التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من 2014

مرض الغفلة

  بسـم الله الرحمن الرحيم قال الله عز وجل في كتابه العزيز: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ *إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ *وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ *وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ *لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ " (سورة ق 16-22). مشهد قرآني مؤثر ورهيب، رسالة ناطقة بالإنذار والوعيد، خطاب إلهي لا تشعر بوزنه ووطأته غير قلوب المؤمنين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيهبوا، يحملهم الشوق، إلى الركوع والسجود والاستغفار، ومناجاة ربهم والناس نيام. إن الله يعلم ما توسوس به نفسك، وما يخالج صدرك، وما تخفي وما تعلن؛ أي كل ما يجول في سرك وباطنك من خواطر وأفكار. وهو سبحانه الرقيب وأي رقيب. جعل عن يمينك ملكا وعن شمالك ملكا؛ يكتبان ما

الإسلامولوجيا الفرنسية؛ صورة من الاستشراق الجديد (1)

     بسـم الله الرحمن الرحيم الإسلامولوجيا تخصص علمي أكاديمي بدأ يظهر قبل بضعة عقود في الجامعات الغربية. ويبدو أن وراء انتشاره عوامل كثيرة؛ لعل من أبرزها أن الاسلام أصبح له وجود م ركزي في الثقافة الغربية، بل يشكل تحديا كبيرا لها. ومن هنا انجذب كثير من الباحثين الغربيين إلى الاسلام؛ دينا  وثقافة و، يبحثون فيه ، ويتساءلون عن أسباب يقظته وانتشاره. ومن حيث الجانب السياسي، فإن بعض الأحداث مثل الثورة الإيرانية والجهاد الأفغاني، وكذا النتائج السياسية والاجتماعية والثقافي للصحوة الإسلامية، ثم أحداث 11 سبتمبر 2001... إلخ، كل ذلك دفع كثيرا من الغربيين إلى مزيد من البحث في الإسلام ومجتمعاته. كما قد يضاف إلى عوامل نشأة الإسلامولوجيا؛ عامل وجود ملايين من المسلمين في أوربا وأمريكا، وهو حضور ثقافي وديني له وزنه وتأثيره في الثقافة الغربية. ولا ننسى أيضا ظاهرة التحول من المسيحية إلى الإسلام والتي غدت من الظواهر الدينية والثقافية الجديدة. إن دخول مآت الآلاف من الغربيين في الإسلام، الذين قد يصبح عددهم بضعة ملايين بعد سنوات أو عقود، ليوحي إلى الغرب بأن هذا الدين ينطوي على حيوية خاصة ومميزات تجعله يواكب ال

من ثمرات تدبر القرآن

إن مما لا يخفى على المؤمن اللبيب أن تدبر القرآن والتفكر فيه وإعمال العقل في آياته، واستنباط الحقائق واستخراج الفوائد منها، كل ذلك مما أشارت إليه كثير من الآيات الحكيمة. ولولا  الإكثار من التدبر والتأمل في كلام الله سبحانه وتعالى، ما كتب العلماء والفقهاء قديما وحديثا أصنافا من العلوم والمعارف، ولما اهتدوا إلى مجموعة من الحقائق الصحيحة والنافعة. قال تعالى: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب " (ص 29). وقال أيضا : "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ". (النساء 82). وقال تعالى : " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " (محمد 24). إلى غير ذلك من الآيات الدالة على التدبر والتأمل وإعمال العقل والفهم. وقراءة القرآن بلا تدبر كممارسة العبادة بلا فقه ولا خشوع. وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا ليلة فقام بآية يرددها، وهي: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " (المائدة 120)، [1] . وترديد الآيات أثناء القراءة أو في صلاة الليل، له أثر عم

معلومات مهمة ومختصرة عن التصوف

المحادثة والمجالسة؛ آداب وأخلاق (1)

    موضوع المحادثة والمجالسة من الموضوعات الأدبية الرائعة التي يزخر بها الأدب العربي شعرا ونثرا. كما أن المحادثة أو المجالسة من الأمور التي ترتاح لها النفوس وتهوي إليها القلوب. ثم إنها تختلف باختلاف طبقات الناس وتباين غاياتهم ومقاصدهم. فللعلماء مجالسهم، وللسياسيين مجالسهم، وكذلك أهل التربية والتعليم. وللتجار مجالسهم ونواديهم، وللعوام مجالسهم ومذاكراتهم، وهكذا... ولا تخلو المحادثة أو المجالسة من فوائد مهما كان نوع أصحابها. بيد أنه تكثر المحادثات والمجالسات التي يسودها اللغو والباطل، أو الكلام الذي لا طائل تحته، ولا فائدة ترجى من ورائه، بل منها ما يفضي إلى الرذيلة ويوقع في مراتع الخنا. ومن هنا ينبغي أن تسيج المحادثة بسياج من الضوابط والآداب والأخلاق الرفيعة، سأتناول فيما يلي بعضها: تجنب الحديث عن النفس: كثيرا ما يغلب على المجالس وجود شخص معجب بنفسه، يكثر من ذكر أوصافه ومواقفه البطولية، ويمدح قدراته العقلية والنفسية. كما قد يخبر عن تدينه وتقواه واجتهاده في ألوان الطاعات، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز؛ "فلا تزكوا أنفسكم" (النجم 32). لكن بعض العلماء أجازوا للمسلم

الاستشراق الجديد: قطيعة أم تجدد؟

  كان لحلول عقدي الخمسينسات والستينيات من من القرن العشرين، أي بعد خروج المستعمر البريطاني والفرنسي من البلدان المستعمرة، أثر عميق في زحزحة وتفكيك البنية الداخلية لمنظومة الاستشراق الكلاسيكي؛ حيث طفقت كثير من المؤسسات والمعاهد ومراكز البحث المتعلقة بالاستشراق، تتحدث عن أزمة هذا العلم أو دخوله في النفق المسدود. بل إن كثيرا من الباحثين في مجال الاستشراق من أعلن موته أو نهايته؛ وذلك بناء على أن الوظيفة التي انتدب لها المستشرقون، قبل وأثناء مرحلة الاستعمار، قد انتهت فلا ضرورة للاستمرار، لا سيما أن أهداف ونتائج حركات التحرر والاستقلال، بدأت تشق طريقها وتفرض نفسها كعامل أساسي في صياغة وتشكيل السياسة العالمية الجديدة. ذلك أن الرجوع إلى الذات والهوية الاسلامية  لذى المسلمين، مع إبراز نوع من التحدي تجاه الغرب؛ من خلال اليقظة الدينية والحركات الإسلامية السياسية؛ أي ما يعبر عنه بالصحوة الإسلامية، كل هذه المعطيات وغيرها، جعل كثيرا من المستشرقين وعلماء الاجتماع والانتربولوجيا والسياسيين وأصحاب القرار في الغرب، يدخلون تغييرات جذرية على صورتهم المتعلقة بالإسلام والمسلمين. لكن هل أقام الاستشراق الجديد

ولدي عبد الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم ولدي عبد الرحمن،   قبل اثنتي وعشرين سنة كنت جنينا ترقد في بطن أمك، وكانت أختك خولة حفظها الله في عامها الثاني، تخطو أولى خطواتها وتنطق ببضع كلمات صداها آية في الرقة والعذوبة والبهاء. وقبيل خروجك إلى عالم الشهادة، كنت مشغولا مع زمرة من الإخوة الأساتذة الأفاضل،على رأسهم شيخي وأستاذي ؛ الشيخ الأستاذ الفقيه أبو أويس محمد بوخبزة الحسني حفظه الله، بتأسيس جمعية أبي القاسم الشاطبي لتحفيظ القرآن وتدريس علومه. وبينما أنا في غمرة هذا العمل العلمي الرباني، إذ بادرتني أمك قائلة: إن رزقنا الله مولودا ذكرا ، سوف ندخله إلى هذه الجمعية كي يحفظ القرآن. وشاء الله أن تكون كذلك. واخترت لك إسم عبد الرحمن، ولو كان إسمي عبد الرحمن لسميتك عبد الله، لأنهما أحب الأسماء إلي، بل أحب الأسماء إلى الله. وبدأت تنشأ وتترعرع بموازاة مع نشأة وترعرع جمعيتنا القرآنية. وجاء يوم الوفاء بالنذر، فولجت باب الجمعية وعمرك أربع سنوات وثمانية أشهر، فكنت بين زملائك الحفظة، وأنت أصغرهم، كالجوهرة في عقدها. وسرعان ما تعلمت كتابة الحروف، ثم شرعت في حفظ السور القصيرة، وعلامات الجد والنباهة لا تفارقك.   وبعد ثلاث سن

ابن عربي والموسيقى الصوفية والعولمة

    ان علاقة التصوف بالموسيقى علاقة وظيفية وقديمة، تضرب في أعماق التاريخ، باعتبار أن التصوف ظاهرة روحية وتربوية، عرفتها كثير من الحضارات القديمة؛ كحضارتي الصين والهند. كما مارس اليهود والنصارى التصوف، قبل أن يعرف عند المسلمين. واستعمال الموسيقى عند المتصوفة قديما وحديثا أمر منطقي؛ أي يستجيب لمنطق وجوهر التصوف، من حيث أن التصوف، في كثير من معانيه وتجلياته الفلسفية، نزوع أو ميل  نحو التخلص من عنصر الطين البشري وأوحال الدنيا، والتوجه إلى عالم الروح والانخراط فيه إلى الابد. ومن هنا، فإن وظيفة السماع والموسيقى، شيء أساسي عند الصوفية لتحقيق تلك الغاية الروحية. ولعل محيي الدين بن عربي الصوفي الشهير، يعتبر من كبار الصوفية الذين عالجوا في كتاباتهم موضوع الموسيقى الروحية معالجة فلسفية  ميتافيزيقية، لا تخلو من التأثيرات الهندية واليونانية واليهودية والمسيحية. وقد كان السماع والموسيقى سمة لبعض الطرق الصوفية، في الوقت الذي رفض فيه بعض المتصوفة ذلك. بينما وفّق سواهم بين الموقفين. ومن المعلوم أن المولوية وزعيمها جلال الدين الرومي من أكبر المؤيدين للسماع والرقص في الأذكار الصوفية. لأن السماع فيه تيسير

علم الاجتماع الغربي؛ شرط أساسي من شروط النهضة والتنمية العربية؟

        علم الاجتماع الغربي من العلوم الإنسانية ذات النشأة الحديثة (القرن التاسع عشر الميلادي)؛ نشأ وتأسس في فرنسا عقب الأحداث والتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أهمها؛ 1-  تفكك النظام الإقطاعي وبروز النظام البورجوازي. 2-  ظهور الصناعة كقوة اقتصادية. 3-  حدوث الثورة الفرنسية. كما يمكن إضافة العامل الثقافي الذي تجسد في الروح العلمية الجديدة، بعد صراع مرير بين العلماء الأحرار وأرباب الكنيسة، مما أدى إلى سيادة الفلسفات المادية والعقلانية، وانتصار قيم العلمانية. لقد حمل مشعل علم الاجتماع الغربي خلال قرنين من الزمن سوسيولوجيون مؤسسون ومنظرون، أمثال: أ.كونت، وإ. دوركايم، وم. فيبر، ف باريتو، وأ. دوتوكفيل، وكارل مانهايم.... وسوسيولوجيون منظرون معاصرون، أمثال: ل.ألتوسير، وج بودريار، وأ. تورين، وج. جورفيش، وأ. غولدنر، ور. ميرتون، وت. بارسونز، وآخرون. ورغم أن موضوعهم واحد؛ وهو المجتمع في تجلياته الثابتة والمتحركة، إلا أنهم اختلفوا في رؤيتهم وتحليلهم للظواهر الاجتماعية، وذلك لاختلاف المناهج والأرضية الفلسفية والمذهبية؛ (علم الاجتماع الماركسي، علم الاجتماع الرأسمالي...). وبعبارة أخرى؛ فإن

مذكرات معتمر (5): المعتمر وحلاوة القرآن

يؤم مكة للحج والعمرة مسلمون من كل بلاد العالم، رجالا ونساء. فتقع عيناك على وجوه مختلفة، وأجسام تتفاوت من حيث الطول والقصر والسمنة والنحافة. وجوه تعلوها إشراقات ربانية، تخبرك عما يختلج في صدور أصحابها من ألوان المحبة والسعادة والعبودية؛ خشوع وبكاء وتذلل وتوبة وأوبة وتذكر وتفكر واعتبار واستبصار وخضوع وافتقار... فهذا يطوف، وآخر قائم يصلي، وذاك يتلو القرآن أو يتلذذ بذكر الله؛ تهليلا أو تسبيحا أو استغفارا. وهكذا قلوب الضيوف المعتمرين معلقة بالله وعبادته، أنساها ربها أهلها وأولادها ومالها ووطنها. إنها فرصة التحرر من قيود الدنيا، ومن أغلال الشهوات والأهواء، ومن حجب النفس الكثيفة. إن هؤلاء المسلمين المعتمرين، على اختلاف ألوانهم وألسنتهم، كثيرا ما يتواصلون فيما بينهم بلغة القلوب والإشارة عند تعذر  لغة مشتركة. إن لسان التقوى والمحبة هو ترجمان القلوب. واللغة العربية قد تبوأت بفضل القرآن، منزلة عظيمة وشريفة. وعلى قد معرفة المعتمر باللغة العربية وعلمه بها، يكون فهمه وتذوقه للقرآن. فلا شك أن المعاني القرآنية، وهي تنسكب في قلب المؤمن أثناء قراءة الإمام في الصلاة الجهرية، تحدث ما شاء الله من الآثار ال

مذكرات معتمر (4 ) ؛ بركة الوقت

أكتب هذه الكلمات وأنا مسند ظهري إلى عمود من أعمدة المسجد الحرام بمكة المكرمة، أنتظر صلاة الظهر في جو مفعم بالإيمان والطمأنينة. ومن بركة هذه الأيام القليلة، أنني أحسست بطولها وعمقها كأنها تعدل شهرين أو أكثر. وعندما أعملت عقلي باحثا عن أسباب هذا التمدد الزمني وجدتها كثيرة، أهمها؛ البعد عن مشاغل الحياة ومشاكلها ومنغصاتها، وكذا شهوات النفس وأهواؤها. ذلك أن المعتمر ضيف من ضيوف الله. ومن كان في ضيافة الرحمن كفاه الدنيا وما يتعلق بها مما يشغله عن الطاعة. بل إن المعتمر الصادق يجد من حلاوة الإقبال على الله، ما ينسيه الدنيا وما فيها، فلا غرو أن يحتقر، وقد ارتوى من كؤوس الحلاوة الإيمانية، كثيرا من أشيائها ومظاهرها. إن المسلم المعتمر عندما يتحرر من مشاغل الدنيا بسبب ممارسته لسنة وشعيرة العمرة، تنجذب روحه تلقائيا نحو خالقها؛ فيكثر من الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تهليلا وتسبيحا واستغفارا. كما يجد من المتعة الروحية أمرا عظيما قد لا يعبر عنه لسان ولا يصفه قلم. فبشرى لمن اعتمر وذاق طعم هذا "الحمام الروحي الإيماني". ولكأني بالمعتمر الصادق يولد ولادة جديدة. كيف لا وهو أقرب ما يكون من خالقه

مذكرات معتمر ( 3)؛ الطواف بالبيت العتيق

عباد مكرمون يطوفون بالبيت المعمور، وعباد مؤمنون يطوفون بالبيت العتيق، ونجوم وكواكب في فلكها تطوف وتسبح "وكل في فلك يسبحون" (ياسين 39 ). لقد غمرني، حال طوافي بالكعبة، شعور إيماني قوي ذكرني بحقيقة العبودية والافتقار إلى الله سبحانه وتعالى. وإن المسلم وهو يطوف، ليشعر بجاذبية نحو الكعبة ومحيطها؛ إنها جاذبية فطرية، جاذبية تنكشف من خلالها معاني الألفة الأصلية، وإشراقات ميثاق الذر؛ "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالو بلى شهدنا" (الأعراف 172  ). لقد تجرد المعتمر من المخيط ولبس الإحرام، كما تجرد من شهواته وأهوائه وطفق يطوف متضرعا إلى الله، سائلا إياه التوبة والمغفرة، وما شاء من الحاجات. وكلما شرع في طواف جديد، قبل الحجر الأسود أو استلمه أو أشار إليه. قال تعالى: "وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون" (سورة الأنبياء 33). تشير هذه الآية الكريمة إلى أن حركة الكون الفسيح تتصف بالدوران الشبيه بالطواف حول مركز معين وثابت. ثم إن هذه الحركة الدورانية أو الطواف تشمل أيضا الأشياء الصغيرة والدقيقة؛ مثل الذرة التي أ

مذكرات معتمر(2 )؛ من فوائد السعي بين الصفا والمروة

أثناء القيام بشعيرة السعي بين الصفا والمروة، تذكرت هاجر زوجة نبينا إبراهيم عليه السلام وسعيها بحثا عن طعام أو شراب لولدها الرضيع، الذي كانت تخشى عليه الهلاك والموت. إنها قلقة وخائفة، لكنها كانت موقنة بأن الله سيرحمها لا سيما أنه تعالى هو الذي أوحى إلى زوجها بتركها وولدها في هذا المكان القفر القاحل. لا شك ان حالا قويا من الاضطرار قد غمرها كما يغمر كل إنسان مضطر. وهذه من بين الفوائد التي جنيتها وأنا أسعى بين الصفا والمروة متفكرا وذاكرا ومنكسرا؛ إنها فائدة الاضطرار إلى الله بكل ما يحمله هذا اللفظ من معاني الافتقار والعبودية. وحال الاضطرار قلما يشعر به المسلم، اللهم إذا حل به ما يخيفه أو يقلقه، أو نزلت به نائبة أو مصيبة لا يستطيع لها دفعا. فيضطر للجوء إلى الله، وإفراده بالدعاء،وقطع القلب عما سواه. قال تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض" (النمل 62). وإجابة الله للمضطر تعم المسلم والكافر والبر والفاجر؛ إذ رحمته وسعت كل شيء. وقال تعالى؛ "حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ب

مذكرات معتمر (1)؛ سفر إيماني

انطلقت بنا الحافلة صباح يوم الثلاثاء  21  جمادى الثانية 1435/ 22 أبريل    2014،  من الساحة المحاذية لمصلى العيد بمدينة تطــاون العامرة. أخذ السيد الفاضل محمد الشعيري، المرشد والمسؤول عن المعتمرين، مكبر الصوت، وطفق يدعو بصوته الجهوري، دعاء السفر والراكبون المعتمرون يرددون كلماته. شعور جميل مفعم بالسعادة والابتهاج، ونحن نودع مدينتنا البيضاء الغراء. وما لبثنا أن ولجنا الطريق السيار الرابط بين طنجة والدار البيضاء. طريق فسيح ممتع، يشق الروابي والتلال والسهول الخضراء. يا له من سفر يجمع بين نعمتي الدنيا والآخرة. إنه سفر العمرة، سفر الطاعة، سفر الإنابة إن شاء الله. وبالمناسبة، أقتطف نصا من مقال تحت عنوان "سفر في سفر" نشرته في "مدونتي" الإلكترونية، قبل سنتين. "كثيرا ما ينتاب المسلم، أثناء سفره من مدينة إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، شعور بأنه مسافر إلى الله، لا سيما إذا كان متصلا بالله من خلال ذكره، أو التفكر في مخلوقاته، أو استحضار مشاهد الوعد والوعيد. ثم إن البعد، بسبب السفر، عن الأهل والأولاد وكل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية، من أشغال والتزامات وعادات وتقاليد ورموز… كل

الأحلام المخيفة وعلاجها بالقرآن

هناك كثير من الأطفال والمراهقين والشباب، يتألمون عندما تهجم عليهم الأحلام المزعجة والمخيفة، بحيث يضطرب نومهم ، ولا يتمعتون بالنوم العميق الهادئ. بل أحيانا يستيقظون خائفين وجلين، وقد ودع الكرى أجفانهم. ولا يخفى أن هذه الحالات النفسية التي تعتري هؤلاء الأشخاص لها علاقة وطيدة إما بحياتهم اليومية؛ حيث يتعرضون خلالها لأشياء أو أمور تسبب لهم الخوف والقلق. وإما لكونهم تعرضوا لحوادث أو مواقف أو صدمات أليمة، ظلت آثارها عميقة في أعماقهم وبواطنهم. وقد تكون وطأة هذه الآثار شديدة جدا تستدعي العلاج النفسي. بيد أننا معشر المسلمين قد أكرمنا الله بكتابه العزيز؛ القرآن، دستور وشرع ومنهج حياة، وحجاب وحصن وأمن وشفاء. قال تعالى: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" (الإسراء 82). ولقراءة القرآن أو الإستماع له أثر جيد ونافع في كيان المسلم وباطنه، لا سيما إذا كان طاهرا محافظا على صلاته، مقتديا بنبيه صلى الله عليه وسلم، مجتهدا في القيام بما أمره الله به، واجتناب ما نهاه عنه. فلا شك أنه ينتفع بذلك، ويجلب لنفسه الأمن والسعادة والطمأنينة والرضا، وما شئت من فنون المعارف وألوان العناية والرحمة. وهذ

خصوصية الأسئلة والقضايا الاجتماعية في البلدان الإسلامية

أجمع الباحثون والدارسون النقاد في ميدان تاريخ نشأة وتطور العلوم الغربية الحديثة على أن الصراع المرير والطويل بين رجال الدين والعلماء والفلاسفة، كان عاملا أساسيا في نشأة النهضة العلمية؛ حيث ترعرعت الفلسفة الحديثة بعقلانيتها وماديتها. كما تأسست العلوم الطبيعية، ثم العلوم الإنسانية والاجتماعية. وما كان لهذه العلوم أن تسود في أوربا الحديثة، إلا بعد كسر شوكة رجال الدين واللاهوتيين، الذين احتكروا المعرفة قرونا طويلة، ومنعوا الأوربيين من التعلم . وقد تشكل في وعي الرجل الغربي الموقف العدائي من الدين المسيحي، بل من كل الأديان. وحصلت لديه القناعة بأن الدين يعادي العلم، ويمنع العقل من التفكير وممارسة وظيفته الطبيعية. وبناء على ذلك، فإن الدين، في زعمه، لا يصلح للتقدم والنمو الثقافي والحضاري، كما لا يستطيع تقديم الحلول للقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولا توجيه الانسان الوجهة الصحيحة، التي تضمن له الحياة السعيدة والآمنة. وهكذا أسند هذا الدور إلى علماء الاجتماع والنفس، الذين اجتهدوا في دراسة الأوضاع الاجتماعية والنفسية للإنسان الأوربي الجديد؛ إنسان ما بعد الثورات الدينية والعلمية والإجتماعي

التقوى نجاتك

نجاتك في سلامة مركبك جسدك مركب لروحك، إن سلم من الخرق نجا من الغرق، وعانقت روحك الساحل الأبدي، وإلا كسرته أمواج الغواية، وقذفت بأشلائه. وصلاح مركبك معلق بسلامة حواسك؛ إذ بها يحصل العروج، وعليها يتوقف السفر. ولن تعبد الله ولن تشاهد آياته، ما لم تستقم جوارحك وما لم يخشع قلبك؛ ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله).   لباس التقوى لباس التقوى جمالك، فلا تترك الشيطان يسلبك إياه فتفقد كرامة الاستخلاف، ثم يجردك عن إنسانيتك، ويزج بك في حمأة البهيمية، فيتحقق مراده فيك، ويسخر منك هو وقبيله. ولو رأيت الأجل ومروره، لنسيت الأمل وغروره، ولو شمرت فكرك فيما خلقت له، لما اشتد حرصك على الدنيا، ولما أتعبت نفسك فيما سيفنى.   ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إل

بين الفلسفة العقلانية والوجدان

يرجع قيام الفلسفة الحديثة في أوربا إلى حركتين تاريخيتين، الأولى: حركة النهضة الفكرية وإحياء العلوم وآثار اليونان، والثانية: حركة الإصلاح الديني. ففي منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، بدأت آثار اليونان وفلسفتهم تتسرب إلى عقول المثقفين والمفكرين الأوربيين، وانبعثت من إيطاليا لغة اليونان القدامى وفلسفتهم. ثم إن أسباب حركة النهضة الفكرية هاته، ترجع حسب بعض المؤرخين إلى أيام الحروب الصليبية و الاستيطان المسيحي  للقدس، و ولغيرها من المدن والحصون والقرى، حيث استفاد المسيحيون من حضارة المسلمين ومدنيتهم وعلومهم، وكان التلاقح الثقافي بينهما لصالح الغزاة. أضف إلى هذا حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية التي انطلقت من صقلية في القرن الثالث عشر الميلادي، ثم انتشرت في بعض المدن والمراكز العلمية الإيطالية والإسبانية والفرنسية. أما فيما يخص الحركة الثانية أي حركة الإصلاح الديني، فإنها أسهمت بدور فاعل في تحرير العقول من العبودية التي فرضها اللاهوتيون والكنسيون. وقد تجلى ذلك في ظهور المذهب البروتستانتي على يد لوثر وكالفن، ذلك المذهب الذي دعا إلى التسلح بروح النقد وإخضاع النص الديني للتحليل والنقد العقل

الخلفية الفلسفية للمفاهيم التربوية

إن المطلع على آراء ونظريات أشهر الكتاب والمنظرين في ميدان التربية و البيداغوجيا من الغربيين خلال القرن التاسع عشر والعشرين، يلاحظ أن أفكارهم متقاربة، وقلما تتعارض لأنها تنهل من معين واحد هو معين المدنية الغربية القائمة على اصول الفلسفة المادية والعلمانية، ومن هنا جسدت تلك الأفكار منطلقات هذه المدنية وأهدافها. وتعتبر القطيعة الروحية؛ أي الثورة ضد الدين ونبذ كل ماله علاقة بالتصور الديني والأخلاق والقيم الروحية؛ الأرضية الفكرية والفلسفية التي انطلق منها هؤلاء الكتاب، لأنهم اعتبروا الدين عاملا من عوامل التخلف والظلام. وترتبت على هذه المسلمة بالنسبة لهم، مسلمة ثانية ترى في الحياة المادية الدنيوية الحياة الحقيقية الوحيدة، إلى غير ذلك من المبادئ والمسلمات التي تقوم عليها الحضارة الغربية والتي لا يتسع المجال لذكرها. لقد كان من الطبيعي أن تنعكس فلسفة الحضارة الغربية وتصوراتها على كافة العلوم والفنون والكتابات الأدبية والتربوية؛ فعندما ندرس مثلا فكر الكاتب والفيلسوف الأمريكي وليام جيمس (1842-1910) نجده قائما على ما يسمى بالبرجماتية؛ أي تقدير المبادئ والحقائق من خلال قيمتها العملية المنفعية، ونجد

أوجست كونت والقوانين الاجتماعية

في النصف الأول من القرن  التاسع عشر الميلادي، قام الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت (1779-1857) بتأسيس علم الاجتماع الغربي، بوصفه علما مستقلا في ذاته، لدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية، شأنه في ذلك شأن العلوم الطبيعية. فكتب يقول: "إنه لدينا الآن فيزياء سماوية ، وفيزياء أرضية ، ميكانيكية أو كيميائية ، وفيزياء نباتية وحيوانية ، ومازلنا بحاجة إلى نوع آخر من الفيزياء هو الفيزياء الإجتماعية، حتى يكتمل نسقنا المعرفي عن الطبيعة. وأعني بالفيزياء الاجتماعية، ذلك العلم الذي يتخذ من الظواهر الاجتماعية موضوعا للدراسة، باعتبار هذه الظواهر  من روح الظواهر العلمية والطبيعية والكيميائية والفيسيولوجية نفسها، من حيث كونها موضوعا للقوانين الثابتة" [1] . لقد اعتقد أوجست كونت أن علم الاجتماع هو المظهر المتطور النهائي للمعرفة الإنسانية، وأنه يقوم على المناهج نفسها التي قامت عليها العلوم الطبيعية، وذلك بافتراض التماثل بين ما هو  اجتماعي وما هو طبيعي. أما من حيث الموضوع، فقد قسم علم الاجتماع إلى قسمين: علم الاجتماع الستاتيكي؛ ويتناول ما هو ثابت نسبيا ؛ ( المؤسسات والتنظيمات، والنظم الأسرية والسياسية و

قلب مشتاق

حرام على قلب ذاق حلاوة الإيمان، أن يلتفت إلى سواك. حرام على قلب تنسم اليقين، أن يركن إلى الفانيات. حرام على قلب أقلقه الوعيد، أن يتلذذ بالشهوات. حرام على قلب يترنح بين آثار أسمائك، أن تأسره المسميات. حرام على قلب رنا إليك بعين البصيرة، أن تحجبه المرئيات. حرام على قلب يرجو الجنة ونعيمها، أن يتعلق بالأوهام. حرام على قلب سيق إليك متذللا، أن يأنس بالأنعام. حرام على قلب أسكره رحيق الذكر، أن يحفل بالأصنام. حرام على قلب أيقظه ذكرك وحبك، أن يركن إلى النيام. حرام على قلب........ د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين تطوان/ رجب 1426- غشت 2005.