التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجنة الجنة؛ لا تطلب غيرها


مد يمناك إلى باب الجنة


يا عبد الله


الجنة أقرب من أن ترحل إليها، وحورها فوق فرشها وبأبواب خيامها أشد انتظارا لك من أم لابنها المفقود. والمهر؛ طول التذلل والتجافي في جوف الليل؛ (تتجافى جنوبهم عن المضاجع)، والمحافظة على العهد والميثاق، بعدها يطيب التلاقي، وينعم كل خل بخليله، وتقر أعينهم بعطايا مليكهم، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. ما أقصر عمر الدنيا، و"الأمر أسرع مما أنت فيه"، ولا فناء للآخرة، وأنت تعض بنواجدك على الفاني. بئس ما عضت نواجدك وثناياك، وبئس وخاب المسعى مسعاك.


اطلب دار البقاء


يا عبد الله


طلق العجوز الشمطاء، واخطب ود العروب الحوراء، واهجر رجز دار الفناء، واصب إلى نعيم دار البقاء. فقد سرى الركب ليلا وأنت نائم، وطوى المراحل بالذكر وأنت هائم، فإلى متى تظل مغلولا مقيدا وقد أرادك الله عبدا مخلدا؟


أين الفاني من الباقي


يا عبد الله


تقرب إلى الواحد الأحد، وعانق ساحل الأبد، ولا تقف مع اليوم، فقد أخنى عليه الذي أخنى على لبد، ولكن انظر إلى غد. فمثلك لا يرضى بالدنيا مقاما، ولا يكن لنعيمها حبا ولا غراما. فأين الفاني من الباقي، وأين الثرى من الثريا، وأين النعيم بلا نعيم من نعيم لا يفنى، وأين الملك بلا ملك من ملك لا يبلى؛ حيث ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وتطيب اللقيا ؟!!


أجمل ما يرى


يا عبد الله


خير ما يلقى في القلب اليقين، وأجمل ما يرى وجه رب العالمين، وألذ ما يطرب السمع كلام الحبيب، وترتيل الذكر بمزمار داود وشذو نساء الجنة والحور العين. وأحسن ما تقر به العين مقام أمين في أعلى عليين. وكل ما لم يفض بك إلى هذا، فوهم وغرور وتخمين، أو هشيم تذروه الرياح فوق الربى وعلى البطاح. ولله ذر لبيد:


        ألا كل شئ ماخلا الله باطل         وكل نعيم لا محالة زائل.


وجه الله أعظم مما يخطر على بالك، وأقر للعين وأجمل ما يرى وأبهى، وليس وراء الله مرمى، ولا بعد ذكر الله من خير يرجى أو نعمة تجتبى، ولا أحسن من قرآنه ما يتلى، وإليه يصعد الكلم الطيب ويرقى.


عرائس الجنة تناديك


يا عبد الله


عرائس الجنة تناديك، وتتود إليك، وقد طال انتظارها ولما يلن قلبك. بل أنت في شأن آخر، وقد ركبت بحر الغفلة والشهوات، فحيل بينك وبين هاتيك النداءات، فضاعت روحك بين الأنفاق وفي الفلوات. آمن عقلك بالميعاد، ولم يؤمن قلبك، فلا خير ولا أثر. وإذا لم تنجذب نفسك إلى نعيم الجنة فقد حرمت المنة، وخلا قلبك من التصديق، وإن صدقت فلا يقين.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان، أوائل الثلاثينيات من القرن الخامس عشر الهجري.

تعليقات

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزاك الله خيرا وبورك فيك أستاذنا الفاضل وزادك الله من علمه ونفعنا بك ونفع الناس جميعا آمين

    نتمتمنى أن تزيدنا من من مثل هذه المواضيع الواعظة لنا والمفيدة
    ولكم الشكر الجزيل ووفقكم الله وزادكم ثباتا وسدد خطاكم

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال