التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخلفية الفلسفية للمفاهيم التربوية

إن المطلع على آراء ونظريات أشهر الكتاب والمنظرين في ميدان التربية و البيداغوجيا من الغربيين خلال القرن التاسع عشر والعشرين، يلاحظ أن أفكارهم متقاربة، وقلما تتعارض لأنها تنهل من معين واحد هو معين المدنية الغربية القائمة على اصول الفلسفة المادية والعلمانية، ومن هنا جسدت تلك الأفكار منطلقات هذه المدنية وأهدافها.


وتعتبر القطيعة الروحية؛ أي الثورة ضد الدين ونبذ كل ماله علاقة بالتصور الديني والأخلاق والقيم الروحية؛ الأرضية الفكرية والفلسفية التي انطلق منها هؤلاء الكتاب، لأنهم اعتبروا الدين عاملا من عوامل التخلف والظلام. وترتبت على هذه المسلمة بالنسبة لهم، مسلمة ثانية ترى في الحياة المادية الدنيوية الحياة الحقيقية الوحيدة، إلى غير ذلك من المبادئ والمسلمات التي تقوم عليها الحضارة الغربية والتي لا يتسع المجال لذكرها.


لقد كان من الطبيعي أن تنعكس فلسفة الحضارة الغربية وتصوراتها على كافة العلوم والفنون والكتابات الأدبية والتربوية؛ فعندما ندرس مثلا فكر الكاتب والفيلسوف الأمريكي وليام جيمس (1842-1910) نجده قائما على ما يسمى بالبرجماتية؛ أي تقدير المبادئ والحقائق من خلال قيمتها العملية المنفعية، ونجده بالتالي قد دعا إلى اعتماد نتائج علم النفس التجريبي في مجال التربية، وإلى توجيه الأطفال توجيها عمليا منفعيا في إطار المفهوم المادي للحياة الأمريكية.


وهناك كاتب وفيلسوف آخر اسمه جون ديوي، الذي اشتهر أكثر من غيره في العصر الحديث بنظرياته التربوية، والذي أخذت بتوجيهاته مدارس ومراكز التوجيه التربوي في الدول الناطقة بالإنجليزية، بالإضافة إلى الدول التي خضعت للاستعمار الإنجليزي كمصر والعراق والهند. ولقد أثنى عليه الدكتور فاخر عاقل في كتابه معالم التربية ووصفه بالمربي العظيم. ويحدثنا التاريخ المعاصر أن جون ديوي هذا كان من ألد أعداء المسيحية في النصف الثاني من القرن 19، ولم يسلم بسبب موقفه المتطرف من انتقادات بعض المحافظين من رواد الكنيسة الكاثوليكية، لكن نظرا لهيمنة روح الحياة المادية والمنفعية في الغرب، لقيت آراؤه التربوية العلمانية قبولا منقطع النظير.


دعا جون ديوي إلى جعل المدرسة صورة واقعية للحياة الاجتماعية، كما دعا إلى رفض كل ما يتعلق بالماضي من فكر أخلاقي أو عادات اجتماعية أو معتقدات دينية، وأن القيم يجب أن تستنبط من الحياة الواقعية، أي الحياة المادية المنفعية التي يمثل المجتمع الأمريكي ، حيث عاش جون ديوي، أسمى نموذج لها.


إن هذا المسار المادي


 والنفعي للمفاهيم التربوية الحديثة، والذي نلمس آثاره في حياتنا الاجتماعية المعاصرة، يشكل نتاجا نهائيا وتتويجا لمجهودات فكرية وفلسفية لفلاسفة وعلماء النهضة الأوربية، التي انطلقت من إيطاليا في القرن الخامس عشر الميلادي، والتي من أقطابها بترارك، وإراسم، ثم مونتاني، وفنلون، مرورا بروسو وفولتير، قبل أن ينتقل الإرث التربوي إلى فرويد وجماعة من علماء النفس والبيداغوجيين والتربويين المحدثين.


هؤلاء المفكرون والفلاسفة ابتداء من عصر النهضة، كانوا يركزون على الإنسان انطلاقا من تصور أفقي في مقابل التصور العمودي ؛ ذلك التصور الذي يربط هذا المخلوق بخالقه. فكان من البديهي أن يصاغ الفكر التربوي في إطار هذا التصور الأفقي المنصب على الأرض والمادة، وكل ما له  بالمنفعة العاجلة والمادية.


د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين جامعة القرويين/ تطوان المغرب جمادى الأولى 1435/مارس2014.


 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وتباشيره. ومما لا ش…

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954.
الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016).
المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازنـة بيـن شيخ العلـم وشيخ التربيـة : سنة 2007. 5- تجـربتـي الصوفيــة …

لماذا تركت التصوف ؟

إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com

ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !!

وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر.

وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. وفي…