التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ولدي عبد الرحمن



بسم الله الرحمن الرحيم


ولدي عبد الرحمن،


 

قبل اثنتي وعشرين سنة كنت جنينا ترقد في بطن أمك، وكانت أختك خولة حفظها الله في عامها الثاني، تخطو أولى خطواتها وتنطق ببضع كلمات صداها آية في الرقة والعذوبة والبهاء. وقبيل خروجك إلى عالم الشهادة، كنت مشغولا مع زمرة من الإخوة الأساتذة الأفاضل،على رأسهم شيخي وأستاذي ؛ الشيخ الأستاذ الفقيه أبو أويس محمد بوخبزة الحسني حفظه الله، بتأسيس جمعية أبي القاسم الشاطبي لتحفيظ القرآن وتدريس علومه.
وبينما أنا في غمرة هذا العمل العلمي الرباني، إذ بادرتني أمك قائلة: إن رزقنا الله مولودا ذكرا ، سوف ندخله إلى هذه الجمعية كي يحفظ القرآن. وشاء الله أن تكون كذلك. واخترت لك إسم عبد الرحمن، ولو كان إسمي عبد الرحمن لسميتك عبد الله، لأنهما أحب الأسماء إلي، بل أحب الأسماء إلى الله.
وبدأت تنشأ وتترعرع بموازاة مع نشأة وترعرع جمعيتنا القرآنية. وجاء يوم الوفاء بالنذر، فولجت باب الجمعية وعمرك أربع سنوات وثمانية أشهر، فكنت بين زملائك الحفظة، وأنت أصغرهم، كالجوهرة في عقدها. وسرعان ما تعلمت كتابة الحروف، ثم شرعت في حفظ السور القصيرة، وعلامات الجد والنباهة لا تفارقك.

 

وبعد ثلاث سنوات بدأ أخوك محمود يرافقك إلى الجمعية، فكان لك خير أنيس ورفيق. ثم انضم إليكما، بعد خمس سنوات، أخوكما عبد الحميد. فكنتم أنتم وزملاؤكم الحفظة أشبه بباقة زهور وورود تعطر برائحتها الزكية، فضاء الجمعية.

 

ولدي عبد الرحمن؛ لقد ختمت القرآن حفظا وأنت في سن العاشرة، ثم أعدت حفظه أربع مرات تحت إشراف الفقيهين الفاضلين: الحسن بوحصون وأخوه حسن، وتعلمت مبادئ اللغة العربية والنحو وشيئا من الفقه .
وفجأة بدأت تهتم بالحاسوب والإعلاميات، ورغبت في الجانب العلمي، فغادرت المؤسسة التي نشأت فيها، والتحقت بالمدرسة الابتدائية العمومية، حيث قضيت سنة كاملة، اجتزت في نهايتها امتحان الشهادة الابتدائية. وكان لهذا الحدث وقع أليم في قلب أبيك وأمك، لأننا كنا نأمل أن تنهي دراستك في الجمعية القرآنية كي تحصل على شهادة التعليم الديني التي تخول لك الولوج إلى كلية أصول الدين أو الشريعة أو شعبة الدراسات الإسلامية في بلدك، كما كنا نرجو أن يحبب الله إليك الفقه والحديث والدعوة، ويحشرك في زمرة الفقهاء والعلماء والدعاة، لكنك اخترت الدراسة العلمية. وقبل بضعة شهور حصلت أنت وزوجتك على شهادة الباكلوريا تخصص العلوم الرياضية. ومن باب شكر النعم الإلهية، يممت وجهك، رفقة زوجتك، شطر المسجد الحرام لأداء عمرة رمضان. ولم تلبث إلا قليلا حتى فاجأتني بخبر أحدث في قلبي من السرور ما لا يعلمه إلا الله؛ ذلك أنك بشرتني، وأنت في مكة، بعزمك على متابعة الدراسة في كلية أصول الدين بمدينتنا تطوان، وكان ذلك من بركة العمرة، أو بركة نذر والديك حينما كنت جنينا.
ولدي عبد الرحمن، حافظ القرآن، ها قد بدأت مشوارك الدراسي الجديد في كلية أصول الدين، كلية العقيدة الاسلامية، فرع جامعة القرويين قلعة الدين والعلوم الشرعية والهوية الإسلامية. وبالمناسبة، أزف إليك باقة من النصائح:
- تعهد القرآن؛ قراءة وتدبرا وتمثلا فهو حجة لك أو عليك.
- تعهد سنة نبيك صلوات الله وسلامه عليه؛ حفطا وفهما وسلوكا.
- اقتد بأصحاب الهمم العالية من الصحابة والتابعين والعلماء والفقهاء والمصلحين والمجددين.
- عليك بحسن الخلق في سلوكك وجميع معاملاتك.
- عليك ببر الولدين وصلة الرحم.
- عليك بمحبة العلم النافع وملازمة الشيوخ والعلماء الربانيين وإن قلوا.
- "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة".
- أكثر من الإحسان والتصدق على الفقراء والمحتاجين.
- حافظ على صلاة الجماعة.
- أكثر من ذكر الله والآخرة وهادم اللذات.

 

د‌. عبد الله الشارف؛ مكة المكرمة، 11 من ذي الحجة 1435- 5 اكتوبر 2014.

تعليقات

  1. بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    حقا إن "والديتك" هاته التي حلّيت بها ولدك عبد الرحمن تعتبر من النفائس التربوية التي تفيد المربين وطلبة العلم، خاصة وأنها كتبت بقلم جرب الحقل التربوي، وأعطى الشيء الكثير لطلبة العلم والمعرفة_وأنا واحد منهم_وبهذه المناسبة أهنئك أستاذي الكريم على:
    _اختياراتك الموفقة التي سادتك على إنجاب أولاد صلحاء حفظهم الله وأعانهم على الاقتداء بأبيهم القدوة...
    _اسهاماتك في تأسيس جمعية الشاطبي التي أمست معهدا يقصد من طرف طلاب العلم من المغرب كله...
    _تخرجت على يديك أفواج من طلبة العلم والمعرفة التربوية والفلسفية وحتى (الصوفية...).
    _اختيارك للتدريس بجامعة أم القرى لتنقل معرفة علماء الغرب الإسلامي إلى المشرق كما كانت علماؤنا على مر العصور الذين كانوا يدرسون في الحرم المكي والنبوي....
    لاتنس طلبتك من دعائك وأنت في ذلك المقام، بلغك الله غاية المقصد والمرام، حياك الله بأزكى التحايا وأحسن السلام.

    ردحذف
  2. بشرى لك ولزوجتك بالذرية الصالحة والنقلة الطيبة، زاد الله أولادكما صلاحا وتقا وأخلاقا وعلما، وبارك الله فيكما وفي أولدكما وجعلكم من عباده المخلصين، ونفع بكم الأمة، وجعلكم في جنته يوم لقائه.

    ردحذف
  3. رسالة جميييلة و رافية. حفظكم الله أل الشارف جميعا.

    ردحذف
  4. نموذج نحن اليه ولا ننكر انه جهاد ما بعده جهاد حفظك الله و رعاك واسرتك .

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال