناس نيام.

إن الله يعلم ما توسوس به نفسك، وما يخالج صدرك، وما تخفي وما تعلن؛ أي كل ما يجول في سرك وباطنك من خواطر وأفكار. وهو سبحانه الرقيب وأي رقيب. جعل عن يمينك ملكا وعن شمالك ملكا؛ يكتبان ما تفعله من خير أو شر. إنه كتابك؛ أنت الذي دونته وملأت صفحاته بأقوالك وأفعالك. غدا ستقرأه فتسر أو تحزن: "إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" (سورة الإسراء 14).

ثم هجم الموت بسكراته. وما أدراك ما الموت، ويا ليت ميتا حدثك، يقظة، بهول الموت وشدته، وأخبرك ببعض ما رأى وسمع أو أحس، لعلك تنزجر أو تعتبر.

هيهات هيهات، فنحن أحياء وهم أموات. لا بل نحن أموات وهم أحياء: "يا ليتني

قدمت لحياتي" (سورة الفجر 24).

"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد".

يا عبد الله: ما الفرق بين الغفلة والموت ؟ ما ثمة فرق: "أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون" (سورة النحل 21)، "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" (الأنعام 122).

بعد خروج الروح، يكشف الغطاء، ويقوى البصر؛ بصر القلب وتتجلى كثير من الحقائق الغيبية، ويتبين للغافل أنه كان يلعب، فيندم ويتحسر، وتتمزق روحه ولات حين مناص.

"لقد كنت في غفلة من هذا"؛ من... ومن أن الله رقيب عليك، وأن ملائكته تكتب ما تقول وتفعل، ومن أن الموت آت، وأنك قادم على الله للحساب لأنك عبده شئت أم أبيت؛ "إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا" (مريم 93).

"لقد كنت في غفلة من هذا"...

غفل العبد فهو غافل؛ غفل فعل إرادي تام، مبني على الوعي والشعور، جامع لمعنى الإرادة. أراد العبد الغفلة، فحصل عليها وحققها، وفرح بها، وتنعم بها، واستظل بظلها، وركن إليها.

العبد فاعل مرفوع بالعبودية لله، لكنه اختار الغفلة بإرادته ، فانسلخ من شرف العبودية ، وأخلد إلى الأرض متبعا هواه.

إن هذا العبد الغافل مريد لأفعال غفلته، محب لها، تجري في كيانه مجرى الدم في جسده. يحميها ويدافع عنها إذا انتقدت. إنها كيانه وهويته وروحه.

ماذا تريد منه أيها الناصح الأمين؟ إنه لا يرغب في نصائحك ويكره أمثالك.

دائرة الغفلة، دائرة مغلقة. أحكم إغلاقها بإرادة تامة. وإسهام الشيطان في تثبيت هذه الغفلة، أمر صحيح. بيد أن الإرادة تبقى لصاحبها، واختيار الغفلة ومحتبها والتعلق بها يرجع إليه، إذ هو مكلف ومحاسب؛ "قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد" (ق 27).

ومن هنا يخطئ كثير من المسلمين الغافلين المذنبين، عندما يلعنون الشيطان ويجعلونه سببا مباشرا لما يصدر منهم من أفعال الشر.

يستفاد من قوله تعالى؛ "لقد كنت في غفلة من هذا"... فوائد وعبر منها:




  • أن الدنيا بزينتها ومتعها وملذاتها تؤثر سلبا في قلوب الغافلين الذين لا يستحضرون درس الابتلاء؛ "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا" (الكهف 7)، "تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" (الملك 1-2).




  • إن الانفصال القائم، في وعي وشعور العباد، بين عالم الشهادة وعالم الغيب، من أهم  الأسباب المؤدية والمفضية إلى الغفلة والبعد عن الله. ذلك أن الموت وأحواله وعالم القبر، والملائكة ويوم القيامة، والميزان والصراط  والجنة والنار...، كل هذه الحقائق لها وجود، كما أن لحقائق عالم الشهادة وجود. بيد أن عدم استحضار العبد لتلك الحقائق المتعلقة بعالم الغيب، وعدم التفكر فيها والانتفاع  بتدبرها وتذوقها، يجعله غافلا عنها، حتى تغدو بالنسبة إليه، كأنها غير موجودة، فيحرم نفسه من ثمرات الوعد والوعيد ومن السياحة الإيمانية الروحية في فضاء عالم الغيب، ويخلد إلى الدنيا والأرض.




  • "فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"...




لقد غدت الغفلة بمثابة غطاء أو حجاب يمنع العبد الغافل من رؤية الحقيقة. إنه ظلام الشهوات الكثيف، ظلام الذنوب والمعاصي؛ ظلام الكبر والغرور والعجب والحسد والرياء... ظلام الباطل وعساكره... ظلام البعد عن الله. وبعد خروج الروح يكشف الغطاء، فتفنى الشهوات الدنيوية والنفسية ويتبدد ظلامها، ويتجلى نور حقائق ما بعد الموت. ولذا ينبغي إحداث ثقوب أو نوافذ في هذا الغطاء، كي يتسرب من خلالها نور المعاني المتعلقة بعالم الغيب، فتتنور صور عالم الشهادة في قلب العبد وتتفاعل مع معاني وحقائق عالم الغيب، فيمسي هذا العبد حيا في عالمي الدنيا والآخرة. بل ينظر إلى الدنيا بعيون الآخرة.


 

وأخيرا، ما هو سبيل علاج مرض الغفلة؟

 

أعظم وسيلة لعلاج داء الغفلة هي التوبة الصادقة النصوح وتقوى الله تعالى. ولا يتم ذلك إلا بممارسة المجاهدة والمراقبة  والمحاسبة مع المواظبة على برنامج إيماني يشتمل على القيام بما فرض الله على عباده من صلاة وصوم وزكاة... واجتناب المحرمات، وحفظ اللسان والعين  والأذن...مع الإكثار من قراءة القرآن والمبادرة إلى نوافل الطاعات وفعل الخيرات،  والاهتمام بأمر المسلمين والإحسان إلى ذوي القربى والضعفاء والمحتاجين.

 

د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة، ربيع الأول 1436، دجنبر 2014.

.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال