الإتنولوجيا والأنتربولوجيا في المغرب

0
1- النشاط الإتنولوجي والأنتربولوجي فيما قبل الاستعمار:

تعريف الإتنولوجيا والأنتربولوجيا:مما لاشك فيه أن الانقلاب الاجتماعي والفكري الذي عرفه الإنسان الغربي في عصر النهضة الأوربية وبعدها، كانت له نتائج مختلفة سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو المعرفي. ففيما يتعلق بالمعرفة، كانت هناك في البداية ثورة في مجال الأدب الشعري والنثري، ومن روادها الأوائل (دانتي) و ( بترارك) الايطاليين. ثم بعد ذلك سيطرت المعرفة الفلسفية والعلمية قبل أن يأتي دور العلوم الإنسانية ابتداء من منتصف القرن الثامن عشرالميلادي. وفي رأيي أن العلـوم الإنسانية الغربية يمكن تقسيمها من حيث عوامل النشأة إلى قسمين: قسم مرتبط بالإنسان الغربي المحض، مثل علم الاقتصاد وعلم التاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع . وقسم مرتبط بعلاقة الإنسان الغربي بالآخر؛ مثل الاستشراق والإنتولوجيا والأنتربولوجيا، وهذا ما يفسر تزامن وازدهار هذه العلوم الثلاثة مع تطور الحركة الامبريالية الاستعمارية.

ومن ناحية أخرى فإن الإنسان الأوربي عندما أقام القطيعة الروحية مع السماء، وثار في وجه الدين وألغى التصور العمودي للإنسان، شرع في بناء التصور الأفقي. وبما أن أوربا كانت قبل نهضتها خاضعة للكنسية التي كانت تتحكم في رقاب الناس وتستعبدهم باسم الدين المسيحي، وتحرم عليهم تعاطي المعرفة وممارسة الحرية الفكرية، كـان الأوربي نتيجة لذلك يعيش حياة تنعدم فيها الشروط الضرورية لمعنى الإنسان. ومن هنا لما ثار في وجه الكنيسة، ولى وجهه شطر الإنسان الذي أصبح محور تفكيره ونشاطه. لقد فكر الرجل  الغربي الذي حطم قيود الكنيسة وبدد حجب  الظلام والجهل، والذي اكتشف إنسانيته وذاته وحريته، فكر هذا الرجل في إقامة التصور الأفقي. إن مسيرة تأسيس هذا التصور بعد أن مرت بالمرحلة الأدبية والفلسفية  ثم العلمية، ولجت مرحلة العلوم الإنسانية. ولكي يكون بناء هذا التصور الأفقي للإنسان متين الأركان والقواعد، فكر الرجل الغربي في الاستفادة من تصور الأجناس الأخرى لمفهوم الإنسان، وفي إجراء مقارنة بين التصورين. وبعبارة أخرى إن علمي  الأنتروبولوجيا والإتنولوجيا بالإضافة إلى ارتباطهما بالنزعة الاستعمارية، يمثلان مرحلة حاسمة من مراحل تكوين التصور الأفقي عند الإنسان الغربي.

بيد أن الباحث الأنتربولوجي والإتنولوجي لم يكن أثناء اطلاعه على عادات وتقاليد وأفكار الأمم  الأخرى متصفا بالموضوعية التامة، وإنما كان ينطلق من مركزية  الإنسان الأوربي وعلو مكانته، وبصفته النموذج الأعلى للانسان. ومن هنا سهل الالتحام بين أهداف هذين العلمين وأهداف الامبريالية والاستعمار. ومازال الباحثون الأنتربولوجيون في أوربا وأمريكا إلى حـد الآن يسخرون أبحاثهم ونشاطاتهم ـ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ـ لخدمة مصالح الغرب وسياسته[1][1].

ويعرف (أندريه لالند) الاتنولوجيا بأنها:  »دراسة وتحليل الظواهر التي وصفتها وجمعتها الاتنوغرافيا. وتعني الاتنوغرافيا دراسة وصفية  لعادات وثقافات مختلف شعوب العالم»[2][2].

ويعرف الانتربولوجيا بأنها: «دراسة المجموعة الإنسانية دراسة شمولية ومفصلة، وكذلك في علاقاتها مع الطبيعة ... وتضم الانتربولوجيا علم التشريح وعلم ماقبل التاريخ والاتنوغرافيا والاتنولوجيا في مفهومها الواسع، وعلم الاجتماع والفولكلور واللسانيات» [3][3].

ومن الناحية الاشتقاقية، فإن مصطلح الاتنولوجيا يعني علم السلالات والأعراف البشرية أما مصطلح الانتربولوجيا فيعنى علم الإنسان.إلا أنه لوحظ في العقود الأخيرة، بأن كثيرا من الباحثين الانتربولوجيين يستديرون نحو دراسة المجتمعات المسماة "متمدنة". كما أن الأنتربولوجيا ترمي إلى معرفة الإنسان معرفـة شاملة، تشمل شخصه بامتداده التاريخي والجغرافي كله، متطلعة إلى معرفة يمكن تطبيقها على مجمل التطور البشري. وتعتمد الانتربولوجيا في صياغة نظرياتها على أبحاث ودراسات الإتنولوجيا التي بدورها تعتبر أول خطوة لتركيب وتنظير نتائج ومعطيات الإتنوغرافيا، ويمثل هذ العلم الأخير أي الإتنوغرافيا المرحلة الأولى في الدراسة الانتربولوجية العامة، إذ أن مهمة الاتنوغرافي تتعين في الملاحظة والوصف والعمل الميداني. ومن ناحية أخرى يمكن القول بأن الإتنوغرافيا والإتنولوجيا والأنتربولوجيا لا تؤلف ثلاثة فروع علمية مختلفة أو ثلاثة مفاهيم مختلفة ومتباعدة، بل هي في الواقع ثلاث مراحل أو ثلاث لحظات لبحث واحد، وايثار هذا اللفظ أو ذاك يعبر فقط عن اهتمام مهيمن يتجه نحو نمط من البحث لا يستبعد النمطين الآخرين بأية حال.

أما من حيث طريقة البحث، فإن الانتربولوجيا قد استخدمت المنهج الانتشاري، ثم المنهج التطوري قبل أن تعرف المنهج الوظيفي. وابتداء من الاربعينات اطلع (كلود ليفي ستراوس) على النتائج التي توصلت إليها علم اللغة أو الألسنيـة من خلال تطبيق الطريقة البنيوية، فأعجب بها، ومن ثم فكر في تعميم هذه الطريقة على الدراسات الأنتربولوجيةلاتتوفر لدى الباحثين معلومات عن ظهور كتابات أوربية عن المغرب قبل القرن الثامن عشرالميلادي. والظاهر أنها نادرة جدا لعدة أسباب من بينها أن الأوربيين لم يكن من عادتـهم ارتياد المغرب وقتئد، كما أن الصورة التي كانت عندهم حول البلد لم تكن تشجعهم على ذلك، خصوصا بعد اندحار الجيوش النصرانية في معركة وادي المخازن. معنى هذا أن المغرب ظل يحتفظ بصورته المهيبة إلى منتصف القرن التاسع عشرالميلادي حيث أفلت هذه الصورة وبدا  للأعداء أن الأسد لم يعد قادرا على مغادرة عرينه. وكانت وقعتا ايسلي وتطوان اللتان سبقت الإشارة إليهما، إيذانا بذلك الأفول. ولعل كتاب (ليــون الافريقي) عن المغرب الذي ترجم إلى الفرنسية سنة 1556م، يعتبر الكتاب الأول والوحيد الذي تعرض فيه مؤلفه لعادات المغرب وتقاليده ونظمة وثقافته بطريقة مستفيضة.

ومع حلول القرن الثامن عشر الميلادي الذي سجل تطورا هاما في علاقة المغرب التجارية والدبلوماسية مع دول أوربا، بدأت أقدام التجار والسفراء والقناصل وبعض الرحل، وكذا بعض أسرى القرصنة، تطأ أرض المغرب. وعند رجوع هؤلاء إلى إلى بلدانهم، كان كثير منهم يدونون ما عاينوه في المغرب وما خبروه عن مجتمعه. بيد أن كتابات هذه الفترة لا تدخل في إطار النشاط الاتنولوجي البحت ومع ذلك فإنها من ممهداته الأساسية.

ومن بين ما كتب عن المغرب في هذا القرن، أذكر كتاب "رحلة في امبراطورية المغرب ومملكة فاس[4][4]ومؤلفه طبيب انجليزي استدعي من قبل سلطان المغرب سيدي محمد بن عبد الله لعلاج بعض أفراد الأسرة الحاكمة. وبما أن إقامةهذا الطبيب بالمغرب دامت ما يقرب من سنتين من (1790م إلى 1791م) ، فإنه استطاع أن يطلع على وضعية البـلاد، فضمن كتابه فصولا عن التجارة والجند والدين والقوانين. وبالرغم من أن ملاحظاته كانت صائبة فيما يتعلق بتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتفشي الجهل «… وعندهم جهل مطبق بالتاريخ السياسي للدول الأجنبية …»[5][5]. إلا أن بعض أحكامه لها قرابة بجنس الأحكام التي سيصدرها عن المغرب الرحالة والاتنولوجيون في القرن التاسع عشرالميلادي. ومن ذلك قوله مثلا وهو يتحدث عن الشعب المغربي «هذا الشعب الذي كان بالامس محترما، يشبه اليوم جماعة أو عشيرة من الوحوش »[6][6]. وقوله :«هـنا في المغرب يقطن جنس مكون من الأنذال يرجعون في أصولهم إلى أولئك الأعراب المتوحشين الذين يقدمون إلى المدن الكبرى قصد السرقة وقطع الطرق»[7][7].

وفي النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي ـ خصوصا بعد غزو فرنسا للجزائر سنة 1830م ـ أصبح المغرب مركز اهتمام الدول الأوربية أمثـال فرنسا و إنجلترا وألمانيا وإسبانيا، التي اشتـد التنافس بينها حول السيطرة على ترابه واستغلال خيراته. ومن هنا شجع المسؤولون في تلك الدول، الباحثين الإتنولوجيين على القيام برحلات استكشافية وتحرير دراسات اجتماعية تدور حول نظم المغرب وعاداته ودينه وأساليب حياته في المدن والقرى. ولم يكد القرن التاسع عشرالميلادي يشرف على النهاية حتى كانت المكاتب والجهات المسؤولة في أوربا تضم مآت الكتب والنشرات عن المغرب. ويذكر (أوجست مولييرا (أن بيبليوغرافيا (بلايفير)  تشتمل على ألفين وثلاثمائة كتاب متعلق بالمغرب[8][8].

ولابأس من الحديث عن بعض هؤلاء الرحالة الاتنولوجيين حتى تتضح الصورة عن أهمية أعمالهم ومجهوداتهم بالنسبة لحكوماتهم. فمن بين الألمانيين الأوائل مثلا، يبرز إسم (هينريخ بارت)   الذي قام «بجولات بالمغرب فوصل طنجة في غشت 1845م، وزار كلا من تطوان وأصيلة والعرائش وغيرها...»[9][9]. ومن بينهم أيضا (ماكس كويدنفيلت)  الذي قام هو الآخر بجولات كثيرة في المغرب.

ولم يكن الإنجليز أقل اهتماما من الألمان بهذا الجانب، فقد توافد عدد كبير منهم إلى المغرب طوال القرن التاسع عشر الميلادي سواء في إطار مهمة دبلوماسية أو استكشافية أو اتنولوجية محضة. ومن بين هؤلاء (جميس كراي جاكسون)  الذي ساح في المغرب وكتب حوله كتابه: "عرض عن إيالة المغرب" سنة 1814م. ومنهم (وولتر براد هاريس)  الذي استوطن طنجة سنة 1887م، وظل فيها مراسلا للتايمز قرابة أربعين سنة. وأثناء مقامه بالمغرب، قام بجولات داخل أهم مدنه وقراه. وضمن ملاحظاته وتقاريره في مقالات وكتب عدة أهمها "المغرب البائد ".

ولعل حصة الأسد في مجال البحث الإتنولوجي والأنتربولوجي بالمغرب، كانت من نصيب فرنسا، حيث أن عدد الرحالة والدارسين الفرنسيين ظل في اطراد مستمر مع نهاية القرن التاسع عشرالميلادي وقبيل الاستعمار. ويعلل تقلص نسبة الانجليز والألمان بكون الحكومتين الإنجليزية والألمانية إلى حدود تلك الفترة -كانتا قد يئستا من محاولة وضع حماية على المغرب، وأن فرنسا ـ بالاتفاق مع إسبانيا ـ  ستكون المرشحة لتلك الحماية. غير أن هذه الامور كما هو معلوم تم تهييئها والمصادقة عليها من طرف أهم الحكومات الأوربية والتي اجتمع ممثلوها في مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 لهذا الغرض.

ويعتبر (رايموند توماسي)  من الباحثيين الاتنولوجيين الذين أسدوا خدمات جليلة لدولتهم ابتداء من النصف الأول للقرن التاسع عشرالميلادي.        له كتاب تحت عنوان "العلاقات السياسية والتجارية لفرنسا مع المغرب" طبع سنة 1840م. يقـول (جرمان عياش) متحدثا عن تـومـاسي هـذا: « فبينما لم تكن الحرب قد وضعت أوزارها في الجزائر، كان الغزاة يتطلعون إلى المغرب بأعين جاحظة. ومنذ النصف الأول من القرن الماضي، وجدنا الفرنسي توماسي ، رائد العقلية الاستعمارية، يبين كيف ستتحول الأمور في هذه الجهة {....} ويقول المؤلف (أي توماسي) " إنه لمن قبيل الخيال فعلا الاعتقاد بأن الإسلام لن يحرك ساكنا إلى أن يلفظ أنفاسه كما يطيب لنا دون أن يخوض معركته الأخيرة، وحيث إن المغرب يعد ذرعه الخلفي في افريقيا، وأحد جيوشه الاحتياطية، فعلينا أيضا أن نستعد للحروب الحاسمة التي ربما يكون هذا البلد مسرحا لها ذات يوم، وستكون فرنسا مدعوة لا محالة لتمثل فيه المسيحية ولتحارب كبطل للحضارة {...}. إن العلم هو أحد هذه الأسلحة وأول سلاح ينبغي توظيفه، لأنه هو الذي سيعمل على تعبيد الأرضية التي يتعين الزحف إليها " ».[10][10]

يتبين للقارئ من خلال هذا النص أن توماسي كان فعلا رائدا للعقلية الاستعمارية، كما عبر بكلام جلي عن الوظيفة الأساسية للاتنولوجيا والتي تتخلص في « تعبيد الأرضية وتمهيد الطريق لسيطرة الرجل الغربي » على الشعوب الضعيفة، وكلامه غاية في تحميس وتشجيع الإدارة الفرنسية للاستيلاء على المغرب. ويعتبر (شارل دوفوكو) أغرب شخصية إتنولوجية وتنصيرية في نفس الوقت، عرفها المغرب في مرحلة ماقبل الاستعمار، حيث ظل أربعين سنة يمارس الطواف والترحال بين مدن وقرى الجزائر والمغرب متنكرا مرة بزي الرهبان، وأخرى بزي الأحبار. كان دوفوكو هذا رجلا من أهم رجالات الاستخبار، وقد سمحت له علاقاته المتينة مع بعض شيوخ القبائل ورؤساء الطرق الصوفية، وغيرهم من الأشخاص أن يكتسب معلومات هامة عن وضعية المغرب السياسية والاجتماعية. وبعد تنقيح هذه الأخبار وتنظيمها، يبعث بها إلى ساسـة فرنسا وقوادها العسكريين. ولا يذكر التاريخ أن أحدا من الرحالة الإتنولوجيين كان متفانيا في عمله تفاني هذا الرجل. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنه كان، إلى جانب مهامه السياسية، مخلصا في عمله التنصيري، ويأمل أن تصبح شمال إفريقيا بلدا مسيحيا، كما أنه كتب كتابا بعنوان: "معرفة أو استكشاف المغرب".وقد يكون (هنري دو كاسطري)  أهم دارس فرنسي اهتم بالبحث الإتنولوجي والتاريخي للمغرب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القـرن العشرين. وكـان أهم وأضخم عمل قام به أنه نشر ـ بمساعدة (دو سينفال) ـ  دراسة وثائقية عن تاريخ المغرب في ثلاثين مجلـدا بعنـوان : "المـصـادر الغمـيسـة لتـاريـخ المـغـرب "[11][11]sources inedites de l'histoire du maroc ، في مجموعتين؛ المجموعة الأولى متعلقة بالعهد السعدي، والثانية بالعهد العلوي إلى حدود النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي.

2ـ النشاط الإتنولوجي والأنتربولوجي في فترة الاستعمار.كان من الطبيعي أن يستمر هذا النشاط بحلول المرحلة الاستعمارية. بل إنه ازداد كثافة وعمقا لكون المستعمر أضحى محتاجا أكثر فأكثر إلى الدراسات والبحوث حول عقلية المغاربة ونقط قوتهم وضعفهم، لإتمام وإحكام السيطرة عليهم. وبهذا الاعتبار يكون الأدب الاتنولوجي الذي عرفته هذه المرحلة أدبا ايديولوجيا يخدم مصالح المستعمر بصفة مباشرة.

لقد كان دور الباحث الاتنولوجي ـ بالنسبة للمستعمرـ لايقل أهمية عن دور كولونيل في الجيش. وقد يكون الأول أكثر قيمة من الثاني، لأن هذا الأخير لا يخطو خطوة إلا بعد أن يعبد له الباحث الاتنولوجي الطريق، ويقدم له وصفا دقيقا للناحية التي يقصدها أو ينـوي محاربة أهلها. ومن هنا خصصت إدارة المستعمر أموالا طائلة في سبيل البحوث الاتنولوجية والانتربولوجية والنشرات المتعلقة بها، وكذا إنشاء مؤسسات لتكوين وتأطير الباحثين. وهكذا استمرت "البعــثة العلمية " Mission Scientifique التي تأسســت قبـل الإســتعمار بسنوات، في نشاطـها وبحــثها، وبقيت مجلة "الــوثائق المــغربــية"  Archives Marocaines التي ظهرت سنة 1904م تشق طريقها إلى منتصف الثلاثينيات. ولم تترك هذه المجلة مجالا من المجالات الاجتماعية المغربية دون دراسة وتحليل. فنشرت مقالات مطـولة عن تقاليد المغرب وأعرافه في المدن و القرى، وكتبت عن الدين وعن كيفية ممارسته لدى المغاربة، كما أسهمت في الكتابة عن الزوايا والطرق الصوفية والشيوخ وتأثير ذلك في عقلية المغاربة،  وتناولت بالنسبة للجانب الاقتصادي الحرف والمهن التقليدية وبعض أنواع التجارة في المدن ثم أساليب الزراعة والنشاط الفلاحي في البوادي إلى غير ذلك من المواضيع... وانصب النشاط الاتنولوجي والانتربولوجي أيضا على عنصر البربر وما يتعلق به من خصائص اجتماعية وثقافية خصوصا بعد تأسيس المدرسة الفرنسية البربرية بالرباط سنة 1914م التي كانت تصدر مجلة شهرية تحمل اسم "الوثائق البربرية"، حيث بسطت المعلومات والأخبار والدراسات الانتربولوجية عن النواحي البربرية. وبعد ذلك أطلق على هذه المدرسة سنة 1920م اسم "المعهد العالي للدراسات المغربية". ولقد لعب  المعهد دورا أساسيا فيما يتعلق ب "سياسة وحرب التهدئة"، التي كانت تستهدف إخضاع القبائل البربرية غير المسلمة. وهكذا ظهر كثير من الباحثين الذين يتقنون اللهجات البربرية والذين قاموا بمجهودات جبارة في سبيل قهر تلك القبائل.

» وسار الاستعمار الفرنسي في هذا الاتجاه وذلك من خلال:1 ـ عزل العربية عن الحياة العامة في التعليم والادارة وغيرها كما هو معروف في الأقطار الثلاثة: المغرب ـ الجزائر ـ تونس.

2 ـ محاولة جعل البربرية كبديل عن العربية حيث كتبت بحروف لاتينية، وصارت تدرس بصفة رسـمية سنة 1913م بمعهد الدراسات الشرقية ببــاريس، وقام (أنـدريه باسي)  » بنشاط حثيث طوال إقامته بأرض المغرب العربي لتحقيق هذا الغرض والذي مارس هو الآخر تدريس اللهجات البربرية بالمعهد المذكور. ولم يكتف المستعمر بذلك، بل أنشأ في نطاق هذا المخطط "متوسطة أزرو" بمراكش لتعليم اللهجات البربرية.

وفي سنة 1925م أدمجت مادة اللغة البربرية في مقــــررات معهد الدراسات العليا بمراكش.

والاستعمار الفرنسي لا يقصد من وراء اهتمامه المزعوم، تطوير البربرية وجعلها أداة لغوية مقتدرة، وإنما اتخذها كخطوة تكتيكية لعزل العربية، مما يفسح له المجال لإحلال الفرنسية محل الإثنتين، وليس هذا القول مجرد استنتاج تم التوصل إليه من خلال التحليل لأساليب الاستعمار الثقافية في المنطقة، وإنما هو حقيقة تضمنتها مخططاته المبيتة قد عبر عنها الأستاذ (جود فري ديمونبين)  بصورة لا لبس فيها بقوله: يجب أن تقوم اللغة الفرنسية لا البربرية مقام اللغة العربية كلغة مشتركة وكلغة للمدنية (...)وعلى صعيد آخر فقد أنشأ الاستعمار الفرنسي ما سمي "بالمدارس البربرية" وهي مدارس لا تدرس البربرية ولا يدرس بها، وإنما سميت بذلك، والهدف منها فرنسة أبناء البربر لا غير، وهذا ما عبر عنه الكومندان "مارتي" أحد كبار دعاة السياسة البربرية، وما عبر عنه أيضا الكومندان "مارتي"  بقوله: إن المدرسة الفرنسية البربرية هي مدرسة فرنسية بتعليمها وحياتها، بربرية بتلامذتها وبيئتها .« [12][12]

وإذا كانت الدراسات الانتربولوجية قد شملت كل الميادين الاجتماعية والدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية، فإن هناك ثلاثة محاور استقطبت اهتمام أغلبية الباحثين وهي محور النظام القبلي، ومحور الزوايا والأضرحة والممارسات الصوفية، وأخيرا محور عقلية المغرب ونفسيته[13][13].

فيما يخص النظام القبلي نجد أن فترة الاستعمار تشهد اهتماما ملحوظا من قبل الباحثين الفرنسيين برجل البادية ونمط حياته وتفكيره. وإذا كان عالم القرية قد خضع للدراسات الأجنبية خلال القرن التاسع عشرالميلادي، فإن الحاجة إلى فهم أعمق للمكونات الأساسية للبادية المغربية غدت أكثر إلحاحا في الفترة الاستعمارية. ومما لا ريب فيه أن المطلع على تآليف الاتنولوجيين في هـذا الباب، قد يعجب  لكثر ما كتب عن هذا العالم الذي يشكل عدد أفراده ثلثي سكان المغرب. وتحتوي هذه التآليف على تحاليل شاملة ودقيقـة لكل جوانب الحياة في القرى وما يسودها من عادات وتقاليد، وما تحكمها من علاقات داخلية ومع السطلة.بيد أن هؤلاء الباحثين لم يلتزموا الموضوعية والنزاهة العلمية فيما كتبوا، أو بعبارة أخرى لم يستطيعوا التحرر من الشروط والتوجهات التي تمليها عليهم إدارة المستعمر. ومن بين المفاهيم المغرضة التى كرسوها في تحاليلهم؛  مفهوم الصراع وانعدام الأمن والنظام، وهنـاك في تصورهم أربعة أنواع من الصراعات المستمرة. أولاها الصراعات بين قبيلتين أو قبائل بربرية، وثانيها صراعات بين قبيلتين أو قبائل عربية، وثالتها صراعات بين قبيلتين أو قبائل إحداهما عربية والاخرى بربرية، ورابعها صراعات بين القبائل والسلطة المخزنية. صحيح أن العلاقات ـ قبل الاستعمارـ بين القبائل أو بينها وبين المخزن كان يسودها الفوضى والاضطراب، كما تميزت بشيء من التمرد من قبل البادية. لكن الحالة لم تكن بالشكل الذي صوره الباحثون في القرن التاسع عشر وبداية العشرين الميلاديين.

والحقيقة هي أن ذلك التصور المفتعل كان ضروريا لتبرير التدخل الأجنبي في شؤون المغرب الداخلية ثم في استعماره. وبالتالي لم تكن مسألة " بلاد المخزن" و"بلاد السيبة" كما صورها الاتنولوجيون أكثر من فكرة مختلقة استغلت لأغراض استعمارية؛ «إن الأجانب الذين وصفوا المغرب في القرن 19 ومؤرخو الحماية من بعدهم ركزوا على قضية تطور الفوضى وانقسام الدولة إلى "بلاد المخزن" و"بلاد السيبة". لكنه إذا كانت بعض القبائل ترفض أداء الضرائب أو تثور في وجـه القواد المعينين من قبل السلطان، فلا يعني أن سلطة هذا الأخير متنازع في شأنها، على العكس من ذلك نجد أن الكل يعترف بأن السلطان هو الرئيس الأعلى {...} ثم إن تطور "السيبة" وانتشار الاحداث قبيل الاستعمار له علاقة بمكائد المستعمر ومؤامراته الهادفة إلى تمهيد الغزو «[14][14].وفيما يتعلق بالجانب الديني عند المغاربة، كان اهتمام الباحثين الفرنسيين بالزوايا والأضرحة والطرق الصوفية أكثر من اهتمامهم بالشريعة الإسلامية المحضة، وذلك لعدة أسباب، منها أن بعض الطرق الصوفية كانت تتمتع بوزن سياسي لا يستهان به حتى أن رؤساءها كانوا أحيانا يعاملون معاملة خاصة من قبل المخزن.

«إن بعض الزوايا التي عارضت سياسة المخزن من بعض وجوهها كان لها دور في معارضة السياسة الاستعمارية والتغلغل الأجنبي، وبالأخص الزاوية الكتانية. وهناك زوايا أخرى واجهت الاستعمار  الأجنبي بشكل أو بآخر، ومنها الزاويتان الكنتية والفاضلية بالصحراء الغربية والجنوبية، والقندوسية والكرزازية بالصحراء الشرقية، والتيجانية بإفريقيا الغربية وإن كانت انطلاقتها من المغرب، والريسونية بالشمال. وبرز دور أنصار الكتاني بالأطلس المتوسط خاصة في مواجهة الاستعمار لفترة طويلة. أما الزاوية الريسونية فساندت المخزن ضد السيـاسة الإسبانية التوسعية، وتـولى أحد المنتمين إلى الأسرة الريسونية مولاي أحمد معارضة السياسة العزيزية كما أزعج الأوربيين بطنجة وعرقل الإمتداد الفرنسي نحو الشمال وإن اتهم بملاينة الطرف الإسباني»[15][15].

ومن الأسباب التي دعت الباحثين الانتربولوجيين إلى الاشتغال بالمظاهر والممارسات المتعلقة بالزوايا والطرقية، كون التفكير أو نوع العقلية وأشكال الطقوس والرقصات التي يقوم بها أصحاب الزوايا، كل هذه الخصائص لها ما يماثلها عند بعض القبائل في بلدان أخرى. لقد كانت الغاية من دراسة هذا الموضوع في المغرب هي إثبات أن هذا البلد يقطنه عدد كبير من الأشخاص ذوي التفكير اللامنطقي، أو كما يعبر عنه الانتربولوجي الفرنسي (ليفي برويل)  ب" عقلية ما قبل المنطق التي يجسدها ما يطلق عليه بالإنسان البدائي".

ومن ناحية أخرى شكلت عقلية المغربي ونفسيته موضوعا جذابا اهتم به بعض الانتروبولوجيين الفرنسيين أمثال (ل. برونو) الذي كتب بحثا بعنوان "العقل المغربي: المميزات الأساسية للعقلية المغربية"[16][16]، حيث أكد أن المغاربة متعـصبون في تدينهم، وأنهم محرومون من التفكير المجرد ومن التأمل العقلي والذهني. وذهب (ج. هاردي) في العشرينيات من هذا القرن، إلى أن العقل المغربي يمقت التركيبويتضايق أو ينفر من العمليات أو الحساب الجبري. بل إن بعض هؤلاء الباحثين أمـثال (بول مارتي) أقـروا في  تلك الفترة بأن الشباب المغربي لازال يعيش في المرحلة اللاهوتية؟! استنادا إلى نظرية (أوجست كونت) عن المراحل الثلاث التي مر بها العقل الإنساني [17][17].

د.عبد الله الشارف،"الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر"الرباط /المغرب،2003، من ص 54 إلى ص 69.[18][1]ـ انظر على سبيل المثال لا الحصر. G.Balandier  *Anthropologie politique* Ed. Puf. Paris 1980J.Copans *Anthropologie et impérialisme*, Ed. Anthropos, France 1977.            [1][2] ـ André Lalande *Vocabulaire technique et critique de la philosophie*;  Ed. PUF ; France 1976 p. 306[19][3]ـ انفس المرجع ، ص62.[20][4]ـ G.Lempriere; *Voyage dans l’empire de Maroc et l’Empire de Fes*traduit de l’anglais par Sainte Suzane; Paris 1801.[21][5]ـ *Voyage dans l’empire de Maroc et l’Empire de Fes*  ص 243.[22][6]  ـ نفس المرجع .ص 82.[23][7]ـ نفس المرجع . ص 235.[24][8]ـ                         Auguste Moulieras *Le Maroc Inconnu* Oran 1895 p. 769.[25][9]ـ مصطفى بو شعراء: "الاستيطان والحماية بالمغرب"  مرجع سابق، ج 4 ، ص 1498.[26][10]ـ جرمان عياش " دراسات في تاريخ المغرب" مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء، 1986 ص 12 ـ 13.[27][11]ـ توجد نسخة من هذا الكتاب بالخزانة العامة بالرباط وأخرى بالمكتبة العامة والمحفوظات بتطوان.[28][12] ـ محمد المختار العرباوي "البربر عرب قدامى" منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، روما1993 ص 10 ـ 11.[29][13]- انظر الملحق في آخر الكتاب[30][14]ـ J.brignon, A.Amin, B.Boutaleb, G.Martinet, B.Rosemberger avec collaboration de M. H. Terrasse; « Histoire du Maroc » Ed. Hatier, Paris, 1968, p. 313.[31][15]ـ إبراهيم حركات :"التيارات السياسية والفكرية بالمغرب خلال قرنين ونصف قبل الحماية" مطبعة الدار البيضاء،1985 ص 60.[32][16]ـ L Brunot: L’esprit marocain:Les caractères essentiels de la mentalité      marocaine, Rabat , BEMT. Nov 1923,[33][17] ـ صاحب كتاب: مغرب الغد Le Maroc de demain (Paris 1926)

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق