التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الزمن في بعده الإيماني والذوقي



 

 

من المسلمات أو البديهيات العقلية أن الزمان ذو أبعاد ثلاثة : ماض وحاضر ومستقبل. وهي عبارة عن ثلاث محطات مرتبطة أو ثلاث حلقات في سلسلة واحدة، والإنسان لا ينفك متنقلا بوعيه بين تلك المحطات الثلاث. فبينما هو في حاضره إذا به منجذب نحو الماضي أو هائم في فضاء المستقبل. فتجده لا يمل من اجترار بعض الأفكار المتعلقة بوقائع وأحداث معينة ماضية، لها علاقة بشخصيته؛ إما متلذذا بتذكرها إن كانت سارة، أو متألما إن كانت مقلقة أو محزنة. كما تلقاه في لحظات أخرى قد ألقى بنفسه في بحر المستقبل، وأطلق العنان لخياله كي يداعب ما يجود به ذلك البحر من نسمات وأحلام. وقد يكون استدعاء الماضي واستحضاره أو التحليق في فضاء المستقبل مما يعين الشخص على تحقيق هدف من الأهداف أو وضع أسس لأفكار وتصورات بناءة، وهذا ما نلمسه في سير الأبطال والقادة، أو العلماء والدعاة. بيد أن عامة الناس ممن ابتلوا بهذا الأمر؛ أي استدعاء الماضي أو التحليق في المستقبل، لا يجنون أي فائدة، بل يلحقون الأذى بذواتهم خاصة عندما يغدو ذلك الأمر وسواسا من الوساوس وهنا تضعف شخصيتهم وإرادتهم، ويصبح وجودهم ثقلا على المجتمع.
ثم إن الشخص المريد البناء لا يلتفت إلى الماضي، أو يرنو إلى المستقبل إلا وهو مشدود بحبل متين إلى حاضره، بل تجده لا يؤمن ولا يقدس إلا الحاضر، بحيث أن الصور والمعاني الملتقطة من الماضي أو المستقبل سرعان ما تذوب في اللحظة الآنية ويبقى الحاضر هو المهيمن والمطلق.

وعندما يستولي اليقين على القلب يمتلئ نورا وإشراقا ومحبتا لله، ورضا وشكرا، وتنتفي عنه الشكوك والهموم والغموم. ومن ثمراته أنه يدعو إلى قصر الأمل والزهد والتوكل والصبر، ثم إن استحضار حال اليقين والتحقق به، وممارسته يجعلك ممسكا بناصية الزمن الحاضر أو اللحظة الآنية، أو الساعة التي أنت فيها وما ضيع المسلم هذا الكنز إلا بضعف اليقين، ولذا تجده يحس بسرابية الزمن الحسي! الذي ينسرب من بين أصابعه انسراب المياه الجارية؛ فلا تكاد يده الإمساك بلحظة واحدة منه. إنه يفلت من بين يديه وهو في ذروة الاعتقاد بامتلاكه! يالها من مراوغة الزمن الحسي ولو كان العبد من الموقنين بالآخرة لأفلح في إمساكه بلحظة الآن ولاحتفظ بحضورها وعمقها وخصوبتها، بل وتجددها وتدفقها وحيويتها. لأن المسلم عندما يوقن بالآخرة فإنه يستحضرها في قلبه، ويتمثل عظمتها ومشاهدها، ويسيح في أرجائها ويشرب من رحيقها، ويتذوق نعيمها وحلاوتها، ثم يفيض على قلبه من معانيها وحقائقها ما يزيده ثباتا وأنسا ويقينا. إن الآخرة خارجة عن مفهوم الزمن الدنيوي وبالتالي فإن المسلم الذي يستحضرها بعمق يسبح لا محالة في فضاء الزمن الثابت أو اللازمن مما يجعله يحس ويشعر بثبات الزمن في دنياه فيمسك دائما باللحظة الآنية).
إن هذه المعاني والحقائق المتدفقة عندما تنسكب في شغاف قلبه ويرتوي بها كيانه، وتلهج بذكرها ألسنة خلاياه، تثمر معرفة لا عهد للعقل بها، أي لا تدخل في دائرة المعرفة العقلية، وإنما هي من ثمار المعرفة القلبية الثابتة اليقينية.

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف: "تجربتي الصوفية"/ منشورات الزمن، الرباط 2011.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال