التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من 2012

التصوف أنزل من السماء !!

قال الشيخ الصوفي أحمد بن عجيبة المغربي التطواني في مقدمة كتابه؛ "إيقاظ الهمم في شرح الحكم" متحدثا عن أصول علم التصوف:  " وأما واضع هذا العلم، فهو النبي صلى الله عليه وسلم علمه الله له بالوحي والإلهام. فنزل جبريل عليه السلام أولاً بالشريعة. فلما تقررت نزل ثانياً بالحقيقة. فخص بها بعضاً دون بعض. وأول من تكلم فيه وأظهره سيدنا على كرم الله وجهه، وأخذه عنه الحسن البصري ....وأخذه عن الحسن حبيب العجمي، وأخذه عن حبيب أبو سليمان داوود الطائي ..وأخذه عن داوود أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي رضي الله عنه، وأخذه عن معروف الكرخي أبو الحسن سري بن مغلس السقطي، توفي سنة إحدى وخمسين ومائة وأخذه عن السري إمام هذه الطريقة ومظهر أعلام الحقيقة، أبو القاسم محمد بن الجنيد الخزار.....ثم انتشر التصوف في أصحابه وهلم جرا ولا ينقطع حتى ينقطع الدين. ومن رواية أخرى، أخذه عن سيدنا علي رضي الله عنه أول الاقطاب سيدنا الحسن ولده، ثم عنه أبو محمد جابر، ثم القطب سعيد الغزواني ثم القطب فتح السعود ثم ....ثم القطب الكبير مولاى عبد السلام بن مشيش، ثم القطب الشهير أبو الحسن الشاذلي، ثم خليفته أبو العباس المرس

"أنا أعبد الله مسلما، إذن أنا موجود"

يعتبر مبحث الوجود من المباحث الفلسفية الأساسية التي شغلت بال الفلاسفة على مر العصور. وقد اختلفت نظرياتهم حول طبيعة الوجود وحقيقته، باختلاف مدارسهم ومذاهبهم أو إيديولوجياتهم. فقد اختلف أرسطو مع أفلاطون في هذا الشأن، كما اختلف ابن رشد مع الفارابي وابن سينا، وهكذا. وعندما انسحب التفكير المتافيزيقي من الساحة الفلسفية الأوربية الحديثة والمعاصرة، تحت هيمنة المذاهب المادية والإلحادية، اختفى موضوع الوجود بمعناه الميتافيزيقي، وبقي الوجود بالمعنى المادي والمحسوس. إن كوجيطو ديكارت؛ "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، لا يمكن فصله عن الإشكالية الفلسفية لمبحث الوجود ، رغم أن هذا الفيلسوف كان بصدد التقعيد لمنهج عقلاني في البحث، ينطلق من شك مطلق للوصول إلى الإيمان اليقيني بالفكر ثم بالوجود الإنساني. لكن هناك تساؤل : أي وجود إنساني يقصده ديكارت بقوله: "أنا أفكر إذن أنا موجود" ؟ هل يقصد به الوجود الإنساني بالمعنى العام أو الساذج، كما يتصوره عموم الناس، أم الوجود بالمعنى الفلسفي العقلاني؟ وإذا كان الإنسان مستلبا عقليا، هل يفكر أم لا؟  وهل يحقق وجوده تحت وطأة استلابه؟ وإذا كان الإنسان ميتا،

في ظلال الجلسة العلمية للفقيه محمد بوخبزة حفظه الله

لقد كانت سنة 1389هج؛ 1970م سنة حاسمة في حياتي وبداية عهد جديد يتسم بحب العلم والمعرفة، لم تلبث أن ظهرت آثاره في دراستي بثانوية القاضي عياض بتطوان.... كان عدد الحاضرين في الجلسة العلمية يقارب العشرة، وقد جلسوا على الحصير يستمعون إلى دروس السيرة والتفسير والنحو والبلاغة. وبفضل شخصية الفقيه محمد بوخبزة المرحة والانبساطية، لم تكن هذه الدروس مملة، بل كان إقبالنا عليها شديدا ورغبتنا في التحصيل قوية. وكان أستاذنا جزاه الله عنا خيرا ومد في عمره، كثيرا ما يدعونا إلى بيته ويقدم إلينا الشاي والحلويات، كما يتحفنا بالنوادر الأدبية والتاريخية، وأحيانا يدخلنا مكتبته القيمة ويعيرنا الكتب التي كنا نرغب في مطالعتها. لقد غرس فينا حب القراءة والبحث وعلمنا آداب المناقشة والحوار، كما رغبنا في الدعوة الإسلامية، وحثنا على قراءة كتب الدعاة من القدامى والمحدثين، من أمثال تقي الدين بن تيمية، وحسن البنا، وأبي الأعلى المودودي رحمهم الله. وبما أنه كان يميل إلى المذهب الظاهري في كثير من المواقف والأحكام الفقهية، لم يكن يخفي إعجابه بشخصية ابن حزم، مما دفعني إلى الاهتمام بهذا العالم الموسوعي الفذ، فقرأت بعض مؤلفاته

سفر في سفر

كثيرا ما ينتاب المسلم، أثناء سفره من مدينة إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، شعور بأنه مسافر إلى الله، لا سيما إذا كان متصلا بالله من خلال ذكره، أو التفكر في مخلوقاته، أو استحضار مشاهد الوعد والوعيد. ثم إن البعد، بسبب السفر، عن الأهل والأولاد وكل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية، من اشغال والتزامات وعادات وتقاليد ورموز... كل ذلك يجعل روح المسلم المسافر الذاكر، تتحرر من تلك القيود، وتحلق بكل سعادة وشوق في اتجاه الموطن الأصلي، قال الشاعر: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى                         ما الحب إلا للحبيب  الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى                         وحنينه  أبدا  لأول   منزل في صبيحة يوم الأربعاء 5 صفر الخير 1434/ موافق 19 دجنبر 2012، ركبت سيارتي قاصدا مدينة فاس، للمشاركة والعمل في لجنة اختيار الأساتذة المرشحين لمنصب عميد كلية أصول الدين بتطوان. وكم يحلو لي أن أسافر وحدي لما أجد في وحدة السفر من متعة نفسية عظيمة. ولم أمل في سفري هذا، من الاستماع إلى القرآن الكريم بترتيل القارئ سعد الغامدي. ولقد غمرني، وأنا منجذب إلى كلام الله على لسان القارئ العذب، شعور لذيذ بالسفر إلى الله، ورغ

الإتنولوجيون الرحالة في مغرب القرن 19 الميلادي

مع حلول القرن الثامن عشر الميلادي الذي سجل تطورا هاما في علاقة المغرب التجارية والدبلوماسية مع دول أوربا، بدأت أقدام التجار والسفراء والقناصل وبعض الرحل، وكذا بعض أسرى القرصنة، تطأ أرض المغرب. وعند رجوع هؤلاء إلى إلى بلدانهم، كان كثير منهم يدونون ما عاينوه في المغرب وما خبروه عن مجتمعه. بيد أن كتابات هذه الفترة لا تدخل في إطار النشاط الاتنولوجي البحت ومع ذلك فإنها من ممهداته الأساسية. ومن بين ما كتب عن المغرب في هذا القرن، أذكر كتاب "رحلة في امبراطورية المغرب ومملكة فاس "، [1] ومؤلفه طبيب انجليزي استدعي من قبل سلطان المغرب سيدي محمد بن عبد الله لعلاج بعض أفراد الأسرة الحاكمة. وبما أن إقامةهذا الطبيب بالمغرب دامت ما يقرب من سنتين من (1790م إلى 1791م) ، فإنه استطاع أن يطلع على وضعية البـلاد، فضمن كتابه فصولا عن التجارة والجند والدين والقوانين. وبالرغم من أن ملاحظاته كانت صائبة فيما يتعلق بتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتفشي الجهل «… وعندهم جهل مطبق بالتاريخ السياسي للدول الأجنبية …» [2] . إلا أن بعض أحكامه لها قرابة بجنس الأحكام التي سيصدرها عن المغرب الرحالة والاتنولوجي

التنصير والاستعمار

قرب مجيء الاستعمار، وقبل أن يشرع المستعمرون في التمهيد للسيطرة على شعوب أفريقيا وآسيا، كان معظم المنصرين يقومون بنشاطهم التنصيري خارج أوربا وأمريكا ، وكان عملهم في البلدان الإسلامية يتميز بالخفاء والحذر. ثم إن المنصرين كانوا متسترين بأسماء مختلفة. وإذا ما افتضح أمرهم تلاحقهم الحكومات الإسلامية وتطردهم، بل منهم من كان يقتل. لكن لما ذب الضعف في كيان الدولة العثمانية وباقي الدول الإسلامية، وبدأ التدخل الأجنبي في شؤون الحكومات الإسلامية، وظهرت مسألة الحماية الأجنبية وتعددت القنصليات فوق أراضي المسلمين، تنفس المنصرون الصعداء وانطلقوا يمارسون عملهم في اطمئنان، وإذا مسهم أحد بسوء لجؤوا إلى قناصلهم فدافعوا عنهم. ومع مرور الأعوام ازداد دعم الحكومات الأجنبية للمنصرين، وركز  المسؤولون الغربيون مسالة الإرساليات والبعثات المسيحية، وعملوا على إنشاء المدارس ذات الطابع التنصيري في البلدان الإسلامية، واتضح لهم الدور السياسي الذي يمكن أن يضطلع به المنصرون في مجال التمهيد للتدخل والسيطرة على الشعوب الضعيفة، فكانت هذه الإرساليات والبعثات تجسد طلائع الغزو المسلح، وتعبر عن مرحلة من مراحل عملية إخضاع تلك الش

"إسلامية المعرفة": ملاحظات منهجية

 إن العمل على استنباط وصياغة المفاهيم والأفكار المتعلقة بالنفس والاجتماع والتاريخ إلى غير ذلك انطلاقا من الكتاب والسنة، وآراء المجتهدين من فقهاء الأمة وعلمائها، عمل مشروع وضروري، حتى يتسنى للمسلم فهم ومعالجة أوضاع المسلمين الاجتماعية والثقافية بمنطق إسلامي  محض، هذا مع الاستعانة، إذا اقتضى الحال،  ببعض الأدوات والتقنيات، والمناهج الحديثة المجردة من البعد الإيديولوجي، والتي يمكنها أن تنسجم مع الروح الإسلامية، ولا تتعارض مع قيم الإسلام ومعاييره. أما أن نعمد إلى تبني مفاهيم ونظريات ومناهج العلوم الإنسانية الغربية، وصياغتها صياغة إسلامية، أو وضعها في قالب إسلامي، فهذا عمل قد لا يخلو من انزلا قات خطيرة. هب أننا، مثلا، تبنينا مفهوم اللاشعور وجردناه من كل محتواه واحتفظنا بالشكل؛ أي بلفظ اللاشعور، وأفرغنا فيه المحتوى الإسلامي، ألن يذوب أو، على الأقل، يتكيف هذا المحتوى الجديد مع الشكل القديم؟ ألن يتأثر هذا المحتوى بتقسيم فرويد لمستويات النفس والوعي؟ ومما يؤسف له في هذا الصدد، أن بعض الكتاب المسلمين يندفعون دون أدنى تريث، وراء استعمال مثل هذه المصطلحات وإقحامها في كتاباتهم. يقول الدكتور نبيل ال

المرأة ذلك الكائن المظلوم

هل من  المساواة في شيء أن تشتغل المرأة في المعمل أو الإدارة، ثم تضيف إلى ذلك أتعاب العمل في البيت ؟ يقول العلامة أبو الأعلى المودودي رحمه الله: «إن الرجل والمرأة، وإن فرض أنهما متكافئان في القوة الجسدية والاستعداد الذهني، لم تحمل الفطرة عليهما مع ذلك، واجبات متساوية. وذلك أن الرجل لم يجعل عليه من خدمة بقاء النوع غير أن يلقى بذرة في الحرث، ثم يروح لسبيله حتى يعمل فيما يشاء من شعب الحياة. والمرأة بخلاف ذلك قد حملت معظم أعباء تلك الخدمة. وللنهوض بهذه الأعباء فهي تعد منذ تكون مضغة لحم في بطن أمها، ولهذا الغرض يقوم هيكلها الجسدي، ولهذا ـ لا غيرـ تنتابها مدة شبابها وكهولتها نوبات الحيض، التي لا تدعها أهلا للقيام بتبعة جسيمة، أو بجهد عقلي أو بدني لثلاثة أيام أو سبعة عشر من كل شهر. ولهذا الغرض نفسه تعاني المسكينة متاعب الحمل وما بعد الحمل، طول سنة كاملة تظل خلالها معلقة بين الصحة والمرض. ثم لهذا كله تمر عليها سنتان من الرضاعة، تسقي فيها الزرع الإنساني بدمها وترويه من ينابيع ثدييها. وبعد ذلك أعواما ذوات عدد، في التربية الابتدائية لولدها، تحرم نفسها أثناءها نوم الليل وراحـة النهار، وتؤثر الجي

السكينة السكينة؛ تفيأ في ظلالها

حيرة وسكينة كثرت آمالك وتنوعت، وتجددت حاجاتك وتعددت، فضاق عليك الفضاء بما رحب وهمست إلى نفسك: يا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني كنت معدوما ولم أكن شيئا مذكورا . ثم تداركتك رياح الرحمة لما علمت ألا ملجأ منه إلا إليه، وأن الفاقات لا تسد إلا بالافتقار إليه، وأن ذكرك له يغنيك عن ذكرك لما سواه، فتلاشت آمال النفس الأمارة، وخمدت نار الحاجات والشهوات، وحلت السكينة محل الحيرة، ورجعت إلى أصلك حيث أنت الذاكر وهو المذكور، وأنت العابد وهو المعبود. تفيأ في ظلال السكينة استمطر سكينته وألح في طلبها فقد يكرمك بها ؛ (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) (سورة الفتح، آية 4). وإذا غشيتك، كنت في حرم آمن، أو كأنك في البلد الأمين، فاشتدت الفراسة، وقوي اليقين، وفتح لك باب الحكمة، فنهلت من عين المعاني والسبع المثاني، واستعذبت الرقائق ونطقت بالحقائق.   لا طمأنينة إلا مع الله إذا داعبت رياح الطمأنينة قلبك وذقت حلاوتها، فأكثر من الشكر والحمد، ثم احذر الله والزم المراقبة، لأن مكر الله شديد، والسلب بعد المنح ليس ببعيد. ولا تعتبر الطمأنينة غاية في ذاتها، ولا تقف معها، لأن وقوفك معها وقوف مع

مفهوم الاستشراق

يذهب عدد من الدارسين في ميدان الاستشراق، إلى أن كلمة "استشراق" ومشتقاتها مولدة، استعملها المحدثون من ترجمة كلمة ORIENTALISM الإنجليزية. ويرجع ظهور الاستشراق في المعجم الإنجليزي إلى سنة 1799، ثم بعد ذلك صادقت الأكاديمية اللغوية في فرنسا على تداول هذه الكلمة واستعمالها في اللغة الفرنسية. والاستشراق علم غربي موضوعه الشرق الواسع، أقضاه ووسطه وأدناه. والمستشرق هو الذي يهتم بدراسة لغات الإنسان الشرقي وآدابه وحضارته وأديانه. غير أن الأذهان في العالم الإسلامي تنصرف غالبا، إلى المعنى الخاص لمفهوم الاستشراق والذي يعني الدراسات الغربية المتعلقة بالشرق الإسلامي. " ويعرف م.أ جويدي علم الاستشراق وصاحبه قائلا : " والوسيلة لدرس كيفية النفوذ المتبادل بين الشرق والغرب إنما هو "علم الاستشراق"، بل نستطيع أن نقول إن غرض هذا العلم الأساسي ليس مقصورا على مجرد درس اللغات أو اللهجات أو تقلبات تاريخ بعض الشعوب كلا، بل من الممكن أيضا أن نقول إنه بناء على الارتباط المتين بين التمدن الغربي والتمدن الشرقي، ليس علم الشرق إلا بابا من أبواب تاريخ الروح الإنساني...وليس صاحب علم الشرق الجدي

العاطفة الصادقة في أدب الرقائق

إن القارئ عندما يتأمل أدب الرقائق يكتشف أن كلماته ليست خرساء، وإنما هي ناطقة على الدوام، وأول رسالة تبعث بها إلى قلب قارئها، رسالة الصدق الوجداني، وهو صدق يعبر عن شعور حقيقي يختلج في نفس صاحبه. فالعاطفة الصادقة تضفي الحرارة والحياة على الأثر الأدبي وتجعل القارئ يشعر بمثل ما يشعر به الأديب. وهي تَنقل القراء إلى عوالم غير عوالمهم الواقعية، وتسري بهم إلى ملأ الرؤى التي بثها الأديب في أدبه. وفي صدق العاطفة يكمن الفرق بين الأدب المطبوع والأدب المتكلف. أما المطبوع فيستهويك، ويمتعك، ويكسبك تجارب شعورية وفكرية جديدة. وأما المتكلف، فيزعجك، وينفرك، ويشعرك بالفتور، ولا يفيدك في شيء. لنستمع إلى الفقيه محمد بن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وهو يعبر بلغة الوجدان والعاطفة عن خوف المسلم من الوقوع في أسر الدنيا: "لاح لهم المشتهى، فلما مدوا أيدي التناول بان لأبصار البصائر خبط الفخ، فطاروا بأجنحة الحذر وصوبوا إلى الرحيل الثاني "ياليت قومي يعلمون (سورة يس : 26). تلمح القوم الوجود، ففهموا المقصود، فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل، وشمروا للسير في سواء السبيل؛ فالناس منشغلون بالفضلات، وهم في قطع الفلوات، و

التراث والمعاصرة (مدخل)

ترجع الجذور التاريخية لقضية التراث والمعاصرة في العالم الإسلامي إلى حملة نابليون على مصر. ومع بزوغ فجر القرن التاسع عشرالميلادي، أخذت القضية تفرض نفسها ثقافيا وسياسيا في مختلف البلدان العربية والإسلامية. وما الاصلاحات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والبعثات الطلابية إلى أوربا، ومحاولات تحديث المجتمع الإسلامي إداريا وعسكريا، إلا صورة من الصور التي تعكس حدة تلك القضية وتجسد روحها. غير أن الشكل الذي تبلورت فيه هذه القضية والمسار التاريخي الذي عرفته، أثر فيهما عاملان أساسيان: أولهما داخلي والثاني خارجي. فالأول يتلخص في عامل الانبهار الذي أصيب به العالم الإسلامي إثر الصدمة الحضارية التي انتابته بعد اطلاعه على قوة الأوربيين وتفوقهم، وذلك قبل مجيء الاستعمار ببضعة عقود. وقد نتج عن حالة الانبهار هذه، ظهور موقفين متقابلين : موقف يميل أصحابه إلى تقليد الحضارة الغربية، ومحاكاتها والذوبان فيها، عبر الانسلاخ التام عن التراث الإسلامي، وهذا الفريق يجسد الاستغراب بأدق أوصافه ومعانيه. وقد بلغ بهم الاستسلام وضعف الشخصية مبلغا أصبحوا معه موقنين بعدم جدوى  كل محاولة للإبداع والابتكار والاعتماد على الذات. و

الجنة الجنة؛ لا تطلب غيرها

مد يمناك إلى باب الجنة يا عبد الله الجنة أقرب من أن ترحل إليها، وحورها فوق فرشها وبأبواب خيامها أشد انتظارا لك من أم لابنها المفقود. والمهر؛ طول التذلل والتجافي في جوف الليل؛ (تتجافى جنوبهم عن المضاجع)، والمحافظة على العهد والميثاق، بعدها يطيب التلاقي، وينعم كل خل بخليله، وتقر أعينهم بعطايا مليكهم، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. ما أقصر عمر الدنيا، و"الأمر أسرع مما أنت فيه"، ولا فناء للآخرة، وأنت تعض بنواجدك على الفاني. بئس ما عضت نواجدك وثناياك، وبئس وخاب المسعى مسعاك. اطلب دار البقاء يا عبد الله طلق العجوز الشمطاء، واخطب ود العروب الحوراء، واهجر رجز دار الفناء، واصب إلى نعيم دار البقاء. فقد سرى الركب ليلا وأنت نائم، وطوى المراحل بالذكر وأنت هائم، فإلى متى تظل مغلولا مقيدا وقد أرادك الله عبدا مخلدا؟ أين الفاني من الباقي يا عبد الله تقرب إلى الواحد الأحد، وعانق ساحل الأبد، ولا تقف مع اليوم، فقد أخنى عليه الذي أخنى على لبد، ولكن انظر إلى غد. فمثلك لا يرضى بالدنيا مقاما، ولا يكن لنعيمها حبا ولا غراما. فأين الفاني من الباقي، وأين الثرى من الثريا، وأين النعيم بلا نعيم من نعيم لا ي

الجابري والعقلانية

العقلانية مذهب فلسفي ينطلق من كون العالم بنوعيه؛ الميتافيزيقي والمادي، لا يمكن إدراكه إلا بالعقل وحده، باعتباره الأداة الرئيسة للمعرفة. والعقلانية أيضا مذهب قديم في البشرية، يبرز أشـد ما يبرز في الفلسفة اليونانية وخاصة عند سقراط وأرسطو. ولقد بقيت هذه الفلسفة مؤثرة في الفكر الأوربي زمنا ليس بالقصير، حتى ظهرت المسيحية فغيرت مجرى ذلك الفكر تغييرا جذريا؛ حيث أبعد العقل وحل محله المنطق الكاثوليكي الكنسي بأغلاله وقيوده. وقد تمخض هذا المذهب في العصور الحديثة، عن الصراعات الفكرية والعقدية التي رافقت تطور الفكر الأوربي منذ عصر النهضة. والعقلانية تمثل أحد الأسس التي قامت عليها الحضارة الأوربية، كما شكلت الوقود الأساسي للثورات الصناعية والاجتماعية والسياسية. وترتـبـط العقـلانية الأوربية تاريخيا بالفيلسوف الـفـرنـسي "ديكارت". وكان الفيلسوفان "سبينوزا" و"ليبنز" من أشد دعاتها المتحمسين لها. ولقد حاول الفيلسوف "كانت" التصدي لها وانتقدها في كتابه " نقد العقل الخالص "، إلا أنها انتعشت من جديد بفصل ازدهار "مدرسة هيجل"،  في النصف الأول من القرن

جوستاف لوبون والحضارة الإسلامية

يعتبر جوستاف لوبون (1841-1921) من المستشرقين القلائل الذين تحلوا بقسط وافر من الإنصاف والموضوعية العلمية، أثناء دراستهم للحضارة الإسلامية وتراثها الفذ الرائع. ولقد أشاد بهذه الحضارة وأثنى على علمائها وعباقرتها، كما مدح الإسلام ونبيه صلوات الله وسلامه عليه، وأشار إلى التسامح والرفق الذي مارسه المسلمون الفاتحون بشعوب البلدان التي فتحوها، مما دفعهم إلى الدخول في الإسلام أفواجا أفواجا. وإليك أخي القارئ الفطن بعض النصوص المقتبسة من كتاب "حضارة العرب" الذي ألفه هذا المستشرق الفرنسي المنصف: "وقد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة، فلما قهر النصارى عرب الأندلس، فضل هؤلاء الطرد والقتل عن آخرهم على ترك الإسلام. ولم ينتشر القرآن بالسيف إذن، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول" [1] "وكلما أمعنا في دراسة حضارة العرب والمسلمين وكتبهم العلمية واختراعاتهم وفنونهم ظهرت لنا حقائق جديدة وآفاق واسعة، ولسرعان ما رأيتَهم أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين، وإن جامعات الغرب لم تعرف لها مدة خمسة قرون موردًا علمي

الإرادة والذكر

قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، أن الذكر والإرادة مفهومان منفصلان؛ باعتبار أن الذكر مجاله الدين والممارسة الروحية، التي تهدف إلى تقوية الرابطة بين الذاكر ومذكوره، وهو الله عز وجل. في حين أن الإرادة؛ وهي من المكونات الأساسية للشخصية الإنسانية ، تعتبر من المفاهيم الجوهرية المؤسسة لعلم الأخلاق، كما أن لها موقعها المتميز في المنظومات الفلسفية قديما وحديثا، وكذا في ثنايا الأبحاث والنظريات النفسية وفي صلب قضايا علم النفس الحديث. فكيف يا ترى يمكن الجمع بينهما؟. والحقيقة أن المفهومين متلازمان أقوى ما يكون التلازم، بل إن كل واحد منهما متوقف في وجوده على الآخر. بحيث إذا اختفى أحدهما اختفى الآخر. إن علاقة التلازم والتداخل بين هذين المفهومين تتجلى في جوانب متعددة من حياة الإنسان؛ وعلى رأسها الجانب المعرفي. ذلك أن المسلم  لن يمتلك المعرفة الحقيقية إلا إذا استوعب مفهوم الذكر وتمثله في إطاره الشمولي، بحيث يؤدي هذا الاستيعاب والتمثل إلى تربع الإرادة القوية والهادفة، والملتزمة على عرش قلبه ، فيغدو بذلك مثالا للمسلم الذاكر المريد. إن أنوار الذكر الشرعي اللساني والقلبي، عندما تنفذ إلى قلب المسلم وتضيء أرج

عز الحجاب وذلت الرقاب

أيتها القارئات المؤمنات الطاهرات؛ أبعث إليكن بهذه الرسالة الإيمانية التربوية، المتضمنة لقصة واقعية، كان فضاء كلية أمريكية مسرحا لها.   يحكي الدكتورالأمريكي محمد أكويا قائلا: " قبل أربع سنوات, ثارت عندنا بالجامعة زوبعة كبيرة, حيث التحقت للدراسة طالبة أميركية مسلمة, و كانت محجبة, و قد كان من بين مدرسيها رجل متعصب يبغض الإسلام و يتصدى لكل من لا يهاجمه. فكيف بمن يعتنقه و يظهر شعائره للعيان؟ كان يحاول استثارتها كلما وجد فرصة سانحة للنيل من الإسلام. وشن حربا شعواء عليها, و لما قابلت هي الموضوع بهدوء ازداد غيظه منها,فبدأ يحاربها عبر طريق آخر,حيث الترصد لها بالدرجات, و إلقاء المهام الصعبة في الأبحاث, و التشديد عليها بالنتائج, و لما عجزت المسكينة أن تجد لها مخرجا تقدمت بشكوى لمدير الجامعة مطالبة فيها النظر إلى موضوعها. و كان قرار الإدارة أن يتم عقد بين الطرفين المذكورين؛ الدكتور و الطالبة، لسماع وجهتي نظرهما والبت في الشكوى. و لما جاء الموعد المحدد، حضر أغلب أعضاء هيئة التدريس، و كنا متحمسين جدا لحضور هذه الجولة التي تعتبر الأولى من نوعها عندنا بالجامعة.  بدأت الجلسة التي ذكرت فيها الطالبة

من وحي الحج

هذه باقة من الخواطر والمناجاة، جاشت معانيها في صدري، وقذف بأسرارها في قلبي، خلال موسم  الحج، حيث كنت متفيئا ظلاله، مرتويا من عيون المنن الإلهية، متأسيا ومتيمنا بالشمائل المحمدية. لقد أحلني مولاي بيته، وبوأني كنفه، حتى شغلت بلذة أنسه عما سواها، فانجلت ظلمات الشكوك، وانحسر لثام الشبهات، وأسفر وجه اليقين وأشرق نوره. فلما استقرت في باطني بوارق اليقظة، أخذت في أهبة السفر إلى الله لا ألوي على شيء. كيف لا وقد ملأت المحبة شغاف قلبي، وسرت روحها في كياني. ثم أعقب حال اليقظة والانتباه، شعور عميق بالذل والانكسار، والخضوع والافتقار للرب سبحانه وتعالى، يقول رب العزة: ” يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد" فأيقنت يقينا جازما، أن صلاحي وخلاصي، وهداي وسعادتي، بيده جل وعلا، وأن هذا الخير وهذه اليقظة منه وحده، وأن رحمته بي اقتضت تذكري له وسياقتي إليه. فالتجأت إليه لجوء المضطر، الذليل المستعطف، ووضعت خذي على عتبة العبودية، ناظرا بقلبي إلى ربي ووليي، نظر الذليل إلى العزيز الرحيم. أحرم بالتوبة تجرد من نسيج أوهامك وغزل شهواتك، وأحرم بتوبة من غير ميقات، وطف ببيت التوحيد، وتعلق بمعاني

الإيديولوجيا نتاج القطيعة الروحية والفكرية

    يرى كارل مانهايم بأن " الايديولوجيا هي الوعي الزائف بالذات"، ويلاحظ ريمون آرون الالتباس العميق المستخدم في كلمة ايديولوجية، فهي تـارة تكون ذات معنى حيادي بل اطرائي وطـورا بمعنى متبذل. فهو يرى: «أن هناك تذبذبا في استخدام تعبير ايديولوجيا يتراوح بين المعنى الحجاجي : الايديولوجيا هي الافكار المزورة، هي تبرير المصالح والأهواء، وبين المعنى المحايد : الصياغة الجدية لموقف معين اتجاه الواقع الاجتماعي أو السياسي» .1 ويذهب أندري لالند في قاموسه الفلسفي أن دستوت دوتراسي ، هو واضع مصطلح الايديولوجيا، وذلك إبان فترة الثورة الفرنسية (1789)، وفي كتابه "مذكرة حول ملكية التفكير" ذهب دوتراسي إلى أن الايديولوجيا تمثل : "العلم الذي يدرس الأفكار بالمعنى الواسع لكلمة أفكار، وخصائصها وعلاقتها بالوعي الاجتماعي" 2. وبما أن ظهور هذا المصطلح تزامن مع الثورة الفرنسية، فقد كان يكتسي طابعا ثوريا. ولايخفى على احد مدى قوة الأفكار التي نادت بها البورجوازية الصاعدة، مثل العدالة والاخوة والحرية، وتأثيرها في الشعب الفرنسي الذي صنع الثورة. لقد كانت مدرسة دستوت دوتراسي تسعى في البداي

نشأة التنصير

يمكن اعتبار لحظة بداية المواجهة بين المسيحية والدين الإسلامي الناشئ في مكة والمدينة، نقطة الانطلاق التاريخية لعملية التنصير. إذ أن الوحي لم يلبث أن أضاء بنوره أرجاء المدينتين، وهز كيان القبائل العربية، ونفذ إلى قلوب طالما استحوذ عليها الجهل والجمود، حتى سارع أفراد من نصارى الجزيرة العربية إلى مجادلة المسلمين في هذه العقيدة الجديدة. هذا الجدال الأول الذي وقع بين الطرفين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، سيكون الحلقة الأولى في سلسلة من الجدالات، التي سيخوض فيها علماء ومناظرون من الجانبين طوال العصور الإسلامية وإلى الآن. لم تلحق محاولات التنصير والتشكيك أي ضرر بالعقيدة الصلبة، ولم يعرف التاريخ الإسلامي في عصوره المزدهرة رجالا تنصروا. واكتفى البابوات والقساوسة ورجال الكنيسة بتشويه صورة الإسلام، فنظموا حملة خبيثة ضد المسلمين ودينهم الحنيف، حيث ظهرت مآت الكتب المليئة بالأكاذيب، كي تشبع الرغبة العدائية التي أصلها أصحاب الكنيسة في قلوب رعاياهم من النصارى، وحتى يتم إقامة سد منيع في وجه الدولة الإسلامية النامية. بقيت نار الحقد تتأجج في صدور النصارى ما يقرب من ستة قرون، حتى اندلعت الحروب الصليبية