التصوف أنزل من السماء !!

2






قال الشيخ الصوفي أحمد بن عجيبة المغربي التطواني في مقدمة كتابه؛ "إيقاظ الهمم في شرح الحكم" متحدثا عن أصول علم التصوف:


 "وأما واضع هذا العلم، فهو النبي صلى الله عليه وسلم علمه الله له بالوحي والإلهام. فنزل جبريل عليه السلام أولاً بالشريعة. فلما تقررت نزل ثانياً بالحقيقة. فخص بها بعضاً دون بعض. وأول من تكلم فيه وأظهره سيدنا على كرم الله وجهه، وأخذه عنه الحسن البصري ....وأخذه عن الحسن حبيب العجمي، وأخذه عن حبيب أبو سليمان داوود الطائي ..وأخذه عن داوود أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي رضي الله عنه، وأخذه عن معروف الكرخي أبو الحسن سري بن مغلس السقطي، توفي سنة إحدى وخمسين ومائة وأخذه عن السري إمام هذه الطريقة ومظهر أعلام الحقيقة، أبو القاسم محمد بن الجنيد الخزار.....ثم انتشر التصوف في أصحابه وهلم جرا ولا ينقطع حتى ينقطع الدين.


ومن رواية أخرى، أخذه عن سيدنا علي رضي الله عنه أول الاقطاب سيدنا الحسن ولده، ثم عنه أبو محمد جابر، ثم القطب سعيد الغزواني ثم القطب فتح السعود ثم ....ثم القطب الكبير مولاى عبد السلام بن مشيش، ثم القطب الشهير أبو الحسن الشاذلي، ثم خليفته أبو العباس المرسى، ثم العارف الكبير سيدي أحمد بن عطاء الله ثم .....ثم العارف سيدي العربي بن عبد الله، ثم العارف الكبير سيدي على بن عبد الرحمن العمراني الحسني، ثم العارف الشهير شيخ المشايخ سيدي ومولاي العربي الدرقاوي الحسني، ثم العارف الكامل المحقق الواصل شيخنا سيدي محمد بن أحمد البوزيدي الحسني ثم عبد ربه وأقل عبيده أحمد ابن محمد بن عجيبة الحسني، ثم عنه خلق كثير والمنة لله العلي الكبير وأما اسمه فهو علم التصوف واختلف في اشتقاقه على أقوال كثيرة."


أي افتراء هذا؟ وأي كذب وبهتان؟ متى كان النبي صلى الله عليه وسلم متصوفا؟ وما هي الأحاديث التي تشير إلى هذا الباطل؟ ومن هم الصحابة الدين مارسوا التصوف؟ وما هي الطريقة الصوفية التي اشتهرت عندهم؟ أين الأدلة على هذه الدعوى؟ أين الحجج العقلية والنقلية؟


إن قوله: " فنزل جبريل عليه السلام أولاً بالشريعة، فلما تقررت نزل ثانياً بالحقيقة، فخص بها بعضاً دون بعض"، يعني أن الدين ينقسم إلى شريعة وحقيقة، أي؛ كما يقولون، ظاهر وباطن. وبعبارة أخرى؛ فإن الشريعة تمثل الهيكل، والحقيقة تمثل الروح. إن جبريل نزل في البداية بالهيكل، فلما تقرر، نزل بالحقيقة. فخص بها بعضا دون بعض !! أي أن الصحابة فريقان؛ فريق يعلم الشريعة ولا علم له بالحقيقة، وفريق يعلمهما كليهما !!


وقوله: " وأول من تكلم فيه وأظهره سيدنا على كرم الله وجهه"، يوحي برائحة التشيع، لأن أبا بكر الصديق أولى بأن يكون السباق الأول إلى هذا "الخير" !


رحم الله الفقيه العلامة ابن الجوزي في كتابه "تلبيس إبليس"، حيث بين كيف يلبس الشيطان على الصوفية ويريهم الباطل حقا، ويقذف بهم في أودية الضلال.



د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، جامعة القرويين/ تطوان المغرب. صفر 1434/يناير 2013.



"أنا أعبد الله مسلما، إذن أنا موجود"

0





يعتبر مبحث الوجود من المباحث الفلسفية الأساسية التي شغلت بال الفلاسفة على مر العصور. وقد اختلفت نظرياتهم حول طبيعة الوجود وحقيقته، باختلاف مدارسهم ومذاهبهم أو إيديولوجياتهم. فقد اختلف أرسطو مع أفلاطون في هذا الشأن، كما اختلف ابن رشد مع الفارابي وابن سينا، وهكذا.


وعندما انسحب التفكير المتافيزيقي من الساحة الفلسفية الأوربية الحديثة والمعاصرة، تحت هيمنة المذاهب المادية والإلحادية، اختفى موضوع الوجود بمعناه الميتافيزيقي، وبقي الوجود بالمعنى المادي والمحسوس.


إن كوجيطو ديكارت؛ "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، لا يمكن فصله عن الإشكالية الفلسفية لمبحث الوجود ، رغم أن هذا الفيلسوف كان بصدد التقعيد لمنهج عقلاني في البحث، ينطلق من شك مطلق للوصول إلى الإيمان اليقيني بالفكر ثم بالوجود الإنساني.


لكن هناك تساؤل:


أي وجود إنساني يقصده ديكارت بقوله: "أنا أفكر إذن أنا موجود" ؟


هل يقصد به الوجود الإنساني بالمعنى العام أو الساذج، كما يتصوره عموم الناس، أم الوجود بالمعنى الفلسفي العقلاني؟


وإذا كان الإنسان مستلبا عقليا، هل يفكر أم لا؟  وهل يحقق وجوده تحت وطأة استلابه؟


وإذا كان الإنسان ميتا، هل ينقطع تفكيره أم لا؟ ومن ثم هل هو موجود أم معدوم؟


إلى غير ذلك من التساؤلات التي يمكن للباحث أن يطرحها. وينبغي ألا يخفى عن الباحث الموضوعي أن القيود التي فرضتها الكنيسة على الإنسان الأوربي خلال القرون الوسطى، حيث حرمت عليه الاشتغال بالعلم والتحصيل، واستعمال العقل في فهم الدين والحياة... وبعبارة أخرى؛  أنها منعت رعاياها من ممارسة التفكير. كل هذا جعل ذلك الإنسان المقيد أقرب إلى العدم منه إلى الوجود.


ثم ما قول ديكارت فيمن يمارس التفكير الفلسفي ثم ينتحر؟ وما أكثر الفلاسفة والعباقرة والمبدعين الذين انتحروا. فأي تفكير فلسفي وإبداعي هذا الذي يؤدي بصاحبه إلى الانتحار؛ أي العدم.


وإذا كانت ظاهرة الانتحار تتجلى بالقوة والفعل، في المجتمعات الغربية المادية، أكثر مما تتجلى في غيرها من المجتمعات، فهل معنى هذا أن الكوجيطو الديكارتي يعاني خللا بنيويا، أم أن الفيلسوف والعبقري لا يمارسان التفكير على الأقل لحظة العزم على الانتحار؟


إن الوجود الإنساني الحقيقي، هو الذي ينبثق من تفكير متين، قائم على تصور يربط الإنسان بخالقه، والأرض بالسماء؛ أي التفكير العمودي المجسد للعبودية الصحيحة الحقة، التي ينطق بها الوحي القرآني. وما سواه من أنواع التفكير الأفقي القائم على القطيعة بين السماء والأرض، لا يثمر إلا الوجود الإنساني المضطرب القلق. قال تعالى:


"وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ" (سورة الحج آية 31).


والخلاصة  أن الإنسان إذا أراد أن يكون موجودا حقا وإن مات، فعليه أن يكون عبدا لله كما أمر في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. وإلا فلا يزال يخر من السماء. ولذا عنونت هذه التدوينة: "أنا أعبد الله مسلما، إذن أنا موجود".


 

د.عبد الله الشارف، الرباط، صفر الخير 1434/ دجنبر 2012

في ظلال الجلسة العلمية للفقيه محمد بوخبزة حفظه الله

0


لقد كانت سنة 1389هج؛ 1970م سنة حاسمة في حياتي وبداية عهد جديد يتسم بحب العلم والمعرفة، لم تلبث أن ظهرت آثاره في دراستي بثانوية القاضي عياض بتطوان....


كان عدد الحاضرين في الجلسة العلمية يقارب العشرة، وقد جلسوا على الحصير يستمعون إلى دروس السيرة والتفسير والنحو والبلاغة. وبفضل شخصية الفقيه محمد بوخبزة المرحة والانبساطية، لم تكن هذه الدروس مملة، بل كان إقبالنا عليها شديدا ورغبتنا في التحصيل قوية. وكان أستاذنا جزاه الله عنا خيرا ومد في عمره، كثيرا ما يدعونا إلى بيته ويقدم إلينا الشاي والحلويات، كما يتحفنا بالنوادر الأدبية والتاريخية، وأحيانا يدخلنا مكتبته القيمة ويعيرنا الكتب التي كنا نرغب في مطالعتها. لقد غرس فينا حب القراءة والبحث وعلمنا آداب المناقشة والحوار، كما رغبنا في الدعوة الإسلامية، وحثنا على قراءة كتب الدعاة من القدامى والمحدثين، من أمثال تقي الدين بن تيمية، وحسن البنا، وأبي الأعلى المودودي رحمهم الله.


وبما أنه كان يميل إلى المذهب الظاهري في كثير من المواقف والأحكام الفقهية، لم يكن يخفي إعجابه بشخصية ابن حزم، مما دفعني إلى الاهتمام بهذا العالم الموسوعي الفذ، فقرأت بعض مؤلفاته التي أسرني فيها كلامه المنطقي والفلسفي، ومنها صرت أبحث في الكتابات الفلسفية عند المسلمين فقرأت لأبي علي بن سينا ولأبي نصر الفارابي، ولأبي حامد الغزالي، ولأبي الوليد بن رشد، ولم أبلغ بعد سن العشرين.


وسرعان ما بدأت بذور جلسات أستاذنا الدينية تثمر، حيث تجلى أول الغيث في تأسيس مجلة "لسان الطالب" بثانوية القاضي عياض، والتي أسهمت فيها بمقال حول "مشكلة الملحدين"، كماشارك صديقي الأمين بوخبزة بمقال تحت عنوان "الماركسية تحارب الدين". وقمنا بتوزيع بعض أعداد المجلة على ثانويات المدينة. غير أننا فوجئنا بعد بضعة أيام، عندما ذكرت جريدة "البيان" أسماءنا قائلة؛ بأن الإخوان المسلمين بدأوا يفرخون… في ثانوية بمدينة تطوان !! ولم يكن هذا التهديد ليثنينا عن عزمنا، بل كنا نستغل كل الفرص لنوضح مبادئ الإسلام لتلاميذ المؤسسة، ونحذرهم من الوقوع في حبائل "المتمركسين" المعجبين بتعاليم ماركس ولينين، والذين كانوا يحلمون بثورة شي غيفارا في الوطن العربي.


ثم إني شغفت في هذه السنوات بموضوع الجمال، فكنت أكثر من التأمل في الأشياء الجميلة، سواء تعلق الأمر بالانسان، أو الحيوان، أو النبات أو الجماد؛ مثل الجبال والوديان، مما دفعني إلى دراسة موضوع الجمال من خلال الشعر والفلسفة. ثم نظمت أبياتا في الغزل، لكن سرعان ما تركت الشعر والتجأت إلى الرسم، غير أني أعرضت عن كل ذلك لولوعي القوي بالفكر والفلسفة والثقافة الإسلامية. ولما حصلت على شهادة الباكلوريا في الآداب العصرية، وانتقلت إلى مدينة فاس لمتابعة الدراسة الجامعية سنة 1975م، كان من البديهي أن أختار شعبة الفلسفة، فكنت أحضر الدروس والمحاضرات بشغف واهتمام، بالرغم من أن بعض الأساتذة المتمركسين كانوا يمارسون نوعا من الإرهاب الفكري، من خلال دروسهم وكتاباتهم. وأذكر أن أحدهم ، ولا داعي لذكر إسمه، فاجأ يوما طلبته قائلا : إني نبئت بأن مجموعة من الطلبة المسلمين بدأت تفرخ في الوسط الجامعي، وإني لها بالمرصاد!!. وقد كان لكلامه هذا وقع سيئ في نفوس الطلبة الغيورين على دينهم. بل كان بعضهم يخفي تدينه عن زملائه المتمركسين اتقاء شرهم. وقد كنت لهذه الأسباب، أكثر من الاطلاع على كتابات الفكر اليساري والفلسفات المادية. وذات يوم، اشتريت كتاب "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط"، للدكتور طيب تيزيني المتمركس، ولما فرغت من قراءته واطلعت على ضحالة أفكاره، والتي تجلت في محاولة إسقاط المنهج المادي الجدلي، على كتابات الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد الفلسفية، فكرت في إنجاز مقال نقدي حول الكتاب المذكور، فحررته ونشرته في جريدة النور، التي تصدر بمدينة تطوان تحت عنوان:"قراءة نقدية في كتاب مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط".


أتاحت لي الدراسة الجامعية بفا،س فرصة الاطلاع على التيارات الثقافية والسياسية، والاستفادة من المناقشات مع الطلبة من مختلف الاتجاهات والتخصصات الأدبية والفكرية. وعندما انتقلت إلى السنة الدراسية الثالثة اخترت تخصص علم الاجتماع، وبدأت أهتم بالدراسات الاجتماعية، الأمر الذي شجعني لكي أقوم ببحث اجتماعي ميداني متعلق بالعمال المغاربة المهاجرين بمدينة برشلونة في إسبانيا، وذلك في إطار مادة البحث المقررة في سنة الإجازة. أقمت في هذه المدينة سبعة عشر يوما كنت خلالها أجري مقابلات مع عينة من أولئك العمال الذين كانوا يعانون الغربة والأزمات النفسية والاجتماعية والمادية. وبالرغم من أن فرص العمل كانت متوفرة لكل الخريجين الموجزين، فإنني آثرت المضي قدما في الدراسة والبحث، خاصة بعد أن يسر الله لي منحة من وزارة التربية الوطنية لمتابعة الدراسة العليا بفرنسا.


د. عبد الله الشارف، كلية اصول الدين، تطوان المغرب، صفر الخير 1434/ دجنبر 2012.

سفر في سفر

2





كثيرا ما ينتاب المسلم، أثناء سفره من مدينة إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، شعور بأنه مسافر إلى الله، لا سيما إذا كان متصلا بالله من خلال ذكره، أو التفكر في مخلوقاته، أو استحضار مشاهد الوعد والوعيد. ثم إن البعد، بسبب السفر، عن الأهل والأولاد وكل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية، من اشغال والتزامات وعادات وتقاليد ورموز... كل ذلك يجعل روح المسلم المسافر الذاكر، تتحرر من تلك القيود، وتحلق بكل سعادة وشوق في اتجاه الموطن الأصلي، قال الشاعر:


نقل فؤادك حيث شئت من الهوى


                        ما الحب إلا للحبيب  الأول


كم منزل في الأرض يألفه الفتى


                        وحنينه  أبدا  لأول   منزل


في صبيحة يوم الأربعاء 5 صفر الخير 1434/ موافق 19 دجنبر 2012، ركبت سيارتي قاصدا مدينة فاس، للمشاركة والعمل في لجنة اختيار الأساتذة المرشحين لمنصب عميد كلية أصول الدين بتطوان.


وكم يحلو لي أن أسافر وحدي لما أجد في وحدة السفر من متعة نفسية عظيمة. ولم أمل في سفري هذا، من الاستماع إلى القرآن الكريم بترتيل القارئ سعد الغامدي. ولقد غمرني، وأنا منجذب إلى كلام الله على لسان القارئ العذب، شعور لذيذ بالسفر إلى الله، ورغبة عارمة في لقائه... ؛ إلهي، اشتقت إلى لقائك، وحيرني حنين الرجوع إليك، فاجعل سفري إليك سفر نوح في الجارية، ولجوئي إليك لجوء الفتية إلى الكهف، واجعل لي عندك زلفى وحسن مآب.


وقتئد حصل عندي اليقين أنني فعلا مسافر إلى الله، وأن سفري إلى مدينة فاس جزء من سفري إليه، أو مرحلة من مراحل السفر الوحيد. فهمست إلى نفسي: لماذا لا أشعر بأثر السفر إلى الله عندما أكون مقيما في بلدتي بين أهلي وعشيرتي؟ فكان الجواب: إن الروح، أثناء الإقامة بين الأهل، غالبا ما تكون مقيدة بقيود مادية واجتماعية، وأخرى نفسية شهوانية، فأنى لها أن تتمتع بمتعة السفر إلى الله؟


ولقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم، عن الشعور بالسفر إلى الله، تعبيرا عميقا عندما قال: "مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" (حديث صحيح). كما قال في دعاء له: "أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك"


  ومما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائم الشوق إلى لقاء الله، وكذلك من اقتدى به واهتدى بهديه ناله نصيبه من الشوق ذاته. وما ظفر المحبون بنعيم المحبة ولذة الشوق إلى الله إلا بدوام ذكره، والذكر هو العبادة التي يتزود منها السائر إلى الله سبحانه. ومثله كمثل الزاد للمسافر تماما، فإذا نقص زاده وقل طعامه قد يتعرض للهلاك. فالذكر هو مكان التزود للسير في الطريق، وهو المنزلة التي يتردد عليها باستمرار أهل الإيمان والجهاد والتقوى، ومن أكرمه الله سبحانه بدوام بذكره، فقد أكرمه بفتح الباب إليه والسماح له بالقرب منه.



د. عبد الله الشارف، الرباط؛ صفر الخير 1434/ دجنبر 2012.


 


 


 

الإتنولوجيون الرحالة في مغرب القرن 19 الميلادي

0


مع حلول القرن الثامن عشر الميلادي الذي سجل تطورا هاما في علاقة المغرب التجارية والدبلوماسية مع دول أوربا، بدأت أقدام التجار والسفراء والقناصل وبعض الرحل، وكذا بعض أسرى القرصنة، تطأ أرض المغرب. وعند رجوع هؤلاء إلى إلى بلدانهم، كان كثير منهم يدونون ما عاينوه في المغرب وما خبروه عن مجتمعه. بيد أن كتابات هذه الفترة لا تدخل في إطار النشاط الاتنولوجي البحت ومع ذلك فإنها من ممهداته الأساسية.


ومن بين ما كتب عن المغرب في هذا القرن، أذكر كتاب"رحلة في امبراطورية المغرب ومملكة فاس[1] ومؤلفه طبيب انجليزي استدعي من قبل سلطان المغرب سيدي محمد بن عبد الله لعلاج بعض أفراد الأسرة الحاكمة. وبما أن إقامةهذا الطبيب بالمغرب دامت ما يقرب من سنتين من (1790م إلى 1791م) ، فإنه استطاع أن يطلع على وضعية البـلاد، فضمن كتابه فصولا عن التجارة والجند والدين والقوانين. وبالرغم من أن ملاحظاته كانت صائبة فيما يتعلق بتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتفشي الجهل «… وعندهم جهل مطبق بالتاريخ السياسي للدول الأجنبية …»[2]. إلا أن بعض أحكامه لها قرابة بجنس الأحكام التي سيصدرها عن المغرب الرحالة والاتنولوجيون في القرن التاسع عشرالميلادي. ومن ذلك قوله مثلا وهو يتحدث عن الشعب المغربي «هذا الشعب الذي كان بالامس محترما، يشبه اليوم جماعة أو عشيرة من الوحوش »[3]. وقوله :«هـنا في المغرب يقطن جنس مكون من الأنذال يرجعون في أصولهم إلى أولئك الأعراب المتوحشين الذين يقدمون إلى المدن الكبرى قصد السرقة وقطع الطرق»[4].


وفي النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي ـ خصوصا بعد غزو فرنسا للجزائر سنة 1830م ـ أصبح المغرب مركز اهتمام الدول الأوربية أمثـال فرنسا و إنجلترا وألمانيا وإسبانيا، التي اشتـد التنافس بينها حول السيطرة على ترابه واستغلال خيراته. ومن هنا شجع المسؤولون في تلك الدول، الباحثين الإتنولوجيين على القيام برحلات استكشافية وتحرير دراسات اجتماعية تدور حول نظم المغرب وعاداته ودينه وأساليب حياته في المدن والقرى. ولم يكد القرن التاسع عشرالميلادي يشرف على النهاية حتى كانت المكاتب والجهات المسؤولة في أوربا تضم مآت الكتب والنشرات عن المغرب. ويذكر (أوجست مولييرا (أن بيبليوغرافيا (بلايفير)  تشتمل على ألفين وثلاثمائة كتاب متعلق بالمغرب[5].


ولابأس من الحديث عن بعض هؤلاء الرحالة الاتنولوجيين حتى تتضح الصورة عن أهمية أعمالهم ومجهوداتهم بالنسبة لحكوماتهم. فمن بين الألمانيين الأوائل مثلا، يبرز إسم (هينريخ بارت)   الذي قام «بجولات بالمغرب فوصل طنجة في غشت 1845م، وزار كلا من تطوان وأصيلة والعرائش وغيرها...»[6]. ومن بينهم أيضا (ماكس كويدنفيلت)  الذي قام هو الآخر بجولات كثيرة في المغرب.


ولم يكن الإنجليز أقل اهتماما من الألمان بهذا الجانب، فقد توافد عدد كبير منهم إلى المغرب طوال القرن التاسع عشر الميلادي سواء في إطار مهمة دبلوماسية أو استكشافية أو اتنولوجية محضة. ومن بين هؤلاء (جميس كراي جاكسون)  الذي ساح في المغرب وكتب حوله كتابه: "عرض عن إيالة المغرب" سنة 1814م. ومنهم (وولتر براد هاريس)  الذي استوطن طنجة سنة 1887م، وظل فيها مراسلا للتايمز قرابة أربعين سنة. وأثناء مقامه بالمغرب، قام بجولات داخل أهم مدنه وقراه. وضمن ملاحظاته وتقاريره في مقالات وكتب عدة أهمها "المغرب البائد ".


ولعل حصة الأسد في مجال البحث الإتنولوجي والأنتربولوجي بالمغرب، كانت من نصيب فرنسا، حيث أن عدد الرحالة والدارسين الفرنسيين ظل في اطراد مستمر مع نهاية القرن التاسع عشرالميلادي وقبيل الاستعمار. ويعلل تقلص نسبة الانجليز والألمان بكون الحكومتين الإنجليزية والألمانية إلى حدود تلك الفترة -كانتا قد يئستا من محاولة وضع حماية على المغرب، وأن فرنسا ـ بالاتفاق مع إسبانيا ـ  ستكون المرشحة لتلك الحماية. غير أن هذه الامور كما هو معلوم تم تهييئها والمصادقة عليها من طرف أهم الحكومات الأوربية والتي اجتمع ممثلوها في مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 لهذا الغرض.


ويعتبر (رايموند توماسي)  من الباحثيين الاتنولوجيين الذين أسدوا خدمات جليلة لدولتهم ابتداء من النصف الأول للقرن التاسع عشرالميلادي.        له كتاب تحت عنوان "العلاقات السياسية والتجارية لفرنسا مع المغرب" طبع سنة 1840م. يقـول (جرمان عياش) متحدثا عن تـومـاسي هـذا: « فبينما لم تكن الحرب قد وضعت أوزارها في الجزائر، كان الغزاة يتطلعون إلى المغرب بأعين جاحظة. ومنذ النصف الأول من القرن الماضي، وجدنا الفرنسي توماسي ، رائد العقلية الاستعمارية، يبين كيف ستتحول الأمور في هذه الجهة {....} ويقول المؤلف (أي توماسي) " إنه لمن قبيل الخيال فعلا الاعتقاد بأن الإسلام لن يحرك ساكنا إلى أن يلفظ أنفاسه كما يطيب لنا دون أن يخوض معركته الأخيرة، وحيث إن المغرب يعد ذرعه الخلفي في افريقيا، وأحد جيوشه الاحتياطية، فعلينا أيضا أن نستعد للحروب الحاسمة التي ربما يكون هذا البلد مسرحا لها ذات يوم، وستكون فرنسا مدعوة لا محالة لتمثل فيه المسيحية ولتحارب كبطل للحضارة {...}. إن العلم هو أحد هذه الأسلحة وأول سلاح ينبغي توظيفه، لأنه هو الذي سيعمل على تعبيد الأرضية التي يتعين الزحف إليها " ».[7]


يتبين للقارئ من خلال هذا النص أن توماسي كان فعلا رائدا للعقلية الاستعمارية، كما عبر بكلام جلي عن الوظيفة الأساسية للاتنولوجيا والتي تتخلص في « تعبيد الأرضية وتمهيد الطريق لسيطرة الرجل الغربي » على الشعوب الضعيفة، وكلامه غاية في تحميس وتشجيع الإدارة الفرنسية للاستيلاء على المغرب. ويعتبر (شارل دوفوكو) أغرب شخصية إتنولوجية وتنصيرية في نفس الوقت، عرفها المغرب في مرحلة ماقبل الاستعمار، حيث ظل أربعين سنة يمارس الطواف والترحال بين مدن وقرى الجزائر والمغرب متنكرا مرة بزي الرهبان، وأخرى بزي الأحبار. كان دوفوكو هذا رجلا من أهم رجالات الاستخبار، وقد سمحت له علاقاته المتينة مع بعض شيوخ القبائل ورؤساء الطرق الصوفية، وغيرهم من الأشخاص أن يكتسب معلومات هامة عن وضعية المغرب السياسية والاجتماعية. وبعد تنقيح هذه الأخبار وتنظيمها، يبعث بها إلى ساسـة فرنسا وقوادها العسكريين. ولا يذكر التاريخ أن أحدا من الرحالة الإتنولوجيين كان متفانيا في عمله تفاني هذا الرجل. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنه كان، إلى جانب مهامه السياسية، مخلصا في عمله التنصيري، ويأمل أن تصبح شمال إفريقيا بلدا مسيحيا، كما أنه كتب كتابا بعنوان: "معرفة أو استكشاف المغرب".


وقد يكون (هنري دو كاسطري)  أهم دارس فرنسي اهتم بالبحث الإتنولوجي والتاريخي للمغرب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القـرن العشرين. وكـان أهم وأضخم عمل قام به أنه نشر ـ بمساعدة (دو سينفال) ـ  دراسة وثائقية عن تاريخ المغرب في ثلاثين مجلـدا بعنـوان : " المـصـادر الغمـيسـة لتـاريـخ المـغـرب "


sources inedites de l'histoire du maroc، في مجموعتين؛ المجموعة الأولى متعلقة بالعهد السعدي، والثانية بالعهد العلوي إلى حدود النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي.



د. عبد الله الشارف، "الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر"، طوب بريس الرباط 2003، ص 59-60-61.






[1] ـ G.Lempriere; *Voyage dans l’empire de Maroc et l’Empire de Fes*


                                        traduit de l’anglais par Sainte Suzane; Paris 1801.





[2] ـ *Voyage dans l’empire de Maroc et l’Empire de Fes*  ص 243.





[3]  ـ نفس المرجع .ص 82.





[4] ـ نفس المرجع . ص 235.





[5] ـ                         Auguste Moulieras *Le Maroc Inconnu* Oran 1895 p. 769.





[6] ـ مصطفى بو شعراء: "الاستيطان والحماية بالمغرب"  مرجع سابق، ج 4 ، ص 1498.





[7] ـ جرمان عياش " دراسات في تاريخ المغرب" مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء، 1986 ص 12 ـ 13.


د. عبد الله الشارف، "الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر"، طوب بريس الرباط 2003، ص 59-60-61



التنصير والاستعمار

2





قرب مجيء الاستعمار، وقبل أن يشرع المستعمرون في التمهيد للسيطرة على شعوب أفريقيا وآسيا، كان معظم المنصرين يقومون بنشاطهم التنصيري خارج أوربا وأمريكا ، وكان عملهم في البلدان الإسلامية يتميز بالخفاء والحذر. ثم إن المنصرين كانوا متسترين بأسماء مختلفة. وإذا ما افتضح أمرهم تلاحقهم الحكومات الإسلامية وتطردهم، بل منهم من كان يقتل. لكن لما ذب الضعف في كيان الدولة العثمانية وباقي الدول الإسلامية، وبدأ التدخل الأجنبي في شؤون الحكومات الإسلامية، وظهرت مسألة الحماية الأجنبية وتعددت القنصليات فوق أراضي المسلمين، تنفس المنصرون الصعداء وانطلقوا يمارسون عملهم في اطمئنان، وإذا مسهم أحد بسوء لجؤوا إلى قناصلهم فدافعوا عنهم. ومع مرور الأعوام ازداد دعم الحكومات الأجنبية للمنصرين، وركز  المسؤولون الغربيون مسالة الإرساليات والبعثات المسيحية، وعملوا على إنشاء المدارس ذات الطابع التنصيري في البلدان الإسلامية، واتضح لهم الدور السياسي الذي يمكن أن يضطلع به المنصرون في مجال التمهيد للتدخل والسيطرة على الشعوب الضعيفة، فكانت هذه الإرساليات والبعثات تجسد طلائع الغزو المسلح، وتعبر عن مرحلة من مراحل عملية إخضاع تلك الشعوب للاستعمار. لقد كان للمنصرين أدوار كثيرة في التمهيد للاستعمار، كما كان للدول الاستعمارية ادوار كبيرة في مساعدة المنصرين ومؤازرتهم وحمايتهم، وخطط العمل من الفريقين يكمل بعضها بعضا. " قال الرحالة المنصر الفرنسي شارل دو فوكو في سنة 1924 : " إن مملكة فرنسا في غرب وشمال أفريقيا: الجزائر وتونس والمغرب الأقصى وأفريقيا الغربية.. الخ سكانها ثلاثون مليونا وسيضاعف عددهم في ظرف خمسين سنة بفضل السلم، وحينئذ سيكون التقدم المادي بلغ فيها غاية كبيرة فتصير غنية تمتد فيها السكك الحديدية، وتتعلم نخبة من أبنائها في مدارسنا ويتقن أهلها استعمال أسلحتنا. وإذا لم نعرف كيف نجعل هؤلاء الشعوب فرنسيين فسيخرجوننا من أرضهم، والوسيلة الوحيدة لجعلهم فرنسيين هي جعلهم مسيحيين"[1].


ومن ناحية أخرى لم يكن للمستعمر وسيلة للإطلاع عن كثب على ثقافة الشعوب الإفريقية والآسيوية، وعاداتها ومعتقداتها ولهجاتها ونظمها الاجتماعية وقوانينها، إلا البعثات التنصرية، فكان المنصرون وغيرهم من الرحالة الأوربيين، يدونون ما جمعوا من أخبار وأفكار ومعلومات، أثناء إقامتهم بين ظهراني هؤلاء الشعوب، تلك الإقامة التي تتراوح ما بين السنة وبضعة عقود. ولم يكن الحصول على هذه المعلومات بالأمر الهين، لذا كان على المنصرين والرحالة، أن يواجهوا صنوفا من العقبات والصعوبات، وأن يتحملوا مشقة تعلم اللهجات المحلية، ومشقة التكيف مع أنماط مختلفة من الحياة الاجتماعية.


" لكن الاستعمار غالبا ما كان مدينا للمبشرين فيما بتعلق بالقانون العرفي للسكان المستعمرين، ذلك القانون الكاشف والمبين لحضارة هؤلاء الأهالي. والاستعمار بانتشاره في البلدان ووسط الشعوب التي لم يكن يعرف عنها أي شيء، كان يعرض نفسه للأخطاء التي يصعب جبرها فيما بعد، هذا التفاوت والاختلاف بين الغزو والاستعمار والمعرفة المتعلقة بالسكان المستعمرين هو الذي يوضح لنا قيمة المنصر ودوره"[2].


ولعل أقوى دليل على صلة التنصير بالاستعمار يكمن من الفرق بين موقف الحكومات الأوربية الاستعمارية من الدين والكنيسة داخل بلدانها، وموقفها منهما داخل الدول المستعمرة، ففي الوقت الذي كانت فيه ألوية العلمانية تخفق عالية في سماء أوروبا، كانت الحكومات الأوروبية تنشئ المدارس التبشيرية والكنائس في البلدان التي استعمرتها وتقيم فيها المحاضرات والندوات عن الديانة النصرانية وهذا من المفارقات العجيبة.


إن إيطاليا التي ناصبت الكنيسة العداء وحجزت البابا في الفاتيكان، كانت تبنى سياستها الاستعمارية على جهود الرهبان والمنصرين. بل إن روسيا التي لم تأل جهدا في محاربة الأديان قد تظاهرت بالعطف على رجال الدين ودعت إلى جمع مسكوني في موسكو، وذلك حينما أرادت – بعد الحرب العالمية الثانية- أن تحقق لنفوذها توسعا إقليميا وسياسيا، وقس على ذلك فرنسا وانجلترا والبرتغال وإسبانيا وهولاندا وبلجيكا... وقال " وزير خارجية فرنسا أمام البرلمان عندما وقعت المناقشة بشأن فصول من الميزانية الفرنسية تتضمن العناية بجمعيات التنصير ومحاولة الاعتراف بها، ما مفاده: " إن فرنسا غير متدينة داخل حدودها، ولكنها متدينة في الخارج" فلقد أوجدت هذه التصريحات روحا جديدا في دعاة الكنيسة الكاثوليكية، أصبحوا بها وكأنما نشطوا من عقال لمحاولة تنصير مسلمي شمال إفريقيا"[3].


نستنتج مما سبق، أن المستعمرين قد ألفوا في الحركات التنصيرية خير عون لهم على تحقيق أهدافهم المتمثلة في استبعاد الشعوب، وإخضاعها لمخططاتهم التوسعية والاستعمارية.










[1] - مصطفى نصر المسلاتي " الاستشراق السياسي في النصف الأول من القرن العشرين" دار اقرأ طرابلس سنة 1986 ص: 179.






[2] - Robert De lavignette " christianisme et colonialisme" Fayard Paris. S.D. P: 66.



[3] - " الاستشراق السياسي " المرجع السابق ص: 178.



د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين، كلية أصول الدين، تطوان المغرب/ صفر الخير 1434/دجنبر 2012.


 




"إسلامية المعرفة": ملاحظات منهجية

2







 إن العمل على استنباط وصياغة المفاهيم والأفكار المتعلقة بالنفس والاجتماع والتاريخ إلى غير ذلك انطلاقا من الكتاب والسنة، وآراء المجتهدين من فقهاء الأمة وعلمائها، عمل مشروع وضروري، حتى يتسنى للمسلم فهم ومعالجة أوضاع المسلمين الاجتماعية والثقافية بمنطق إسلامي  محض، هذا مع الاستعانة، إذا اقتضى الحال،  ببعض الأدوات والتقنيات، والمناهج الحديثة المجردة من البعد الإيديولوجي، والتي يمكنها أن تنسجم مع الروح الإسلامية، ولا تتعارض مع قيم الإسلام ومعاييره.


أما أن نعمد إلى تبني مفاهيم ونظريات ومناهج العلوم الإنسانية الغربية، وصياغتها صياغة إسلامية، أو وضعها في قالب إسلامي، فهذا عمل قد لا يخلو من انزلا قات خطيرة. هب أننا، مثلا، تبنينا مفهوم اللاشعور وجردناه من كل محتواه واحتفظنا بالشكل؛ أي بلفظ اللاشعور، وأفرغنا فيه المحتوى الإسلامي، ألن يذوب أو، على الأقل، يتكيف هذا المحتوى الجديد مع الشكل القديم؟ ألن يتأثر هذا المحتوى بتقسيم فرويد لمستويات النفس والوعي؟


ومما يؤسف له في هذا الصدد، أن بعض الكتاب المسلمين يندفعون دون أدنى تريث، وراء استعمال مثل هذه المصطلحات وإقحامها في كتاباتهم. يقول الدكتور نبيل السمالوطي: "وهناك من دوافع السلوك ما لا يكون الإنسان منتبها إليها واعيا بها، ومع هذا تحرك سلوكه دون علم منه، وهي ما يطلق عليها الدوافع اللاشعورية أو غير المشعور بها"[1] .


إننا إذا اعترفنا باللاشعور أو بدوافع " لا يكون الإنسان منتبها إليها واعيا بها... تحرك سلوكه دون علم منه، " كما يقول السمالوطي، فإننا سوف نسقط جانبا من المسؤولية في الأفعال الإرادية الصادرة عن الشخص المسلم، وبالتالي سنعذر الأشخاص في كثير من تصرفاتهم لكونها لا شعورية،  وهذا لا يتفق مع روح الشريعة، ومنطق التكليف.


وفي موضوع بمجلة "كلية الدعوة الإسلامية" تحت عنوان "علم النفس في القرآن الكريم" عمد الأستاذ ناصر العزيز إلى إثبات تشابه بين النفس المطمئنة التي ورد ذكرها في القرآن: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية..." [2] والذات الشعورية بتعريف علم النفس الحديث.


ولنستعرض جزءا من كلامه في هذا الشأن، كي  نتبين سذاجة التحليل والجهل بمعاني ألفاظ القرآن:


" هذا كما يوجد مفهوم للنفس ورد في القرآن الكريم "النفس اللوامة"، يقول الله تعالى: "لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة"، ومفهوم آخر نقيض له "النفس المطمئنة"؛ يقول الله تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية". إن مفهوم النفس اللوامة يعتبر محورا لكثير من الدراسات النفسية في مجال التحليل النفسي والأخلاق، حيث إن الذات التي تتصف بالصفات الدالة عليها كلمة لوامة إشارة إلى أنها ذات مريضة، ذات غير سوية،  بمفهوم المحللين والمعالجين النفسانيين يستوجب معالجتها لتشفى من سوء التوافق الذي تعاني منه. (!!!؟؟).


في حين أن علم النفس استفاد أيضا، بل بنيت كثير من دراساته على ما ورد في القرآن الكريم حول "النفس المطمئنة" في وصف وإيضاح ما اتفق على تسميته "بالذات الشعورية"، وهي الجانب النفسي من الشخصية الذي يواجه العالم الخارجي،  ويتأثر به ويكاد يكون صورة للواقع الذي تقره البيئة، وهو ما يطلق عليه صاحب مدرسة التحليل النفسي فرويد مصطلح الأنا. (!!!؟؟).


إن الذات الشعورية "المطمئنة" اكتسبت صفة الهدوء والاطمئنان، وهي تمثل كذلك جانب الخير في الشخصية، في حين تمثل النفس اللوامة التكبر والتعالي والأنانية والغرور، وهي صفات جانب الشر في الشخصية. ونتيجة تناقض الجانبين ينشأ ما يعرف بالصراع الداخلي والذي تظهر نتائجه في صورة سوء التوافق النفسي والعقلي"3 (!!!؟؟).


في البداية لم يفهم الأستاذ ناصر العزيز مدلول النفس اللوامة، فقد وصفها بالتكبر والأنانية!، وكان عليه من باب الموضوعية والنزاهة العلمية أن يرجع إلى بعض التفاسير القرآنية ليتأكد من فهمه. جاء في "صفوة التفاسير" مثلا أن المقصود بقوله تعالى " ولا أقسم بالنفس اللوامة" أي أقسم بالنفس المطمئنة المؤمنة التقية التي تلوم صاحبها على ترك الطاعات وفعل الموبقات". أما فيما يتعلق بالمماثلة بين "النفس المطمئنة" وبين "الذات الشعورية" أو "الأنا" فإنها مماثلة خاطئة. فالنفس المطمئنة يقصد بها في سياق الآية، النفس الطاهرة الزكية المطمئنة بوعد الله. قال المفسرون بأن الخطاب الموجه إليها بقوله تعالى: "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" يكون عند الموت، وهو ما يقال للمؤمن عند احتضاره. أما الذات الشعورية أو الأنا، في تصور علم النفس الحديث أو مدرسة التحليل النفسي، فهو عالم آخر لا يمت بأدنى صلة إلى عالم النفس المطمئنة.


         وإذا كان مفهوم النفس المطمئنة ينطوي على أبعاد روحية عميقة من خلال ربط كيان المسلم بعالم الغيب والسماء، فإن مفهوم الذات الشعورية في التحليل النفسي، ينطلق من إطار القطيعة الروحية بين السماء والأرض، تلك القطيعة التي أرست قواعدها فلسفة النهضة الأوربية، ومن هنا فإن هذين المفهومين متعارضان لتعارض إطاريهما.


وفي اللقاء العالمي الرابع للفكر الإسلامي الذي تمحور حول "قضايا المنهجية في العلوم السلوكية قال أحد المشاركين. "إن مجتمع المؤمنين متجانس ومترابط حيث تقل فيه القلاقل العاطفية ويتميز الأفراد فيه بإيجابية في علاقاتهم مع الآخرين بفضل الرياضة الروحية. فالتأمل الارتقائي مثلا الذي يستخدم الآن في العلاج الاسترخائي، أمر ثابت في صميم العبادات الإسلامية"[3] .


إن هذا الخلط بين التأمل الارتقائي المستخدم في العلاج الاسترخائي الحديث، وبين السمو الروحي والسكينة الباطنية اللذين يشعر بهما المسلم أثناء ممارسته للعبادة، خلط ردئ ولا أساس له، وليس ثمة تشابه بينهما لاختلاف الأرضية والرؤية.










[1] - " الإسلام وقضايا علم النفس الحديث" نبيل السمالوطي ص 86





2- مجلة كلية الدعوة الإسلامية/ طرابلس ليبيا العدد 5- 1988 ص 88-8





3] - "قضايا المنهجية في العلوم السلوكية" الدكتور الزبير بشير طه والأستاذ احمد محمد الحسين/ المعهد العالمي للفكر الإسلامي (واشنطن) جامعة الخرطوم قسم علم النفس/ الخرطوم 15-22 يناير 1987


د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين تطوان المغرب 1996.






المرأة ذلك الكائن المظلوم

3






هل من  المساواة في شيء أن تشتغل المرأة في المعمل أو الإدارة، ثم تضيف إلى ذلك أتعاب العمل في البيت ؟


يقول العلامة أبو الأعلى المودودي رحمه الله:


«إن الرجل والمرأة، وإن فرض أنهما متكافئان في القوة الجسدية والاستعداد الذهني، لم تحمل الفطرة عليهما مع ذلك، واجبات متساوية. وذلك أن الرجل لم يجعل عليه من خدمة بقاء النوع غير أن يلقى بذرة في الحرث، ثم يروح لسبيله حتى يعمل فيما يشاء من شعب الحياة. والمرأة بخلاف ذلك قد حملت معظم أعباء تلك الخدمة. وللنهوض بهذه الأعباء فهي تعد منذ تكون مضغة لحم في بطن أمها، ولهذا الغرض يقوم هيكلها الجسدي، ولهذا ـ لا غيرـ تنتابها مدة شبابها وكهولتها نوبات الحيض، التي لا تدعها أهلا للقيام بتبعة جسيمة، أو بجهد عقلي أو بدني لثلاثة أيام أو سبعة عشر من كل شهر. ولهذا الغرض نفسه تعاني المسكينة متاعب الحمل وما بعد الحمل، طول سنة كاملة تظل خلالها معلقة بين الصحة والمرض. ثم لهذا كله تمر عليها سنتان من الرضاعة، تسقي فيها الزرع الإنساني بدمها وترويه من ينابيع ثدييها. وبعد ذلك أعواما ذوات عدد، في التربية الابتدائية لولدها، تحرم نفسها أثناءها نوم الليل وراحـة النهار، وتؤثر الجيل الآتي على راحتها ومتعتها وبهجتها ورغباتها، وعلى كل ما يعز عليها.


فإذا كان الواقع ما وصفنا، فانظر ماذا يقتضيه الإنصاف في أمر المرأة؟ هل من الإنصاف إليها أن تطالب بالقيام بتلك الواجبات الفطرية التي لا يشاركها فيها الرجل بطبعه، ثم يحمل عليها فوق ذلك مثل ما يحمل على الرجل من واجبات التمدن، التي قد أعفي هذا لأجل القيام بها من جميع واجبات الفطرة؟ فيفرض عليها أن تتحمل كل ذلك  المصائب التي تتجشمها الفطرة، ثم تخرج من البيت كالرجال لتعاني الكسب، وتكون معهم على قدم المساواة في القيام بأعمال السياسة والقضاء والصناعات، والمهن والتجارة والزراعة، وإقامة الأمن والدفاع عن حوزة الوطن. وليس هذا فحسب ، بل يكون عليها بعد ذلك أن تغشى المحافل والنوادي، فيتمتع الرجال ببراعة جمالها وأنوثتها، وتهيء لهم أسباب الخلاعة والمجون واللذات والمتعة(؟ !!!) ، أما والله إنه ليس من الإنصاف، بل هو عين الظلم والعدوان وليس بمساواة بين الصنفين، بل هو عبث صريـح بالمساواة. وإنما الذي يقتضيه الإنصاف، هو أن الصنف الذي قد كلفته الفطرة أعباء جساما لا يكلف من أعمال التمدن إلا ما هو خفيف المحمل، وأن الذي لم تكلفه الفطرة بشيء عظيم، يحمل عليه من واجبات التمدن ما هو أهم وأثقل وأدعى للجهد والتعب، ويكون أيضا قواما على الأسرة يرعاها ويربيها»[1].


 ومن ناحية أخرى أكدت كثير من البحوث الاجتماعية استحالة وجود جهاز يحل محل الأسرة ويقوم بوظيفتها، وأن نظام المحاضن برهن على أنه لا يخلو في أضرار مفسده لتكوين الطفل وتربيته. فليس من الإنسانية أن يحرم أولئك الاطفال من حنان أمهاتهم ورعايتهم في ظل الأسرة، ويزج بهم في تلك السجون. ولا غرابة في أن يصاب عدد كبير منهم باضطرابات نفسية، وذلك من جراء اصطدام نظام المحاضن بفطرة الطفل وتكوينه النفسي. وقد ذهب غير واحد من علماء الاجتماع إلى القول بأن الأسرة عبارة عن مؤسسة دائمة غير قابلة للتغيير، منعزلة عن الشروط الاجتماعية المتغيرة. وبينوا حب الأم على أنه غريزة ينحدر من الأعمال الفزيولوجية المشتركة بين كل الحيوانات، وكذلك حمايـة الأب فإنه واجب محتوم عليه بسبب ضعف الزوجة والأولاد.


إن نظام عمل المرأة الذي يضحى بالصحة ‎النفسية للطفل، أغلى خبرة على وجه الأرض، لجدير بالمقت والمعارضة. أليس في وسع الحكومات والأنظمة الجاهلية في العالم أن تعفى المرأة من جحيم العمل خارج عشها بتقديم معونات مادية لكل امرأة محتاجة؟ بلى في وسعها ذلك. ولكن إفساد الأسرة أمر قد خطط له من قبل، وسهر على ذلك مجموعة من أولي الفكر والسياسة، ممن عرفوا بالثورات ضد الكنيسة وكل ما يتعلق بمخلفات القرون الوسطى الغربية، من نظم اجتماعية وعادات وتقاليد.


تقول الكاتبة الأمريكية مريم جميلة التي دخلت في الإسلام ونبذت اليهودية دين آبائها:


« لم يكن الرواد الأوائل لحركة تحرير وإفساد المرأة، سوى "ماركس" و"إنجلز" مؤسسا الشيوعية، اللذان أفتيا في " الوثيقة الرسمية للبيان الشيوعي (1848) بأن الزواج والبيت والأسرة، لم يكن في الماضي سوى لعنة أدت إلى وضع النساء في رق دائم. لذلك أصرا على وجوب تحرير المرأة من العبودية المنزلية، كي تشارك عن طريق استقلالها الاقتصادي التام، في عملية التطور من خلال وظيفتها مع الرجال واشتغالها في المصانع في عمل يوم كامل»[2].


لقد أضحى من البديهي أن يؤثر منطق النظام الرأسمالي الناشئ في البنية الاجتماعية للمجتمعات الغربية، حيث أغرى بأجوره الزهيدة،  مئات الآلاف من النساء اللواتي هرعن إلى مصانع النسيج وغيرها يلتمسن العمل.










[1] ـ أبو الأعلى المودودي: "الحجاب" ، دار المعرفة ، د.ت.  ص 192-193.





[2] ـ مريم جميلة : "تحذير المرأة المسلمة" (ترجمة طارق السيد خاطر)، القاهرة   د.ت. ص 87



د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين؛ تطوان المغرب، محرم 1434/دجنبر2012.




السكينة السكينة؛ تفيأ في ظلالها

2







حيرة وسكينة


كثرت آمالك وتنوعت، وتجددت حاجاتك وتعددت، فضاق عليك الفضاء بما رحب وهمست إلى نفسك: يا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني كنت معدوما ولم أكن شيئا مذكورا . ثم تداركتك رياح الرحمة لما علمت ألا ملجأ منه إلا إليه، وأن الفاقات لا تسد إلا بالافتقار إليه، وأن ذكرك له يغنيك عن ذكرك لما سواه، فتلاشت آمال النفس الأمارة، وخمدت نار الحاجات والشهوات، وحلت السكينة محل الحيرة، ورجعت إلى أصلك حيث أنت الذاكر وهو المذكور، وأنت العابد وهو المعبود.



تفيأ في ظلال السكينة


استمطر سكينته وألح في طلبها فقد يكرمك بها ؛ (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) (سورة الفتح، آية 4). وإذا غشيتك، كنت في حرم آمن، أو كأنك في البلد الأمين، فاشتدت الفراسة، وقوي اليقين، وفتح لك باب الحكمة، فنهلت من عين المعاني والسبع المثاني، واستعذبت الرقائق ونطقت بالحقائق.


 


لا طمأنينة إلا مع الله


إذا داعبت رياح الطمأنينة قلبك وذقت حلاوتها، فأكثر من الشكر والحمد، ثم احذر الله والزم المراقبة، لأن مكر الله شديد، والسلب بعد المنح ليس ببعيد. ولا تعتبر الطمأنينة غاية في ذاتها، ولا تقف معها، لأن وقوفك معها وقوف مع نفسك. ولا تكن أسير حلاوتها فتتعلق بها فتحجب عن الله لأن إلى ربك المنتهى.



د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان/المغرب،"واردات وخواطر إيمانية"، أوائل الثلاثينيات من القرن الخامس عشر الهجري.


 

مفهوم الاستشراق

0





يذهب عدد من الدارسين في ميدان الاستشراق، إلى أن كلمة "استشراق" ومشتقاتها مولدة، استعملها المحدثون من ترجمة كلمة ORIENTALISM الإنجليزية. ويرجع ظهور الاستشراق في المعجم الإنجليزي إلى سنة 1799، ثم بعد ذلك صادقت الأكاديمية اللغوية في فرنسا على تداول هذه الكلمة واستعمالها في اللغة الفرنسية.


والاستشراق علم غربي موضوعه الشرق الواسع، أقضاه ووسطه وأدناه. والمستشرق هو الذي يهتم بدراسة لغات الإنسان الشرقي وآدابه وحضارته وأديانه. غير أن الأذهان في العالم الإسلامي تنصرف غالبا، إلى المعنى الخاص لمفهوم الاستشراق والذي يعني الدراسات الغربية المتعلقة بالشرق الإسلامي.


" ويعرف م.أ جويدي علم الاستشراق وصاحبه قائلا : " والوسيلة لدرس كيفية النفوذ المتبادل بين الشرق والغرب إنما هو "علم الاستشراق"، بل نستطيع أن نقول إن غرض هذا العلم الأساسي ليس مقصورا على مجرد درس اللغات أو اللهجات أو تقلبات تاريخ بعض الشعوب كلا، بل من الممكن أيضا أن نقول إنه بناء على الارتباط المتين بين التمدن الغربي والتمدن الشرقي، ليس علم الشرق إلا بابا من أبواب تاريخ الروح الإنساني...وليس صاحب علم الشرق الجدير بهذا اللقب بالذي يقتصر على معرفة بعض اللغات المجهولة، أو يستطيع أن يصف عادات بعض الشعوب، بل إنما من جمع بين الانقطاع إلى درس بعض أنحاء الشرق، وبين الوقوف على القوى الروحية الأدبية الكبيرة التي أثرت على تكوين الثقافة الإنسانية."[1].


وجدير بالذكر أن مفهوم الاستشراق تطور تبعا لتطور العلاقة بين الشرق والغرب، حيث بدأ هذا المفهوم يكتسي طابعا سياسيا شيئا فشيئا، بقدر ما تقهقرت الدولة الإسلامية. فما أن أصبحت الدولة العثمانية يطلق عليها "الرجل المريض"، حتى كانت الصورة السياسية قد تمكنت من حقيقة الاستشراق، وحلت المؤسسات الاستشراقية التي تشرف عليها الدولة الإمبريالية محل الاستشراق الفردي. ومع أن هذا الأخير لم تكن أحكامه وفرضياته تخلو من أهواء ونزعات ذاتية، فإنه لم يكن يخضع لعملية التسييس التي فرضها منطق الاستعمار الإمبريالي. وسيسجل النصف الأول من القرن التاسع عشر دخول البحث الاستشراقي تحت هذه الهيمنة الإمبريالية. ومازال الاسشتراق يعاني إلى الآن وطأة سياسية، وتسخر أبحاثه في أغراض تخدم مصالح الإنسان الغربي المتغطرس. ولعل إدوارد سعيد الذي عمل أستاذا للأدب المقارن في جامعة بوسطن بأمريكا، من بين أحسن النقاد الذين اشتغلوا بدراسة ونقد العمل الاستشراقي، والذين أكدوا على العلاقة الوطيدة والحميمة بين الاستشراق والسياسة، يقول هذا الكاتب : " ...وباختصار فإن الاستشراق يمثل أسلوبا غربيا في السيطرة، كما يعني "إعادة تشكيل" الشرق والهيمنة عليه. إن مفهوم الخطاب كما هو محدد عند مشيل فوكو في كتابيه "أركيولوجية المعرفة" و "راقب وعاقب"، هذا المفهوم قد أفادني في تمييز ووصف الاستشراق"[2].


ويقول أيضا في الكتاب نفسه: " الاستشراق هو علم الشرق الذي يضع أمور الشرق وأشياءه وفي قسم أو محكمة أو سجن أو كراسة، بهدف تحليلها أو دراستها، أو تقيميها أو مراقبتها وسياستها "[3].


ويضيف قائلا : " إن الاستشراق في نهاية المطاف رؤية سياسية لحقيقة الشرق، وبنيته تكرس الاختلاف والتباين بين الغرب والشرق، وتجعل من الغربي الإنسان القوي، لأن ثقافته هي الأقوى ولأنه يستطيع أن يلج ويكتشف سر الشرق ولغزه، ثم يمنحه الصورة المناسبة والحقيقة "[4].


من ناحية أخرى فإن الشرق الذي يمثل موضوع الاستشراق، لا يمثل الصورة الحقيقية للشرق، وإنما يترجم ما هو عالق بذهن المستشرق حول موضوع الشرق. إن هذا المستشرق رهين الثقافة التي ترعرع فيها ونهل من معينها، وخاضع لتأثيرات المواقف الدينية والسياسية الغربية إزاء الشرق وحضارته، وبالتالي فليس في مقدروه أن يتناول موضوعاته دون أن يستسلم لقوة القوالب والحدود الفكرية المفروضة عليه مسبقا. وفي هذا الصدد يرى إدوارد سعيد أن الاستشراق  لا يقوم على دراسة الشرق ووصفه، وإنما يقوم على استنطاقه. ومن ثم فإن المستشرق لا يهمه الشرق، إلا بقدر ما يوحي هذا الشرق من أفكار تتناسب مع ما يتصوره المستشرق عنه.









[1] - د. أحمد سيمالوفتش "فلسفة الاستشراق وأشرها في الأدب العربي المعاصر " دار المعارف مصر 1980 ص 24.






[2] - Eduard said "L'orient créé par l'occident " Ed seuil France 1980 p. 15.



[3] - نفسه، ص 56.


د. عبد الله الشارف؛ جامعة القرويين، كلية أصول الدين/تطوان المغرب. محرم 1434/دجنبر 2012.


 


 





[4] - نفسه، ص 59.




العاطفة الصادقة في أدب الرقائق

1






إن القارئ عندما يتأمل أدب الرقائق يكتشف أن كلماته ليست خرساء، وإنما هي ناطقة على الدوام، وأول رسالة تبعث بها إلى قلب قارئها، رسالة الصدق الوجداني، وهو صدق يعبر عن شعور حقيقي يختلج في نفس صاحبه. فالعاطفة الصادقة تضفي الحرارة والحياة على الأثر الأدبي وتجعل القارئ يشعر بمثل ما يشعر به الأديب. وهي تَنقل القراء إلى عوالم غير عوالمهم الواقعية، وتسري بهم إلى ملأ الرؤى التي بثها الأديب في أدبه.


وفي صدق العاطفة يكمن الفرق بين الأدب المطبوع والأدب المتكلف. أما المطبوع فيستهويك، ويمتعك، ويكسبك تجارب شعورية وفكرية جديدة. وأما المتكلف، فيزعجك، وينفرك، ويشعرك بالفتور، ولا يفيدك في شيء.


لنستمع إلى الفقيه محمد بن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وهو يعبر بلغة الوجدان والعاطفة عن خوف المسلم من الوقوع في أسر الدنيا:


"لاح لهم المشتهى، فلما مدوا أيدي التناول بان لأبصار البصائر خبط الفخ، فطاروا بأجنحة الحذر وصوبوا إلى الرحيل الثاني "ياليت قومي يعلمون (سورة يس : 26). تلمح القوم الوجود، ففهموا المقصود، فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل، وشمروا للسير في سواء السبيل؛ فالناس منشغلون بالفضلات، وهم في قطع الفلوات، وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ينتظرون الذبح"[1].


ويقول في السياق نفسه:


"اقشعرت الأرض وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات، وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش، وتكدرت الحياة من فسق الظلمة، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم، من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح. وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه. فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح. وكأنكم بالباب قد أغلق، وبالرهن وقد غَلِق، وبالجناح وقد علق (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)، سورة الشعراء : 227"[2].


ويقول أيضا: "اشتر نفسك اليوم؛ فإن السوق قائمة، والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير؛ (ذلك يوم التغابن) سورة التغابن : 9، (ويوم يعض الظالم على يديه) سورة الفرقان : 27"[3].


إن هذه النصوص الثلاثة تفيض حيوية وصدقا، كما تنطوي على عاطفة قوية يبدو معها التعبير الموحي حاملا شحنة من المعنى أوسع من نطاق أحرفه؛ حيث العواطف الجائشة تتدفق تلقائيا، وتنفذ إلى أعماق النفوس، وتحركها وتحملها على مشاركة الكاتب في وجدانه. ثم إن العاطفة المشعة من كلمات هذه النصوص، هي من نوع العواطف السامية التي تسهم في الرفع من قدر الإنسان، وتذكره بحقيقته الجوهرية المتجلية في العبودية لله وحده، وتخاطب فيه معاني الإنسانية ومعاني الفطرة. ومما لا شك فيه أن الفكرة السامية المشبعة بالعاطفة الصادقة الجياشة، تلك الفكرة التي تسهم في الرفع من قدر الإنسان وتنزع به نحو الرفعة والعلا، لهي أجمل قيمة وأطيب صدى من الأفكار الداعية إلى التبذل والسفه، أي الأفكار التي تعكسها العواطف المنحطة التي تشد صاحبها نحو ما هو مسترذل ومستقبح.


د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين، تطوان المغرب.


 












[1] ابن قيم الجوزية : "الفوائد"، ص : 60، المكتبة العصرية صيدأ بيروت، 1422/2002.





[2] المرجع نفسه، ص : 61-62.





[3] المرجع السابق، ص : 62.




التراث والمعاصرة (مدخل)

0




ترجع الجذور التاريخية لقضية التراث والمعاصرة في العالم الإسلامي إلى حملة نابليون على مصر. ومع بزوغ فجر القرن التاسع عشرالميلادي، أخذت القضية تفرض نفسها ثقافيا وسياسيا في مختلف البلدان العربية والإسلامية. وما الاصلاحات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والبعثات الطلابية إلى أوربا، ومحاولات تحديث المجتمع الإسلامي إداريا وعسكريا، إلا صورة من الصور التي تعكس حدة تلك القضية وتجسد روحها. غير أن الشكل الذي تبلورت فيه هذه القضية والمسار التاريخي الذي عرفته، أثر فيهما عاملان أساسيان: أولهما داخلي والثاني خارجي.


فالأول يتلخص في عامل الانبهار الذي أصيب به العالم الإسلامي إثر الصدمة الحضارية التي انتابته بعد اطلاعه على قوة الأوربيين وتفوقهم، وذلك قبل مجيء الاستعمار ببضعة عقود. وقد نتج عن حالة الانبهار هذه، ظهور موقفين متقابلين : موقف يميل أصحابه إلى تقليد الحضارة الغربية، ومحاكاتها والذوبان فيها، عبر الانسلاخ التام عن التراث الإسلامي، وهذا الفريق يجسد الاستغراب بأدق أوصافه ومعانيه. وقد بلغ بهم الاستسلام وضعف الشخصية مبلغا أصبحوا معه موقنين بعدم جدوى  كل محاولة للإبداع والابتكار والاعتماد على الذات. وموقف مقابل له آثـر التقوقع على الـذات وأدار ظهره لكل ما يتعلق بالحضارة الغربية، ولاذ بالتراث يحمي به ذاته من سهام الغرب السامة. وطفق أصحابه يمجدون التراث الإسلامي ويعتزون بالآباء والأجداد، ويفتخرون بإسهاماتهم المشرقة في ميدان الفكر والحضارة. واستهدفوا بهذه الطريقة تجاوز حالة الشعور بالذل والهوان، بسبب الصدمة الحضارية.


والعامل الثاني الخارجي يتمثل في طبيعة الحضارة الغربية وجوهرها. فقد ورث الأوربيون عن أجدادهم الرومان حب السيطرة واستعمار الشعوب واستعبادها. إضافة إلى هذا استعملوا كل الوسائل لكي يقنعوا شعوب العالم بأن الحضارة الأوربيـة وقيمها، هي المقياس الوحيد لكل نهوض وتقدم. وكانت البحوث والدراسات  العلمية  والاجتماعية على رأس هذه الوسائل. وكمثال على ذلك؛ ظهور وتطور الدراسات الاتنولوجية والانتربولوجية. والتاريخ يثبت بأن نشأة الاتنولوجيا والانتربولوجيا تزامنت مع بدايات التدخل الأوربي في العالم. ولعل (ليفي برويل ( الانتربولوجي الفرنسي كان من الأوائل الذين سعوا في إثبات تفوق الغربيين والجنس الآري عموما، وذلك في كتابه "عقلية ما قبل المنطق" حيث أثبت أن "الشعوب البدائية" ومن شابهها من الأمم المتخلفة مفطورة على التفكير اللامنطقي.


وخلاصة القول؛ إن الثقافة الغربية تسودها نزعة مؤداها أن الإنسان الغربي هو النموذج الأمثل للإنسان، وبالتالي ينبغي الاقتداء به. ويسعى الغربيون ، حكاما ومثقفين ، مباشرة أو غير مباشرة ، لإقناع العالم بهذه الفرضية. وبما أن الموطن الأصلي لقضية التراث والمعاصرة هو الغرب، وأن هذه القضية التي عرفها الغرب منذ مطلع عصر النهضة تعتبر جزءا لا يتجـزأ من ثقافته، وأن ثقافته بطبيعتها تنزع إلى إلغاء غيرها من الثقافات والحلول محلها، كان من المنطقي أن تثار هذه القضية في البلاد الإسلامية التي خضعت للاستعمار. إذن لم تكن قضية التراث والمعاصرة لتثار في العالم الإسلامي ولتأخذ الشكل والمسار التاريخي المعروف، لولا حدوث عاملي الانبهار وهيمنة الحضارة الغربية.  وفي رأيي أن هذه القضية مفتعلة ومستوردة، أكثر من كونها تعبير عن تطور طبيعي وذاتي، للثقافة في المجتمعات الإسلامية.


غير أن هناك العديد من المثقفين المتشبعين بالتراث وروحه، تخطوا هذا الطرح الهزيل لقضية التراث، ورأوا أن هذه جوهر هذه القضية يتمثل في بعث روح حضارية تربط الحاضر بالماضي، وتؤكد عل الأصالة تأكيدها على المعاصرة. ورغم أنهم لا يؤمنون بشد العربة إلى الوراء ولا بالالتزام الحرفي بكل جوانب الماضي، بل يؤكدون على عوامل التقدم الحضارية، فإنهم يضعون إطارا عاما للتطور يحكمه الوحي الإلهي الذي ينبغي أن يشكل روح الحاضر ودستوره العام، كما كان في عصور الإسلام الذهبية.


د.عبد الله الشارف؛ الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر؛ طوب بريس الرباط 2003، ص 108-109.

الجنة الجنة؛ لا تطلب غيرها

1


مد يمناك إلى باب الجنة


يا عبد الله


الجنة أقرب من أن ترحل إليها، وحورها فوق فرشها وبأبواب خيامها أشد انتظارا لك من أم لابنها المفقود. والمهر؛ طول التذلل والتجافي في جوف الليل؛ (تتجافى جنوبهم عن المضاجع)، والمحافظة على العهد والميثاق، بعدها يطيب التلاقي، وينعم كل خل بخليله، وتقر أعينهم بعطايا مليكهم، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. ما أقصر عمر الدنيا، و"الأمر أسرع مما أنت فيه"، ولا فناء للآخرة، وأنت تعض بنواجدك على الفاني. بئس ما عضت نواجدك وثناياك، وبئس وخاب المسعى مسعاك.


اطلب دار البقاء


يا عبد الله


طلق العجوز الشمطاء، واخطب ود العروب الحوراء، واهجر رجز دار الفناء، واصب إلى نعيم دار البقاء. فقد سرى الركب ليلا وأنت نائم، وطوى المراحل بالذكر وأنت هائم، فإلى متى تظل مغلولا مقيدا وقد أرادك الله عبدا مخلدا؟


أين الفاني من الباقي


يا عبد الله


تقرب إلى الواحد الأحد، وعانق ساحل الأبد، ولا تقف مع اليوم، فقد أخنى عليه الذي أخنى على لبد، ولكن انظر إلى غد. فمثلك لا يرضى بالدنيا مقاما، ولا يكن لنعيمها حبا ولا غراما. فأين الفاني من الباقي، وأين الثرى من الثريا، وأين النعيم بلا نعيم من نعيم لا يفنى، وأين الملك بلا ملك من ملك لا يبلى؛ حيث ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وتطيب اللقيا ؟!!


أجمل ما يرى


يا عبد الله


خير ما يلقى في القلب اليقين، وأجمل ما يرى وجه رب العالمين، وألذ ما يطرب السمع كلام الحبيب، وترتيل الذكر بمزمار داود وشذو نساء الجنة والحور العين. وأحسن ما تقر به العين مقام أمين في أعلى عليين. وكل ما لم يفض بك إلى هذا، فوهم وغرور وتخمين، أو هشيم تذروه الرياح فوق الربى وعلى البطاح. ولله ذر لبيد:


        ألا كل شئ ماخلا الله باطل         وكل نعيم لا محالة زائل.


وجه الله أعظم مما يخطر على بالك، وأقر للعين وأجمل ما يرى وأبهى، وليس وراء الله مرمى، ولا بعد ذكر الله من خير يرجى أو نعمة تجتبى، ولا أحسن من قرآنه ما يتلى، وإليه يصعد الكلم الطيب ويرقى.


عرائس الجنة تناديك


يا عبد الله


عرائس الجنة تناديك، وتتود إليك، وقد طال انتظارها ولما يلن قلبك. بل أنت في شأن آخر، وقد ركبت بحر الغفلة والشهوات، فحيل بينك وبين هاتيك النداءات، فضاعت روحك بين الأنفاق وفي الفلوات. آمن عقلك بالميعاد، ولم يؤمن قلبك، فلا خير ولا أثر. وإذا لم تنجذب نفسك إلى نعيم الجنة فقد حرمت المنة، وخلا قلبك من التصديق، وإن صدقت فلا يقين.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان، أوائل الثلاثينيات من القرن الخامس عشر الهجري.

الجابري والعقلانية

1


العقلانية مذهب فلسفي ينطلق من كون العالم بنوعيه؛ الميتافيزيقي والمادي، لا يمكن إدراكه إلا بالعقل وحده، باعتباره الأداة الرئيسة للمعرفة. والعقلانية أيضا مذهب قديم في البشرية، يبرز أشـد ما يبرز في الفلسفة اليونانية وخاصة عند سقراط وأرسطو. ولقد بقيت هذه الفلسفة مؤثرة في الفكر الأوربي زمنا ليس بالقصير، حتى ظهرت المسيحية فغيرت مجرى ذلك الفكر تغييرا جذريا؛ حيث أبعد العقل وحل محله المنطق الكاثوليكي الكنسي بأغلاله وقيوده. وقد تمخض هذا المذهب في العصور الحديثة، عن الصراعات الفكرية والعقدية التي رافقت تطور الفكر الأوربي منذ عصر النهضة. والعقلانية تمثل أحد الأسس التي قامت عليها الحضارة الأوربية، كما شكلت الوقود الأساسي للثورات الصناعية والاجتماعية والسياسية.


وترتـبـط العقـلانية الأوربية تاريخيا بالفيلسوف الـفـرنـسي "ديكارت". وكان الفيلسوفان "سبينوزا" و"ليبنز" من أشد دعاتها المتحمسين لها. ولقد حاول الفيلسوف "كانت" التصدي لها وانتقدها في كتابه "نقد العقل الخالص"، إلا أنها انتعشت من جديد بفصل ازدهار "مدرسة هيجل"،  في النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي.


إن العقلانية، من هذا المنطلق، فلسفة غربية، صاحبت قيام وتطور البورجوازية و الرأسمالية في الغرب. ثم انتقلت إلى العالم. وإذا كانت في ميدان العلوم قد ظلت تتقدم، وبلا توقف، فإنها في ميدان الفلسفة والسياسة، شهدت تحولات وتقلبات كبيرة.


يتضح من هذا التمهيد أن العقلانية مذهب فلسفي وتصور للكون والحياة، ظهر في أوربا الحديثة انطلاقا من عصر النهضة. وهو مذهب يجسد بالأساس منطق الأوربين ونظرتهم الفلسفية للوجود.


والآن أقتطف من كتابات الأستاذ عابد الجابري بعض النصوص التي يدعو فيها إلى العقلانية، والتي لا تخلو من الروح الاستغرابية.


يقول الدكتورالجابري: «ينبغي إعادة كتابة تاريخنا الثقافي بصورة عقلانية وبروح نقدية... والتعامل العقلاني النقدي مع تراثنا يتوقف على مدى ما نوظفه بنجاح من المفاهيم والمناهج العلمية المعاصرة».[1]


ويقـول أيضا: «ونحن نعتقد أنه ما لم نمارس العقلانية في تراثنا، ومالم نفضح أصـول الاستـبداد ومظاهره في هذا التراث، فإننا لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا. حداثة ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة "العالمية"، كفاعلين وليس كمجرد منفعلين»[2].


يرى الأستاذ الجابري أن تاريخنا الثقافي لم يكتب بعد، وبتعبير آخر؛ لم يدون بطريقة مفيدة وايجابية، أي نقدية وعقلانية. ومن هنا فهو يرى أنه إذا أردنا أن نعيد كتابة تاريخنا الثقافي بصورة عقلانية وبروح نقدية، فلا سبيل إلى ذلك سوى استعمال وتوظيف المناهج والمفاهيم العلمية المعاصرة، بمعنى أنه يستحيل علينا فهم ذاتيتنا وتراثنا مالم نستعمل "نظارة" غيرنا.


بيــد أنـه إذا كانـت الـمناهـج الـعـلمـية المعاصرة قـد أفرزتها الحضــارة الغـربـية لتتخـذها ، بالأساس ، أداة لفهم وتحليل ثقافاتها الأوربية، أي أن هذه المناهج تم وضع هندستها وشكلها ليتناسب مع تلك الثقافات، فكيف يتأتى لنا استعمالها لتحليل ثقاقتنا الذاتية؟


قد يجيب الأستاذ الجابري بقوله: «إن مفاهيم العلوم الإنسانية في الغرب ترتبط بالمرجعيات التي تـؤسس الثقافة الغربية والفكر الغربي، ولكنها في ذات الوقت تعبر عن واقع انساني عام. فإذا استطعنا أن نربط هذه المفاهيم بمرجعياتنا؛ أي أن نبيئها (من البيئة) في محيطنا وثقافتنا فإنها ستصبح ملكا لنا».[3]


هذه الإجابة وجيهة ومنطقية إلى حد ما، ولكن كيف السبيل إلى هذه "التبيئة" (إن صح التعبير)؟ وهل وضع لها كاتبنا إطارا نظريا، أو خطة منهجية دقيقة ومناسبة. كلا إنما نجده في كتاباته يتبنى كل ما يجذبه ويستلبه ويأسره من مفاهيم وتصورات غربية ولا "يبييء" منها شيئا. من ذلك قوله «سيلاحظ القارئ أننا نوظف مفاهيم تنتمي إلى فلسفات أو منهجيات أو "قراءات" مختلفة متباينة، مفاهيم يمكن الرجوع ببعضها إلى "كانت" أو "فرويد" أو "التوسير" أو "باشلار" أو "فوكو" بالاضافة إلى عدد من المقولات الماركسية التي أصبح الفكر المعاصر لا يتنفس بدونها»[4]...{؟!!}


والخلاصة أن باحثنا د. الجابري يمارس العقلانية ويوظف مفاهيمها بروح استغرابية.









[1] ـ د. محمد عابد الجابري "اشكاليات الفكر العربي المعاصر" ، مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر ، الدار البيضاء ، 1989 ص 35.





[2] ـ "التراث والحداثة" المرجع السابق ص17.





[3] ـ د. محمد عابد الجابري: "التراث والحداثة" ، ص 287.





[4] ـ د. محمد عابد الجابري:" الخطاب العربي المعاصر" ، المرجع السابق ص12.


د.عبد الله الشارف؛ الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر؛ طوب بريس الرباط 2003، ص 108-109



جوستاف لوبون والحضارة الإسلامية

0




يعتبر جوستاف لوبون (1841-1921) من المستشرقين القلائل الذين تحلوا بقسط وافر من الإنصاف والموضوعية العلمية، أثناء دراستهم للحضارة الإسلامية وتراثها الفذ الرائع. ولقد أشاد بهذه الحضارة وأثنى على علمائها وعباقرتها، كما مدح الإسلام ونبيه صلوات الله وسلامه عليه، وأشار إلى التسامح والرفق الذي مارسه المسلمون الفاتحون بشعوب البلدان التي فتحوها، مما دفعهم إلى الدخول في الإسلام أفواجا أفواجا. وإليك أخي القارئ الفطن بعض النصوص المقتبسة من كتاب "حضارة العرب" الذي ألفه هذا المستشرق الفرنسي المنصف:


"وقد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة، فلما قهر النصارى عرب الأندلس، فضل هؤلاء الطرد والقتل عن آخرهم على ترك الإسلام. ولم ينتشر القرآن بالسيف إذن، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول"[1]


"وكلما أمعنا في دراسة حضارة العرب والمسلمين وكتبهم العلمية واختراعاتهم وفنونهم ظهرت لنا حقائق جديدة وآفاق واسعة، ولسرعان ما رأيتَهم أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين، وإن جامعات الغرب لم تعرف لها مدة خمسة قرون موردًا علميًّا سوى مؤلفاتهم، وإنهم هم الذين مدَّنُوا أوربا مادة وعقلاً وأخلاقًا، وإن التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير، وأنه لم يَفُقْهم قوم في الابتداع الفني"[2].


"ولم يقتصر فضل العرب والمسلمين في ميدان الحضارة على أنفسهم؛ فقد كان لهم الأثر البالغ في الشرق والغرب، فهُما مدينان لهم في تمدُّنِهم، وإن هذا التأثير خاص بهم وحدهم؛ فهم الذين هذّبوا بتأثيرهم الخُلُقي البرابرة، وفتحوا لأوربا ما كانت تجهله من عالَم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية، فكانوا مُمدِّنين لنا وأئمة لنا ستة قرون، فقد ظلت ترجمات كتب العرب ولا سيِّما الكتب العلمية، مصدرًا وحيدًا للتدريس في جامعات أوربا خمسة أو ستة قرون، فعَلى العالم أن يعترف للعرب والمسلمين بجميل صنعهم في إنقاذ تلك الكنوز الثمينة"3].


"ولا يمكن إدراك أهمية شأن العرب إلا بتصور حال أوربا حينما أدخلوا الحضارة إليها، إذا رجعنا إلى القرن التاسع والقرن العاشر من الميلاد، حين كانت الحضارة الإسلامية في إسبانيا ساطعة جدًّا، رأينا أن مراكز الثقافة في الغرب كانت أبراجًا يسكنها سنيورات متوحشون يفخرون بأنهم لا يقرِؤجوستاف لوون، وأن أكثر رجال النصرانية معرفة كانوا من الرهبان المساكين الجاهلين الذين يقضون أوقاتهم في أديارهم ليكشطوا كتب الأقدمين النفيسة بخشوع"[4.


"إن الأمم التي فاقت العرب تمدنا قليلة للغاية، وإننا لا نذكر أمة كالعرب ،حققت من المبتكرات العظيمة في وقت قصير مثل ما حققوا، و إن العرب أقاموا دينا من أقوى الأديان التي سادت العالم،أقاموا دينا لا يزال تأثيره أشد حيوية مما لأي دين آخر،و إنهم انشأوا، من الناحية السياسية، دولة من أعظم الدول التي عرفها التاريخ،و إنهم مدنوا أوربة ثقافة و أخلاقا، فالعروق التي سمت سمو العرب و هبطت هبوطهم نادرة و لم يظهر،كالعرب،عرق يصلح أن يكون مثالا بارزا لتأثير العوامل التي تهيمن على قيام الدول و عظمتها و انحطاطها " 5.









1-جوستاف لوبون: "حضارة العرب " ترجمة عادل زعيتر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000، ص 127.


2- جوستاف لوبون: حضارة العرب، تعريب عادل زعيتر، ص26.


3- المصدر السابق.


4-جوستاف لوبون: حضارة العرب، تعريب عادل زعيتر، ص566.


5- جوستاف لوبون   "         "      ص618.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب/ محرم 1434/نوفمبر2012.


 






الإرادة والذكر

0








قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، أن الذكر والإرادة مفهومان منفصلان؛ باعتبار أن الذكر مجاله الدين والممارسة الروحية، التي تهدف إلى تقوية الرابطة بين الذاكر ومذكوره، وهو الله عز وجل. في حين أن الإرادة؛ وهي من المكونات الأساسية للشخصية الإنسانية ، تعتبر من المفاهيم الجوهرية المؤسسة لعلم الأخلاق، كما أن لها موقعها المتميز في المنظومات الفلسفية قديما وحديثا، وكذا في ثنايا الأبحاث والنظريات النفسية وفي صلب قضايا علم النفس الحديث. فكيف يا ترى يمكن الجمع بينهما؟. والحقيقة أن المفهومين متلازمان أقوى ما يكون التلازم، بل إن كل واحد منهما متوقف في وجوده على الآخر. بحيث إذا اختفى أحدهما اختفى الآخر.


إن علاقة التلازم والتداخل بين هذين المفهومين تتجلى في جوانب متعددة من حياة الإنسان؛ وعلى رأسها الجانب المعرفي. ذلك أن المسلم  لن يمتلك المعرفة الحقيقية إلا إذا استوعب مفهوم الذكر وتمثله في إطاره الشمولي، بحيث يؤدي هذا الاستيعاب والتمثل إلى تربع الإرادة القوية والهادفة، والملتزمة على عرش قلبه ، فيغدو بذلك مثالا للمسلم الذاكر المريد.


إن أنوار الذكر الشرعي اللساني والقلبي، عندما تنفذ إلى قلب المسلم وتضيء أرجاءه، تعمل في الوقت نفسه على تربية النفس وتزكيتها، وتحويل صفاتها وأخلاقها الذميمة من كبر وعجب وحسد ورياء وجهل، إلى أضدادها من تواضع... وحب وتعلم، فتنقشع غيوم النفس الأمارة، وترفع موانع المعرفة، ثم تفتح أبواب التلقي والتعلم بعد أن كانت موصدة.


وكما أن دخول ميدان الذكر، والترقي في مدارجه على المنهج النبوي وسنة الصحابة الأطهار، يفضي بالمسلم إلى عالم المعرفة الحقة، بعد التسلح بالإرادة الصحيحة والهادفة، فإن ركوب بحر الجهالة والغفلة، يجعل الإنسان أشبه ما يكون بالحيوان المتوحش بل أضل سبيلا.


ولما كان حال النفس الذاكرة كما ذكرت آنفا، كان حال النفس الغافلة بخلاف ذلك خائرة القوة، مسلوبة الإرادة يغلب عليها الخوف والقلق، إذا حل بها مكروه. ذلك أن الإنسان حين يغفل عن ذكر الله، فإنه ينتقل تلقائيا إلى ذكر غيره، فينتقل من التوحيد إلى الصنمية، حيث ينسب الفاعلية والتأثير إلى الأصنام التي يقيمها، فتضطرب بذلك معتقداته ويتمزق ولاؤه وتتناثر شخصيته، ولا ينقذه من هذا التمزق والاضطراب، إلا العودة إلى ذكر الله عز وجل.


نعم إن الذكر بمفهومه اللساني والقلبي، وكذا من حيث أنه تأمل وتفكر وتدبر، وطاعة وامتثال لأوامر الله، والمبادرة إلى الإصلاح، والبناء الاجتماعي والحضاري...  هذا الذكر له تأثيرعميق في تقوية الإرادة المثالية الهادفة واستثارة طاقاتها.


وبما أن النفس ميالة بطبعها إلى الملذات والشهوات، واتباع سبل الغواية، كانت بذلك السبب المباشر في إضعاف الإرادة الإنسانية، والحيلولة بينها وبين القيام بالوظائف السامية، ولا سيما وظيفة الاستخلاف في الأرض. وهنا تبرز أهمية الذكر بمفهومه الشامل، باعتباره أعظم وسيلة لتهذيب نوازع النفس وميولاتها، والأخذ بيدها إلى ساحل السعادة والطمأنينة، كما تبرز أهميته أيضا في إعادة الحياة إلى الإرادة الحقيقية الهادفة، لا سيما وأن عنصر الإرادة، هو أحد العناصر الجوهرية المكونة لحقيقة الإنسان، إذ لولاها لما كان مكلفا، ولما تحمل الأمانة.


وهكذا فإن الذكر الحقيقي والشامل يهدف أولا وقبل كل شيء، إلى تنمية قوى الإرادة التي تتجسد عمليا في محبة الله وخشيته ورجائه، لأن محبة الله تدفع الفرد إلى طاعته، وخشيته تزجره عن المضي فيما يغضبه، والرجاء من الله يمنحه القدرة على الاستمرار وعدم الملل. والنجاح في هذه الإرادات الثلاث، يؤدي إلى تحرير القلب من الخضوع لغير الله، وإلى الانسجام مع سننه وقوانينه في الوجود.


ولا يعدم المتأمل والباحث الحصيف، الشواهد التي تدل على أن واقعنا الحضاري اليوم يعاني أزمة في الإرادة، تمخضت عن أزمة في الذكر؛ أي في العلاقة بين المخلوق وخالقه؛  معنى ذلك أن أبعاد الأزمة روحية أكثر منها اجتماعية أو سياسية أو ما شابه ذلك، وباتت المشاكل النفسية والاجتماعية، الناتجة عن الضعف والانحراف في بنية الإرادة ومسارها، كثيرة.


ويوم تنكبت الحضارات منهج الفطرة  وأعرضت عن خطاب الوحي، سلك أهلها سبيل الحياة البهيمية، وتقلصت دائرة الإرادات، وانحصرت في المجالات المتعلقة بالأهواء والشهوات والسلوكات الدنيئة. بل إن الإرادة كمبحث من مباحث الفلسفة وعلم النفس قد أصبحت، منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، موضوع جدل حاد بين الاتجاهين العقلاني واللاعقلاني؛ حيث أكد الاتجاه الثاني خضوع الإنسان لقوى باطنية لاشعورية تحدد سلوكه وتوجه إرادته، مما يؤكد الطابع الجبري والقسري لسلوك الإنسان. وهو ما نلمسه في صلب نظرية التحليل النفسي عند فرويد ونظرائه من أنصار النظرية، أو فيما قبل في ثنايا فلسفة شوبنهور وسواه من الفلاسفة الذين أعلوا من شأن العقل الباطني واللاشعوري. ولعل الأمراض النفسية والعصبية المنتشرة في العالم الغربي خير دليل على أن الإنسان الغربي يعاني أزمة حادة وخطيرة على مستوى الإرادة.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب، ذو الحجة 1433-نوفمبر2012.     


 


 

عز الحجاب وذلت الرقاب

1








أيتها القارئات المؤمنات الطاهرات؛ أبعث إليكن بهذه الرسالة الإيمانية التربوية، المتضمنة لقصة واقعية، كان فضاء كلية أمريكية مسرحا لها.


  يحكي الدكتورالأمريكي محمد أكويا قائلا:


" قبل أربع سنوات, ثارت عندنا بالجامعة زوبعة كبيرة, حيث التحقت للدراسة طالبة أميركية مسلمة, و كانت محجبة, و قد كان من بين مدرسيها رجل متعصب يبغض الإسلام و يتصدى لكل من لا يهاجمه. فكيف بمن يعتنقه و يظهر شعائره للعيان؟ كان يحاول استثارتها كلما وجد فرصة سانحة للنيل من الإسلام. وشن حربا شعواء عليها, و لما قابلت هي الموضوع بهدوء ازداد غيظه منها,فبدأ يحاربها عبر طريق آخر,حيث الترصد لها بالدرجات, و إلقاء المهام الصعبة في الأبحاث, و التشديد عليها بالنتائج, و لما عجزت المسكينة أن تجد لها مخرجا تقدمت بشكوى لمدير الجامعة مطالبة فيها النظر إلى موضوعها. و كان قرار الإدارة أن يتم عقد بين الطرفين المذكورين؛ الدكتور و الطالبة، لسماع وجهتي نظرهما والبت في الشكوى. و لما جاء الموعد المحدد، حضر أغلب أعضاء هيئة التدريس، و كنا متحمسين جدا لحضور هذه الجولة التي تعتبر الأولى من نوعها عندنا بالجامعة.


 بدأت الجلسة التي ذكرت فيها الطالبة أن المدرس يبغض ديانتها. و لأجل هذا يهضم حقوقها العلمية، و ذكرت أمثلة عديدة لهذا، و طلبت الاستماع لرأي بعض الطلبة الذين يدرسون معها، وكان من بينهم من تعاطف معها و شهد لها. و لم يمنعهم اختلاف الديانة أن يدلوا بشهادة طيبة بحقها. حاول الدكتور على أثر هذا أن يدافع عن نفسه، و استمر بالحديث فخاض بسب دينها. فقامت تدافع عن الإسلام. أدلت بمعلومات كثيرة عنه. و كان لحديثها قدرة على جذبنا، حتى أننا كنا نقاطعها فنسألها عما يعترضنا من استفسارات، فتجيب فلما رآنا الدكتور المعني مشغولين بالاستماع والنقاش، خرج من القاعة.فقد تضايق من اهتمامنا و تفاعلنا. فذهب هو ومن لا يرون أهمية للموضوع.


بقينا نحن مجموعة من المهتمين نتجاذب أطراف الحديث. في نهايته قامت الطالبة بتوزيع ورقتين علينا كتب فيها: "ماذا يعني لي الإسلام؟ "؛ الدوافع التي دعتها لاعتناق هذا الدين العظيم. ثم بينت ما للحجاب من أهمية و أثر. وشرحت مشاعرها الفياضة صوب هذا الجلباب و غطاء الرأس الذي ترتديه. الذي تسبب في كل هذه الزوبعة. لقد كان موقفها عظيما، و لأن الجلسة لم تنته بقرار لأي طرف، فقد قالت أنها تدافع عن حقها، و تناضل من أجله، ووعدت إن لم تظفر بنتيجة لصالحها، أن تبذل المزيد حتى لو اضطرت لمتابعة القضية و تأخير الدراسة نوعا ما. لقد كان موقفا قويا. و لم نكن أعضاء هيئة التدريس نتوقع أن تكون الطالبة بهذا المستوى من الثبات، و من أجل المحافظة على مبدئها. و كم أذهلنا صمودها أمام هذا العدد من المدرسين و الطلبة. و بقيت هذه القضية يدور حولها النقاش داخل أروقة الجامعة. أما أنا فقد بدأ الصراع يدور في نفسي من أجل تغيير الديانة، فما عرفته عن الإسلام حببني فيه كثيرا، و رغبني في اعتناقه. و بعد عدة أشهر أعلنت إسلامي، و تبعني دكتور ثان و ثالث في نفس العام، كما أن هناك أربعة طلاب أسلموا. و هكذا في غضون فترة بسيطة أصبحنا مجموعة لنا جهود دعوية في التعريف بالإسلام والدعوة إليه، و هناك الآن عدد من الأشخاص في طور التفكير الجاد، و عما قريب إن شاء الله ينشر خبر إسلامهم داخل أروقة الجامعة. و الحمد لله وحده."[1]


أرأيت، أختي القارئة المؤمنة، صولة الحق وهشاشة الباطل، ذلك أن الحق أبلج والباطل لجلج، ومن ركب المنى أسحر وأدلج. فلا يجزعنك زبد الظلم ورعد الطغاة وبرقهم، فإنها سحابة صيف عن قريب تقشع، ويتلاشى ما كان يخاف ويفزع؛ "وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام". (سورة إبراهيم؛ 48-49).


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ جامعة القرويين، تطوان المغرب، ذو الحجة 1433/ نوفمبر 2012.










[1] م. نايف منير فارس؛ "علماء ومشاهير أسلموا"، دار ابن حزم، 2010، ص 52-53.




من وحي الحج

0







هذه باقة من الخواطر والمناجاة، جاشت معانيها في صدري، وقذف بأسرارها في قلبي، خلال موسم  الحج، حيث كنت متفيئا ظلاله، مرتويا من عيون المنن الإلهية، متأسيا ومتيمنا بالشمائل المحمدية.


لقد أحلني مولاي بيته، وبوأني كنفه، حتى شغلت بلذة أنسه عما سواها، فانجلت ظلمات الشكوك، وانحسر لثام الشبهات، وأسفر وجه اليقين وأشرق نوره. فلما استقرت في باطني بوارق اليقظة، أخذت في أهبة السفر إلى الله لا ألوي على شيء. كيف لا وقد ملأت المحبة شغاف قلبي، وسرت روحها في كياني. ثم أعقب حال اليقظة والانتباه، شعور عميق بالذل والانكسار، والخضوع والافتقار للرب سبحانه وتعالى، يقول رب العزة: ” يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد"


فأيقنت يقينا جازما، أن صلاحي وخلاصي، وهداي وسعادتي، بيده جل وعلا، وأن هذا الخير وهذه اليقظة منه وحده، وأن رحمته بي اقتضت تذكري له وسياقتي إليه. فالتجأت إليه لجوء المضطر، الذليل المستعطف، ووضعت خذي على عتبة العبودية، ناظرا بقلبي إلى ربي ووليي، نظر الذليل إلى العزيز الرحيم.


أحرم بالتوبة


تجرد من نسيج أوهامك وغزل شهواتك، وأحرم بتوبة من غير ميقات، وطف ببيت التوحيد، وتعلق بمعاني الصفات الإلهية، واسع بين الخوف والرجاء؛ بدءا بالأول وختما بالثاني، واستمطر الرحمة من فوق جبلها، وتعرف إلى الرحيم معرفة لن تشقى بعدها أبدا؛ (… اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت لهم…). وتمثل نفسك إسماعيل الذبيح، واقطع بسكين الصبر واليقين، حلقوم النفس الأمارة والودجين، كي ينهمر دم الغفلة والشهوات، فتتجلى لك الآيات.


الجبل الخاشع


نظرت إلى الجبل الخاشع فاهتز كياني، وخشعت جوارحي، فإذا بقلبي يستمع إلى تسبيح صخوره و هوامه وطيوره التي لها حرمة المكان. فأحسست بوطأة التسبيح وصولة الخشوع، وحملني شعوري إلى عالم يجل عن الوصف و النعت، فنادتني الأشواق: اللحاق اللحاق، ارتحل المحبون وحان وقت الفراق.


طرقت الباب


طرقت الباب فقيل لي: ارجع من حيث أتيت، فافترشت التراب واستلقيت، ثم توسدت بخدي العتبة وبكيت، فنادتني هواتف الروح؛ تجرد من تاج الهوى وطيلسان النفس الأمارة، وطواغيت الشرك، والبس رداء الذل والافتقار، وإزار الخوف والاضطرار، وقتئذ يفتح الباب على مصراعيه، ويتحقق السفر منه إليه، ويحلو الذكر والمناجاة، ويحصل مالا تترجمه العبارات. (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام).


ملة إبراهيم


لا ترغب عن ملة إبراهيم فتشقى، ولا ترغب بنفسك عن نفس نبيك فتضل. واجمع رغباتك في المرغوب الأحد، تسعد في الدارين وإلى الأبد. واعلم أن تحررك من رغباتك العاجلة، يقوى يقينك ويحبب إليك نعيم الآجلة، وأن لهثك وراءها يضنيك، ومن الظمأ ما يرويك. واعلم أن شمسك قد أوشكت على الطلوع من مغربها، وأن ساعتك قد بدت كاشفة حجابها. فأين قلبك من وطأتها وهولها، وما أنت قائل لربك وربها ؟ (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم).


د.عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين، تطوان المغرب/1433-2012.

الإيديولوجيا نتاج القطيعة الروحية والفكرية

1


 

 

يرى كارل مانهايم بأن " الايديولوجيا هي الوعي الزائف بالذات"، ويلاحظ ريمون آرون الالتباس العميق المستخدم في كلمة ايديولوجية، فهي تـارة تكون ذات معنى حيادي بل اطرائي وطـورا بمعنى متبذل. فهو يرى: «أن هناك تذبذبا في استخدام تعبير ايديولوجيا يتراوح بين المعنى الحجاجي : الايديولوجيا هي الافكار المزورة، هي تبرير المصالح والأهواء، وبين المعنى المحايد : الصياغة الجدية لموقف معين اتجاه الواقع الاجتماعي أو السياسي» .1

ويذهب أندري لالند في قاموسه الفلسفي أن دستوت دوتراسي، هو واضع مصطلح الايديولوجيا، وذلك إبان فترة الثورة الفرنسية (1789)، وفي كتابه "مذكرة حول ملكية التفكير" ذهب دوتراسي إلى أن الايديولوجيا تمثل : "العلم الذي يدرس الأفكار بالمعنى الواسع لكلمة أفكار، وخصائصها وعلاقتها بالوعي الاجتماعي" 2. وبما أن ظهور هذا المصطلح تزامن مع الثورة الفرنسية، فقد كان يكتسي طابعا ثوريا. ولايخفى على احد مدى قوة الأفكار التي نادت بها البورجوازية الصاعدة، مثل العدالة والاخوة والحرية، وتأثيرها في الشعب الفرنسي الذي صنع الثورة.

لقد كانت مدرسة دستوت دوتراسي تسعى في البداية لأن تكون علما للمعاني والأفكار المجردة، يدرس نشأتها وتاريخ تطورها بدءا من الاحساسات الأولية التي اهتم بها عصــر العقل (القرن17م) خاصة؛ جون لوك وكوندياك. ولم تكن تلك الصياغات وقفا على القضايا المعرفية، فقط بل جاوزتها إلى الامور السياسية ايضا. فوقفت لذلك وراء قادة الثورة الفرنسية، واستعمل أولئك القادة أفكار مدرسة الايديولوجيا كسلاح لايستغنى عنه في الصراع ضد العقائد السياسية والدينية المتسلطة، التي اعتمد عليها النظام السابق في الحكم.

وبعدما كان الأوربي بالأمس القريب يقدس مبادئ الدين الكنسي، ويملأ قلبه بأفكار مصدرها السماء، إذا به يسقط فجأة في فراغ ويشعر بخواء رهيب إثر حدوث تلك القطيعة الفكريـة والروحية، وبعد نبذ كل أنواع التدين. لكن هذا الفراغ وهذا الخواء يجب ملؤهما والا تمزق الإنسان. ومن هنا كانت قوة الأفكار وقوة الايديولوجيات. فبقدر ماكانت هذه الافكار أساسا لروح الحضارة الصناعية، كانت أيضا بلسما لذلك التمزق الباطني الذي أحدثته القطيعة الروحية الفجائية. لابد للإنسان أن يقدس شيئا. والأوربي الذي أعرض عن تقديس مبادئ الكنسية وأعرض عن السماء، قدس الافكار وولى وجهه شطر الارض. فتقاذفته الأفكار والفلسفات ودحرجته الايديولوجيات؛ من ليبيرالية واشتراكية وديموقراطية إلى غير ذلك .
" تجلت هذه الايديولوجيات، التي ستحاول رد الثقة إلى نفوس الأوربيين المتأثرة بفعل القطيعة، في الفكر الليبيرالي والديموقراطين ومن جهة أخرى في الفكر الاشتراكي وكذلك في الفكر العلماني "3 .
ويمكن اعتبار الفكر البورجوازي، أول نسق فكري حديث تبلور في اطار فكر ايديولوجي. ذلك أن الطبقة البورجوازية الصاعدة قبيل اندلاع الثورة، كانت تدعو إلى تقويض المجتمع الإقطاعي وإقامة مجتمع جديد تسوده العدالة والحرية، غير أن حاجاتها إلى إطار فكري تستند إليه كانت ضرورية، ومن هنا تبنت البورجوازية فلسفة التنوير، واتخذت منها المرآة التي عكست فيها رؤيتها لنفسها وللعالم، وهي أيضا المرآة التي أسقطت عليها الصورة التي ينبغي للطبقات الأخرى ان تتعرف بها. وبما أن فلسفة التنوير فلسفة عقلانية فإن البرجوازية الناشئة نددت بكل سلطة لاتقوم على العقل، وبالتالي هاجمت سلطة الاقطاعيين التي تستمد مشروعيتها من تقاليد بالية وآراء ذاتية مناقضة للعقل.
ولما تبنى البورجوازيون المبادئ الإنسانية ومبادئ العقل، وواعدوا الشعب الفرنسي بإقامة العدالة والقضاء على الظلم والفساد وإرساء أسس العلم ، تم لهم الوصول إلى الحكم، بعد أن أذكوا نار الثورة الفرنسية بأفكارهم الاجتماعية ومواقفهم السياسية.

لكن ما أن استتب الأمر لصالح الطبقة البورجوازية هذه، حتى انطفأت الروح الثورية، وتحولت هذه الطبقة إلى أسرة محافظة وظهرت نياتها الأنانية، وعاد الفتك بالإنسان الفرنسي والأوربي عامة، وعاد الاستغلال من جديد. فظهر استخدام الأطفال والنساء في المصانع الأولى الناشئة، وما أشبه ذلك من ألوان الظلم والعذاب، وكان من نتائج ذلك ظهور الحركة اللاعقلانية أو الرومانسية، والتي قامت كرد فعل ضد الحركة العقلانية، وخصوصا العقلانية البورجوازية . ويذهب جان باكلير في كتابه : "ماهي الايديولوجيا" إلى أن:

" الطلب الايديولوجي ، أو الرغبة في التأدلج، حاد وقياسي لدى المجتمعات الغربية منذ القرن الثامن عشر، وكذا عند الشعوب البدائية، ويضيف من ناحية أخرى، بأن الايديولوجيا تعبير عن انحراف تدريجي للمعرفة... وهكذا يتضح التناقــض الــصارخ المتضمن في الحــداثة أو الثقافة العصرية. ذلك أن الاشخاص الأذكياء والمثقفين منهم في الوقت نفسه، أكثر الناس بلاهة وأشدهم غباء ، إن الأفـراد المثقفين أصبحوا ضحية الفصام النفسي والشخصي (الشيزوفرينيا) الناتج عـن كون تقـدم وتطور العلم والمعرفة، مصاحب بتطـور ونمـو موازي بالنسبـة لفقدان الواقع وضياع العقل السليم "4 .

1 - Raymond Aron (trois essais sur l’age industriel )
. Paris, Plon 1966, p 215
1 ـ André Lalande "Vocabulaire technique et critique de la philosophie" . Ed. PUF Paris 1976 p.458.
3 - Jean Baechler ;(Qu'est-ce que l'ideolegie)Ed . Callimard 1976 France . p .116
4- Jen Baechler , Qu'est-ce que l'ideolegie, Ed / Callimard 1976 France P394

د. عبد الله الشارف؛ "الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر"، ص 98...، طوب بريس، الرباط 2003.

نشأة التنصير

0




يمكن اعتبار لحظة بداية المواجهة بين المسيحية والدين الإسلامي الناشئ في مكة والمدينة، نقطة الانطلاق التاريخية لعملية التنصير. إذ أن الوحي لم يلبث أن أضاء بنوره أرجاء المدينتين، وهز كيان القبائل العربية، ونفذ إلى قلوب طالما استحوذ عليها الجهل والجمود، حتى سارع أفراد من نصارى الجزيرة العربية إلى مجادلة المسلمين في هذه العقيدة الجديدة. هذا الجدال الأول الذي وقع بين الطرفين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، سيكون الحلقة الأولى في سلسلة من الجدالات، التي سيخوض فيها علماء ومناظرون من الجانبين طوال العصور الإسلامية وإلى الآن.

لم تلحق محاولات التنصير والتشكيك أي ضرر بالعقيدة الصلبة، ولم يعرف التاريخ الإسلامي في عصوره المزدهرة رجالا تنصروا. واكتفى البابوات والقساوسة ورجال الكنيسة بتشويه صورة الإسلام، فنظموا حملة خبيثة ضد المسلمين ودينهم الحنيف، حيث ظهرت مآت الكتب المليئة بالأكاذيب، كي تشبع الرغبة العدائية التي أصلها أصحاب الكنيسة في قلوب رعاياهم من النصارى، وحتى يتم إقامة سد منيع في وجه الدولة الإسلامية النامية.
بقيت نار الحقد تتأجج في صدور النصارى ما يقرب من ستة قرون، حتى اندلعت الحروب الصليبية، فظن الصليبيون أنهم بحملتهم الدينية التي تخفي وراءاها أطماعا سياسية واقتصادية، سيسيطرون على الشرق الإسلامي وسيعملون على تنصير أهاليه بعد أن يخلو لهم الجو للتنصير. وكان من لطف الله أن خابت نياتهم، بالرغم من تفكك الدولة الإسلامية آنذاك، وبعث الله للمسلمين القائد الصالح صلاح الدين الأيوبي، فأحيا همم المسلمين ووحد صفوفهم، وجمع كلمتهم على الجهاد، فكان النصر حليفهم وطردوا النصارى الغزاة من بيت المقدس.

ظلت الهزيمة تعمل عملها في نفوس النصارى حيث لم يهدأ لهم بال، وشرعوا يفكرون في خطة غير خطة الحرب، لأن شوكة المسلمين قوية. فاستقر رأيهم على غزو أرض المسلمين وممارسة التنصير بالطرق السلمية.
ويحدثنا التاريخ أن "رامون لول" الذي تعلم العربية على يد أسير عربي، بذل مجهودات كبيرة في سبيل إيجاد مكان للغة العربية في معاهد ومدارس أوربا. وكان من نتائج ذلك السعي أن صادق مجمع فيينا الكنسي في سنة 1312م على تدريس اللغة العربية والاهتمام بها. فكانت جامعات باريس وأكسفورد وسلمنكا، بالإضافة إلى جامعة المدينة البابوية، أولى الجامعات السباقة إلى تعليم اللغة العربية لطلابها.

جاء في كتاب " الغارة على العالم الإسلامي" يقول: " ادوين بلس في كتابه؛ "تاريخ التبشير" :إن تاريخ التبشير المسيحي يرجع إلى صدر النصرانية ومبتدأ تأسيسها. وإن ريمون لول الإسباني هو أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها. فتعلم لول العربية بكل مشقة، وجال في بلاد الإسلام، وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة (...)

وصف المؤلف تنظيم إرساليات التبشير في القرون الوسطى في الهند وجزائر السند وجاوة، واختلاط المنصرين بالمسلمين منذ ذلك الحين. وأشار إلى " بتر هيلنغ: الذي احتك بمسلمي سواحل إفريقيا، وإلى اهتمام هولندة بالتنصير في جاوة في أوائل القرن الثامن عشر، حتى قسمت جاوة لهذه الغاية إلى مناطق لكل منها كنيسة ومدرسة، وقال: عدد الذين تنصروا سنة 1721 بلغ 100.000. وكان النصارى في سيلان سنة 1722 ( وكانت يومئذ تحت سلطة هولندة)، يبلغ عددهم 424000، وتساءل عما بقي منهم الآن وقال: إن المسلمين كانوا قليلين فصاروا الآن فئة كثيرة. (....) وسرد تاريخ تنظيم الإرساليات البروتستانية؛ من دانماركية وانجليزية وألمانية وهولندية، وأخبار اتصال بعضها ببعض، وأسماء الملوك والأمراء الذين كانوا عضدا لها ومؤيدين لأعمالها في القرن السابع عشر وما بعده، في كل أقطار العالم. (....) فتأسست سنة 1795 " جمعية لندن التبشيرية" وما عتمت أن تأسست جمعيات على شاكلتها في اسكوتلندا ونيويورك، وانتشرت هذه الفكرة في ألمانيا والدانمارك وهولندة والسويد والنرويج وسويسرا وغيرها... وتأسست جمعيات فرعية كثيرة مثل " جمعية التبشير في أرض التوراة العثمانية". وبلغ الشغف بهذا العمل إلى أن تأسست إرساليات تبشير طبية على سبيل التجربة، لتلحق بالإرساليات العامة فنجحت نجاحا باهرا، لذلك أخذت تنمو وتزداد، وتألفت لها أقسام نسائية وأرسل بعضها إلى الهند والأناضول" 1.

مع حلول القرن التاسع عشر حين تزامن صعود الإمبريالية الأوربية مع اضمحلال الخلافة العثمانية، وتصدع أطراف الدولة الإسلامية، ازداد التنصير تجبرا وخبثا، واهتدى إلى وسائل جديدة استعملها للوصول إلى مآربه، مستغلا تضعضع المسلمين وضعف سياستهم. وكان على رأس تلك الوسائل؛ إنشاء مدارس تنصيرية تعليمية في مختلف بلدان المسلمين، تهدف إلى التأثير في أطفال المسلمين الأبرياء، وزرع بذور الشك والانحراف في نفوسهم قصد القضاء على عقيدتهم.

" لما نزل المبشرون الأمريكيون من البروتستانت في سوريا حوالي 1820 كانت الفكرة التي تراودهم أن يبشروا من طريق التعليم (...) إلا أن بؤرة نشاطهم التعليمي التبشيري كانت في بلدة عبية الدرزية في جبل لبنان، حيث أنشأوا مدرسة لتخريج المعلمين والواعظين (المبشرين) عام 1843. وفي عام 1859 أسس البروتستانت الأمريكيون في عبية أيضا مدرسة للبنات"2 . وفي سنة 1862 تأسست الجامعة الأمريكية في بيروت. وسعيا إلى منافسة جامعة الأزهر ومضايقتها، أنشئت الجامعة الأمريكية بالقاهرة، كما أنشأ الفرنسيون كلية لهم في لاهور.
وهكذا لم يشرف القرن التاسع عشر على نهايته، حتى كانت أغلبية البلدان الإسلامية مسرحا للعمل التنصيري التعليمي، وموطنا لإنشاء المدارس ذات الأهداف التنصيرية.

وفي مؤتمر القدس قال زويمر كلاما خطيرا؛ إذ رسم خط التبشير بعد ذلك: ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية، ليست في إدخال المسلمين في المسيحية، فإن هذا هداية لهم وتكريما (!) وإنما مهمتكم؛ أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله. وفي نهاية كلمته قال: إنكم أعددتم نشئا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي لما أراده له الاستعمار المسيحي، لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يعرف من دنياه إلا الشهوات" .

1 - ا.ل شاتلية A. le chatelet " الغارة على العالم الإسلامي" ترجمة محب الدين الخطيب ومساعده اليافي. بيروت د.ت ص: 13-14.
2 - مصطفى خالدي وعمر فروخ: " التبشير والاستعمار" المكتبة العصرية صيدا الطبعة الثالثة 1970 ص:80.


د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين، تطوان المغرب، ذو الحجة 1433/اكتوبر 2012.