ذوق الإيمان وطعمه

0

 بسم الله الرحمن الرحيم


"ذوق الإيمان وطعمه"


ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته، فذكر الذوق والوجد وعلقهما بالإيمان، فقال: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا" ، أي أن للإيمان طعما، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم الطعام والشراب. قال محمد بن قيم الجوزية: "ثم ذكر أهل الإيمـان الذين ذاقوا طعمه، وهم الذين آمنوا به وبرسوله. ثم لم يرتابوا في إيمانهم. وإنما انتفى عنهم الريب: لأن الإيمان قد باشر قلوبهم. وخالطتها بشاشته. فلم يبق للريب فيه موضع. وصدق ذلك الذوق: بذلهم أحب إليهم في رضى ربهم تعالى؛ وهو أموالهم وأنفسهم. ومن الممتنع حصول هذا البذل من غير ذوق طعم الإيمان، ووجود حلاوته. فإن ذلك إنما يحصل بصدق الذوق والوجد. كما قال الحسن: "ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدقه العمل".
لا شك أن طائفة أهل الرقائق الذين يحيون التجربة الروحية دون انقطاع، وذلك من خلال مجاهدة النفس وتزكيتها، يغدون ويروحون متفيئين ظلال مقامات روحية سامية من زهد وورع، وأنس، ومحبة، وخوف، ورجاء، وصبر، وشكر، وتوكل، وحياء، وتواضع، وذكر، وتفكر، وتفويض، وسكينة، وطمأنينة... إن هذه المعاني الشريفة المتأصلة في الكتاب والسنة، قد باشرت قلوبهم وذاقوا طعمها الإيماني، وسرى الذوق في كيانهم، وهو ما يعبر عنه أحيانا باللذة الروحية العارمة. والذوق الإيماني من الموضوعات التي يستعصى وصفها على العقل، لأن جذورها عميقة في أرض الوجدان، أما كلام أهل الرقائق عنه فإنه لا يعدو أن يكون مجرد إشارات وتلويحات.
ومثل الذوق الإيماني في الاستعصاء على العقل، كمثل الانفعال. يقول الأديب الناقد إيليا الحاوي متحدثا عن طبيعة الانفعال الجمالي: "إن الانفعال هو في أصل كل تجربة جمالية، ونفهم بالانفعال تلك الحركة الشعورية التي تطغى على النفس وتسيطر على قواها، فتَرْتَهِنُها لحتميتها وتولد فيها يقينا خاصا بها. وبكلمة موجزة؛ الانفعال هو ما تعانيه النفس معاناة ولا قبل لها بفهمه فهما، أو أن ما تفهمه منه ليس سوى أشلائه، والجزء الساقط الذي لا ينطوي على أي شيء من حقيقته. فالانفعال هو حالة كلية قائمة بذاتها، تكون في النفس حالة فيها، هي وإياها يقين واحد، فإذا ما اعتكف عليها العقل ليفهمها تجمدت وتبدلت وعادت حالة أخرى، وما يقع بين يدي العقل منها هو الجزء المادي أو الجزء الذي يلائم طبيعة العقل، بل إن ما يتلمسه العقل لا يلمس شيئا من حقيقة تلك المعاناة. مثال ذلك أن يحاول العقل فهم التجربة التي تستولى على النفس في حالة من أحوال الثكل. إن تلك الحالة هي شديدة التعقيد والتداخل في النفس. بل إنه لا حد لها، وكل ما يقبض عليه العقل منها هو القول أن تلك المرأة الثاكل هي في حالة حزن شديد، أو إنها في حالة يأس وافتقاد، وإنها فاقدة العزاء. وذلك كله لا يعدو الكلام الأخرس الأصم، كأن المرء لم يقل به شيئا عن حقيقة ما تعانيه تلك المرأة" .

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف/ ربيع الأول 1433- فبراير 2012/ تطوان المغرب

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق