التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شهوة الكلام بين المباح والحرام


شهوة الكلام بين المباح والحرام


الشهوة إسم لشيء معنوي غريزي قائم في الإنسان والحيوان. وكما أن الإنسان مخلوق ناطق وعابد بالطبع (لربه أو لهواه)، فهو أيضا إنسان شهواني بالطبع، لا ينفك يشتهي؛ أي مجبول على طلب الشهوات المادية والمعنوية،النافعة والضارة، أو الطيبة والخبيثة.

ولقد أكرم الله الإنسان وميزه بكثير من الخصائص والهيئات والصفات، التي من بينها صفة الكلام. واقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن جعل الحواس طريقا أو أداة لتحقيق الشهوة أو الرغبة، اختبارا وابتلاء. ذلك أن الإنسان، مثلا، عندما يطلق بصره وينظر إلى شيء : جبل، سيارة، حيوان... يكون راغبا في ذلك أو مشتهيا له. وكذلك فيما يتعلق بالسمع. بل حتى التفكير والتأمل في الخواطر النفسية، لا يخلو من عامل الشهوة والرغبة، لا سيما إذا تعلق الأمر بالخواطر المرغوب فيها.

وبعبارة أخرى يمكن القول؛ إن عنصر الشهوة حاضر في الإنسان ومهيمن عليه. بل لعله من أقوى الدوافع النفسية لممارسة السلوك الإنساني، خاصة إذا طابقنا بين مفهومي الشهوة والرغبة. وما دام الأمر كذلك، أي هيمنة عنصر الشهوة وحضوره الدائم في كيان الإنسان، فإن المسلم ملزم باستحضار شريعة الله وأوامره ونواهيه، وبكبح جماح نفسه وتهذيبها، كي لا تمسي ضحية أو فريسة هذا العنصر الغريزي.

فالكلام، انطلاقا من شريعتنا الغراء؛ مباح ومندوب ومكروه وحرام. والشهوة، تلك الغريزة القوية، مخلوق غير عاقل لمخلوق عاقل ومسؤول هو الإنسان. إن المسلم إذا لم يتدخل بإرادته، مستعينا بالله، في أمر شهوة الكلام، ويضبطها ويقيدها ويسيجها بسياج الشريعة، ستكون وبالا عليه، وقد تهلكه وتلقي به في النار. وقديما قيل: "ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل"، وهو قول لابن تيمية، أي أنك، والسياق هو الكلام، إذا لم ترغب في الكلام الطيب وتشتهيه وتمارسه، فإن نفسك ستشغلك بالكلام الساقط أو المذموم أو الفاسد، وترغبك فيه، وتستميلك إليه حتى تشتهيه وتتلفظ به لا محالة. ولذا حثنا الله عز وجل على الإكثار من الذكر الذي من مقاصده؛ منع النفس الأمارة من السيطرة على القلب. قال تعالى: "ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا" (الأحزاب 41)

إن الإنسان من حيث أفعاله وسلوكه، مخير بين أمرين: إما أن يرغب في الخير ويشتهيه، أو يرغب في الشر ويشتهيه، إذ الشهوة غريزة وطاقة نشيطة ومتدفقة ملازمة لجوهر الإنسان ، والإنسان يستعملها كما يشاء، ويوجهها الوجهة التي يريد، وهو مكلف ومسؤول عن أفعاله ومحاسب عليها.

ومن لطف الله وعنايته بالإنسان، أن مكنه من ناصية هذه الغريزة الشهوية بحيث إذا عزم على سلوك طريق الخير، واجتهد في ذلك، وجاهد نفسه وأرغمها على الخضوع، انقادت له حتى تغدو الشهوات والرغبات الطيبة؛ المباحة والمندوبة، محبوبة لنفسه ومفضلة لديها. والعكس صحيح؛ أي إذا اختار الإنسان طريق الشر، واشتهى الذنوب والمعاصي ورغب فيها، استجابت نفسه لذلك،  وأضحت الرغبات والشهوات الخبيثة والمحرمة محبوبة لديها. قال تعالى: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" (الشمس 7-10).

إن الإنسان إذا عود نفسه على الكلام الطيب، وعلى ذكر الله، واجتنب الكلام الخبيث المذموم والمحرم؛ كالغيبة والكذب والنميمة، وما يتعلق بالعجب والكبر والغرور والرياء... أخضع شهوة كلامه لما يرغب فيه من الكلام الحسن المحمود، وملك ناصيتها، وغدا يتنعم ويتلذذ بألوان الكلام الطيب. بل تصبح شهوة الكلام خادمة ومعينة له على فعل الخيرات.

والخلاصة أن الإنسان المسلم مالك لشهوة الكلام وغيرها من الشهوات، مكيف لها وموجهها الوجهة التي يرغب فيها. فإذا كان مسلما عاقلا ذاكِرا، مريدا للخير، تقيا نقيا، تناول شهوته ومارسها موجها إياها الوجهة التي ترضي الله ورسوله. أما إذا كان مسلما غافلا عاصيا، بعيدا عن تقوى الله، تناول شهوته سالكا بها طريق الغي والضلالة.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، محرم 1439، شتمبر 2017.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال