من وحي الحج

0







هذه باقة من الخواطر والمناجاة، جاشت معانيها في صدري، وقذف بأسرارها في قلبي، خلال موسم  الحج، حيث كنت متفيئا ظلاله، مرتويا من عيون المنن الإلهية، متأسيا ومتيمنا بالشمائل المحمدية.


لقد أحلني مولاي بيته، وبوأني كنفه، حتى شغلت بلذة أنسه عما سواها، فانجلت ظلمات الشكوك، وانحسر لثام الشبهات، وأسفر وجه اليقين وأشرق نوره. فلما استقرت في باطني بوارق اليقظة، أخذت في أهبة السفر إلى الله لا ألوي على شيء. كيف لا وقد ملأت المحبة شغاف قلبي، وسرت روحها في كياني. ثم أعقب حال اليقظة والانتباه، شعور عميق بالذل والانكسار، والخضوع والافتقار للرب سبحانه وتعالى، يقول رب العزة: ” يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد"


فأيقنت يقينا جازما، أن صلاحي وخلاصي، وهداي وسعادتي، بيده جل وعلا، وأن هذا الخير وهذه اليقظة منه وحده، وأن رحمته بي اقتضت تذكري له وسياقتي إليه. فالتجأت إليه لجوء المضطر، الذليل المستعطف، ووضعت خذي على عتبة العبودية، ناظرا بقلبي إلى ربي ووليي، نظر الذليل إلى العزيز الرحيم.


أحرم بالتوبة


تجرد من نسيج أوهامك وغزل شهواتك، وأحرم بتوبة من غير ميقات، وطف ببيت التوحيد، وتعلق بمعاني الصفات الإلهية، واسع بين الخوف والرجاء؛ بدءا بالأول وختما بالثاني، واستمطر الرحمة من فوق جبلها، وتعرف إلى الرحيم معرفة لن تشقى بعدها أبدا؛ (… اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت لهم…). وتمثل نفسك إسماعيل الذبيح، واقطع بسكين الصبر واليقين، حلقوم النفس الأمارة والودجين، كي ينهمر دم الغفلة والشهوات، فتتجلى لك الآيات.


الجبل الخاشع


نظرت إلى الجبل الخاشع فاهتز كياني، وخشعت جوارحي، فإذا بقلبي يستمع إلى تسبيح صخوره و هوامه وطيوره التي لها حرمة المكان. فأحسست بوطأة التسبيح وصولة الخشوع، وحملني شعوري إلى عالم يجل عن الوصف و النعت، فنادتني الأشواق: اللحاق اللحاق، ارتحل المحبون وحان وقت الفراق.


طرقت الباب


طرقت الباب فقيل لي: ارجع من حيث أتيت، فافترشت التراب واستلقيت، ثم توسدت بخدي العتبة وبكيت، فنادتني هواتف الروح؛ تجرد من تاج الهوى وطيلسان النفس الأمارة، وطواغيت الشرك، والبس رداء الذل والافتقار، وإزار الخوف والاضطرار، وقتئذ يفتح الباب على مصراعيه، ويتحقق السفر منه إليه، ويحلو الذكر والمناجاة، ويحصل مالا تترجمه العبارات. (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام).


ملة إبراهيم


لا ترغب عن ملة إبراهيم فتشقى، ولا ترغب بنفسك عن نفس نبيك فتضل. واجمع رغباتك في المرغوب الأحد، تسعد في الدارين وإلى الأبد. واعلم أن تحررك من رغباتك العاجلة، يقوى يقينك ويحبب إليك نعيم الآجلة، وأن لهثك وراءها يضنيك، ومن الظمأ ما يرويك. واعلم أن شمسك قد أوشكت على الطلوع من مغربها، وأن ساعتك قد بدت كاشفة حجابها. فأين قلبك من وطأتها وهولها، وما أنت قائل لربك وربها ؟ (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم).


د.عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين، تطوان المغرب/1433-2012.

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق