التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرس أهل التراويح

 



 

 

إن أفئدة المؤمنين تهوي إلى المساجد في رمضان، وإن شعورهم بالفرح والطمأنينة، وهم يؤمون المساجد لأداء صلاة العشاء ثم سنة التراويح، شعور لا يحتاج إلى برهان كما لا يحتاج النهار إلى دليل. وما من مؤمن في مشارق الأرض ومغاربها، إلا ويتذوق حلاوة هذا العرس الإيماني من خلال أداء سنة التراويح الحميدة.

وما أجمل الأحاديث التي تدور بين المصلين في أبواب المساجد، بعد الانتهاء من صلاة التراويح؛ فهناك من يثني على الإمام وصوته الرخيم العذب، الذي يجعلك تسبح في فضاء إيماني رائع وعميق. وهناك من يحدثك عن نعمة رمضان، ومناخه الإيماني العظيم، ويتمنى لو كانت السنة كلها رمضان. ومؤمن آخر يصف لك حاله قائلا: إني لأجد في رمضان خفة في الروح والبدن، كما أجد متعة نفسية قوية، عندما أتحرر من شهواتي خلال الصوم، إلى غير ذلك مما ينساب على ألسنة المؤمنين من الكلام الوجداني، و هم يتفيؤون ظلال عرسهم الإيماني.

بعد أن تدبرت الأمر مليا، ألفيت أن الله سبحانه وتعالى، من على المؤمنين بهذا الشهر العظيم؛ شهر القرآن والتوبة والعتق من النار. إنه هدية من الله لعباده المؤمنين، وفرصة غالية وثمينة، تدعو العباد إلى الاجتهاد في التوبة والطاعة.
إن هذه الفرصة عبارة عن حمام روحي وبدني، لمن أراد أن يستحم ويتوب كي يفوز، لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له" (انظر شعب الإيمان للبيهقي).
نعم إن وسائل التوبة والإنابة، وتزكية النفس متوفرة للعبد على مدار السنة. لكنها تكون في رمضان، ذات طعم خاص وجاذبية متميزة، بحيث يسهل على من عزم على التوبة، أن يتوب، وعلى من أراد إصلاح نفسه، أن يصلحها، أو فعل خير أن يفعله.
ولذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم أكثر المؤمنين حبا لرمضان، وحرصا على الإكثار فيه من الطاعات والأعمال الصالحة. وما أن يودعهم هذا الضيف الكريم، حتى يشرعوا في دعائهم: اللهم بلغنا رمضان. !!
أخي المسلم؛ إن الله سبحانه و تعالى أهدى إليك هدية رمضان، وعبد لك طريق التوبة والعتق من النار. واعلم أن تلذذك وفرحتك ساعة فطرك وأكلك، وتنعمك حين تقبل على أداء صلواتك، وحين تستمع إلى صوت الإمام الندي، وشعورك بالسعادة والطمأنينة، وأنت في فضاء العرس الإيماني، كل ذلك لأنك في مأدبة الله !. فقد أكرمك عندما أبقاك حيا، ودعاك إليها، وشرفك بحضورها وهو ملك الملوك، وقد حرم منها خلقا كثيرا. !!

ولو اجتمع المؤمنون في كل بقاع الأرض وتضافرت جهودهم، ليجعلوا شهرا من شهور السنة أشبه برمضان، بل يوما وحدا من أيام السنة، أشبه بيوم من أيام رمضان، لما استطاعوا ولا وجدوا إلى ذلك سبيلا. فاعلم أنها مأدبة الرحمن، خصها الله في رمضان بعباده؛ عباد الرحمن. !!
فاجتهد أن تكون منهم، واشكر الله على دعوته إياك. وإلا فقد يحول الموت بينك وبين تلبيتك لدعوة أخرى، فقد تموت وأنت غير تائب، فالله الله، وما أراك تطيق الحرمان الأخروي، ولا رؤية مالك؛ "يا ما لك ليقض علينا ربك، قال إنكم ماكثون" !!(الزخرف، آية 78).

تلك كانت نفحة من نفحات رمضان، زارتني عقب صلاة التراويح، فسطرتها على التو، وهي في كامل توهجها، وأهديتها إليك أخي القارئ الحبيب، سائلا الله أن تتوهج في صدرك مثل ما فعلت في صدري.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب، رمضان 1433المبارك-غشت 2012.

تعليقات

  1. ماشاءؤ الله سي عبد الله الله لا يحرمنا منكم

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال