التخطي إلى المحتوى الرئيسي

باقة من الخواطر الإيمانية

بسم الله الرحمن الرحيم        تطوان، 27 ربيع الأول 1429ه

حضرة الأخ العزيز الدكتور حسن عبد الكريم الوراكلي؛

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد،

هذه باقة من الخواطر والمناجاة جاشت معانيها في صدري، وقذف بأسرارها في قلبي، وأنا أقوم بمناسك الحج، متفيئا ظلاله، مرتويا من عيون المنن الإلهية، متأسيا ومتيمنا بالشمائل المحمدية.

لقد أحلني مولاي بيته، وبوأني كنفه، حتى شغلت بلذة أنسه عما سواها، فانجلت ظلمات الشكوك، وانحسر لثام الشبهات، وأسفر وجه اليقين وأشرق نوره. فلما استقرت في باطني بوارق اليقظة، أخذت في أهبة السفر إلى الله لا ألوي على شيء. كيف لا وقد ملأت المحبة شغاف قلبي، وسرت روحها في كياني. ثم أعقب حال اليقظة والانتباه، شعور عميق بالذل والانكسار، والخضوع والافتقار للرب سبحانه وتعالى، يقول رب العزة: " يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد". [1]

فأيقنت يقينا جازما، أن صلاحي وخلاصي، وهداي وسعادتي، بيده جل وعلا، وأن هذا الخير وهذه اليقظة منه وحده، وأن رحمته بي اقتضت تذكري له وسياقتي إليه. فالتجأت إليه لجوء المضطر، الذليل المستعطف، ووضعت خذي على عتبة العبودية، ناظرا بقلبي إلى ربي ووليي، نظر الذليل إلى العزيز الرحيم.





نظرة إلى الكعبة

نظرت إلى الكعبة نظرة أشرقت بها روحي، واهتز لها كياني، وطرب قلبي، ورقصت خلاياي، فشق علي مغادرة المكان، من شدة الأسر ووطأة الحال.فما أعذبها من لحظات، وألذها من إحساسات، وأسناها من إشراقات. فكاني باليقين قد بلغ مداه -حتى لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا- وبالشوق قد حقق مناه. فما كان مني والحالة هاته، إلا أن عاهدت ربي على ما عاهدته عليه عسى أن أكون بذلك شكورا.

لا تسكن في مساكن الذين ظلموا، ولا تسكن إلى بيت بنيته ورفعت قواعده، فقد يتصدع أو يخر عليك سقفه. واسكن أول بيت وضع لك، تظفر بالهدى والبركة، وتنعم بالأمن، وتشملك الرحمة، وتتجلى لك الآيات البينات، واسأل الله استضافتك. وإذا لم تطأ أقدامك فناءه، ولم تستطع  إليه سبيلا، فاملأ قلبك بحب رب البيت وعظمه، فكم من حاج لم يحج، وكم من قاعد حيل بينه وبين ذلك، قد نال رضا الله وعفوه.

تعرف إلى عرفات

تغشتك ليلة عرفات فلا أثر، وأظلك يومها الندي فلا مطر ولا عبر, فأرض نفسك جذباء، قاعا صفصفا ما الخبر ؟ ضيف طاف بك فأقليته، وتعرف إليك فأنكرته، فأنت لحقيقة نفسك أشد إنكارا. اجعل أيام عمرك عرفات، ترفع حجب نفسك، وترن بعين قلبك إلى الغرفات، وإلا فقد علا الران ووقع الختم، وحيل بينك وبين خالقك، لأن "الله يحول بين المرء وقلبه".

أحرم بالتوبة

تجرد من نسيج أوهامك وغزل شهواتك، وأحرم بتوبة من غير ميقات، وطف ببيت التوحيد، وتعلق بمعاني الصفات الإلهية، واسع بين الخوف والرجاء؛ بدءا بالأول وختما بالثاني، واستمطر الرحمة من فوق جبلها، وتعرف إلى الرحيم معرفة لن تشقى بعدها أبدا؛ (... اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت لهم...). وتمثل نفسك إسماعيل الذبيح، واقطع بسكين الصبر واليقين حلقوم النفس الأمارة والودجين، كي ينهمر دم الغفلة والشهوات فتتجلى لك الآيات.

الجبل الخاشع

نظرت إلى الجبل الخاشع فاهتز كياني، وخشعت جوارحي، فإذا بقلبي يستمع إلى تسبيح صخوره و هوامه وطيوره التي لها حرمة المكان. فأحسست بوطأة التسبيح وصولة الخشوع، وحملني شعوري إلى عالم يجل عن الوصف و النعت، فنادتني الأشواق: اللحاق اللحاق، ارتحل المحبون وحان وقت الفراق.

طرقت الباب

طرقت الباب فقيل لي: ارجع من حيث أتيت، فافترشت التراب واستلقيت، ثم توسدت بخدي العتبة وبكيت، فنادتني هواتف الروح؛ تجرد من تاج الهوى وطيلسان النفس الأمارة، وطواغيت الشرك، والبس رداء الذل والافتقار، وإزار الخوف والاضطرار، وقتئذ يفتح الباب على مصراعيه، ويتحقق السفر منه إليه، ويحلو الذكر والمناجاة، ويحصل مالا تترجمه العبارات. (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام).

نفحة علوية

زارتني سحرا نفحة علوية وأنا بين الركن والمقام، وسرى نورها في كياني، فأحسست بنشوة أطربت خلاياي ودعتني إلى مناجاة ربي، وإذا بي، والقلب قد امتلأ نورا وإشراقا، أطل من نافذة اليقين، وأنظر بعين البصيرة إلى درر ولآلئ  من معاني الألفة الأصلية، وإذا بالآخرة قد أقبلت في أبهى حللها، وبالدنيا قد أدبرت كاسفة أنوارها، فسالت الله محبة الأولى وحسن تدبير الثانية.

الساحل الأبدي

تقرب إلى الواحد الأحد، وعانق ساحل الأبد، ولا تقف مع اليوم؛ فقد أخنى عليه الذي أخنى على لبد، ولكن انظر إلى غد. فمثلك لا يرضى بالدنيا مقاما، ولا يكن لنعيمها حبا ولا غراما. فأين الفاني من الباقي، وأين الثرى من الثريا، وأين النعيم بلا نعيم من نعيم لا يفنى، وأين الملك بلا ملك من ملك لا يبلى؛ حيث ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وتطيب اللقيا. فلا تنسك قطيعة التحلل وصل الإحرام.

ملة إبراهيم

لا ترغب عن ملة إبراهيم فتشقى، ولا ترغب بنفسك عن نفس نبيك فتضل. واجمع رغباتك في المرغوب الأحد، تسعد في الدارين وإلى الأبد. واعلم أن تحررك من رغباتك العاجلة، يقوى يقينك ويحبب إليك نعيم الآجلة، وأن لهثك وراءها يضنيك، ومن الظمأ ما يرويك. واعلم أن شمسك قد أوشكت على الطلوع من مغربها، وأن ساعتك قد بدت كاشفة حجابها. فأين قلبك من وطأتها وهولها، وما أنت قائل لربك وربها ؟ (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم).


[1] سزرة فاطر  آية 15

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال