مرض الغفلة

0
 

88f135a483ef01fac8d7b920488085e4_L

بسـم الله الرحمن الرحيم

قال الله عز وجل في كتابه العزيز:

"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ *إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ *وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ *وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ *لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ " (سورة ق 16-22).

مشهد قرآني مؤثر ورهيب، رسالة ناطقة بالإنذار والوعيد، خطاب إلهي لا تشعر بوزنه ووطأته غير قلوب المؤمنين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيهبوا، يحملهم الشوق، إلى الركوع والسجود والاستغفار، ومناجاة ربهم والناس نيام.

إن الله يعلم ما توسوس به نفسك، وما يخالج صدرك، وما تخفي وما تعلن؛ أي كل ما يجول في سرك وباطنك من خواطر وأفكار. وهو سبحانه الرقيب وأي رقيب. جعل عن يمينك ملكا وعن شمالك ملكا؛ يكتبان ما تفعله من خير أو شر. إنه كتابك؛ أنت الذي دونته وملأت صفحاته بأقوالك وأفعالك. غدا ستقرأه فتسر أو تحزن: "إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" (سورة الإسراء 14).

ثم هجم الموت بسكراته. وما أدراك ما الموت، ويا ليت ميتا حدثك، يقظة، بهول الموت وشدته، وأخبرك ببعض ما رأى وسمع أو أحس، لعلك تنزجر أو تعتبر.

هيهات هيهات، فنحن أحياء وهم أموات. لا بل نحن أموات وهم أحياء: "يا ليتني

قدمت لحياتي" (سورة الفجر 24).

"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد".

يا عبد الله: ما الفرق بين الغفلة والموت ؟ ما ثمة فرق: "أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون" (سورة النحل 21)، "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" (الأنعام 122).

بعد خروج الروح، يكشف الغطاء، ويقوى البصر؛ بصر القلب وتتجلى كثير من الحقائق الغيبية، ويتبين للغافل أنه كان يلعب، فيندم ويتحسر، وتتمزق روحه ولات حين مناص.

"لقد كنت في غفلة من هذا"؛ من... ومن أن الله رقيب عليك، وأن ملائكته تكتب ما تقول وتفعل، ومن أن الموت آت، وأنك قادم على الله للحساب لأنك عبده شئت أم أبيت؛ "إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا" (مريم 93).

"لقد كنت في غفلة من هذا"...

غفل العبد فهو غافل؛ غفل فعل إرادي تام، مبني على الوعي والشعور، جامع لمعنى الإرادة. أراد العبد الغفلة، فحصل عليها وحققها، وفرح بها، وتنعم بها، واستظل بظلها، وركن إليها.

العبد فاعل مرفوع بالعبودية لله، لكنه اختار الغفلة بإرادته ، فانسلخ من شرف العبودية ، وأخلد إلى الأرض متبعا هواه.

إن هذا العبد الغافل مريد لأفعال غفلته، محب لها، تجري في كيانه مجرى الدم في جسده. يحميها ويدافع عنها إذا انتقدت. إنها كيانه وهويته وروحه.

ماذا تريد منه أيها الناصح الأمين؟ إنه لا يرغب في نصائحك ويكره أمثالك.

دائرة الغفلة، دائرة مغلقة. أحكم إغلاقها بإرادة تامة. وإسهام الشيطان في تثبيت هذه الغفلة، أمر صحيح. بيد أن الإرادة تبقى لصاحبها، واختيار الغفلة ومحتبها والتعلق بها يرجع إليه، إذ هو مكلف ومحاسب؛ "قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد" (ق 27).

ومن هنا يخطئ كثير من المسلمين الغافلين المذنبين، عندما يلعنون الشيطان ويجعلونه سببا مباشرا لما يصدر منهم من أفعال الشر.

يستفاد من قوله تعالى؛ "لقد كنت في غفلة من هذا"... فوائد وعبر منها:




  • أن الدنيا بزينتها ومتعها وملذاتها تؤثر سلبا في قلوب الغافلين الذين لا يستحضرون درس الابتلاء؛ "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا" (الكهف 7)، "تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" (الملك 1-2).




  • إن الانفصال القائم، في وعي وشعور العباد، بين عالم الشهادة وعالم الغيب، من أهم  الأسباب المؤدية والمفضية إلى الغفلة والبعد عن الله. ذلك أن الموت وأحواله وعالم القبر، والملائكة ويوم القيامة، والميزان والصراط  والجنة والنار...، كل هذه الحقائق لها وجود، كما أن لحقائق عالم الشهادة وجود. بيد أن عدم استحضار العبد لتلك الحقائق المتعلقة بعالم الغيب، وعدم التفكر فيها والانتفاع  بتدبرها وتذوقها، يجعله غافلا عنها، حتى تغدو بالنسبة إليه، كأنها غير موجودة، فيحرم نفسه من ثمرات الوعد والوعيد ومن السياحة الإيمانية الروحية في فضاء عالم الغيب، ويخلد إلى الدنيا والأرض.




  • "فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"...




لقد غدت الغفلة بمثابة غطاء أو حجاب يمنع العبد الغافل من رؤية الحقيقة. إنه ظلام الشهوات الكثيف، ظلام الذنوب والمعاصي؛ ظلام الكبر والغرور والعجب والحسد والرياء... ظلام الباطل وعساكره... ظلام البعد عن الله. وبعد خروج الروح يكشف الغطاء، فتفنى الشهوات الدنيوية والنفسية ويتبدد ظلامها، ويتجلى نور حقائق ما بعد الموت. ولذا ينبغي إحداث ثقوب أو نوافذ في هذا الغطاء، كي يتسرب من خلالها نور المعاني المتعلقة بعالم الغيب، فتتنور صور عالم الشهادة في قلب العبد وتتفاعل مع معاني وحقائق عالم الغيب، فيمسي هذا العبد حيا في عالمي الدنيا والآخرة. بل ينظر إلى الدنيا بعيون الآخرة.


 

وأخيرا، ما هو سبيل علاج مرض الغفلة؟

 

أعظم وسيلة لعلاج داء الغفلة هي التوبة الصادقة النصوح وتقوى الله تعالى. ولا يتم ذلك إلا بممارسة المجاهدة والمراقبة  والمحاسبة مع المواظبة على برنامج إيماني يشتمل على القيام بما فرض الله على عباده من صلاة وصوم وزكاة... واجتناب المحرمات، وحفظ اللسان والعين  والأذن...مع الإكثار من قراءة القرآن والمبادرة إلى نوافل الطاعات وفعل الخيرات،  والاهتمام بأمر المسلمين والإحسان إلى ذوي القربى والضعفاء والمحتاجين.

 

د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة، ربيع الأول 1436، دجنبر 2014.

.

الإسلامولوجيا الفرنسية؛ صورة من الاستشراق الجديد (1)

0
 

p15_20071210_pic1

 

 بسـم الله الرحمن الرحيم

الإسلامولوجيا تخصص علمي أكاديمي بدأ يظهر قبل بضعة عقود في الجامعات الغربية. ويبدو أن وراء انتشاره عوامل كثيرة؛ لعل من أبرزها أن الاسلام أصبح له وجود م ركزي في الثقافة الغربية، بل يشكل تحديا كبيرا لها. ومن هنا انجذب كثير من الباحثين الغربيين إلى الاسلام؛ دينا  وثقافة و، يبحثون فيه ، ويتساءلون عن أسباب يقظته وانتشاره.

ومن حيث الجانب السياسي، فإن بعض الأحداث مثل الثورة الإيرانية والجهاد الأفغاني، وكذا النتائج السياسية والاجتماعية والثقافي للصحوة الإسلامية، ثم أحداث 11 سبتمبر 2001... إلخ، كل ذلك دفع كثيرا من الغربيين إلى مزيد من البحث في الإسلام ومجتمعاته. كما قد يضاف إلى عوامل نشأة الإسلامولوجيا؛ عامل وجود ملايين من المسلمين في أوربا وأمريكا، وهو حضور ثقافي وديني له وزنه وتأثيره في الثقافة الغربية. ولا ننسى أيضا ظاهرة التحول من المسيحية إلى الإسلام والتي غدت من الظواهر الدينية والثقافية الجديدة.

إن دخول مآت الآلاف من الغربيين في الإسلام، الذين قد يصبح عددهم بضعة ملايين بعد سنوات أو عقود، ليوحي إلى الغرب بأن هذا الدين ينطوي على حيوية خاصة ومميزات تجعله يواكب العصر ويجيب عن الأسئلة الحرجة، ويستجيب لمطالب النفس خاصة فيما يتعلق بالفراغ الروحي.

وإذا كانت شعب أو تخصصات الإسلامولوجيا في الجامعات الغربية يدرس فيها الطلبة المواد المتعلقة بالإسلام دينا وثقافة وتاريخا وواقعا معاصرا، فإن الأساتذة الإسلامولوجيين المشرفين على هذا التخصص الجديد، تربطهم بالمستشرقين روابط وأواصر القرابة العلمية المتعلقة بموضوع الإسلام والمسلمين. بل كثير منهم تتلمذوا على أساتذة مستشرقين.

ورغم أن عمل الإسلامولوجيين، أساتذة وباحثين، لا يختلف من حيث الجوهر والروح عن عمل المستشرقين، إلا أنهم ينفرون من مصطلح الاستشراق، ويقلقون لمجرد نعتهم بالمستشرقين الجدد.

يقول أوليفيه روا، وهو أحد أبرز الباحثين الفرنسيين في مجال الإسلامولوجيا، ومن أقطاب “الإستشراق الفرنسي الجديد” :

“إنتقلت الدراسات الإسلامية عندنا من فترة المستشرقين الكلاسيكيين الذين كان إهتمامهم منصبّاً أساساً في التخصص في مجالات دراسة القرآن والتاريخ الإسلامي واللغات والآداب الشرقية، أمثال مكسيم رودنسون وجاك بيرك وكلود كاهين، إلى جيل جديد من الباحثين المتخصصين أساساً في السوسيولوجيا والعلوم السياسية. هذه الفئة الجديدة من الباحثين لا ترى أن الدراسات الفقهية القرآنية أو التاريخية هي أداتها الرئيسية في دراسة الظواهر الإسلامية المعاصرة وتحليلها، بل المحكّ بالنسبة لها هو البحوث الميدانية. ... ونحن بخلاف الكلاسيكيين لا نسعى لفهم الظواهر الإسلامية المعاصرة في ضوء دراسة التاريخ أو الفقه أو الآداب القديمة، بل تنعامل مع هذه الظواهر التي ندرسها من خلال أدوات البحث العلمي التي نعتمدها لتحليل أي ظواهر إجتماعية أو سياسية أخرى ندرسها شرقية كانت أم غربية. لكن هذا لا يعني أن هذا الجيل من الباحثين له نظرة واحدة وآراء متوافقة في مجال الإسلاميات والإستشراق، بل لكل واحد منهم خصوصيته وتوجهه وأفكاره، أما السمة المشتركة التي جعلتهم يؤلفون ظاهرة متميزة فتكمن في كونهم جميعاً متخصصين إما في السوسيولوجيا أو في العلوم السياسية، وهو ما  يجعلهم يغلبون دوماً الدراسة الميدانية على دراسة النصوص"[1]

"و يرى اوليفيه روا أن التحول الذي حققه الجيل الجديد من المستشرقين الإسلامولوجيين يعود لعدّة أسباب؛ أهمها خصوصية الإستشراق الفرنسي المغاير للتجربة الإنغلوساكسونية والتي يمثّلها اليوم برنارد لويس، والقطيعة التي تعمّقت أكثر، بفضل ما إكتسبناه نحن الأكاديميين من استقلالية فكرية وتحويلية، ومن هامش نقدي تجاه المؤسسات الرسمية ومراكز القرار السياسي والعسكري. ينتقد أوليفيه روا أعمال برنارد لويس بشدّة لأنه لا يزال يعتمد الأدوات الكلاسيكية، الأمر الذي أدّى به إلى الإرتماء في المحافظين الجدد وإتخاذه مواقف عدائية من الإسلام والمسلمين."[2]

أوليفييه روا من مواليد سنة 1949 بمدينة «لاروشيل»، غرب فرنسا. ينحدر من أصول دينية بروتستانتية. يحمل إجازة في الفلسفة ودكتوراه في العلوم السياسية. يشغل حالياً منصبي مدير الدراسات بالمدرسة العليا الفرنسية للعلوم الاجتماعية، ومدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.

بدأ دراساته التخصصية في مجال إلاسلامولوجيا مطلع الثمانينيات، وكان ذلك على إثر رحلات بحث ميدانية عدة أجراها في إيران وأفغانستان. أصدر أول كتاب له في مجال الإسلاميات، سنة 1985، بعنوان «أفغانستان: الإسلام والحداثة السياسية». ومن أبرز مؤلفاته :«فشل الإسلام السياسي» ( 1992)، «جينيالوجيا الإسلامية» (1995)،«آسيا الوسطى الجديدة أو مصنع الأمم» (1997)،«إيران: كيف يمكن الخروج من ثورة دينية؟» (1999)،«نحو إسلام أوروبي»  ( 1999)،«الشبكات الإسلامية : الرابطة الأفغان ـ باكستانية» (2002)،«عولمة الإسلام» ( 2002)،«تركيا اليوم : هل هي بلد أوروبي؟» (2004).

ان كتابات أوليفييه روا عن الاسلام والمسلمين تسير في خط موازي للاستشراق الجديد، مع التركيز على الحركات السياسية الاسلامية أو الاسلام السياسي. كما أن المطلع على مؤلفاته المتعلقة بالاسلام السياسي، يلمس بأن هذا الاسلامولوجي يحكم على هذا المجال بالفشل الذريع؛ أي أن جميع الانتفاضات والحركات والتوجهات السياسية الاسلامية المعاصرة، آيلة إلى الذبول ثم الفناء لانها لا تقوم على مشروع علمي وعقلاني، بل مجرد مواقف وسلوكات انفعالية واندفاعية وردود فعل إزاء الضغوط الدكتاتورية وعوامل الفقر والاستبداد. بل إنه ذهب في كتابه؛ "الاسلام المعولم" إلى أن ثقافة المجتمعات الاسلامية ما زالت تتأثر بالثقافة الغربية وتواصل طريقها نحو تبني تصوراتها وتمثلاتها. وبعبارة أخرى فإن هذه الثقافة ستذوب مع الاجيال القادمة في الثقافة الغربية الكونية. ومن هنا فان الاسلام، في رأيه، ثقافة ومجتمعا سينخرط لا محالة في تيارالعولمة المعاصرة.

وفي هذا الصدد وتحت عنوان ؛ هل انتهى «الإسلام السياسي» كما تبشر الكتابات الغربية؟ كتبت صحيفة الوسط البحرينية:

كان الباحث الفرنسي «أوليفييه روا» أول من بشر بـ "ما بعد الإسلام السياسي»، وذلك في كتابه «فشل الإسلام السياسي» الصادر في العام 1992، ثم جاء بعده زميله الفرنسي أيضا «جيل كيبيل» فطور المفهوم في كتابه «جهاد... انتشار وانحسار الإسلام السياسي»، وقارن فيه تجربة الإسلام السياسي أو «الإسلاموية» بالتجربة الشيوعية، فالإسلاميون فيهم ثوريون  مثل الشيوعيين، ثم عاد «أوليفييه روا» وتلميذه السويسري «باتريك هاني» لتطوير الأطروحة بالحديث عن تحول الاسلام السياسي الاجتماعي، في هذا أصدر «روا» كتابه  «الإسلام المعولم»، بينما أصدر هاني كتابه الذي لا يقل أهمية «إسلام السوق». على جانب آخر، كان «فرانسوا بورجا» أحد أبرز المختصين الفرنسيين أيضا في الإسلام السياسي يصر على رفض الأطروحة والمفهوم، ويعتبر الإسلام السياسي حركة هوية، ويراها مرحلة جديدة في مواجهة الاستعمار مثلما طرح في كتابه ذائع الصيت «الإسلام السياسي صوت الجنوب".[3]

إن فرانسوا بورجا  (1958_) يذهب مذهبا آخر ويرى أن هذه الانتفاضات والحركات السياسية الاسلامية تعبر عن توجه تغييري عميق، وعن حركة قوية نحو الرجوع إلى الذات والهوية الاسلامية. وقد يكون فرانسوا هذا الاسلامولوجي الفرنسي الوحيد الذي يبدي الميل والتعاطف مع القضايا العربية.

"أكد الأكاديمي الفرنسي والباحث في معهد الأبحاث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي، فرانسوا بورجا، ضمن الندوة التي نظمها أخيرا منتدى الكرامة لحقوق الإنسان في بمناسبة المنتدى العالمي لحقوق الإنسان المنعقد بمراكش، أن هناك علاقة وطيدة بين تراجع الديمقراطية في دول الربيع العربي، وبين تنامي قوة التطرف والإرهاب.

وأفاد بورجا، في لقاء مناقشة مع كل من بنسالم حميش، وعبد العلي حامي الدين، حول التحولات السياسية في العالم العربي وقضايا حقوق الإنسان، أن "الغرب يتحمل مسؤولية تدهور الأوضاع في سوريا ومصر وغيرها، وإن صمته على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان هو امتداد لمواقفه الداعمة للأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط".

وشدد المتحدث على أن الاحتجاجات التي انطلقت في سوريا كانت سلمية، وترفع شعار الشعب السوري واحد، لكن النظام حول معركته ضد الحرية والديمقراطية إلى معركة ضد السنة، ونجح في تحويلها إلى معركة طائفية بين الشيعة والسنة، وبقي العالم الغربي يتفرج في الوقت الذي كانت فيه روسيا وإيران تدعمان نظام الأسد....

وتفاعل فرنسوا بورجا، عضو المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، مع هذه الإشارة بالقول: "إن الغرب كان دائما يدعم الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، فلا داعي للاستغراب مادام أن الغرب أعطى جائزة لكل من بنعلي وبوتفيلقة وحسني مبارك على احترامهم لحقوق إنسان".[4]

يتضح من كلمات هذا النص أن فرانسوا بورجا يقرأ السياق الاجتماعي والسياسي للاحداث الاخيرة في المنطقة العربية، قراءة لا تحمل في طياتها المواقف والاحكام التي تزخر بها كتابات وتآليف الاسلامولوجيين الفرنسيين المعاصرين من أمثال أوليفييه روا  وجيل كيبل وبرونو إتيان وغيرهم. بل ينتقد الحكومات الغربية التي تساند الحكام العرب المستبدين، وتخذل الثورات والانتفاضات العربية بموقفها السلبي إزاء ما يحدث من مآسي وكوارث مع كونها تدعي الديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان.

ولعل السنوات الطويلة التي قضاها هذا الاسلامولوجي الفرنسي في بعض البلدان العربية تكون سببا من الاسباب جعلته أقرب إلى الموضوعية والتجرد في أبحاثه وكتاباته المتعلقة بالعالم العربي والاسلامي. ذلك أنه؛ "درس القانون في مدينة قسنطينة الجزائرية (1973_ 1980)، واشتغل بالابحاث والدراسات في القاهرة (1989_ 1993)، وعمل مديرا بالمعهد الفرنسي للشرق الاوسط بدمشق (2008_ 2012) ثم في بيروت (2012_ 2013)".

وله مؤلفات كثيرة حول الوضع السياسي والاجتماعي في العالم العربي؛ منها: "الاسلام السياسي؛ صوت الجنوب"، و"الاسلام السياسي في المغرب العربي" (1995)، و"الاسلام السياسي زمن القاعدة" (2005)، و"اليمن نحو الجمهورية" (2005)، و"ليبيا" (2003)، و""الاسلام السياسي في المواجهة" (1996) وغيرها من  المؤلفات.

 

[1] - مقابلة مع أوليفيه روا: إستشراقنا لا علاقة له بإستشراق الإستخبارات الإنغلوساكسونية، (جريدة الأخبار،30 حزيران، 2008).

2- المرجع السابق.

[3]-.صحيفة الوسط البحرينية - العدد 2450 - الجمعة 22 مايو 2009م الموافق 27 جمادى الأولى 1430هـ

[4] -  صحيفة "هسبريس" الالكترونية (المغرب)، نور الدين لشهب، 2_12_2014.

 

د. عبد الله الشارف؛ مكة المكرمة، صفر الخير 1436_ دحنبر 2014.

من ثمرات تدبر القرآن

0


إن مما لا يخفى على المؤمن اللبيب أن تدبر القرآن والتفكر فيه وإعمال العقل في آياته، واستنباط الحقائق واستخراج الفوائد منها، كل ذلك مما أشارت إليه كثير من الآيات الحكيمة. ولولا  الإكثار من التدبر والتأمل في كلام الله سبحانه وتعالى، ما كتب العلماء والفقهاء قديما وحديثا أصنافا من العلوم والمعارف، ولما اهتدوا إلى مجموعة من الحقائق الصحيحة والنافعة.

قال تعالى: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب " (ص 29).

وقال أيضا : "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ". (النساء 82). وقال تعالى : " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " (محمد 24).

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على التدبر والتأمل وإعمال العقل والفهم. وقراءة القرآن بلا تدبر كممارسة العبادة بلا فقه ولا خشوع. وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا ليلة فقام بآية يرددها، وهي: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " (المائدة 120)، [1].

وترديد الآيات أثناء القراءة أو في صلاة الليل، له أثر عميق في النفس لكونه يفضي بصاحبه إلى التدبر والتأمل فتتحرر نفسه من قفصها، وتنجذب إلى عوالم الآخرة والسكينة.

كما أن تدبر القرآن يبعث على تأمل وفهم دلالة الآيات على المقاصد التي يسترشد المسلمون بها، واستنباط المعاني واستخلاص العبر، وفي ذلك خير عظيم يجلبه لنفسه القارئ المتدبر والمتفهم لآيات الله. ولقد كان ذلك دأب السلف الصالح ومنهجهم في التعامل مع القرآن الذي انفعلت به نفوسهم، وتأثرت به قلوبهم، فظهر أثر ذلك على جوانحهم وفي أعمالهم الجليلة.

 

ويطلق التدبر في اللغة العربية على النظر في عاقبة الأمر والتفكر فيه. وتدبر الكلام يعني النظر في أوله وآخره مع إعادة النظر بهدف التيقن. وإن مما يدعو للعجب أن تجد كثيرا من المسلمين يقرأون القرآن ولا يجنون ثمرة قراءتهم، لخلوها من الخشوع والتدبر والتفكر. فلا سبيل لنور القرآن إلى قلوبهم لكونها مقفلة ومغلقة بسبب الانشغال بالدنيا وحظوظ النفس.

نعم، إن قارئ القرآن بتدبر وخشوع وإخلاص، لهو أهل لأن يظفر بمحبة الله والشوق إلى لقائه، والخوف من عذابه، والتوكل عليه، والشكر على نعمه، والصبر على بلائه. وبما أن تدبر المؤمن للقرآن والخشوع في تلاوته دليل محبته لله وتعظيمه  لكلامه، فإن تلك المحبة الصادقة هي التي أورثته أحوال الشوق والخوف والشكر والرضا والتوكل... وهذا من ثمرات التدبر الناتج عن المحبة. ولا يسعني، في هذا الصدد، إلا أن أسوق كلاما  لابن القيم رحمه الله، جمع فيه من ثمرات تدبر القرآن ما يثلج الصدر ويحيي القلب:
"فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده ، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن ، وإطالة التأمل فيه ، وجمع الفكر على معاني آياته ، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما ، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ، ومآل أهلهما ، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة ، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه ، وتشيد بنيانه وتوطد أركانه ، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه ، وتحضره بين الأمم ، وتريه أيام الله فيهم ، وتبصره مواقع العبر ، وتشهده عدل الله وفضله ، وتعرفه ذاته ، وأسماءه وصفاته وأفعاله ، وما يحبه وما يبغضه ، وصراطه الموصل إليه ، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه ، وقواطع الطريق وآفاتها ، وتعرفه النفس وصفاتها ، ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم ، وأحوالهم وسيماهم ، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة ، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه ، وافتراقهم فيما يفترقون فيه .
وبالجملة تعرفه الرب المدعو إليه ، وطريق الوصول إليه ، وما له من الكرامة إذا قدم عليه .
وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى : ما يدعو إليه الشيطان ، والطريق الموصلة إليه ، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه .

فهذه ستة أمور ضروري للعبد معرفتها ، ومشاهدتها ومطالعتها ، فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها ، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها ، وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم . فتريه الحق حقا ، والباطل باطلا ، وتعطيه فرقانا ونورا يفرق به بين الهدى والضلال ، والغي والرشاد ، وتعطيه قوة في قلبه ، وحياة ، وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا ، فيصير في شأن والناس في شأن آخر ." [2]

إن هذه الثمرات العظيمة التي أشار إليها فقيهنا الجليل، لهي من جوامع كلمه ولآلئ فوائده المبثوثة على صفحات كتبه القيمة. وإني أنصح طلبة العلم بالإكثار من قراءة مؤلفات ورسائل هذا العالم المتبحر الفذ، فقد كان في حياته صادقا مع الله متبعا سنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وأفنى عمره في نشر العلوم المفيدة.

وقال أيضا: " وبعد، فلما كان كمال الإنسان إنما هو بالعلم النافع، والعمل الصالح. وهما الهدى ودين الحق، وبتكميله لغيره في هذين الأمرين، كما قال تعالى: "والعصر إن الإنسان لفي خسرإلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"، أقسم سبحانه أن كل واحد خاسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان، وقوته العملية بالعمل الصالح، وكمل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه، فالحق هو الإيمان والعمل، ولايتمان إلا بالصبر عليهما، والتواصي بهما، كان حقيقا بالإنسان أن ينفق ساعات عمره بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العالية، ويخلص به من الخسران المبين، وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبره واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه، وصرف العنايــــة إليه، والعكوف بالهمة عليه. فإنه الكفيل بمصالح العباد، في المعاش والمعاد. والموصل لهم إلى سبيل الرشاد. فالحقيقة والطريقة، والأذواق والمواجيد الصحيحة،كلها لاتقتبس إلا من مشكاته، ولا تستثمر إلا من شجراته".[3]

ما أنفس كلام العلامة الفقيه محمد بن قيم  الجوزية، وما أحوجنا إلى الاستفادة منه وممارسته في حياتنا. ومن ناحية أخرى فإن إدراك الطبيعة العلوية للخطاب القرآني واستشعار الحق الكامن فيه، يتطلب تجريد النفس من أهوائها والإنصات إلى معانيه بقلوب منفتحة صادقة. والأسباب المساعدة على ذلك كثيرة، سأذكر منها سببين:

أولا: حضور القلب أثناء التلاوة، وهو أس هذا البناء وشرطه اللازم، إذ كيف يتصور جني ثمار التلاوة والقلب ساه أو غافل. قال تعالى: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" (سورة ق 37).

ولكي يتم للعبد حضور القلب أثناء التلاوة، ينبغي لقارئ القرآن أن يجمع همته ويركزها في القصد المطلوب. وهذا أمر منطقي ومجرب؛ فإن الذي عقد العزم على إتيان أمر ما، أو القيام بمهمة معينة واستفرغ لذلك وسعه وبذل فيه جهده، لا بد أن يحصل له من التركيز فيما هو مشغول به والانصراف عن كل ما يشوش عليه عمله. وعلى قدر محبته وتعظيمه لذلك الأمر ماديا كان أو معنويا، يتحرر باطنه من الوساوس والأفكار المثبطة وصنوف من أحاديث النفس الجالبة للكسل والوهن، والمسببة في الإعراض عن القيام بجلائل الأعمال. وإذا كان التركيز وجمع الهمة في أمر دنيوي ابتغاء تحقيقه ونيله، يفضي في غالب الأحيان إلى الغرض المقصود، فمن باب أولى أن يؤدي هذا الشرط إلى الغرض المرجو إذا تعلق الأمر بقراءة القرآن.

وغني عن البيان أن الذي يقبل على قراءة الذكر الحكيم بشغف وهمة ووقار، مع تعظيم الله وإخلاص الدين له، وصدق لهجة المناجاة من خلال الترتيل، يجد من اللذة الروحية ما يعجز عن وصفه الواصفون.

ثانيا : الخشوع، حيث أن حضور القلب ينتج عنه الخشوع، وذلك بطريقة تلقائية، فمن حضر قلبه خشع. قال تعالى: "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق"[4] . وقال أيضا: "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله "[5]

والخشوع يجعل قلب المسلم يذل ويخضع لخالقه، كما تلين جوارحه لطاعته، وبالتالي فإن باطنه يغدو محلا لتنزل الرحمات، وورود الإشراقات والنفحات الإلهية. ثم إن اللحظات التي يكون فيها الكيان الإنساني متفتحا لتلقي شيء من حقيقة القرآن يهتز فيها اهتزازا ويرتجف ارتجافا، ويقع فيه من التغيرات والتحولات ما يمثله في علم المادة فعل المغناطيس والكهرباء بالأجسام أو أشد. والذين أحسوا شيئا من مس القرآن في كيانهم، يتذوقون هذه الحقيقة تذوقا لا يخطر على بال غافل ولا يرقى إليه عقل جاهل.

وإذا تعود المؤمن استحضار قلبه والتحلي بحلية الخشوع أثناء تلاوة القرآن، فقد أذن لنفسه بولوج عالم التدبر، ذلك الفضاء المعنوي الفسيح الذي لا يتوقف عن الاتساع بفضل إمدادات حالتي الحضور والخشوع، وترى العبد يسبح في أرجائه ممتطيا معاني الآيات، منتهلا من حروف "إقرأ"؛ "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون". تارة تعتريه الدهشة والحيرة من شدة الأنوار الساطعة من أصل تلك الحروف وما تحمله من إيحاءات ربانية متلألئة، وتارة أخرى ينجذب إلى صلصاله الطيني حتى لايزيغ عن دورته الفلكية، أويحمله هيمانه إلى عالم قد يكون فيه حتفه كما حصل لأصحاب الحلول ووحدة الوجود من الصوفية، وحتى يعرف أن التحقق بالعبودية الحقة يستلزم القيام بواجبات الاستخلاف وتطبيق شريعة الله.

[1] أخرجه النسائي وابن ماجة بسند صحيح.

[2] - مدارج السالكين ج1ص 363

[3] - مدارج السالكين ج1 ص28-29

[4] - سورة الحديد آية 15

[5]-  سورة الزمر " 23

 

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف، مكة المكرمة، صفر الخير 1436_ دجنبر 2014.

 

 

 

 

 

 

معلومات مهمة ومختصرة عن التصوف

1



المحادثة والمجالسة؛ آداب وأخلاق (1)

2
 529_1314798754

 

موضوع المحادثة والمجالسة من الموضوعات الأدبية الرائعة التي يزخر بها الأدب العربي شعرا ونثرا. كما أن المحادثة أو المجالسة من الأمور التي ترتاح لها النفوس وتهوي إليها القلوب. ثم إنها تختلف باختلاف طبقات الناس وتباين غاياتهم ومقاصدهم. فللعلماء مجالسهم، وللسياسيين مجالسهم، وكذلك أهل التربية والتعليم. وللتجار مجالسهم ونواديهم، وللعوام مجالسهم ومذاكراتهم، وهكذا...

ولا تخلو المحادثة أو المجالسة من فوائد مهما كان نوع أصحابها. بيد أنه تكثر المحادثات والمجالسات التي يسودها اللغو والباطل، أو الكلام الذي لا طائل تحته، ولا فائدة ترجى من ورائه، بل منها ما يفضي إلى الرذيلة ويوقع في مراتع الخنا. ومن هنا ينبغي أن تسيج المحادثة بسياج من الضوابط والآداب والأخلاق الرفيعة، سأتناول فيما يلي بعضها:

  • تجنب الحديث عن النفس:


كثيرا ما يغلب على المجالس وجود شخص معجب بنفسه، يكثر من ذكر أوصافه ومواقفه البطولية، ويمدح قدراته العقلية والنفسية. كما قد يخبر عن تدينه وتقواه واجتهاده في ألوان الطاعات، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز؛ "فلا تزكوا أنفسكم" (النجم 32). لكن بعض العلماء أجازوا للمسلم الحديث عن نفسه وتزكيتها في مواطن معينة؛ قال الإمام النووي رحمه الله:

" اعلم أن ذكرَ محاسن نفسه ضربان: مذموم  ومحبوب .
فالمذمومُ : أن يذكرَه للافتخار ، وإظهار الارتفاع ، والتميّز على الأقران ، وشبه ذلك.
والمحبوبُ : أن يكونَ فيه مصلحة دينية ، وذلك بأن يكون آمراً بمعروف ، أو ناهياً عن منكر ، أو ناصحاً أو مشيراً بمصلحة ، أو معلماً ، أو مؤدباً ، أو واعظاً ، أو مذكِّراً ، أو مُصلحاً بين اثنين ، أو يَدفعُ عن نفسه شرّا ، أو نحو ذلك ، فيذكر محاسنَه ، ناوياً بذلك أن يكون هذا أقربَ إلى قَبول قوله واعتماد ما يذكُره ، أو أن هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به ، أو نحو ذلك .
وقد جاء في هذا المعنى ما لا يحصى من النصوص ، كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( أنا النَّبِي لا كَذِبْ ) ، ( أنا سَيِّدُ وَلَد آدَم ) ، ( أنا أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ ) ، ( أنا أعْلَمُكُمْ باللَّهِ وأتْقاكُمْ ) ، ( إني أبِيتُ عنْدَ ربي ) ، وأشباهه كثيرة
وقال يوسف صلى الله عليه وسلم: (اجْعَلْني على خَزَائِنِ الأرْضِ إني حَفِيظٌ عَلِيمٌ)  وقال شعيب صلى الله عليه وسلم: (سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِين) .[1]

وهكذا، فيما عدا الضرورة، يجمل بالمسلم أن يجتنب الكلام المعبر عن مدح النفس والعجب والافتخار، لأن وقعه سيء وثقيل في نفوس المستمعين، كما قد يدفع بصاحبه إلى الكذب. قال عبد الله بن المقفع:
" وإن أنِسْت من نفسِك فضلاً، فتحرّج من أن تذكُره أو تُبدِيَه، واعلم أنّ ظهوره منك بذلك الوجه يقرّر لك في قلوب النّاس من العيب أكثرَ ممّا يقرّر لك من الفضل.

واعلمْ أنّك إن صبرت ولم تعجل، ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف عند النّاس" [2]

 

  • احترام مشاعر الناس:


لقد جاء الإسلام بمكارم الأخلاق والآداب، بحيث لم يترك فضيلة من

الفضائل إلا دعا إليها ورغب فيها، ونهى عن الرذائل وأمر باجتنابها. ولسان الإنسان سلاح ذو حدين؛ إما أن يستعمله في الخير وإلا استعمله في الشر. وليس أشق عليه من ضبط  كلامه وألفاظه والتحكم في لسانه. فكم من فم لا يصدر عنه إلا الكلام الحسن الحلو كأن صاحبه مجبول على ذلك، كما أن أصحاب الألسنة البذيئة لا يخلو منها زمان ولا مكان.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذئ" (رواه الترمذي). ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في حسن مراعاة مشاعر الناس وأحاسيسهم. كيف لا وهو المخاطب بقوله تعالى ؛ "وإنك لعلى خلق عظيم" (سورة نون آية 4). وسار الصحابة الأخيار ومن تبعهم على نهجه وسبيله، فكانوا أعلاما يقتدى بهم. ولعمري كيف يطيب لمتحدث وسط جماعة من الناس أن يسخر من بعضهم أو ينتقص من قدره، أو يمن عليه مذكرا إياه بخير ساقه إليه في يوم ما، وما إلى ذلك..؟
قال العلامة محمد بن القيم: "ومنهم من مخالطته حمى الروح، وهو الثقيل البغيض الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك، ولا يعرف نفسه؛ فيضعها في منزلتها، بل إن تكلم؛ فكلامه كالعصي تنزل على قلوب السامعين، مع إعجابه بكلامه، وفرحه به، فهو يحدث من فيه كلما تحدث، ويظن أنه مسك يطيب به المجلس!وإن سكت فأثقل من نصف الرحى العظيمة التي لا يطاق حملها، ولا جرها على الأرض"[3].

والخلاصة أن الذي يجالس الناس ولا يحترم مشاعرهم، قد يكون شخصا خسيسا ردئ المعدن، مريض القلب، قد انطوى باطنه على ألوان من الصفات المذمومة كالحقد والحسد والكبر وحب الظهور.

  • حسن الاستماع للمتحدث:


إن من العادات السيئة التي يمكن ملاحظتها في كثير المجالس؛ قلة الإصغاء للمتحدث، حيث تجد المستمع لا يحفل بكلام من يحدثه. وقد تخاله، وهو ينظرإليه، مصغيا لما يقول، في حين أن قلبه في غفلة تامة من ذلك. ولو سألته:  ماذا قال محدثك؟ لسكت. بل يتعدى الأمر أحيانا إلى سلوكات تنم عن سوء الأدب وقلة المروءة؛ منها محاولة المستمع قطع كلام المتحدث، أو الاشتغال عنه بالنظر في كتاب أو جريدة، أو الإكثار من إجالة النظر في فضاء المجلس، ومنها كلامه، بين الفينة والأخرى، مع جليس عن يمينه أو يساره... وكل هذا مما يؤذي المتحدث ويؤثر سلبا في نفسيته.

ومما لا شك فيه أن هذا الإنسان الذي لا يحسن الاستماع والإصغاء، لن يحسن الكلام والحديث. ذلك أن السداد في القول والخطاب متوقف على البراعة والاجتهاد في الإصغاء. ولذا قد تجد المستمع، عندما يأخذ الكلمة، يخوض في موضوع غير موضوع المتحدث، ويسلك شعابا وأودية لا صلة لها بأرض الموضوع، مما قد يعرضه للسخرية من طرف الحاضرين.

قال الحسن البصري رضي الله عنه: "إذا جالست فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن القول، ولا تقطع على أحد حديثه"[4]

ومما لا شك فيه أن رسولنا صلى الله عليه وسلما كان مثالا حيا وراقيا للإنسان المستمع والمصغي لمن يكلمه ولو كان غلاما أو طفلا. وهذا ما يجده الباحث مبثوثا في كتب السيرة النبوية، وفي أقوال الصحابة والتابعين، وفي أمهات الكتب الأخلاقية في التراث الإسلامي.

 

[1] -  الإمام النووي؛ "الأذكار"، ص 246.

[2] -  عبد الله بن المقفع؛ "الدب الصغير والأدب الكبير"، ص 135.

[3] -  محمد بن القيم؛ "بدائع الفوائد" /2-274.

[4] - أبو بكر محمد السامري الخرائطي؛ "المنتقى من مكارم الأخلاق ومعاليها"، ص155.

 

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف، مكة المكرمة، محرم 1436/ نوفمبر2014.

الاستشراق الجديد: قطيعة أم تجدد؟

1

 eq1e


كان لحلول عقدي الخمسينسات والستينيات من من القرن العشرين، أي بعد خروج المستعمر البريطاني والفرنسي من البلدان المستعمرة، أثر عميق في زحزحة وتفكيك البنية الداخلية لمنظومة الاستشراق الكلاسيكي؛ حيث طفقت كثير من المؤسسات والمعاهد ومراكز البحث المتعلقة بالاستشراق، تتحدث عن أزمة هذا العلم أو دخوله في النفق المسدود. بل إن كثيرا من الباحثين في مجال الاستشراق من أعلن موته أو نهايته؛ وذلك بناء على أن الوظيفة التي انتدب لها المستشرقون، قبل وأثناء مرحلة الاستعمار، قد انتهت فلا ضرورة للاستمرار، لا سيما أن أهداف ونتائج حركات التحرر والاستقلال، بدأت تشق طريقها وتفرض نفسها كعامل أساسي في صياغة وتشكيل السياسة العالمية الجديدة.

ذلك أن الرجوع إلى الذات والهوية الاسلامية  لذى المسلمين، مع إبراز نوع من التحدي تجاه الغرب؛ من خلال اليقظة الدينية والحركات الإسلامية السياسية؛ أي ما يعبر عنه بالصحوة الإسلامية، كل هذه المعطيات وغيرها، جعل كثيرا من المستشرقين وعلماء الاجتماع والانتربولوجيا والسياسيين وأصحاب القرار في الغرب، يدخلون تغييرات جذرية على صورتهم المتعلقة بالإسلام والمسلمين.

لكن هل أقام الاستشراق الجديد قطيعة فعلية مع الاستشراق الكلاسيكي ؟

إن الاستشراق الجديد، رغم وجود كثير من الاعترافات والتصريحات من لدن عدد من المستشرقين؛ حيث يتبرؤون مما وقع فيه كبارهم وسلفهم  من الأخطاء  والتحيزات الايديولوجية، وخدمة الأطماع الامبريالية، لا يمكن أن يستقل عن تراثه الاستشراقي أو يتنكر له؛ إذ الروح واحدة والأهداف هي الأهداف نفسها. ومن هنا فإن الاستشراق الجديد، يحافظ على العلاقات الأبوية وأواصر الصلة مع الماضي.

كما يعمل من ناحية أخرى على تجديد تجديد عميق في الطرق والأساليب والمناهج، لكي يواكب تطور الأحداث والوقائع. وبعبارة أخرى فإن الاستشراق الجديد قد تجرد من اللباس القديم ولبس لباسا جديدا، واحتفظ بروحه مع الاستجابة لتطور العصر.

ويرى د. أوليفييه مووس، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة فريبورغ في سويسرا، والأكاديمي في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية بباريس، أن الاستشراق الجديد؛ "مذهب ثقافوي يقوم على تجديد وإعادة تأهيل الاطروحات الاستشراقية الكلاسيكية، ومتطلبات الدفاع عن قيم الحداثة والديمقراطية في سياق يتميز بأدلجة متنامية للعلاقات بين الشرق الأوسط والدول الغربية، تعمل على تشجيع العودة إلى قراءة ماهوية للمجال الإسلامي"[1].

ولا يخفى على أحد أن الولايات المتحدة قد شرعت في تعبيد طريقها نحو السيطرة والهيمنة على الساحة السياسية العالمية، بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس هيئة الأمم المتحدة. وبما أن الاستشراق كظاهرة (علمية)، لا يحيا إلا في بيئة غربية تتسم بالاستعمار وحب السيطرة على الشرق، كان من الطبيعي أن تزدهر هذه الظاهرة من جديد، لكن هذه المرة، في البيئة الأمريكية حيث نشأت القوة السياسية الغربية الجديدة، وورثت أمريكا الهيمنة على الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بعد تراجع وانحسار نفوذ كل من بريطانيا وفرنسا.

ويبدو أن أمريكا تبذل مجهودات مكثفة لجعل الاستشراق الجديد أكثر ارتباطا بالسياسة وصنع القرار، وذا صلة وثيقة بمعاهد ومراكز البحث المرتبطة بالسلطة السياسية ووكالة الاستخبارات.

"وقد استمر التطور في الدراسات الاستشراقية وتوسع بشكل هائل، وبخاصة في أمريكا بعد الحرب العاليمة الثانية. وزاد عدد المتفرغين لهذه الدراسات زيادة هائلة في جامعات أمريكا وكندا، فقفز عددهم من 363 عام 1969 إلى 670 عام 1986، وقفز عدد أعضاء رابطة دراسات الشرق الأوسط في أمريكا من 823 عام 1977 إلى 1582 عام 1986، موزعين على مجالات عديدة: كالتاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم الانسانية والاجتماعية، بالاضافة إلى الدين. ووصلت قائمة العناوين للموضوعات المنشورة في الدوريات عن الشرق الأوسط في نشرة أوائل 1987 إلى نحو 71000 مادة"[2]

"كما كشفت الوثائق أن بعض أساتذة الجامعات الأمريكية المشهورين هم أعضاء وخبراء في المخابرات الأمريكية، ومن هؤلاء المستشرق ريتشارد ميتشل الذي كتب رسالته للدكتوراه بجامعة برنستون عن جماعة الإخوان المسلمين، ونشرت هذه الرسالة في كتاب ترجم إلى اللغة العربية مرتين، وساعدت في إعداده ونشره مؤسسة روكفلير اليهودي الأمريكي، ومؤسستا فورد وفولبرايت اللتان تقدمان الدعم للبحوث المتعلقة بالعالم الإسلامي وبالصحوة الإسلامية."[3]

وتولي المخابرات الأمريكية كذلك أكبر قدر من الاهتمام لجماعات الصحوة الإسلامية في مصر(باعتبار مصر من أكبر مراكز الثقافة الإسلامية في العالم الإسلامي؛ لوجود الأزهر بها وظهور الصحوة الإسلامية هناك بظهور الإخوان المسلمين)، وتجمع عنها المعلومات والبيانات وتقدم التقارير، وتجند في سبيل ذلك بعض أبناء المسلمين الذين باعوا أنفسهم لأعداء دينهم"[4].

يستفاد من النصوص المشار إليها، أن الاستشراق كان ولا يزال في خدمة مصالح المستعمرين والإمبرياليين الغربيين، وأن قضية أزمته أو موته لا تقوم على أدلة راسخة. وبعبارة أخرى؛ كما كان تطور الاستشراق الأكاديمي في القرن التاسع عشر مرتبطا بتوسع القوى الأوربية في احتلال الأراضي الإسلامية، كان تطور دراسات الشرق الوسط والاستشراق الجديد عموما بوصفها حقلا أكاديميا مرتبطا بظهور الولايات المتحدة الأمريكية  كقوة عالمية عظمى، وتورطها بشكل أعمق في الهيمنة على الشرق الأوسط.

وإذا كان المستشرقون المعاصرون قد لبسوا لباس العلوم الإنسانية مثل علم الاجتماع والأنتربولوجيا والتاريخ... وأصبحوا يمارسون أعمالهم الاستشراقية الجديدة باسم هذه العلوم، ويدعون أنهم يدرسون الإسلام والمسلمين دراسة علمية وموضوعية، فإنهم لم يبتعدوا عن روح الاستشراق قيد أنملة. بل إن دراساتهم وأبحاثهم، باعتمادها على مناهج العلوم الإنسانية، جعلت روح الاستشراق أكثر حيوية ورسوخا في البنية الثقافية والسياسية للغرب المعاصر.

 

[1] -  أوليفييه مووس؛ "تيار الاستشراق الجديد والإسلام: من الشرق الشيوعي إلى الشرق الإسلامي"، ترجمة عومرية سلطاني، نشر مكتبة الاسكندرية، ط 1 2010.

[2] - ريتشارد دكمجيان؛ "الأصولية في العالم العربي" ترجمة عبد الوارث سعيد، دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة 1409/1989 ص10.

[3] - راجع تقرير ميتشل إلى المخابرات الأمريكية بشأن تصفية الحركات الإسلامية في كتاب د. علي جريشة: حاضر العالم الإسلامي؛ ط2 دار المجتمع ، جدة 1406/1986. ص16.

[4] -  صحيفة الشرق الأوسط (لندن)؛ عدد 3886/ 19-7-1989.

د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة؛ شهر الله المحرم 1436/ نوفمبر 2014

[1] -  أوليفييه مووس؛ "تيار الاستشراق الجديد والإسلام: من الششرق الشيوعي إلى الشرق الإسلامي"، ترجمة عومرية سلطاني، نشر مكتبة الاسكندرية، ط 1 2010.

[2] - ريتشارد دكمجيان؛ "الأصولية في العالم العربي" ترجمة عبد الوارث سعيد، دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة 1409/1989 ص10.

 

[3] - راجع تقرير ميتشل إلى المخابرات الأمريكية بشأن تصفية الحركات الإسلامية في كتاب د. علي جريشة: حاضر العالم الإسلامي؛ ط2 دار المجتمع ، جدة 1406/1986. ص16.

[4] -  صحيفة الشرق الأوسط (لندن)؛ عدد 3886/ 19-7-1989.

ولدي عبد الرحمن

4



بسم الله الرحمن الرحيم


ولدي عبد الرحمن،


 

قبل اثنتي وعشرين سنة كنت جنينا ترقد في بطن أمك، وكانت أختك خولة حفظها الله في عامها الثاني، تخطو أولى خطواتها وتنطق ببضع كلمات صداها آية في الرقة والعذوبة والبهاء. وقبيل خروجك إلى عالم الشهادة، كنت مشغولا مع زمرة من الإخوة الأساتذة الأفاضل،على رأسهم شيخي وأستاذي ؛ الشيخ الأستاذ الفقيه أبو أويس محمد بوخبزة الحسني حفظه الله، بتأسيس جمعية أبي القاسم الشاطبي لتحفيظ القرآن وتدريس علومه.
وبينما أنا في غمرة هذا العمل العلمي الرباني، إذ بادرتني أمك قائلة: إن رزقنا الله مولودا ذكرا ، سوف ندخله إلى هذه الجمعية كي يحفظ القرآن. وشاء الله أن تكون كذلك. واخترت لك إسم عبد الرحمن، ولو كان إسمي عبد الرحمن لسميتك عبد الله، لأنهما أحب الأسماء إلي، بل أحب الأسماء إلى الله.
وبدأت تنشأ وتترعرع بموازاة مع نشأة وترعرع جمعيتنا القرآنية. وجاء يوم الوفاء بالنذر، فولجت باب الجمعية وعمرك أربع سنوات وثمانية أشهر، فكنت بين زملائك الحفظة، وأنت أصغرهم، كالجوهرة في عقدها. وسرعان ما تعلمت كتابة الحروف، ثم شرعت في حفظ السور القصيرة، وعلامات الجد والنباهة لا تفارقك.

 

وبعد ثلاث سنوات بدأ أخوك محمود يرافقك إلى الجمعية، فكان لك خير أنيس ورفيق. ثم انضم إليكما، بعد خمس سنوات، أخوكما عبد الحميد. فكنتم أنتم وزملاؤكم الحفظة أشبه بباقة زهور وورود تعطر برائحتها الزكية، فضاء الجمعية.

 

ولدي عبد الرحمن؛ لقد ختمت القرآن حفظا وأنت في سن العاشرة، ثم أعدت حفظه أربع مرات تحت إشراف الفقيهين الفاضلين: الحسن بوحصون وأخوه حسن، وتعلمت مبادئ اللغة العربية والنحو وشيئا من الفقه .
وفجأة بدأت تهتم بالحاسوب والإعلاميات، ورغبت في الجانب العلمي، فغادرت المؤسسة التي نشأت فيها، والتحقت بالمدرسة الابتدائية العمومية، حيث قضيت سنة كاملة، اجتزت في نهايتها امتحان الشهادة الابتدائية. وكان لهذا الحدث وقع أليم في قلب أبيك وأمك، لأننا كنا نأمل أن تنهي دراستك في الجمعية القرآنية كي تحصل على شهادة التعليم الديني التي تخول لك الولوج إلى كلية أصول الدين أو الشريعة أو شعبة الدراسات الإسلامية في بلدك، كما كنا نرجو أن يحبب الله إليك الفقه والحديث والدعوة، ويحشرك في زمرة الفقهاء والعلماء والدعاة، لكنك اخترت الدراسة العلمية. وقبل بضعة شهور حصلت أنت وزوجتك على شهادة الباكلوريا تخصص العلوم الرياضية. ومن باب شكر النعم الإلهية، يممت وجهك، رفقة زوجتك، شطر المسجد الحرام لأداء عمرة رمضان. ولم تلبث إلا قليلا حتى فاجأتني بخبر أحدث في قلبي من السرور ما لا يعلمه إلا الله؛ ذلك أنك بشرتني، وأنت في مكة، بعزمك على متابعة الدراسة في كلية أصول الدين بمدينتنا تطوان، وكان ذلك من بركة العمرة، أو بركة نذر والديك حينما كنت جنينا.
ولدي عبد الرحمن، حافظ القرآن، ها قد بدأت مشوارك الدراسي الجديد في كلية أصول الدين، كلية العقيدة الاسلامية، فرع جامعة القرويين قلعة الدين والعلوم الشرعية والهوية الإسلامية. وبالمناسبة، أزف إليك باقة من النصائح:
- تعهد القرآن؛ قراءة وتدبرا وتمثلا فهو حجة لك أو عليك.
- تعهد سنة نبيك صلوات الله وسلامه عليه؛ حفطا وفهما وسلوكا.
- اقتد بأصحاب الهمم العالية من الصحابة والتابعين والعلماء والفقهاء والمصلحين والمجددين.
- عليك بحسن الخلق في سلوكك وجميع معاملاتك.
- عليك ببر الولدين وصلة الرحم.
- عليك بمحبة العلم النافع وملازمة الشيوخ والعلماء الربانيين وإن قلوا.
- "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة".
- أكثر من الإحسان والتصدق على الفقراء والمحتاجين.
- حافظ على صلاة الجماعة.
- أكثر من ذكر الله والآخرة وهادم اللذات.

 

د‌. عبد الله الشارف؛ مكة المكرمة، 11 من ذي الحجة 1435- 5 اكتوبر 2014.

ابن عربي والموسيقى الصوفية والعولمة

0
 

 

_-4cbb64d203f60

ان علاقة التصوف بالموسيقى علاقة وظيفية وقديمة، تضرب في أعماق التاريخ، باعتبار أن التصوف ظاهرة روحية وتربوية، عرفتها كثير من الحضارات القديمة؛ كحضارتي الصين والهند. كما مارس اليهود والنصارى التصوف، قبل أن يعرف عند المسلمين. واستعمال الموسيقى عند المتصوفة قديما وحديثا أمر منطقي؛ أي يستجيب لمنطق وجوهر التصوف، من حيث أن التصوف، في كثير من معانيه وتجلياته الفلسفية، نزوع أو ميل  نحو التخلص من عنصر الطين البشري وأوحال الدنيا، والتوجه إلى عالم الروح والانخراط فيه إلى الابد. ومن هنا، فإن وظيفة السماع والموسيقى، شيء أساسي عند الصوفية لتحقيق تلك الغاية الروحية. ولعل محيي الدين بن عربي الصوفي الشهير، يعتبر من كبار الصوفية الذين عالجوا في كتاباتهم موضوع الموسيقى الروحية معالجة فلسفية  ميتافيزيقية، لا تخلو من التأثيرات الهندية واليونانية واليهودية والمسيحية.

وقد كان السماع والموسيقى سمة لبعض الطرق الصوفية، في الوقت الذي رفض فيه بعض المتصوفة ذلك. بينما وفّق سواهم بين الموقفين.

ومن المعلوم أن المولوية وزعيمها جلال الدين الرومي من أكبر المؤيدين للسماع والرقص في الأذكار الصوفية. لأن السماع فيه تيسير للإيقاعات المحببة إلى النفوس. وحركات الرقص في الأذكار فيها تصعيد للرغبات وترويض للنفس، ورمز عن الحركات الدورية للأفلاك والكواكب وعن الروح الثملة بالعشق الإلهي.

وبصورة عامة فإن الطرق الصوفية ارتبطت بالسماع بطريقة أو بأخرى سواء أكانت قد استخدمت الدفوف والمزاهر والطبول والنايات أم اكتفت بالكلام الموقع الموزون المغنّى وفق مقاماته وأنغامه.

وقد عرف التاريخ الإسلامي عدداً كبيراً من الطرق الصوفية كالقادرية والرفاعية والسهروردية والشاذلية والبدوية والدسوقية والمولوية والكبراوية والششتية والحريرية والنقشبندية والبكتاشية واليونسية. وقد انقرض كثير من هذه الطرق وبقي بعضها حتى اليوم، وهي تختلف في نسبة استعمالها للموسيقى في أورادها وأذكارها.

إن السماع في الطرق الصوفية يتوسلون به إلى حالات من الوجد والتواصل مع المحبوب. وقد اخذ حيزاً من حياة الصوفيين وانتقل من خلالهم إلى الحياة العامة.

ولما أصيب الغربيون بالفراغ والجذب الروحي والأزمات النفسية، وأقبل بعضهم على الإسلام، كان التصوف هو الباب المناسب للدخول منه إلى بيت الدين الجديد. وهذا هو سبب اهتمام الغربيين المسلمين بابن عربي وجلال الدين الروحي وابن الفارض، وغيرهم من أقطاب الصوفية. وإذا كان دخول الغربيين في الإسلام يقلق بال المسؤولين السياسيين وأصحاب القرار والنفوذ، فإن تأييدهم وتشجيعهم للتصوف يدخل في إطار إبعاد رعاياهم من المسلمين الجدد عن الإسلام الصحيح. كما أن هؤلاء المسؤولين يعملون على إحياء ونشر ثقافة التصوف في البلدان الإسلامية، لكي تقف في وجه ثقافة اسلامية تزعجهم، أو لا يرغبون فيها.

ثم إن التصوف الذي ظهر عند المسلمين في أواخر القرن الثاني للهجرة، قد انحرف عندما انتقل من الزهد إلى الفلسفة ثم إلى التصوف الطرقي الذي نعيش الآن أسوء مراحله؛ حيث الدجل واستعباد الناس واستغفالهم، وألوان من المصائب والبدع والانحرافات العقدية.

وإنه لمما يؤلم القلب ويحزنه، أن تغدو فاس، مدينة القرويين؛ مهمد العلم ومعقل الثقافة والهوية والحضارة المغربية الأصيلة والعريقة، فضاء مستباحا للغناء الصوفي الفولكلوري العالمي المستورد. ولا شك أن العولمة التي لا تعترف بغير الثقافة الغربية المادية، وتعمل على إبادة أو طمس معالم الثقافات الأخرى، تحاول الآن مسخ الثقافة الإسلامية التي استعصت عليها، وتريد أن تزج بها في حمأة ما سمى بالتسامح والحوارالديني. بيد أنها تضرب في حديد بارد، وتروم أمرا دونه بيض الأنوق، أو تلهت وراء سراب في صحراء يباب. ولا علم لها بقوله تعالى: " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون" (الصف، آية 8).

وقبل ما يزيد على عقد من الزمن، تركز اهتمام الإدارات الأمريكية المتعاقبة على الجماعات الصوفية في باكستان والصومال والسودان ومصر والأردن، وبعض دول المغرب العربي، ودول أوروبا وأمريكا.

ومبعث هذا الاهتمام الكبير بالصوفية، هو بحث أمريكا عن شريك داخل جسد الأمة المسلمة يمكن أن تنفذ من خلاله استراتيجياً إلى تحجيم وإبعاد التيارات السلفية التي تقف حجر عثرة أمام هيمنتها على المسلمين ومسعاها لإقصاء الإسلام من حياتهم. وقد وجد الباحثون الأمريكان هذه الضآلة المنشودة في الصوفية بصورة مركزية.

يرى الأمريكان أن "فرق المتصوفة" و"النخب الليبرالية" على امتداد العالم الإسلامي، هم أكثر المجموعات التي يسهل استيعابها وانخراطها في المشروع الأمريكي لمواجهة "المد السلفي" و"الإسلام السياسي" في العالم.

يتصور الغرب، وأمريكا على وجه الخصوص، أن الصوفية أكثر الفئات المسلمة تساهلاً في اتباع السنة وأعلاها احتفاء بالمبتدعات وأقلها في جانب تطبيق النصوص المنادية بالعمل بفهم السلف الصالح؛ ولذا يعتبرونهم غير متشددين في التطبيق والممارسة، بينما يشيدون بما يتميز به الفكر الصوفي من تقديس الأضرحة والمشايخ وحب الإنشاد والميل للطقوس الاحتفالية والموالد، فهي أمور يرتضونها ويعتبرونها ممثلاً للإسلام "الوسطي!"، وهم على استعداد لدعم انتشارها وترويجها في المجتمعات الإسلامية. وهذا بالطبع مردّه إلى أن النصرانية واليهودية لا ترغبان في وجود أمة إسلامية قوية في عقيدتها وارتباطها بربها ونبيها حتى تسهل مهمتهما بين المسلمين.

خلاصة الدراسات الأمريكية التي بُنيت عليها استراتيجية استغلال التصوف:

- الصوفية تُمثِّل: "البديل الثقافي والاجتماعي والدين الأساسي لمواجهة الأشكال الأيديولوجية للإسلام المهيمنة حالياً في العالم الإسلامي".

- الصوفية هي: "الإسلام الذي يمكن أن تتعامل معه أمريكا والغرب، حيث يمكن أن تقدم مساعدة عظيمة للعالم، وذلك عبر مواقفهم من الاستقلال والتعددية واحترام الأديان والعقائد الأخرى".

- الصوفية تُعتبَر: أوضح خيار للمسلمين للمصالحة بين "العالم اليهودي - المسيحي" و"العالم الإسلامي".
والخلاصة أن الغرب الأمريكي والاوربي يسعى جادا في إقامة الندوات واللقاءات والمهرجانات الصوفية حيث الموسيقى والرقص الصوفي، وحيث لغة الحب والعشق والعرفان والسياحة الروحية.

د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين؛ تطوان المغرب. جمادى الثانية 1435/أبريل 2014.

 

 

علم الاجتماع الغربي؛ شرط أساسي من شروط النهضة والتنمية العربية؟

0
 

 

 

 

mritems-images-2001-3-2-1_596_1_34

علم الاجتماع الغربي من العلوم الإنسانية ذات النشأة الحديثة (القرن التاسع عشر الميلادي)؛ نشأ وتأسس في فرنسا عقب الأحداث والتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أهمها؛

1-  تفكك النظام الإقطاعي وبروز النظام البورجوازي.

2-  ظهور الصناعة كقوة اقتصادية.

3-  حدوث الثورة الفرنسية.

كما يمكن إضافة العامل الثقافي الذي تجسد في الروح العلمية الجديدة، بعد صراع مرير بين العلماء الأحرار وأرباب الكنيسة، مما أدى إلى سيادة الفلسفات المادية والعقلانية، وانتصار قيم العلمانية.

لقد حمل مشعل علم الاجتماع الغربي خلال قرنين من الزمن سوسيولوجيون مؤسسون ومنظرون، أمثال: أ.كونت، وإ. دوركايم، وم. فيبر، ف باريتو، وأ. دوتوكفيل، وكارل مانهايم.... وسوسيولوجيون منظرون معاصرون، أمثال: ل.ألتوسير، وج بودريار، وأ. تورين، وج. جورفيش، وأ. غولدنر، ور. ميرتون، وت. بارسونز، وآخرون. ورغم أن موضوعهم واحد؛ وهو المجتمع في تجلياته الثابتة والمتحركة، إلا أنهم اختلفوا في رؤيتهم وتحليلهم للظواهر الاجتماعية، وذلك لاختلاف المناهج والأرضية الفلسفية والمذهبية؛ (علم الاجتماع الماركسي، علم الاجتماع الرأسمالي...). وبعبارة أخرى؛ فإن نظريات علم الاجتماع الغربي ومواقف وتصورات وممارسات السوسيولوجيين الغربيين، كانت ولا تزال إفرازا وتعبيرا عن إيديولوجيات معينة.

ثم انتقل علم الاجتماع الغربي إلى مجتمعاتنا العربية والإسلامية، عن طريق المحاكاة والتبعية، وظل محصورا داخل أقسام بعض الجامعات والمعاهد والمؤسسات. وأقيمت أبحاث ودراسات اجتماعية في موضوعات متعددة، وألفت كتب ونشرت مجلات في هذا المجال، كما عقدت ندوات ومؤتمرات حول علم الاجتماع والقضايا الاجتماعية العربية.

لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: ما مدى إسهام علم الاجتماع الغربي المستورد في تقدم وتنمية الأمة العربية والإسلامية؟ وهل علم الاجتماع الغربي شرط أساسي لتقدم بلداننا ؟

أعطي القوس باريها، وأنقل للقراء الجواب عن هذين السؤالين من نص مداخلة علمية للدكتور سعد الدين إبراهيم؛ أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية بالقاهرة:

"هل يستطيع الوطن العربي أن يعيش و"يزدهر" بلا علماء الاجتماع العرب؟

وحتى لا أطيل في المقدمات فإن إجابتي الشخصية عن السؤال بكل الصدق المؤلم هي أنه نعم .
نعم يستطيع مجتمعنا أن يعيش وبتقدم بلا علماء الاجتماع العرب ، ولكي أخفف على نفسي ألم هذه الإجابة، حاولت توجيه هذا السؤال نفسه بالنسبة إلى فئات أخرى في المجتمع ، وخلصت إلى أن هناك فئات عديدة لا يستطيع المجتمع أن يعيش بدونها أهمها : الفلاحون والعمال ورجال الإدارة والجيش ، وأن هناك فئات أخرى لا يستطيع المجتمع أن يتقدم بدونها أهمها : المهندسون والأطباء والعلماء وخبراء التكنولوجيا والاقتصاد .. أما علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا والنفس والسياسة والإعلام والآثار وفئات أخرى عديدة فيمكن للمجتمع أن يعيش ويتقدم بغيرهم .
وبشكل آخر لو وضعنا السؤال : ماذا يحدث للوطن العربي إذا اختفى كل علماء الاجتماع فجأة ؟ والإجابة هي : لا شيء سيحدث للمجتمع سلباً أو إيجاباً ، وينطبق ذلك على فئات مهنية أخرى كما ينطبق على مجتمعات أخرى عديدة .
وبالمقابل هناك مجتمعات تقدمت في العصر الحديث دون أن يوجد فيها فئة مهنية تسمى علماء الاجتماع؛ مثل اليابان إلى ثلاثينيات هذا القرن ، والصين إلى عقود متأخرة من هذا القرن .
كذلك ليس هناك ما يثبت قطعياً أن بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة ما كان لها أن تتقدم خلال القرنين الأخيرين، لولا وجود علماء الاجتماع فيها .
وما أريد أن أخلص إليه هو أن علماء الاجتماع كفئة مهنية متخصصة ليست ضرورية في المجتمع الحديث، وبالطبع لم تكن ضرورية في المجتمع التقليدي. ولكن ظهورها في الأكثر تقدما كان مصاحبا لرغبة وليس لضرورة، أن تفهم هذه المجتمعات نفسها في مرحلة التغير أو التحول السريع الذي أحدثته الثورات السياسية والاجتماعية والصناعية....

ولا بد من أن أسارع إلى القول بأن "الفهم" الذي يقدمه علم الاجتماع للذات المجتمعية ليس هو الفهم الوحيد. فمنذ بداية الحياة في جماعات منظمة، كانت هناك دائما "أفهام" يقدمها بعض أفراد المجتمع، سواء أكانت أسطورية أو خرافية أو ميتافيزيقية أو دينية أو فلسفية. كما أنه في المجتمع الحديث ليس علم الاجتماع هو الوحيد الذي يحتكر تقديم "فهم" للذات المجتمعية. فهناك علوم وأنساق معرفية أخرى تنافسه في تقديم "أفهامها"؛ كما أن هناك دائما فئات مهنية وأفرادا كثيرين يجتهدون في تقديم مثل هذه الأفهام"[1]

 

لا شك أن كلام د. سعد الدين إبراهيم يتضمن رأيا سديدا وموقفا صائبا في الموضوع، وهو موقف لا يرضي، بطبيعة الحال، السوسيولوجيين العرب المعاصرين الذين يعتبرون علم الاجتماع شرطا أساسيا في التقدم والانخراط في التنمية والحداثة. ولعل أشد ما أعجبني في هذا النص، قوله؛ " ليس هناك ما يثبت قطعيا أن بريطانيا ...... فيها". وقوله ؛ "إن علماء الاجتماع كهيئة مهنية متخصصة ليست ضرورية..... التقليدي".

نعم، ذلك أن التقدم الاجتماعي والسياسي والعلمي والتكنولوجي الذي أحرزت عليه هذه الدول، مرده إلى عوامل ثقافية واقتصادية وعلمية... متداخلة ومتضافرة، تراكمت عبر عقود بل قرون. وكان للحكام ورجال السياسة والاقتصاد والعلماء والفلاسفة، الإسهام الأكبر في صياغة ذلك التقدم. أما علماء الاجتماع فإن إسهاماتهم لا ترقى إلى مستوى المشاركة في صنع القرار والتغيير الفعلي، كما هو الشأن بالنسبة لرجال السياسة والاقتصاد.

وأحسن مثال يستشهد به الآن في هذا المضمار، مثال دولتي ماليزيا وتركيا، حيث أن هاتين الدولتين استطاعتا أن تحققا نموا اقتصاديا وتقدما صناعيا وتكنولوجيا دو وجود أوجست كونت ماليزي، أو دوركايم تركي، أو دو الاعتماد على مدرسة اجتماعية غربية معينة.

وفي هذا الصدد تقول د. وسيلة خزار: " ماذا حققت الماركسية بانحيازها إلى الطبقة البروليتارية ودعوتها إلى إقامة المجتمع الشيوعي؟ هل تحققت العدالة الاجتماعية التي نادى بها ماركس؟ هل انعدم التفاوت الطبقي الذي كان ينشده؟ هل سقطت الدولة كما تنبأ؟

لم يتحقق كل هذا، ما يؤكد أن عالم الاجتماع لا يملك أن يضع اقتراحاته وحلوله للمشكلات الاجتماعية موضع التطبيق العملي. ولهذا نؤكد من جديد أن أبحاثه السوسيولوجية هي مسؤوليته القصوى، ويبقى للتغيير والإصلاح قنواته ورجاله.

مسؤوليتنا كعلماء اجتماع تكمن في تعرية الواقع الاجتماعي بحيث يصبح مكشوفا أمام الجميع. ولرجال السياسة والأحزاب والنقابات المهنية والجمعيات الثقافية والدينية أن يؤدوا دورهم في العلاج والإصلاح والتغيير، بما يحقق أهداف وطموحات الجماهير التي تمثلها"[2]

وهذا هو عين الصواب، إذ لطالما اجتهد السوسيولوجيون العرب في "تعرية وكشف الواقع الاجتماعي العربي"، والتنبيه على مواطن الفساد، ومكامن الداء مع تقديم العلاج والحلول، ومع ذلك لم يلتفت أصحاب السلطة والقوة، وصناع القرار إلى كلامهم ونداءاتهم، لأن تصورات وطموحات أولئك السوسيولوجيين كثيرا ما تتعارض مع مصالح المسؤولين وأصحاب الجاه والنفوذ. كما أن أطروحات السوسيولوجيين الحداثيين ذوي الميولات الغربية، لا تتناغم مع عقلية وثوابت الأمة العربية والإسلامية.

 

د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين تطوان المغربم شعبان 1435/ يونيو 2014.

 

 

 

[1]-  "نحو علم اجتماع عربي"؛ جماعة من المؤلفين، مركز دراسة الوحدة، سلسلة كتب المستقبل العربي(7)، بيروت 2010 ، ص 343-344.

[2]- د. وسيلة خزار؛ "الأيديولوجيا وعلم الاجتماع"، منتدى المعارف، بيروت 2013. ص 305.

مذكرات معتمر (5): المعتمر وحلاوة القرآن

0




يؤم مكة للحج والعمرة مسلمون من كل بلاد العالم، رجالا ونساء. فتقع عيناك على وجوه مختلفة، وأجسام تتفاوت من حيث الطول والقصر والسمنة والنحافة. وجوه تعلوها إشراقات ربانية، تخبرك عما يختلج في صدور أصحابها من ألوان المحبة والسعادة والعبودية؛ خشوع وبكاء وتذلل وتوبة وأوبة وتذكر وتفكر واعتبار واستبصار وخضوع وافتقار... فهذا يطوف، وآخر قائم يصلي، وذاك يتلو القرآن أو يتلذذ بذكر الله؛ تهليلا أو تسبيحا أو استغفارا. وهكذا قلوب الضيوف المعتمرين معلقة بالله وعبادته، أنساها ربها أهلها وأولادها ومالها ووطنها. إنها فرصة التحرر من قيود الدنيا، ومن أغلال الشهوات والأهواء، ومن حجب النفس الكثيفة.


إن هؤلاء المسلمين المعتمرين، على اختلاف ألوانهم وألسنتهم، كثيرا ما يتواصلون فيما بينهم بلغة القلوب والإشارة عند تعذر  لغة مشتركة. إن لسان التقوى والمحبة هو ترجمان القلوب.


واللغة العربية قد تبوأت بفضل القرآن، منزلة عظيمة وشريفة. وعلى قد معرفة المعتمر باللغة العربية وعلمه بها، يكون فهمه وتذوقه للقرآن. فلا شك أن المعاني القرآنية، وهي تنسكب في قلب المؤمن أثناء قراءة الإمام في الصلاة الجهرية، تحدث ما شاء الله من الآثار العجيبة. في حين أن المسلم الأعجمي الذي لا علم له باللغة العربية أو حظه منها ضعيف، يصعب عليه إدراك تلك المعاني. ومع ذلك فإن القرآن يصل إلى قلبه بإذن الله. وقد ثبت علميا أن الكافر الجاهل بالعربية قد يتأثر بالقرآن عند سماعه، فكيف بمن يؤمن به من المسلمين الأعاجم ولله في خلقه شؤون.



إن هناك عنصرا ينسكب من الحس بمجرد الإستماع لهذا القرآن. فإن كان غامضاً على بعض الناس الذين لايتقنون اللغة العربية فهم يحسونه، ويجعلهم يدركون بإن مصدره هو الله.
"ولقد أدرك هذهِ العلامة الإعجازية في القرآن المستشرقون، بله المسلمون، وقال أحدهم وهو المستشرق(س.ل: (إن أسلوب القرآن جميل وفياض ومن العجب أنه يأسر بأسلوبهِ أذهان المسيحيين، يجذبهم إلى تلاوته سواء في ذلك الذين آمنوا أم لم يؤمنوا به وعارضوه.". ويكفي المتأمل ما أحدثه القرآن من تأثير هائل في حياة العرب، حتى جعلهم من رواد العلم والمعرفة وسادوا العالم به.


وكثير من المعتمرين لا يغادرون المسجد الحرام بعد أداء الصلاة المفروضة، وإنما يمكثون في أماكنهم، يناجون ربهم من خلال قراءة القرآن وتدبره. وقد لا يقطع مناجاتهم القرآنية إلا صوت المؤذن ليستأنفوا القراءة بعد أداء الصلاة المفروضة. ولئن سألتهم عن سر هذا الإقبال على القرآن في المسجد الحرام، لأجابوك أجوبة تكاد تكون متشابهة في المعنى، وإن اختلف اللفظ. إنهم في ضيافة الرحمن، قد اجتمعوا على مأدبته. أو إن شئت قلت إنهم في عرس رباني؛ طعامه وشرابه ذكر الله وقرآنه.


ومن بركة هذه البقعة الطاهرة أن القارئ للقرآن يفتح الله له من الفتوحات في فهم القرآن ما يكون سببا في ازدياد علم أو فائدة، أو السمو بالنفس وتزكيتها. وكثيرا ما تحملك قراءة الإمام في الصلاة الجهرية، بعد أن يكون الخشوع قد استغرقك وأحاط بأقطار روحك، إلى عوالم روحية لا حدود لها، ترتشف معانيها، وتشعر بالقرب من الله، ورغبة في البكاء... ثم تنهمر الدموع. إنها لحظات آية في بهاء القرب وجمال العبودية، بل إنه مشهد من مشاهد العرس الرباني الإيماني.



د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة؛ رجب الخير 1435/ابريل 2014.



 


مذكرات معتمر (4 ) ؛ بركة الوقت

0




أكتب هذه الكلمات وأنا مسند ظهري إلى عمود من أعمدة المسجد الحرام بمكة المكرمة، أنتظر صلاة الظهر في جو مفعم بالإيمان والطمأنينة. ومن بركة هذه الأيام القليلة، أنني أحسست بطولها وعمقها كأنها تعدل شهرين أو أكثر. وعندما أعملت عقلي باحثا عن أسباب هذا التمدد الزمني وجدتها كثيرة، أهمها؛ البعد عن مشاغل الحياة ومشاكلها ومنغصاتها، وكذا شهوات النفس وأهواؤها. ذلك أن المعتمر ضيف من ضيوف الله. ومن كان في ضيافة الرحمن كفاه الدنيا وما يتعلق بها مما يشغله عن الطاعة. بل إن المعتمر الصادق يجد من حلاوة الإقبال على الله، ما ينسيه الدنيا وما فيها، فلا غرو أن يحتقر، وقد ارتوى من كؤوس الحلاوة الإيمانية، كثيرا من أشيائها ومظاهرها.


إن المسلم المعتمر عندما يتحرر من مشاغل الدنيا بسبب ممارسته لسنة وشعيرة العمرة، تنجذب روحه تلقائيا نحو خالقها؛ فيكثر من الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تهليلا وتسبيحا واستغفارا. كما يجد من المتعة الروحية أمرا عظيما قد لا يعبر عنه لسان ولا يصفه قلم. فبشرى لمن اعتمر وذاق طعم هذا "الحمام الروحي الإيماني". ولكأني بالمعتمر الصادق يولد ولادة جديدة. كيف لا وهو أقرب ما يكون من خالقه إذ هو ضيف من ضيوفه، ومن المدعوين لمأدبته، وما أدراك ما مأدبة الرحمن.


وإذا كانت صلاة واحدة في المسجد الحرام تعدل من حيث الثواب مائة ألف صلاة، وثواب قراءة القرآن أعظم في هذا المكان من أي مكان آخر، وأجواء الخشوع والصدق والإخلاص متوفرة، وانجذاب الروح إلى أصلها أقوى ما يكونن ف"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" ؟


لا شك أن هذه المعاني الروحية السامية التي يحياها المعتمر، وهذه الأجواء الخاصة المضمخة  بعبير نفحات الإيمان، لها تأثير قوي في طبيعة الوقت أو الزمن، حيث يحصل فيه تمدد واتساع؛ أي بركة عظيمة، تجعل المعتمر الصادق يحقق من ألوان الطاعات والقربات ما قد يعجز عن الإتيان به في بلده وبين أهله. وقد يغنم من الثواب ما لا يعلم قدره وقيمته إلا الله.


وهنا تحضرني خواطر إيمانية متعلقة بأهمية الوقت والزمن من منظور إيماني، كنت قد دونتها ونشرتها مع أخواتها قبل سنوات، أزفها بهذه المناسبة إلى القارئ الكريم:


مراعاة الوقت


لن تتجلى لك حقيقة ذاتك ما لم تراع وقتك، فلا تخضع لزمان لكونه فانيا، ولكون روحك لن تتغير وليست فانية، وكنزك هو الحال الذي أنت فيه، وأمسك لن يعود، وغدك ليس بحاصل، وحياتك هذه حلم، والتي بعد الموت هي الحياة؛ (يا ليتني قدمت لحياتي ). روحك فهمت الخطاب خارج حجاب الزمن، واستعصى عليها استحضاره تحت وطأته. احفظ وقتك، وتحقق بالله فيه، تسطع عليك شموس المعرفة، وتحقق مراد الله من خلقك، وتفز بفرصة العمر قبل فواتها. فهو الموصل إن تحققت به، والحجاب إن غفلت عنه، وساعتك التي أنت فيها.


اجعل الوقت مطية لك


لا تكن مطية وقتك، بل اجعله مطيتك. وأحكم قبضتك على لحظاتك، فقد تهلك بين فتحة عين وغمضتها. والكل في قبضته فاحذره لأ نه القهار. وأطلق بصرك فيما حولك، وبصيرتك في باطنك دون أن تشغل بسواه، فتحجب عما يمكن أن تلهمه. فإن صابرت وراقبت وأحاطت بك العناية، وتم لك ذلك، رميت سلاحك وكسرت شراع سفينتك.


اغتنم وقتك


لا تطرد يومك بغدك، ولا تجعل نفسك تعانق ما ليس بحاصل، أو ما لم يحن بعد وقت حصوله. وإذا لم تفعل ذلك، كنت غائبا وضيعت إمدادات وقتك، وأسأت الأدب؛ لأن الله لم يخلق شيئا عبثا، وآياته لم تزل تتجلى لك. ورب حضور منك يثمر علما يورثك القرب، ورب غيبة منك تثمر جهلا يورثك البعد. وإذا أنعم عليك بالقرب لم تعد تشغل بما سيأتي، لأن الذي يملك الكنز لا يعبأ بالفلس، كما أن القرب منه ينفي كل الأبعاد، فلا أثر لماضي ولا لمستقبل، ومن تعلق بجمال الله وأسر بنوره حضر ولن يغيب.




د. عبد الله الشارف؛  مكة المكرمة، رجب الخير 1435/  أبريل 2014.



مذكرات معتمر ( 3)؛ الطواف بالبيت العتيق

0





عباد مكرمون يطوفون بالبيت المعمور، وعباد مؤمنون يطوفون بالبيت العتيق، ونجوم وكواكب في فلكها تطوف وتسبح "وكل في فلك يسبحون" (ياسين 39 ).


لقد غمرني، حال طوافي بالكعبة، شعور إيماني قوي ذكرني بحقيقة العبودية والافتقار إلى الله سبحانه وتعالى. وإن المسلم وهو يطوف، ليشعر بجاذبية نحو الكعبة ومحيطها؛ إنها جاذبية فطرية، جاذبية تنكشف من خلالها معاني الألفة الأصلية، وإشراقات ميثاق الذر؛ "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالو بلى شهدنا" (الأعراف 172  ).


لقد تجرد المعتمر من المخيط ولبس الإحرام، كما تجرد من شهواته وأهوائه وطفق يطوف متضرعا إلى الله، سائلا إياه التوبة والمغفرة، وما شاء من الحاجات. وكلما شرع في طواف جديد، قبل الحجر الأسود أو استلمه أو أشار إليه.


قال تعالى: "وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون" (سورة الأنبياء 33). تشير هذه الآية الكريمة إلى أن حركة الكون الفسيح تتصف بالدوران الشبيه بالطواف حول مركز معين وثابت. ثم إن هذه الحركة الدورانية أو الطواف تشمل أيضا الأشياء الصغيرة والدقيقة؛ مثل الذرة التي أثبت العلم أنها تتكون من نواة يدور حولها إلكترون أو اكثر.، مما يعني أن سائر المواد الصلبة والسائلة تخضع لسنة الطواف. وهكذا يعم جميع ما خلق الله في هذا الكون ناموس الطواف كتعبير أسمى أو كمظهر جلي من مظاهر العبودية لله.


ولا غرو أن يستقبل المسلمون، في سائر أرجاء الأرض، الكعبة في صلاتهم كل يوم. كما أن هذه الجاذبية الروحية التي تجذب أرواح المسلمين إلى بيت الله أثناء الصلاة، هي نفسها التي تجعل الحجاج والمعتمرين يبادرون بالطواف بمجرد وصولهم إلى البلد الأمين.


ومن هنا يمكن القول؛ إن الطواف سلوك كوني يرمز في لغته إلى الانسجام والتناغم بين التكاليف الشرعية وقوانين الظواهر الكونية. ومن ثم فإن المسلم الطائف، حاجا أو معتمرا، يتواصل اختيارا، من خلال طوافه، مع باقي الكائنات والمخلوقات الكونية الطوافة جبرا. كما يستمد من التحامه الروحي بالكون طاقة إيمانية عزيزة، وقد يكرمه الله بنعم جليلة أو يفتح عليه بمعارف شريفة. وعند كشف الغطاء يدرك حقيقة هذا التواصل وجوهره.



د. عبد الله الشارف؛  مكة المكرمة، رجب الخير 1435/  أبريل 2014.

مذكرات معتمر(2 )؛ من فوائد السعي بين الصفا والمروة

0





أثناء القيام بشعيرة السعي بين الصفا والمروة، تذكرت هاجر زوجة نبينا إبراهيم عليه السلام وسعيها بحثا عن طعام أو شراب لولدها الرضيع، الذي كانت تخشى عليه الهلاك والموت. إنها قلقة وخائفة، لكنها كانت موقنة بأن الله سيرحمها لا سيما أنه تعالى هو الذي أوحى إلى زوجها بتركها وولدها في هذا المكان القفر القاحل. لا شك ان حالا قويا من الاضطرار قد غمرها كما يغمر كل إنسان مضطر.


وهذه من بين الفوائد التي جنيتها وأنا أسعى بين الصفا والمروة متفكرا وذاكرا ومنكسرا؛ إنها فائدة الاضطرار إلى الله بكل ما يحمله هذا اللفظ من معاني الافتقار والعبودية.


وحال الاضطرار قلما يشعر به المسلم، اللهم إذا حل به ما يخيفه أو يقلقه، أو نزلت به نائبة أو مصيبة لا يستطيع لها دفعا. فيضطر للجوء إلى الله، وإفراده بالدعاء،وقطع القلب عما سواه. قال تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض" (النمل 62). وإجابة الله للمضطر تعم المسلم والكافر والبر والفاجر؛ إذ رحمته وسعت كل شيء.


وقال تعالى؛ "حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين" (يونس 22). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء المضطر ؛ "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت". فعلى الحاج أو المعتمر، وهو يسعى بين الصفا والمروة، أن يذكر الله ويناجيه، ويستحضر حال الاضطرار الذي عانته أم إسماعيل هاجر رضي الله عنها. فلعل الله يحدث في باطنه من أحوال الاضطرار والافتقار والانكسار والعبودية ما قد ينتفع به في دنياه وآخرته، أو يكون سببا في توبته ويقظته.


ومن أجمل ما كتب في هذا الباب، كلام نفيس للعلامة الفقيه محمد بن قيم الجوزية، حيث يقول عن مشهد الذل والانكسار المرتبط بحال الاضطرار:


 "وهو مشهد الذل ، والانكسار ، والخضوع ، والافتقار للرب جل جلاله ، فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة ، وافتقارا تاما إلى ربه ووليه ، ومن بيده صلاحه وفلاحه ، وهداه وسعادته ، وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتها ، وإنما تدرك بالحصول ، فيحصل لقلبه كسرة خاصة لا يشبهها شيء ، بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل ، الذي لا شيء فيه ، ولا به ولا منه ، ولا فيه منفعة ، ولا يرغب في مثله ، وأنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيمه ، فحينئذ يستكثر في هذا المشهد ما من ربه إليه من الخير ، ويرى أنه لا يستحق قليلا منه ولا كثيرا ، فأي خير له من الله استكثره على نفسه ، وعلم أن قدره دونه ، وأن رحمة ربه هي التي اقتضت ذكره به ، وسياقته إليه ، واستقل ما من نفسه من الطاعات لربه ، ورآها ولو ساوت طاعات الثقلين من أقل ما ينبغي لربه عليه ، واستكثر قليل معاصيه وذنوبه ، فإن الكسرة التي حصلت لقلبه أوجبت له هذا كله .


فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور ! وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه ! وما أنفع هذا المشهد له وأجداه عليه ! وذرة من هذا ونفس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم ، وأحب القلوب إلى الله سبحانه قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة ، وملكته هذه الذلة ، فهو ناكس الرأس بين يدي ربه ، لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلا من الله ". (مدارج السالكين، ج1 ص 473.).

د. عبد الله الشارف؛  مكة المكرمة، رجب الخير 1435/  أبريل 2014.


 


 

مذكرات معتمر (1)؛ سفر إيماني

0


انطلقت بنا الحافلة صباح يوم الثلاثاء  21  جمادى الثانية 1435/ 22 أبريل    2014،  من الساحة المحاذية لمصلى العيد بمدينة تطــاون العامرة.


أخذ السيد الفاضل محمد الشعيري، المرشد والمسؤول عن المعتمرين، مكبر الصوت، وطفق يدعو بصوته الجهوري، دعاء السفر والراكبون المعتمرون يرددون كلماته.


شعور جميل مفعم بالسعادة والابتهاج، ونحن نودع مدينتنا البيضاء الغراء. وما لبثنا أن ولجنا الطريق السيار الرابط بين طنجة والدار البيضاء. طريق فسيح ممتع، يشق الروابي والتلال والسهول الخضراء. يا له من سفر يجمع بين نعمتي الدنيا والآخرة. إنه سفر العمرة، سفر الطاعة، سفر الإنابة إن شاء الله.


وبالمناسبة، أقتطف نصا من مقال تحت عنوان "سفر في سفر" نشرته في "مدونتي" الإلكترونية، قبل سنتين.


"كثيرا ما ينتاب المسلم، أثناء سفره من مدينة إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، شعور بأنه مسافر إلى الله، لا سيما إذا كان متصلا بالله من خلال ذكره، أو التفكر في مخلوقاته، أو استحضار مشاهد الوعد والوعيد. ثم إن البعد، بسبب السفر، عن الأهل والأولاد وكل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية، من أشغال والتزامات وعادات وتقاليد ورموز… كل ذلك يجعل روح المسلم المسافر الذاكر، تتحرر من تلك القيود، وتحلق بكل سعادة وشوق في اتجاه الموطن الأصلي، قال الشاعر:


نقل فؤادك حيث شئت من الهوى


                        ما الحب إلا للحبيب  الأول


كم منزل في الأرض يألفه الفتى


                        وحنينه  أبدا  لأول   منزل


......


ولقد غمرني، وأنا منجذب إلى كلام الله ، شعور لذيذ بالسفر إلى الله، ورغبة عارمة في لقائه… ؛ إلهي، اشتقت إلى لقائك، وحيرني حنين الرجوع إليك، فاجعل سفري إليك سفر نوح في الجارية، ولجوئي إليك لجوء الفتية إلى الكهف، واجعل لي عندك زلفى وحسن مآب.


وقتئد حصل عندي اليقين أنني فعلا مسافر إلى الله، وأن سفري إلى مدينة.... جزء من سفري إليه، أو مرحلة من مراحل السفر الوحيد. فهمست إلى نفسي: لماذا لا أشعر بأثر السفر إلى الله عندما أكون مقيما في بلدتي بين أهلي وعشيرتي؟ فكان الجواب: إن الروح، أثناء الإقامة بين الأهل، غالبا ما تكون مقيدة بقيود مادية واجتماعية، وأخرى نفسية شهوانية، فأنى لها أن تتمتع بمتعة السفر إلى الله؟


ولقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم، عن الشعور بالسفر إلى الله، تعبيرا عميقا عندما قال: “مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها” (حديث صحيح؛ أحمد والترمذي وابن ماجة). كما قال في دعاء له: “أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك”.


  ومما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائم الشوق إلى لقاء الله، وكذلك من اقتدى به واهتدى بهديه ناله نصيبه من الشوق ذاته. وما ظفر المحبون بنعيم المحبة ولذة الشوق إلى الله إلا بدوام ذكره، والذكر هو العبادة التي يتزود منها السائر إلى الله سبحانه ".


بين الفينة والأخرى يباغتنا صوت السيد محمد الشعيري، حاملا إلينا باقات من المواعظ وكذا النصائح والآداب المتعلقة بسنة العمرة. وأحيانا ينوب عنه ولده الشاب طارق حفظه الله، فيتحفنا بنصائح وفوائد جمة.


بعد سويعات، وصلنا إلى مدينة بوزنيقة، واتجهنا نحو مطعم في ضاحية من ضواحيها؛ حيث جمال الطبيعة ونقاء المناخ. تناولنا وجبة الغذاء، ثم صلينا الظهر والعصر جمعا وقصرا.


ركبنا الطائرة، الخطوط الملكية المغربية، على الساعة الثامنة مساء، وتعمق الإحساس بالسفر إلى الله والعزوف عن الدنيا. كما فتحت نافذة من نوافذ قلبي، وصرت أشاهد بعين بصيرتي مشاهد وصورا وأحداثا، مرتبطة بالمكان المقصود؛ مكة والمدينة. منها بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة المشرفة؛ "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" (البقرة 126)، ومنها مشاهد وأحداث البعثة النبوية، وكذا وقائع الهجرة  من مكة إلى المدينة. إنه تاريخ حافل بالإنجازات العظيمة المؤيدة بالوحي، تلك الإنجازات التي غيرت وجه العالم.


قرأت أجزاء من القرآن، والطائرة تحلق على ارتفاع عشر كيلومترات بسرعة قدرها 920/كلم في الساعة. إنها آية من آيات الله. عباد على متن طائرة لبوا نداء الله وهبوا معتمرين يدعون الله ويذكرونه، وهم في السماء كأنهم ملائكة.


بعد ست ساعات نزلت الطائرة في مطار جدة الدولي. قاعات الانتظار مليئة بالمعتمرين من كل بلدان العالم الإسلامي. إنه عرس إيماني .


ركبنا الحافلة قاصدين المدينة المنورة، حوالي الساعة العاشرة صباحا. وتفصل المدينة عن جدة مسافة قدرها أربعمائة كلم، توقفنا خلالها مرتين للاستراحة والصلاة والغذاء. ومما أثار دهشتي أن الأراضي الواسعة الرابطة بين المدينتين، عبارة عن جبال وصخور بركانية حمراء أو سوداء، ولا أثر لخضرة أو ظل أو أنهار أو أشجار. ومما لا شك فيه أن هذه البيئة الصخرية والقاحلة القاسية، لها أثرها العميق في نفسية الإنسان الحجازي.


وصلنا إلى طيبة الفيحاء، مدينة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، بعد الظهر، واتجهت الحافلة نحو حي الفنادق المحاذي للمسجد النبوي، ونزلنا بفندق "مودة النور".


مكثنا في طيبة أربعة أيام، ننتقل بين مكان الإقامة والمسجد النبوي، مقبلين على الصلوات الخمس، لا تحول بيننا وبين ذلك مشاغل دنيوية، كما هو الحال في بلادنا بين أهلنا ومعارفنا.وكثيرا ما  نمكث في المسجد بين الصلوات نستزيد بذلك الثواب، ذاكرين الله أو مقبلين على القرآن.


د. عبد الله الشارف؛ المدينة المنورة، جمادى الثانية 1435/ أبريل 2014.

الأحلام المخيفة وعلاجها بالقرآن

0


هناك كثير من الأطفال والمراهقين والشباب، يتألمون عندما تهجم عليهم الأحلام المزعجة والمخيفة، بحيث يضطرب نومهم ، ولا يتمعتون بالنوم العميق الهادئ. بل أحيانا يستيقظون خائفين وجلين، وقد ودع الكرى أجفانهم. ولا يخفى أن هذه الحالات النفسية التي تعتري هؤلاء الأشخاص لها علاقة وطيدة إما بحياتهم اليومية؛ حيث يتعرضون خلالها لأشياء أو أمور تسبب لهم الخوف والقلق. وإما لكونهم تعرضوا لحوادث أو مواقف أو صدمات أليمة، ظلت آثارها عميقة في أعماقهم وبواطنهم. وقد تكون وطأة هذه الآثار شديدة جدا تستدعي العلاج النفسي. بيد أننا معشر المسلمين قد أكرمنا الله بكتابه العزيز؛ القرآن، دستور وشرع ومنهج حياة، وحجاب وحصن وأمن وشفاء. قال تعالى: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" (الإسراء 82).


ولقراءة القرآن أو الإستماع له أثر جيد ونافع في كيان المسلم وباطنه، لا سيما إذا كان طاهرا محافظا على صلاته، مقتديا بنبيه صلى الله عليه وسلم، مجتهدا في القيام بما أمره الله به، واجتناب ما نهاه عنه. فلا شك أنه ينتفع بذلك، ويجلب لنفسه الأمن والسعادة والطمأنينة والرضا، وما شئت من فنون المعارف وألوان العناية والرحمة. وهذا أمر صحيح ومجرب، يعرفه المسلمون قديما وحديثا. فكلام الله قاهر مؤثر نافع لمن أراد الانتفاع به.  قال تعالى: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" (ق 37)، والآيات كثيرة .


وفي السنة الماضية، ابتليت ابنتي التي تبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، بتلك الأحلام المزعجة، بسبب عامل الخوف الناتج عن مشاهدة صور الألعاب المخيفة من خلال استعمال جهاز الكمبيوتر، وعن قراءة بعض القصص والروايات المتضمنة لمشاهد وأحداث تعكس الخوف أو توحي به، أو أحيانا بسبب خصام بسيط يقع بينها وبين أخيها الذي يكبرها ببضع سنوات، إلى غير ذلك من الأسباب البسيطة والمتجددة في حياة الأبناء والبنات في مثل سنها.


وكثيرا ما كانت تصرخ وهي نائمة، وقد تغادرغرفتها متجهة نحو غرفة أبويها. فنصحتها باجتناب كل ما يسبب لها ذلك، لكن دون جدوى.


فألهمني الله نشر آياته مسموعة في أرجاء البيت؛ بضع ساعات نهارا وليلا. وأحيانا أترك الكمبيوتر مشغلا طوال الليل يبعث في فضاء بيتي كلام الله بقراءة الشيخ سعد الغامدي حفظه الله. فكانت النتيجة مذهلة جدا، إذ تخلصت ابنتي من تلك الأحلام المخيفة والمزعجة، وانقطع الصراخ تماما. كما أن ابنتي شرعت في المحافظة على صلواتها في أوقاتها مع قراءة جزء من القرآن والأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قبيل النوم. ولاحظت بعد بضعة أيام، أن عامل الخوف لديها، بدأ يضعف شيئا شيئا. فحمدت الله سبحانه وتعالى على كلامه الشافي، والطارد للوساوس والشياطين. هذا وإن الآيات القرآنية المرتلة والمسموعة، عندما تنتقل، عبر الأثير، في أرجاء البيت، تهيمن عليه، فيغدو مكانا آمنا مطمئنا، ثم تعم الطمأنينة قلوب القاطنين.


د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/ كلية أصول الدين. تطوان/المغرب. جمادى الثانية 1435/أبريل 2014.

خصوصية الأسئلة والقضايا الاجتماعية في البلدان الإسلامية

0





أجمع الباحثون والدارسون النقاد في ميدان تاريخ نشأة وتطور العلوم الغربية الحديثة على أن الصراع المرير والطويل بين رجال الدين والعلماء والفلاسفة، كان عاملا أساسيا في نشأة النهضة العلمية؛ حيث ترعرعت الفلسفة الحديثة بعقلانيتها وماديتها. كما تأسست العلوم الطبيعية، ثم العلوم الإنسانية والاجتماعية. وما كان لهذه العلوم أن تسود في أوربا الحديثة، إلا بعد كسر شوكة رجال الدين واللاهوتيين، الذين احتكروا المعرفة قرونا طويلة، ومنعوا الأوربيين من التعلم .


وقد تشكل في وعي الرجل الغربي الموقف العدائي من الدين المسيحي، بل من كل الأديان. وحصلت لديه القناعة بأن الدين يعادي العلم، ويمنع العقل من التفكير وممارسة وظيفته الطبيعية.


وبناء على ذلك، فإن الدين، في زعمه، لا يصلح للتقدم والنمو الثقافي والحضاري، كما لا يستطيع تقديم الحلول للقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولا توجيه الانسان الوجهة الصحيحة، التي تضمن له الحياة السعيدة والآمنة. وهكذا أسند هذا الدور إلى علماء الاجتماع والنفس، الذين اجتهدوا في دراسة الأوضاع الاجتماعية والنفسية للإنسان الأوربي الجديد؛ إنسان ما بعد الثورات الدينية والعلمية والإجتماعية والسياسية. فظهرت النظريات الاجتماعية والنفسية التي تفسر الظاهرة الإنسانية، وتوجهها انطلاقا من رؤى وتصورات فلسفية وايديولوجية لبست لباسا علميا.


يقول الدكتور إبراهيم عبد الرحمن رجب:


"والحضارة الغالبة اليوم، حضارة تحترم العلم وتتطلع إليه بأنظارها طلبا للهداية والرشاد، بعد أن رفضت تلك الحضارة "هداية" الديانات المحرفة، التي حاولت أن تفرض باطلها على العلم والعلماء في مطالع العصر الحديث في أوربا. فاضطرتها المجتمعات الغربية في نهاية المطاف للانزواء إلى زوايا الحياة الفردية الخاصة، مستبعدة إياها بالكلية من إدارة شؤون الدنيا، وذلك فيما أصبح يعرف بالاتجاه العلماني. ومن هنا فقد احتلت "العلوم" الاجتماعية مكانا كان في الماضي محجوزا لوحي السماء... احتلت مكانة توجيه الناس إلى ما يصلح حياتهم فيما يغيب فهمه وإدراكه عنهم، كالأمور المتصلة بأهداف الإنسان وحاجاته في هذا الوجود، وفي كيفية تنظيم الناس لمجتمعاتهم، في ضوء تلك الأهداف وهكذا... فأصبحت "نظريات" العلوم الاجتماعية بمثابة الموجهات الكبرى لإلهام الناس كيف يتصرفون وكيف يعيشون، فرأينا الناس يهرعون وراء فرويد وغيره ممن ينتسبون لنظرية التحليل النفسي، يستلهمونهم الرشد في فهم النفس الإنسانية التي لا تزال مستغلقة على الفهم...


إن التوجهات العامة لتلك العلوم ونظرياتها، والافتراضات الأساسية التي بنيت عليها، قد نبتت وتطورت في إطار تفاعلات وصراعات، بين قوى اجتماعية محددة، في ظروف تاريخية وجغرافية خاصة...


ولكن هل يمكن القبول بنتائج تلك المعارك التاريخية بين رجال الدين ورجال العلم الأوربيين، في المجتمعات الإسلامية التي لم تشهد إلا وحدة العلم والوحي؟... إن من الواضح أننا لسنا ملزمين بمتابعة غيرنا في أخطائهم وفي تجاوزاتهم...


إن التزامنا "العلمي" يحتم علينا أن نعيد النظر فيما درسناه وندرسه من هذه العلوم، لكي نتبين مواطن الخطأ في مسلماتها الأساسية..."[1]


يستنتج مما سبق ، أن طبيعة المراحل التاريخية التي مر بها الإنسان الأوربي قبل بضعة قرون، وطبيعة الصراع بين الدين المسيحي الكنسي والعقل الأوربي التواق الى العلم والحريةن وطبيعة المشاكل الإجتماعية والسياسية التي نتجت عن الثورات العلمية والصناعية...كل ذلك أدى إلى طرح أسئلة اجتماعية وفكرية وحضارية، تخص المجتمع الأوربي. معنى ذلك أن القضايا والأسئلة الفلسفية والإجتماعية والنفسية التي أفرزها،ولا يزال، التطور الثقافي والحضاري المشار إليه، هي أسئلة وقضايا تاريخية خاصة ومحددة زمانيا ومكانيا وحضاريا. إنها تخص المجتمعات الأوربية، وقد شملت في تطورها وتجددها ما يعرف الآن بالمنظومة الغربية. ومن هنا، أخطأ من ظن أن تلك المعارف والرؤى والتصورات الإجتماعية والنفسية والفلسفية الغربية، تتعدى حدودها الجغرافية والحضارية وتتصف بالشمولية ؛ أي تشمل حضارات وثقافات أخرى مغايرة.


إن المجتمعات الإسلامية المعاصرة لها أسئلتها الخاصة، ولها قضاياها الإجتماعية والنفسية والثقافية والسياسية... لا يمكن تحليلها والإجابة عنها إلا انطلاقا من الهوية والتراث، والبنيات المادية والمعنوية للواقع الإسلامي المعاصر.


إن العلوم الإجتماعية التي أنتجها الغرب المعاصر، ليست علوما كونية مثل العلوم الطبيعية، ولا تعدو أن تكون سوى مدارس ونظريات محلية، أفرزها مسار تطوره الحضاري. ثم إن هذه العلوم ساحة من ساحات الصراع الأيديولوجي سواء بين أنساق ونماذج الحضارة الواحدة، أو بين المنظومات الحضارية العالمية الكبرى. ومن هنا فليس من المنطقي أن نلزم مجتمعاتنا العربية والإسلامية، بفلسفات ومدارس ونظريات اجتماعية لا تعبر عن واقعها وخصوصياتها.



وقبل ما يزيد على ثلاثة عقود؛ أي في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي الميلادي، ظهر  بعض المفكرين والدارسين المسلمين، الذين أخذوا على عاتقهم النهوض  بالعلوم الإجتماعية والنفسية والتربوية، اعتمادا على التراث الإسلامي مع الإستفادة المشروطة من الثقافة الغربية. وهكذا انتشرت الدعوة من خلال التأليف والندوات و اللقاءات، إلى التأصيل الإسلامي للعلوم الإجتماعية والنفسية والتربوية، أوإلى ما سمي بأسلمة المعرفة، أو أسلمة العلوم الإنسانية. وهي محاولة رائدة في هذا الميدان؛ حيث تحث على التمسك المرن بالأصالة والثوابت الحضارية للمجتمع الإسلامي، كما تنبذ كل أنواع التبعية والتقليد الذي وقع فيه جل المشتغلين بهذه العلوم في بلادنا. وقد يشكل هذا التيار التجديدي، الذي يتزعمه المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، رغم بعض الانتقادات الموجهة إليه، لبنة من لبنات صرح النهضة الفكرية في البلدان الإسلامية، التي هي في أمس الحاجة إلى التجديد والإبداع في إطار الهوية الحضارية والثوابت، والقيم الدينية والثقافية الإسلامية.



د. عبد الله الشارف/ جامعة القرويين، كلية أصول الدين. تطوان المغرب. جمادى الثانية 1435/ أبريل 2014.


 

















[1] - إبراهيم عبد الرحمن رجب؛ التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية، دار عالم الكتب/ الرياض 1996، ص 7-8.




التقوى نجاتك

0


نجاتك في سلامة مركبك


جسدك مركب لروحك، إن سلم من الخرق نجا من الغرق، وعانقت روحك الساحل الأبدي، وإلا كسرته أمواج الغواية، وقذفت بأشلائه. وصلاح مركبك معلق بسلامة حواسك؛ إذ بها يحصل العروج، وعليها يتوقف السفر. ولن تعبد الله ولن تشاهد آياته، ما لم تستقم جوارحك وما لم يخشع قلبك؛ ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله).


 


لباس التقوى


لباس التقوى جمالك، فلا تترك الشيطان يسلبك إياه فتفقد كرامة الاستخلاف، ثم يجردك عن إنسانيتك، ويزج بك في حمأة البهيمية، فيتحقق مراده فيك، ويسخر منك هو وقبيله. ولو رأيت الأجل ومروره، لنسيت الأمل وغروره، ولو شمرت فكرك فيما خلقت له، لما اشتد حرصك على الدنيا، ولما أتعبت نفسك فيما سيفنى.


 


ابتغ إليه الوسيلة


لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.


  


اتخذ تقوى الله تجارة


خسر بيعك وبارت تجارتك، واستحالت سرابا. وأقفرت جنتك، ولما تنبت شيئا. وما زلت تلهث حتى بلغ منك الجهد مبلغه، وتقطعت أوصالك، ونسيت أن "اليوم الرهان وغدا السباق والجنة الغاية"، و أن "من في الدنيا ضيف وما في يده عارية والضيف مرتحل والعارية مؤداة". فاتخذ تقوى الله، تجارة تأتك الأرباح وتحمد البضاعة. وحينئذ تلين الجوارح وتخشع، وتستخشن الجنوب ليونة المضجع، ويسجد القلب، ويهجم اليقين، فتندحر جيوش النفس الأمارة، وتغدو الآخرة أقرب إليك من حبل الوريد.  


 


 د. عبد الله الشارف؛ "واردات وخواطر إيمانية"، جمادى الأولى 1435/ مارس 2014. تطوان المغرب

بين الفلسفة العقلانية والوجدان

0






يرجع قيام الفلسفة الحديثة في أوربا إلى حركتين تاريخيتين، الأولى: حركة النهضة الفكرية وإحياء العلوم وآثار اليونان، والثانية: حركة الإصلاح الديني. ففي منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، بدأت آثار اليونان وفلسفتهم تتسرب إلى عقول المثقفين والمفكرين الأوربيين، وانبعثت من إيطاليا لغة اليونان القدامى وفلسفتهم. ثم إن أسباب حركة النهضة الفكرية هاته، ترجع حسب بعض المؤرخين إلى أيام الحروب الصليبية و الاستيطان المسيحي  للقدس، و ولغيرها من المدن والحصون والقرى، حيث استفاد المسيحيون من حضارة المسلمين ومدنيتهم وعلومهم، وكان التلاقح الثقافي بينهما لصالح الغزاة. أضف إلى هذا حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية التي انطلقت من صقلية في القرن الثالث عشر الميلادي، ثم انتشرت في بعض المدن والمراكز العلمية الإيطالية والإسبانية والفرنسية.


أما فيما يخص الحركة الثانية أي حركة الإصلاح الديني، فإنها أسهمت بدور فاعل في تحرير العقول من العبودية التي فرضها اللاهوتيون والكنسيون. وقد تجلى ذلك في ظهور المذهب البروتستانتي على يد لوثر وكالفن، ذلك المذهب الذي دعا إلى التسلح بروح النقد وإخضاع النص الديني للتحليل والنقد العقلي. ولقد أدى تعاون النهضة الفكرية والعلمية مع حركة الإصلاح  الديني، إلى إنتاج عامل ثالث هو ازدهار العلوم الطبيعية، الذي كان له الأثر الفعال والمباشر في تحويل فلسفة القرون الوسطى المسيحية إلى الفلسفة الحديثة.


لم تكن الفلسفة الأوربية الحديثة تدعو إلى تشجيع البحث في العلوم الطبيعية فحسب، وإنما جعلت من الإنسان الحر محور تفكيرها؛ حيث دعت إلى إعادة بناء الإنسان الأوربي انطلاقا من أسس جديدة، وقيم إنسانية وضعية وفلسفية تقوم على تقديس العقل. وبذلك فشا الاعتقاد بأن العقل يستطيع حل كل ألغاز ومشاكل العالم. ثم إن هذا الميل إلى إخضاع كل شيء للعقل وسلطته، أدى إلى وضع العقل نفسه تحت مجهرالبحث والتحليل؛ فتساءل الإنسان الأوربي عن أصول المعرفة وطبيعة الإدراك، وأيهما الحكم في المعرفة: العقل أم التجربة؟ فجا ء العقلانيون، ويمثلهم ديكارت، وردوا المعرفة إلى العقل، وجاء التجريبيون، ويمثلهم بيكون، وأرجعوها إلى التجربة.


ظل العقل يشكل باستمرار محورا من المحاور الأساسية في الفلسفة الأوربية الحديثة. وعندما نشأ علم النفس الحديث، مال بعض علمائه إلى دراسة العمليات العقلية من إدراك وتعلم وتخيل، ودراسة خصائص الدماغ، والجهاز العصبي، وتعزيز ذلك بعلم التشريح، فحدث على إثر ذلك اكتشاف الذكاء المعرفي في فرنسا سنة 1905 على يد ألفريد بيني؛ الذي قام بابتكار طريقة لتشخيص  المستويات العقلية لدى الأطفال الأسوياء واللأسوياء، في المصحات والمدارس الابتدائية في باريس، وتواصلت الجهود في هذا المضمار على يد علماء بريطانيين وأمريكيين وألمانيين.


" أما الوجدان أو الانفعال، فقد نظر إليه السيكولوجيون على أنه متغير غير منظم ومشوش، ويصعب ضبطه أو السيطرة عليه، وأنه يتناقض مع التفكير المنطقي. وقد سادت هذه النظرة منذ القرن الثامن عشر، وسميت ب "حركة العقلنة"، التي لا ترى للوجدان دورا يذكر في نجاح الفرد، وأن حياته ستكون أفضل لو تم تحكيم عقله وعزل انفعالاته، حتى لا تشوش على التفكير السليم. وأن الانفعالات تعكس صورة غير حضارية للفرد.


وتبعا لهذا الاتجاه، فقد اقتصر مفهوم الذكاء لدى معظم الباحثين، لفترة طويلة من الزمن، على الذكاء المعرفي فقط؛ الذي يشير إلى مجموعة من القدرات المعرفية كالتفكير المجرد، والاستدلال والحكم والذاكرة وغيرها. غير أن هذه النظرة أثارت حفيظة بعض السيكولوجيين الذين شعروا بالخوف من سيطرة المدرسة المعرفية على العوامل الأخرى التي تتحكم في السلوك البشري، وفي مقدمتها العامل الوجداني، مما قد يؤدي إلى اختلال النظرة المتزنة إلى الإنسان باعتباره كائنا يجمع بين العقل والوجدان".[1]


وفي بداية الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي، طرأ تحول في علم النفس الحديث متعلق بموضوع الذكاء والقدرات العقلية والنفسية؛ حيث أعيد النظر في الجانب الوجداني والانفعالي عند الإنسان. وبدأ الحديث يكثر بين علماء النفس عن الذكاء الوجداني أو الانفعالي، وأهميته في وقتنا الراهن الذي تفشت فيه مظاهر الفشل والانحراف والعنف، وتصاعدت وتيرة الجرائم والنزاعات والحروب. وهكذا برزت أهمية الذكاء الوجداني كقوة مسيطرة على كل قدراتنا الأخرى إيجابا وسلبا؛ إنها قوة الوجدان. كما تجعل من هذا الذكاء فنا من فنون قيادة الانفعالات وإدارتها. وانتشرت في السنوات الأخيرة كثير من الأبحاث العلمية والتربوية تتمحور حول هندسة الانفعالات وبرمجتها، مرتبطة بالتفكير وتفعيل مهاراته للوصول إلى وعي حقيقي بالذات وإدارتها في المواقف الصعبة. "وتسهم لغة الذكاء الانفعالي في هندسة الذات وتفعيل مسارات حيويتها في التوافق مع الذات والآخرين، واستثمار ذلك في تفعيل مسارات الطاقة اللامحدودة في مكنوناتها، لتبحر في عوالم التفكير الخلاق، والإبداع في الحياة، وهذه هي مكتسبات الاتجاهات السيكولوجية الحديثة، حيث أن حركة علم النفس في بداياتها؛ كانت ترفض كل ما يمت إلى الانفعالات بصلة ولا تقدس إلا لغة العقل والمعرفة، ولكننا في عصر الحداثة.



د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين/ تطوان المغرب. جمادى الأولى 1435/ مارس 2014.










[1] -  د. بشير معمرية؛ "الذكاء الوجداني مفهوم جديد في علم النفس"؛ مجلة علم التربية، عدد 16، 2005، ص 53/ الجديدة المغرب، مطبعة النجاح، الدار البيضاء.




الخلفية الفلسفية للمفاهيم التربوية

0

إن المطلع على آراء ونظريات أشهر الكتاب والمنظرين في ميدان التربية و البيداغوجيا من الغربيين خلال القرن التاسع عشر والعشرين، يلاحظ أن أفكارهم متقاربة، وقلما تتعارض لأنها تنهل من معين واحد هو معين المدنية الغربية القائمة على اصول الفلسفة المادية والعلمانية، ومن هنا جسدت تلك الأفكار منطلقات هذه المدنية وأهدافها.


وتعتبر القطيعة الروحية؛ أي الثورة ضد الدين ونبذ كل ماله علاقة بالتصور الديني والأخلاق والقيم الروحية؛ الأرضية الفكرية والفلسفية التي انطلق منها هؤلاء الكتاب، لأنهم اعتبروا الدين عاملا من عوامل التخلف والظلام. وترتبت على هذه المسلمة بالنسبة لهم، مسلمة ثانية ترى في الحياة المادية الدنيوية الحياة الحقيقية الوحيدة، إلى غير ذلك من المبادئ والمسلمات التي تقوم عليها الحضارة الغربية والتي لا يتسع المجال لذكرها.


لقد كان من الطبيعي أن تنعكس فلسفة الحضارة الغربية وتصوراتها على كافة العلوم والفنون والكتابات الأدبية والتربوية؛ فعندما ندرس مثلا فكر الكاتب والفيلسوف الأمريكي وليام جيمس (1842-1910) نجده قائما على ما يسمى بالبرجماتية؛ أي تقدير المبادئ والحقائق من خلال قيمتها العملية المنفعية، ونجده بالتالي قد دعا إلى اعتماد نتائج علم النفس التجريبي في مجال التربية، وإلى توجيه الأطفال توجيها عمليا منفعيا في إطار المفهوم المادي للحياة الأمريكية.


وهناك كاتب وفيلسوف آخر اسمه جون ديوي، الذي اشتهر أكثر من غيره في العصر الحديث بنظرياته التربوية، والذي أخذت بتوجيهاته مدارس ومراكز التوجيه التربوي في الدول الناطقة بالإنجليزية، بالإضافة إلى الدول التي خضعت للاستعمار الإنجليزي كمصر والعراق والهند. ولقد أثنى عليه الدكتور فاخر عاقل في كتابه معالم التربية ووصفه بالمربي العظيم. ويحدثنا التاريخ المعاصر أن جون ديوي هذا كان من ألد أعداء المسيحية في النصف الثاني من القرن 19، ولم يسلم بسبب موقفه المتطرف من انتقادات بعض المحافظين من رواد الكنيسة الكاثوليكية، لكن نظرا لهيمنة روح الحياة المادية والمنفعية في الغرب، لقيت آراؤه التربوية العلمانية قبولا منقطع النظير.


دعا جون ديوي إلى جعل المدرسة صورة واقعية للحياة الاجتماعية، كما دعا إلى رفض كل ما يتعلق بالماضي من فكر أخلاقي أو عادات اجتماعية أو معتقدات دينية، وأن القيم يجب أن تستنبط من الحياة الواقعية، أي الحياة المادية المنفعية التي يمثل المجتمع الأمريكي ، حيث عاش جون ديوي، أسمى نموذج لها.


إن هذا المسار المادي


 والنفعي للمفاهيم التربوية الحديثة، والذي نلمس آثاره في حياتنا الاجتماعية المعاصرة، يشكل نتاجا نهائيا وتتويجا لمجهودات فكرية وفلسفية لفلاسفة وعلماء النهضة الأوربية، التي انطلقت من إيطاليا في القرن الخامس عشر الميلادي، والتي من أقطابها بترارك، وإراسم، ثم مونتاني، وفنلون، مرورا بروسو وفولتير، قبل أن ينتقل الإرث التربوي إلى فرويد وجماعة من علماء النفس والبيداغوجيين والتربويين المحدثين.


هؤلاء المفكرون والفلاسفة ابتداء من عصر النهضة، كانوا يركزون على الإنسان انطلاقا من تصور أفقي في مقابل التصور العمودي ؛ ذلك التصور الذي يربط هذا المخلوق بخالقه. فكان من البديهي أن يصاغ الفكر التربوي في إطار هذا التصور الأفقي المنصب على الأرض والمادة، وكل ما له  بالمنفعة العاجلة والمادية.


د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين جامعة القرويين/ تطوان المغرب جمادى الأولى 1435/مارس2014.


 

أوجست كونت والقوانين الاجتماعية

0


في النصف الأول من القرن  التاسع عشر الميلادي، قام الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت (1779-1857) بتأسيس علم الاجتماع الغربي، بوصفه علما مستقلا في ذاته، لدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية، شأنه في ذلك شأن العلوم الطبيعية. فكتب يقول:


"إنه لدينا الآن فيزياء سماوية ، وفيزياء أرضية ، ميكانيكية أو كيميائية ، وفيزياء نباتية وحيوانية ، ومازلنا بحاجة إلى نوع آخر من الفيزياء هو الفيزياء الإجتماعية، حتى يكتمل نسقنا المعرفي عن الطبيعة. وأعني بالفيزياء الاجتماعية، ذلك العلم الذي يتخذ من الظواهر الاجتماعية موضوعا للدراسة، باعتبار هذه الظواهر  من روح الظواهر العلمية والطبيعية والكيميائية والفيسيولوجية نفسها، من حيث كونها موضوعا للقوانين الثابتة"[1].


لقد اعتقد أوجست كونت أن علم الاجتماع هو المظهر المتطور النهائي للمعرفة الإنسانية، وأنه يقوم على المناهج نفسها التي قامت عليها العلوم الطبيعية، وذلك بافتراض التماثل بين ما هو  اجتماعي وما هو طبيعي.


أما من حيث الموضوع، فقد قسم علم الاجتماع إلى قسمين: علم الاجتماع الستاتيكي؛ ويتناول ما هو ثابت نسبيا ؛ ( المؤسسات والتنظيمات، والنظم الأسرية والسياسية والاقتصادية...). وعلم الاجتماع الديناميكي؛ ويدرس التغير وحركة المجتمع. ومن ناحية أخرى اعتبر أن المجتمعات الإنسانية تمر عبر مراحل حتمية ثلاث؛ المرحلة اللاهوتية، والمرحلة الميتافيزيقية، والمرحلة الوضعية.


ولقد كانت الثورة الفرنسية أعظم سند وعامل لقيام العلوم الاجتماعية؛ حيث ذهب نقاد أوجست كونت إلى أن نظريته في علم الاجتماع؛ تعبير عن الإيديولوجيا المنبثقة من واقع المجتمع الفرنسي بعد الثورة. وقد عبر أوجست كونت نفسه عن ذلك قائلا: "لولاها؛ أي الثورة، لما أمكن أن توجد نظرية التقدم، ولما أمكن تبعا لذلك أن يوجد العلم الاجتماعي"[2].


بيد أن الثورة العلمية التي سبقت الثورة الفرنسية ببضعة قرون، كانت قد مهدت الطريق لظهور وتطور العلوم الطبيعية، ثم العلوم الإنسانية. كما لا ننسى أثر الثورة الصناعية التي انطلقت من إنجلترا، في الإسهام الإيجابي في هذا المجال.


والخلاصة أن هذه الثورات العلمية والسياسة والاجتماعية المتلاحقة، قد أثرت في بنيات المجتمعات الأوربية؛ حيث تفكك النظام الإقطاعي، وحل محله النظام البورجوازي ثم الرأسمالي. ولقد عانت الأسر والطبقات الفقيرة والمتوسطة من تداعيات هذا التحول الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ انتقل الفلاح الأوربي من أسر وعبودية النظام الإقطاعي، إلى جشع واستغلال النطام البورجوازي.


وهكذا أصبحت المسألة الاجتماعية الشغل الشاغل لكثير من المفكرين والسياسيين في ذلك العصر. ومن هنا كان أوجست كونت يهدف من خلال إنشائه لعلم الاجتماع إلى أمرين أساسين:


1-                     تقديم برنامج اجتماعي وسياسي كفيل بإنقاذ المجتمع الفرنسي والأوربي من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية.


2-                      جعل علم الاجتماع في إطار فكري وفلسفي شامل ومستلهم لروح العصرن؛ ذلك الإطار الذي سماه أوكست كونت بالمدهب الوضعي.


 


ولقد كتب أوجست كونت، سنة 1822، كتابا تحت عنوان: "مشروع الأعمال العلمية الضرورية لأعادة تنظيم المجتمع"، حيث بسط القول في موضوع البرنامج الاجتماعي المذكور. كما أنفق عشر سنين من عمره، 1832-1842، في تأليف كتابه الكبير (ستة مجلدات)؛ "دروس في الفلسفة الوضعية" التي تشكل الإطار الفكري والفلسفي لعلم الاجتماع.


وإذا كانت الآثار التي خلفتها الثورة الفرنسية قد روعت أوجست كونت، فإنه لم يهاجمها، ولم يقصد العودة بالمجتمع إلى الحالة التي كانت سائدة قبل الثورة، ولكنه استهدف الحفاظ على الحالة القائمة بالفعل.


"لقد استهدف الفكر الوضعي عند كونت الحفاظ على ما هو كائن. ونظرا إلى إيمانه أن العالم مسير بالأفكار، فقد اعتقد أن الفوضى الفكرية تنتج فوضى اجتماعية. وهكذا رأى بأن المهمة الملحة في تلك الفترة، هي إخضاع الظواهر الاجتماعية لقواعد المعرفة العلمية بغية إنتاج معرفة اجتماعية منظمة تكون مقبولة من طرف الجميع، وعلى هذا الأساس، فعلم الاجتماع باكتشافه لقوانين عامة تحكم الظواهر الاجتماعية، سوف يحد من التدخل السياسي للأفراد والجماعات. ومن خلال ذلك يعم موقف الخضوع اتجاه الظواهر المحكومة بقوانين، مما يساعد على إقامة نظام أخلاقي. إن فرضيته الأساسية هي توسيع مجال التحكم في الطبيعة إلى الإنسان والمجتمع، ويأتي تأسيس علم الاجتماع إذا كضرورة فكرية وسياسية وأخلاقية ملحة"[3].


والخلاصة أن تفكير أوجست كونت كعالم اجتماع، كان انعكاسا للأحداث المضطربة التي اتسم بها عصره؛ ذلك أن الثورة الفرنسية أدخلت تغييرات جذرية وعميقة على المجتمع، كما أن ظاهرة التصنيع أحدثت في كيان المجتمعات الأوربية خلخلة وهزات عنيفة. ومن هنا رغب أوكست كونت في وضع علم جديد للممجتمع، يهدف إلى تفسير القوانين التي تنظم حياة المجتمع كما هو الحال في العالم الطبيعي. ومثلما يسمح لنا اكتشاف القوانين التي تحكم العالم الطبيعي بالسيطرة على الأحداث والتنبؤ بوقوعها حولنا، فإن كشف القوانين التي تحكم سلوك المجتمعات الإنسانية سيعيننا، يرى أوكست كونت، على رسم مصائرنا والارتقاء بحالة الرفاه البشري. وكان أوجست كونت يرى أن المجتمع، مثله مثل العالم الطبيعي، يمتثل في أنشطته لقوانين ثابتة لا تتغير.


بيد أن كثيرا من الأبحاث العلمية والدراسات الاجتماعية النظرية والميدانية، أثبتت أن القوانين الاجتماعية نسبية وليست مطلقة، وأن مماثلتها أو تشبيهها بالقوانين الطبيعية، محض مجازفة وادعاء.


د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين/ جامعة القرويين تطوان المغرب. جمادى الأولى 1435/ مارس 2014.


 









[1] - أحمد الخشاب: "التفكير الاجتماعي؛ دراسة تكاملية للنظرية الاجتماعية"، بيروت دار النهضة العربية 1981، ص 545.





[2] - ليفي بريل؛ "فلسفة أوجست كونت"، ترجمة محمود القاسم، ص 2.





[3] - نيقولا تماشيف؛ "نظرية علم الاجتماع؛ طبيعتها وتطورها"، ترجمة محمود عودة وآخرون، سلسلة علم الاجتماع المعاصر؛ 2، ط8، القاهرة؛ دار المعارف، 1983، ص45.



قلب مشتاق

1




حرام على قلب ذاق حلاوة الإيمان، أن يلتفت إلى سواك.
حرام على قلب تنسم اليقين، أن يركن إلى الفانيات.
حرام على قلب أقلقه الوعيد، أن يتلذذ بالشهوات.
حرام على قلب يترنح بين آثار أسمائك، أن تأسره المسميات.
حرام على قلب رنا إليك بعين البصيرة، أن تحجبه المرئيات.
حرام على قلب يرجو الجنة ونعيمها، أن يتعلق بالأوهام.
حرام على قلب سيق إليك متذللا، أن يأنس بالأنعام.
حرام على قلب أسكره رحيق الذكر، أن يحفل بالأصنام.
حرام على قلب أيقظه ذكرك وحبك، أن يركن إلى النيام.
حرام على قلب........

د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين تطوان/ رجب 1426- غشت 2005.