صدور الأفعال عن هيئة نفسية راسخة في القلب

0


 

إن ميل الإنسان نحو شيء ما، ماديا كان أو معنويا، والشغف به، قد يحدث في باطنه مع مرور الأيام، محبة عظيمة تشبه محبة العاشق لمعشوقه أو العابد لمعبوده. فيصبح هذا الشيء شغله الشاغل وهمه الوحيد.
ومن الموضوعات التي تتجسد فيها مثل هذه العلاقة والرابطة: المال، المنصب، الجاه، العلم، العبادة، اللهو (كرة القدم مثلا)، الشهوات، الظلم والإفساد، الإصلاح، الإحسان... إلخ.

 

وتترسخ الرابطة بين الذات والموضوع، أو المحب والمحبوب، عندما تصبح صورة الموضوع وروحه هيئة راسخة وصفة ملازمة لقلب المحب، وحينئذ تمسي تلك الهيئة الجوهرية الراسخة، مصدر الخواطر والأفكار الصادرة عن ذات المحب. ولذا تجد كل واحد من الناس تنطق جوارحه بما يختلج في صدره، مما له علاقة بتلك الهيئة الراسخة والصفة الملازمة لقلبه؛ وكل إناء بما فيه ينضح.


وعلى قدر قوة تلك الهيئة ورسوخها، وثبات تلك الصفة الملازمة للقلب، تكون قوة الأفعال ويكون تدفقها وتلقائيتها، وهو أمر نفسي باطني جُبِل عليه الإنسان لتتيسر حياته، ويمارس أعماله الحسنة أو القبيحة.
والعاقل الفطن من تعلق قلبه بالموضوعات الحميدة النافعة والأهداف السامية، حتى إذا صارت أرواحها وصورها هيئة راسخة في قلبه، طَفِقَت الأفعال الطيبة الزكية تصدر منه وتفيض عنه، فيضان الماء العذب من العين الجارية.

بالصور.. طلبة “ماستر الفكر المقاصدي والاجتماعي بالسياق المعاصر” في زيارة للدكتور عبد الله الشارف

0


 

عرفانا منهم قام طلبة وطالبات “ماستر الفكر المقاصدي والاجتماعي بالسياق المعاصر” بكلية أصول الدين بتطوان بزيارة لمنسق الماستر الدكتور عبد الله الشارف في مكتبته ببيته بمدينة تطوان وذلك يوم الخميس 13 دجنبر 2018.

 

الدكتور عبد الله الشارف؛ أستاذ جامعي بكلية أصول الدين بتطوان، والذي يعد أحد أبرز علماء الاجتماع الداعين إلى علم الاجتماع الإسلامي، فتح أبواب بيته لطلبته، واستقبلهم بحفاوة حارة، وشديد ترحاب، كما شاركهم بعض تجاربه في الحياة الدراسية، وأطلعهم على بعض أفكاره العلمية ومشاريعه المستقبلية.

 



 

الزيارة التي تعد سابقة من نوعها حسب ما وصفها به بعض طلبة الدكتور الشارف، جاءت إثر انتهاء الدراسة، حيث قرر الطلبة الباحثون بالقيام بهذه الزيارة الميدانية لأستاذهم، وقد تخللتاها قراءة القرءان الكريم بصوت الطالب الباحث يونس الگمراوي، كما تضمنت نصائح وتوجيهات علمية، ومناقشات فكرية في مواضيع مختلفة، خاصة في ما يتعلق بعلم الاجتماع وقضايا الأمة.

 

طلبة وطالبات العالم الأنثروپولوجي استغلوا الفرصة في الأخير، حيث قدموا له درعا تذكاريا دليلا على وفائهم وصدق محبتهم له وباقي أساتذتهم بكلية أصول الدين بتطوان.

 



 

المصدر: صحيفة هوية بريس

ذكرُك له شرط ذكرِه لك

0


 

يا ابن آدم ألم يأت عليك حين من الدهر لم تكن شيئا مذكورا، ثم غدوت مذكورا. أو ليس من الشكر والإحسان أن تذكر من صيَّرك مذكورا، وباهى بك الملائكة وأسجدهم لك. لقد أنساك الشيطان ذكر ربك حسدا لما علم ذكر الخالق لك. فهو يطوف بك ويغويك وأنت لاتتذكر ولا تبصر. حذار أن يصدق عليك قول الله ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون). وحري بك إن أنت ظلمت نفسك أن تذكره وتستغفره، فيكشف عنك ما ظلمت به نفسك.

 

واعلم أن ذكرك له شرط ذكره لك (فاذكروني أذكركم)، وحبلك الموصل إليه. وإنك بالذكر موجود وبعدمه معدوم، وإنك بالبيان صرت إنسانا (خلق الإنسان علمه البيان). وحياة قلبك بالذكرى (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين).

 

وتجنب من أعينهم في غطاء عن ذكره كي لا تعمى بصيرتك. واعلم أن أجل أوصافك وصف العبودية. فأنت عبد الله بالذكر، وعبد الهوى بالغفلة، والسجين المعذب بالإعراض (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا). فعليك بذكر التسبيح والتهليل، وذكر الدعاء والثناء، وذكر التفكر والتدبر والتفقه، وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم عليك بالحسنات لأنهن يذهبن السيئات (ذلك ذكرى للذاكرين).

بين مرض القلب ومرض البدن

0


 

لا يشعر بألم الذنب غافل، كما لا يحس بجراحة الطبيب مُبَنَّج. ومرض القلب أخطر من مرض البدن، لأن أمراض القلب (الحسد، الطمع، البخل، الكبر، الرياء، العُجب الظلم، الغفلة،...) لا تؤثر في البدن؛ أي لا تؤلمه. وبما أن مرضى هذه الأمراض قلما يشعرون بها أو بألمها، فهم لا يسعون لعلاجها والتخلص منها. بينما تؤلم أمراض البدن أصحابها، فيستعملون الدواء دفعا للألم وطلبا للشفاء.

 

وغالبا ما يعلم الظالمون، أو المفسدون، أو المتكبرون مثلا، أنهم يمارسون الظلم والفساد والكبر، وإن أنكروا ذلك وادعوا كذبا أنهم مصلحون، لكنهم لا يحسون بظلمهم وفسادهم وتكبرهم، لأن ممارستهم لتلك الأفعال والسلوكات الفاسدة، لا تحدث أي ألم في قلوبهم، إذ لو تألمت قلوبهم لانزجروا. قال تعالى: "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون" (البقرة 11)، والحال أو المثل نفسه ينطبق على الحسود والغافل والمرائي.. إلخ.

 


ومما يدعو للعجب أن أمراض القلوب المشار إليها، قد يستعذبها كثير من حَمَلَتها، ويتلذذون بممارستها وفعلها، و لا يسعهم إلا ذلك نظرا لانتكاس فطرتهم وخسة معدنهم. فكيف يعالجون ويتخلصون مما به "يتمتعون" ؟

موقف علم الاجتماع الغربي من الدين

0


لقد أجمع علماء الاجتماع والأنتربولوجيا، أن الدين من إنتاج وإفراز المجتمع والثقافة أي؛ ظاهرة اجتماعية وثقافية تتصف بنوع من الاستقلالية والقهر، وأنها حسب إميل دوركايم، عالم الاجتماع الفرنسي، تصدر عن "العقل الجمعي". كما أن الدين أسلوب من الأساليب البدائية في التفكير، فكل متدين بدائي؛ بمعنى أنه ينتمي إلى ثقافة دنيا لم تتطور بعد. والدين كموضوع مقدس وبناء رمزي، كان مناسبا للإنسانية في مرحلة الطفولة.

 

ويعتبر إميل دوركايم الأديان كلها، صورة معقدة ومتأخرة من "الديانة التوتمية" البدائية، التي تتلخص في عبادة أفراد قبيلة ما، لحيوان، أو نبات، أو حجر، تربطهم به علاقة التقديس. إن التوتمية هي الشكل الأول للدين. ولقد تبنى جل علماء الاجتماع في الغرب الأوربي والأمريكي، وفي الشرق الشيوعي، هذه الفرضية التوتمية دون نقد أو تمحيص. وطفق كثير من السوسيولوجيون العرب يرددونها في أبحاثهم، ويعتمدون عليها في تحليلاتهم للدين، لا سيما فيما يتعلق بعلم الاجتماع الديني.

 

وبالنسبة لنصوص الديانات السماوية؛ (التوراة، الإنجيل، القرآن)، فإن علم الاجتماع يعتبرها كباقي النصوص المكتوبة، وقدسيتها في نظره مجرد دعوى أو تصور وهمي. والقداسة الدينية في رأي دوركايم، أفرزها وعي الإنسان الضعيف، حينما اعتقد بوجود كائنات، أو قوى لا مرئية تؤثر فيه أو تهدد حياته. فكل الأشياء المقدسة المرتبطة بالدين تعتبر، فيما يرى علماء الاجتماع، رموزا للمجتمع الذي يمارس هذا الدين.

 

وهكذا فان كلا من الإله، والجنة والنار، والملائكة، والشياطين، والآخرة... عبارة عن رموز، وليست حقائق لها وجود معين خارج الإنسان.
وينكر علم الاجتماع الغربي وجود شيء إسمه الوحي بالمعنى الديني، ويرى أن الوحي يعبر عن صفة (الكارزمية) أو الإلهامية، التي تتجلى عند أشخاص يطلق عليهم إسم الأنبياء، ويعتقد أتباعهم أنهم يملكون قوى خاصة تميزهم عن باقي الناس، وتؤهلهم لوظيفة الرسالة الدينية. وهذه (الكارزمية) قد تظهر أيضا عند بعض رجال العلم والأدب والسياسة.

 

ويعمل علم الاجتماع المعاصر من خلال تخصص علم الاجتماع الديني، على علمنة الدين، وإعداد بدائل دينية جديدة ومعلمنة، تتميز بالطابع الذاتي والفردي. ومن بين قنوات ووسائل هذه البدائل؛ إقامة التنشئة الاجتماعية على أسس علمانية محضة، واعتبار الدين أو أي ممارسة من الممارسات الروحية المنتشرة في العالم، مسألة شخصية تخص المتدين أو الممارس لعقيدة روحية، وحده.

 

كما يهدف علم الاجتماع الديني إلى الحيلولة دون وصول الشباب إلى معرفة الخالق عن طريق الدين، وأن الوصول إلى ذلك لا يحتاج إلى نبي أو وحي إلهي، وأن على كل إنسان أن يبحث في موضوع الخالق بالطريقة العقلانية.

إن هذه الأفكار المتعلقة بتصور علم الاجتماع الديني لموضوع الدين، مبثوثة في المؤلفات الأوربية والأمريكية والروسية وغيرها، ومنها انتقلت، عبر الترجمة والتبعية والاستغراب، إلى علم الاجتماع العربي، حيث تجلت في بعض برامج التعليم الجامعي، وفي أبحاث ودراسات السوسيولوجيين العرب المستغربين. كما ساعد على انتشار هذه الأفكار؛ إقامة تعليم عربي شبه معلمن، إضافة إلى انتشار التربية المتأثرة بالمدنية الغربية عبر كثير من المؤسسات، ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

بين الحرية والهوى

0


 

تعتبر الحرية من المفاهيم والموضوعات النفسية والفلسفية التي شغلت عقول الفلاسفة، وعلماء النفس والسياسة والقانون، زمنا طويلا. ولم يحصل إلى الآن، اتفاق بين هؤلاء الفلاسفة والعلماء، على تعريف موحد جامع مانع لمفهوم الحرية، لأن كل واحد منهم ينطلق من تصوره الذاتي النابع من بيئته الثقافية والاجتماعية، ورؤيته الوجودية، ومذهبه الفلسفي أو العقدي أو السياسي. معنى هذا أن أي تصور لمعنى الحرية محكوم بهذه الشروط والعوامل.

 

ولعل من الصعوبة بمكان تصديق قول قائل ما: "أنا أفكر أو أمارس سلوكي بكامل حريتي"، إذ كثيرا ما يتبين لذلك القائل، بعد زمن، أنه لم يكن يفكر أو يمارس سلوكه بحرية، وإنما كان مغلوبا على أمره دون شعور منه. وهذه ظاهرة من الظواهر النفسية المرضية المرتبطة بالشخصية الضعيفة، أو الجاهلة، أو المضطربة، أو المؤدلجة. بل يمكن أن تشمل عددا هائلا من أفراد المجتمع الذي يعاني القهر والظلم والجهل.

 

وليس معنى هذا أن المجتمعات الغربية المتقدمة، يمارس كل أفرادها تفكيرهم وسلوكهم بحرية تامة، ذلك أن عقلية الإنسان الغربي، انطلاقا من واقعه الثقافي والسياسي والحضاري، تؤسسها وتوجهها إيديولوجيات وسياسات وقوى إعلامية، لها من الهيمنة والقهر والتأثير والتمويه ما قد لا تجده في بعض البلدان الموسومة بالتخلف.

 

ومن الأدلة على ذلك؛ تداول مفهوم الإرهاب الآن، في المحافل السياسية والمنابر الإعلامية الغربية، ذلك التداول الإيديولوجي السياسي الذي يعلن، في هذا السياق، الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما يستهدف في الحقيقة، الإسلام وثقافة المسلمين. وهكذا يصبح الإسلام مصدر الإرهاب في تصور الإنسان الغربي، الذي أجبر على هذا التصور الملغوم والمختلق. فأين حرية التفكير عند هذا الإنسان المدعي للحضارة والتقدم والحرية ؟

 

وهناك أمثلة واقعية كثيرة تدل على أن المجتمعات الغربية المعاصرة، تعج بالظواهر الاجتماعية والنفسية والسلوكية، المؤسسة على التصور الخاطئ والمنحرف لمفهوم الحرية. ولعل ظاهرة الانتحار المتفشية في الغرب خير شاهد على ذلك. ومما يثير الاستغراب والتعجب في هذا الشـأن، وجود جمعيات ومراكز تستقبل الأشخاص الذين يرغبون في الانتحار؛ حيث تقدم لهم المساعدات، وينصحون باستعمال أفضل الطرق لممارسة هذا الفعل المشؤوم. بل أصبح الانتحار من الموضات التي يفتخر بها كثير من الغربيين؛ حيث يقبل عليه بين الفينة والأخرى، بعض أشهر السياسيين، أو الفنانين، أو الفلاسفة، أو الروائيين، أو كبار التجار الرأسماليين..
فهل الإنسان المنتحر يكون حرا عندما يقدم على الانتحار ؟ وبتعبير سيكولوجي؛ هل هناك انسجام وتواصل، لدى المنتحر لحظة انتحاره، بين وعيه الشعوري ووعيه الباطني، أم بينهما اضطراب وقطيعة ؟ أم أن وعيه الباطنى واللاشعوري تضخم في بعض جوانبه حتى غيَّب وعيه الشعوري ؟ إنها حقا لأسئلة محيرة.

 

إن فلاسفة اليونان ( فيتاغورس، سقراط، أفلاطون، أرسطو...) كتبوا وتحدثوا كثيرا عن موضوع الحرية والنفس، وقسموا هذه الأخيرة إلى أنواع ثلاثة: النفس العاقلة، والنفس الغضبية، والنفس الشهوانية، وذهبوا إلى أن الإنسان كلما كان أعظم عقلا كان أقدر على التحكم في نفسه الغضبية والشهوانية، وأكثر تمتعا بالحرية وممارسة لها. فالنفس الشهوانية عندهم مقيدة بشهواتها، والنفس الغضبية محكومة بغريزتها الحيوانية، بينما النفس العاقلة قد تجردت من كل ما يمنعها من التعلم وممارسة الخير والفضيلة والسلوك الإنساني الرفيع، والتعلق بالمثل العليا.

 

وفي التراث الإسلامي المؤسس على الوحي، نجد الحرية تقوم أيضا على العقل والتمييز، وعلى محاصرة وتوجيه فضاء الشهوات والأهواء توجيها إيجابيا نافعا وبناء. بيد أن هذه الحرية في التصور الإسلامي، تختلف من حيث الجوهر عن الحرية في المفهوم الفلسفي بصفة عامة، باعتبار أن الحرية في الإسلام، ممتزجة، بل منصهرة في موضوع وهيكل العبودية لله.
وكلما كان المسلم أكثر استيعابا وتمثلا لمعنى العبودية الصحيحة، وممارسا لها في إطار الشرع، كان أعظم حرية وأقوى على الأخذ بزمام نفسه، والسيطرة على الأهواء والشهوات.

 

إن الإنسان في التصور الإسلامي، إما أن يكون عبدا لله أو عبدا لهواه. ففي حال كونه عبدا لله يكون حرا، ويمارس الحرية الحقيقية بكل أبعادها ومعانيها. بينما إذا كان عبدا لهواه (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) (الفرقان 43)، يصبح سجين هذا الهوى، مطيعا له، مقيدا بقيوده، لا يعرف طعما للحرية الحقيقية، ومآله إذا لم يرحمه الله، الهلاك والشقاء في الدارين.

الاضطرار نوعان: تلقائي وجبري

0


 

الاضطرار نوعان: تلقائي وجبري. فالأول لا ينفك عنه المسلم التقي، انطلاقا من حال الافتقار؛ “يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله” (فاطر15). إن هذا المسلم دائم الشعور بالاضطرار التلقائي الناتج عن إيمانه القوي بالله، وتعلقه بأسمائه وصفاته. وهذه الحال من أسمى الأحوال الإيمانية التي لها ارتباط وثيق بالعبودية لله. وهكذا تجد المسلم المتنعم بحال الاضطرار التلقائي، يرفع يديه ويدعو ربه سبحانه بقلب خاشع موقن بالإجابة. ولا يقلق إن تأخرت تلك الإجابة، كما لا يسخط لعدم وقوعها وتحققها، لكونه يعلم أن الخير فيما يختاره الله لعباده.

 

ان حال الاضطرار التلقائي هذا هو حال إيماني روحي، يحياه المسلم التقي حيثما حل وارتحل، لأنه دائم الصلة بالله، محافظ على أوامره، مجتنب لنواهيه. ولما كان معظم المسلمين أهل غفلة وكسل وتهاون في الدين، حرموا نعمة الاضطرار التلقائي. ولذا تجدهم إذا دعوا الله دعوه بقلوب ساهية خربة، خالية من الصدق والإخلاص. بل لعل كثيرا منهم لا يقين لهم في الإجابة. وهذا حرمان وأي حرمان جره المسلم الغافل بكامل إرادته إلى نفسه، وتجرع مرارته سواء شعر أم لم يشعر..

 

والثاني: الاضطرار الجبري؛ أي جُبر عليه الإنسان، هو المشار إليه في قوله تعالى، “أمن يجيب المضطر إذا دعاه” (النمل 64). وهو الاضطرار المعبر عن الوضع النفسي المتأزم أو الخطير، الذي يعتري الإنسان في كل زمان ومكان. أو بعبارة أخرى هو ذاك الاضطرار إلى الله الذي ينبعث من قلب الإنسان، وقد حلت به مصيبة أو داهمته قارعة، أو مشكلة كبيرة تهدد عقله وكيانه… قال تعالى: “فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ليكفروا بما آتيناهم” (العنكبوت 65-66)… إلى غير ذلك من الآيات المشيرة إلى هذا الاضطرارالجبري.

 

ولا شك أن الإنسان، مسلما كان أو كافرا، وقد حلت به المصيبة حتى أيقن بالهلاك، يكون أقرب إلى الله بحيث يدعوه بكل كيانه، مستحضرا في قلبه ألا مخلص له سواه سبحانه. وهذا شعور فطري في الإنسان، متجذر في باطنه بحيث لا يمكنه دفعه، بل يستغرق كيان المضطر اللهفان حال معاناته وتألمه، حتى فرعون نفسه الذي ادعى الألوهية، عبر عن هذا الشعور الفطري بقوله: “آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين” (يونس90).

مهرجان مدينة الصويرة الموسيقي: تخدير وتطبيع

0


 

لقد عرف بلدنا العزيز المغرب، خلال السنوات الأخيرة، سلسلة من المهرجانات الموسيقية الروحية، خاصة في مدينة فاس؛ معقل الثقافة والعلم. وتهدف هذه التظاهرات الفنية والثقافية إلى تقرير وتأسيس ما يسمى ب "الوحدة الروحية والدينية بين مختلف الأديان والعقائد والثقافات"، والتركيز على المشترك الديني وأواصر القرابة بين الأديان والملل، وذلك من خلال الغناء الروحي الصوفي والإنشاد الديني عبر معزوفات موسيقية روحية وصوفية؛ تذوب وتنصهر فيها وبها الاختلافات الدينية والعقائدية، لتفضي في نهاية المطاف إلى ما يعرف بوحدة الأديان أو دين الإنسانية.

 

إن مهرجان مدينة الصويرة الأخير، يندرج في هذا السياق مع إضافة عنصر التطبيع مع الكيان الصهيوني. وإذا كانت اللقاءات الروحية والصوفية الموسيقية، التي اتخذت من فاس فضاء ومركزا لها، تهدف إلى تخدير العقول و"تضبيعها"، فإن مهرجان مدينة الصويرة يدعو إلى فتح باب الصداقة والتواصل مع الكيان الصهيوني، الذي لا يتوقف عن قتل الفلسطينيين بعد أن اغتصب أرضهم، وذلك من خلال الغناء والإنشاد اليهودي، والموسيقى الكبالية والحاسدية (صوفية يهودية)، ليحصل التخدير ثم التطبيع و"التضبيع".

 

كما أن هذا المهرجان يعبر عن صورة من صور "التسامح والتعايش" التي يروج لها اليهود والنصارى، ويعملون على زرعها في بعض البلدان المسلمة بتعاون وتنسيق مع فئة من المستغربين والحداثيين والمتنورين واللادينيين.

 

يا له من ضعف وتخلف وجهل ووهن وخور !! ذلك هو حال بلدنا الذي كانت تهابه الشعوب الأوربية قبل الاستعمار؛ زمن القرون الذهبية؛ قرون العزة والقوة والشهامة والحضارة. نسينا الله، فنسينا وأنسانا أنفسنا، فسلط علينا أعداءنا الذين تحكموا في رقابنا بعد أن سخروا منا ومن ديننا، وحالوا بيننا وبين هويتنا.

 

 

"العقل الجمعي" عند إميل دوركايم

0


 

يعتبر إميل دوركايم أبرز علماء الاجتماع الفرنسيين الذين نهجوا نهج أوجست كونت في إقامة علم الاجتماع على أسس علمية مادية وعلمانية. وإذا كان أوجست كونت، مؤسس علم الاجتماع الغربي، قد خلص، في إطار تفكيره العلماني، إلى أن "الإنسانية" هي رمز الدين الجديد، فإن إميل دوركايم جعل من "العقل الجمعي"، إله ورمز هذا الدين.

و"العقل الجمعي" عند إميل دوركايم، يوجد خارج عقول أفراد المجتمع، وهم يخضعون دائما لتعاليمه وتوجيهاته، ولو على غير إرادة منهم. كما أنه المكون الأول لأفكار الناس، ومذاهبهم، وعاداتهم. وهو الملزم لهم باتباع أوامره وإملاءاته. و"العقل الجمعي" دائم التغير، ولذا ينفي دوركايم وجود قيم أو أخلاق ثابتة، أو دين موجه للإنسان مدى الحياة. بل كل الأديان في رأيه، تولدت عن أسباب اجتماعية معينة، وأنها تتغير وتفنى لأسباب اجتماعية أخرى. ويذهب إميل دوركايم إلى أن "العقل الجمعي" أقوى من حرية الفرد، بل يتنافى معها، وقد يتجاوزها أو يلغيها في بعض الحالات، مما يجعل سلوك الناس في الحياة سلوكا جبريا.

ويتضح من فلسفة إميل دوركايم أن "العقل الجمعي" بمثابة كائن لا مرئي يسير المجتمع ويتحكم فيه، بحيث لا يستطيع الناس مواجهته أو التمرد عليه. ولعل في الاقتصار على العوامل الاجتماعية في فهم وتحليل كل ما يتعلق بالمجتمع، أثر من آثار هذا "العقل الجمعي" أو الكائن اللامرئي.

إن الميل إلى تعظيم المجتمع وتقديسه، وجعله مصدرا للدين ومنتجا له، يشير إلى أن دوركايم كان من الرواد الأوائل الذين عملوا على شق طريق أنسنة الدين وعلمنته.

ما نصيب المرأة الغربية من معنى الإنسانية؟

0


 

إن المرأة الأوربية ، فيما يثبت المؤرخون الغربيون، عانت صنوفا من الرق والعبودية طوال تاريخ الإمبراطورية الرومانية، ثم بعد ذلك على امتداد العصور الوسطى النصرانية. بل اعتبرت الكنيسة المسيحية، خلال قرون طويلة، المرأة  شيطانا وليس إنسانا. وهذا أمر متداول في الأدبيات الأوربية الوسطى. ولما بدأت هذه الشعوب تتحسس طريق النهضة في فجر القرن الخامس عشر، توالت الحركات الأدبية و الفلسفية في كل من إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا ،ثم بزغت الثورة العلمية في انجلترا.

و مع تطور البروتستانية و مجيء الثورة الفرنسية بشعارات الإخاء، و الحرية، والمساواة،حينذاك  بدأت الأنثى تتنفس الصعداء،  وتتطلع إلى مستقبل خال من القيود و العبودية.و مع كل هذه الثورات الفكرية والسياسية  والاجتماعية التي استمرت على مسيرة أربعة قرون، لم ينظر الرجل الأوربي في موضوع المرأة نظرة تأمل و استبصار، إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .

"و يذهب كولان سميت في كتابه عن ستيوارت ميل  الفيلسوف الإنجليزي، ورجل السياسة و القانون،إلى أن هذا الأخير كان أول أوربي استطاع أن يخرق الصمت المحيط بالمرأة، و يدافع عنها في البرلمان الإنجليزي، و ذلك سنة 1867 بعد أن ألف كتابه " استعباد النساء ". بل طلب من النواب إبدال لفظ الإنسان  homme بلفظ الشخص personne لأن كلمة الإنسان homme كما هو معلوم، يطلقها الغربيون على الإنسان و الرجل على حد سواء ، مما جعل الرجل ينفرد بمعنى الإنسانية إلى حد ما ".[1]

إن استعباد المرأة الغربية لا زال قائما إلى يوم الناس هذا؛ فقد خرب الرجل الغربي المادي المتكبر بيت المرأة، وزج بها في أتون الشركات والمعامل والإدارات، وأرهق بدنها وعقلها، وحرمها من أمومتها وتربية أبنائها، وفرض عليها الماكياج والتبرج والعري، كي يزني بها ويفسدها من شاء من الرجال، أو يلهو بها كما تلهو الأطفال بالدمى. وفي الوقت نفسه يسخر منها موهما إياها أنها متحررة، وأنها مثله ومساوية له في الحقوق والإنسانية.

لقد داس كرامتها ومسخ جوهرها وأنوثتها وعذبها أيما عذاب. وليطلع من يشاء على المعاناة النفسية والبدنية للمرأة الغربية العاملة، واستغلالها من طرف أرباب العمل والمدراء والمسؤولين والرأسماليين، رغم الأجور المغرية والتغطية الصحية، والحرية المزيفة.

إن الرجل الغربي كان ولا يزال يعتبر نفسه وحده إنسانا، ويخرج، شعوريا أو لا شعوريا، المرأة من دائرة الإنسانية، وبذلك تنطق لغته كما أشار الفيلسوف ستيوارت ميل الذي رفض طلبه في البرلمان الإنجليزي، وبقي لفظ الإنسان homme يطلق على الرجل وحده، ويسمى به جوهرا وماهية، فعلاقة الرجل الغربي بمفهوم الإنسانية علاقة خصوص وعموم، في حين تظل علاقة المرأة الغربية بالمفهوم ذاته علاقة عموم فقط.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان المغرب. محرم 1440- اكتوبر 2018.

[1] - Colin Smith ; Stuart Mille Ed .Seghers, paris 1973, p.71

مأساة هجرة الأدمغة

0


 

تندرج هجرة الأدمغة في إطار ظاهرة الهجرة العمالية التي شهدها العالم منذ بداية النصف الأول من القرن العشرين، حيث هاجرت ملايين من البشر بوتيرة تصاعدية، بلدانها الضعيفة (آسيا، إفريقيا)، إلى البلدان الغربية الرأسمالية (أوربا، أمريكا)، وذلك بحثا عن العمل أو أملا في عيش أفضل. ولولا طبيعة النظام الرأسمالي العالمي القائم على منطق الظلم والاستعمار والاستغلال اللامحدود، لما كان لظاهرة الهجرة هاته وجود بهذا الشكل اللإنساني الفظيع.

وتشير بعض الدراسات الإحصائية الحديثة إلى وجود أكثر من 200 ألف مهاجر مغربي من حملة الشهادات العلمية في البلدان الغربية، يعملون في شتى القطاعات الحيوية. بل يهاجر كل سنة، ما يزيد عن ألف شاب مغربي من ذوي الكفاءات العلمية المختلفة إلى أوروبا وأمريكا.

لا شك أنهم يعانون آلام الغربة، ويتحملون على مضض صعوبات ومعاناة التكيف مع المجتمع الجديد، الذي كثيرا ما يضطرهم للتنازل تدريجيا، عن كثير من مكونات هويتهم وثقافتهم، مما قد يفرز انعكاسات خطيرة على المستوى النفسي، أو ينتج عنه، مع الزمن، ذوبان كلي تنمحي معه قسمات وخصائص شخصية المهاجر الأولى.

ولنا جميعا أن نتساءل: لماذا لا يهتم المسؤولون في حكومتنا بمعالجة هذا الموضوع ؟

لماذا يقدمون للشركات والمؤسسات الغربية شبابنا المكونين والمثقفين؛ ثمرة معاهدنا ومؤسساتنا، حصيلة سنوات من الدراسة والتحصيل ؟

أليس بلدنا أولى بأبنائه وشبابه ؟ لماذا هذا النزيف ؟ لماذا هذا التهجير والنفي ؟ بل لماذا هذا التواطؤ والمؤامرة على أبناء الوطن؟

ألا يستحق شبابنا المثقفون وعمالنا المهنيون المغتربون عيشا كريما في بلادهم وبين أقاربهم ؟

لا ضمير لكم أيها الأوغاد، يا من نصبتم أنفسكم للمسؤولية... كل القطاعات (الصحة، التعليم، الشغل...) حبلى بالمشاكل والكوارث بسبب نفاقكم، وكذبكم، وكبركم، وأنانيتكم، وإجرامكم.

لقد أبيتم إلا أن تقدموا شبابنا الضحايا قرابين للحكومات والمؤسسات الرأسمالية الغربية، كي ترضى عنكم، وتحافظوا بذلك على كراسيكم ومناصبكم، وتدخلوا مزبلة التاريخ.

بيد أنكم إذا نجوتم من المحاسبة الدنيوية، فلا مفر لكم من المحاسبة الأخروية يوم يعض الظالم على يديه. "أليس الصبح بقريب".

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. محرم 1440 - شتمبر 2018.

فائدة الانكسار النفسي المحمــود

0


 

إن الانسان إذا نزل به مكروه أو مصاب؛ كموت أحد الأبناء أو الأقارب، أو إفلاس في تجارة، أو مرض خطير، أو ما شابه ذلك من المصائب، فإنه  يتأثر بذلك تأثرا بليغا، ويجد في باطنه انكسارا قويا لا يستطيع له دفعا. وقد يظل هذا الانكسار مصاحبا له أياما أو شهورا أو أكثر، وذلك حسب وطأة المصاب. وفي بعض الأحيان،  يؤدي هذا الانكسار النفسي إلى تولد شعور، لدى الشخص المصاب، بالزهد في الدنيا والعزوف عن زينتها وملذاتها. وهو شعور قد يدوم أيضا لفترة طويلة، أو تخبو جذوة ناره بعد مدة قصيرة. بيد أنه لو تصورنا وجود الانكسار النفسي عند هذا الإنسان المصاب قبل مداهمة المكروه له، فماذا ستكون النتيجة على المستوى النفسي؟

لا شك أن وطأة المكروه ستمسي هينة أو ضعيفة، مما يعين ذلك الإنسان المكروب على الصبر والحفاظ على التوازن النفسي.

ومن هنا فإن أحسن وأنفع وسيلة لتجنب صدمة ووطأة المصاب، هي التسلح المبكر بالانكسار النفسي المحمود، وجلب الأسباب المؤدية إليه. ولن يظفر المسلم بذلك ما لم يتب إلى الله توبة نصوحا، ويداوم على قراءة كلامه بتدبر وخشوع، ويستحضر معاني الوعد والوعيد، ويتحقق بأوصاف العبودية، ويشرب من عين الزهد، ويسبح في فضاء الذكر، ويداعب نسمات اليقين، ويلج أبواب المجاهدة، والمصابرة، والمرابطة، والمحاسبة، والمراقبة، مع جولات في السيرة النبوية، وسيرة الصحابة والتابعين، والعلماء الربانيين، والدعاة المجاهدين، والإسهام في فعل الخيرات، إلى غير ذلك من الأسباب والوسائل التي تفضي به إلى نيل حال الانكسار النفسي، والخضوع لله عز وجل..

ولو علم المسلم ما في هذا الانكسار النفسي المحمود من الفوائد العظيمة، لبادر إلى العمل بتلك الأسباب المؤدية إلى التحقق به. إن من عادة الانسان أن يفرح بما يظفر به من متاع الدنيا، ويحزن على ما فاته منه. والفرح بالمتاع والحزن على فواته؛ سلوكان نفسيان مضران بالانسان لاسيما إذا تجاوزا حدا معينا. ولذلك قال تعالى :"لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم". (الحديد 23).

إن التحقق إذن  بالانكسار النفسي المحمود، هو أحد السبل النافعة في تجنب العواقب الأليمة المحتملة للفرح والحزن الناتجين عن الارتباط والتعلق الشديد بمتاع الدنيا.

وللعلامة الفقيه محمد بن قيم الجوزية رحمه الله كلام مفيد في هذا الباب، حيث يقول متحدثا عن عن مشهد الذل والانكسار والخضوع :

"وهو مشهد الذل ، والانكسار ، والخضوع ، والافتقار للرب جل جلاله ، فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة ، وافتقارا تاما إلى ربه ووليه ، ومن بيده صلاحه وفلاحه ، وهداه وسعادته ، وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتها ، وإنما تدرك بالحصول ، فيحصل لقلبه كسرة خاصة لا يشبهها شيء ، بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل ، الذي لا شيء فيه ، ولا به ولا منه ، ولا فيه منفعة ، ولا يرغب في مثله ، وأنه لا يصلح للانتفاع به إلا بجبر جديد من صانعه وقيمه...

فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور ! وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه ! وما أنفع هذا المشهد له وأجداه عليه ! وذرة من هذا ونفس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم ، وأحب القلوب إلى الله سبحانه قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة ، وملكته هذه الذلة ، فهو ناكس الرأس بين يدي ربه ، لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلا من الله “.[1]

يتبين من كلام محمد بن قيم الجوزية أن القلب المكسور يكون مستهدفا من قبل الرحمة الإلهية، ومحلا لتنزل النفحات الرحمانية، وأن صاحبه يخطو خطوات سريعة، ويطوي المراحل في اتجاه العبودية الحقة. ومما يستعان به في جلب حال الانكسار وتمثله؛ الإكثار من زيارة القبور، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وتفقد الأرامل واليتامى، وإغاثة الملهوفين وذوي الحاجات، والمسارعة في فعل الخيرات، مع ملازمة الصدق وإخلاص النية لله سبحانه.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، ذو الحجة 1439- غشت 2018، تطوان المغرب.

 

 

.................................................

[1] -  محمد بن قيم الجوزية؛ "مدارج السالكين"، ج1 ص 473.

علم الاجتماع العربي ومنطق التبعية والاستيراد

0


 

إن علم الاجتماع علم ينتمي إلى حظيرة العلوم الإنسانية، ذات الأسس الفلسفية والأبعاد الإيديولوجية. ولقد بذل المؤسسون، والرواد الأوائل، والمنظرون السوسيولوجيون، جهودا متواصلة من أجل تشكيل وصياغة هذا العلم صياغة علمية، أسوة بالعلوم الطبيعية، وأملا في إخضاع الظواهر الاجتماعية للدراسة العلمية الموضوعية. بيد أن طبيعة موضوعه حالت دون تحقيق الغاية المنشودة، لا سيما أن الدارس؛ أي الإنسان، هو نفسه المدروس.

وهكذا فإن الإشكالية المنهجية في علم الاجتماع، لا زالت قائمة، كما أن الإطار الفلسفي والإيديولوجي سيظل محكما قبضته على بنية هذا العلم ومساره، بحكم طبيعة، وفلسفة، وأهداف، الأنظمة الليبرالية الرأسمالية الحديثة. بل إن هذا العلم قد ولج نفق أزمته البنيوية والوظيفية، بدءا من سبعينيات القرن الماضي؛ حيث كثرت الدعوات إلى إعادة النظر في أسسه، ومناهجه والبحث عن سبل العلاج.

ولقد انعكست هذه الأزمة على علم الاجتماع العربي، الذي لم ينطلق ولم يتأسس بعد، فيما ذهب إليه بعض النقاد وكبار السوسيولوجيون العرب.

إن المسيرة العلمية لعلم الاجتماع العربي، قد انطلقت من القطر المصري الذي تضافرت فيه عوامل ثقافية وسياسية وتاريخية معينة، ثم انتقلت التجربة المصرية إلى باقي البلدان العربية، شرقا وغربا، حيث شهدت جامعاتها الناشئة تأسيس عدة أقسام لتخصص علم الاجتماع.

وإذا كان علم الاجتماع العربي، سواء في مظهره الأكاديمي والجامعي، أو في أبحاثه المرتبطة بالدوائر الإدارية والحكومية، قد حاول شق طريقه نحو الإسهام في فهم وتحليل الواقع  العربي، مع الانخراط في مشاريع ثقافية، وتربوية، وسياسية، من أجل الإصلاح والتغيير، فإنه لم يستطع التخلص من الإرث الاستعماري السوسيولوجي والأنتربولوجي.

وهكذا نجد أن جل الدراسات السوسيولوجية في العالم العربي، التي تتناول موضوعات اجتماعية مثل؛ الأسرة العربية، أو العادات والتقاليد، أو النظم والعلاقات الاجتماعية داخل قرية أو مدينة عربية، أو موضوعات دينية متعلقة بالإسلام؛ دينا ومجتمعا وتراثا وحضارة، إلى غير ذلك من الموضوعات والقضايا، تعكس في مفاهيمها ومنهجها وتحليلها، كثيرا من نظريات وآراء وتصورات علماء الاجتماع الفرنسيين والإنجليز، الذين قاموا في الوطن العربي بأبحاث نظرية وميدانية، وذلك خلال عقود طويلة، بدءا من مرحلة ما قبل الاستعمار ومرورا بالفترة الاستعمارية كلها.

وعلى المستوى المدرسي والمنهجي، فإن الأعمال السوسيولوجية العربية تبنت في البداية، منهج ونظريات المدرسة الوضعية التي أسسها أوجست كونت وطورها إميل دوركايم، ثم مالت إلى المدرسة الوظيفية، أو المدرسة الماركسية القائمة على المادية الجدلية والتاريخية.

إن هذا السلوك والمنهج اللاعلمي الذي سلكه ويسلكه السوسيولوجيون العرب، يشير إلى وجود وطغيان ظاهرة التقليد والتبعية في الكتابات السوسيولوجية العربية. إن استيراد المناهج والنظريات والمفاهيم الغربية في علم الاجتماع، ومحاولة استعمالها كأدواة ووسائل لفهم وتحليل الواقع العربي، نتج عنه انحراف وضبابية في النظر إلى هذا الواقع، ورصد مكوناته ومعطياته. ذلك أن تلك النظريات، والمفاهيم الاجتماعية الغربية، قد أفرزها واقع اجتماعي مختلف عن الواقع الاجتماعي العربي على جميع المستويات، فلا يمكنها، بأي حال من الأحوال، أن تعكس في آن واحد، واقعين اجتماعيين مختلفين اختلافا كليا.

ولعل السقوط في مأزق الاستيراد هذا، يعبر عن ضعف كبير، لدى السوسيولوجيين العرب، في إدراك الفروق الجوهرية بين الإنتاج المادي والإنتاج الفكري للحضارة الغربية؛ حيث أنهم آمنوا بمشروعية الاستيراد المطلق، مهما كانت طبيعة ومعدن المنتوج المستورد. وهذا الموقف يقدح في مستوى الفهم والوعي  بالقوانين والسنن التي تحكم طبيعة الحياة الاجتماعية وسيرورتها.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، ذو الحجة 1439-غشت 2018 / تطوان المغرب.

 

إشراقة قرآنية

0


 

إن الإنسان يعتبر جزءا لا يتجزأ من هذا الكون العظيم، ولذا فإن مفهوم التسبيح الذي يشكل القانون والمنهج الجوهري الذي تنتظم فيه كل المخلوقات انطلاقا من قوله تعالى " يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض"[1]، يعبر عن الخاصية الذاتية لهذه المخلوقات، وبالتالي فإن هذا الانسجام والتناغم الذي يعم الكون، له علاقة وطيدة بمنطق التسبيح.

وإذا كان الخالق سبحانه قد أودع في مخلوقاته، من حيوانات ونباتات وخلايا وأنهار وبحار ونجوم وكواكب، قانون التسبيح، وألهمها ذكره والدوران في فلكه، فإنه قد هدى الإنسان إلى  القانون نفسه بواسطة الوحي المنزل من عنده. ومن هنا فإن الإنسان الذي يعرض عن تعاليم القرآن، التي هي تعاليم فطرته المفطور عليها، فإنه يتحول إلى عنصر شاذ يصطدم  بعناصر الكون بما في ذلك نفسه التي بين جنبيه، كما أن كل ما في الكون ينقلب ضده ويدخل في صراع معه؛ لأن الكون يدور ويسبح و يُسبح الله في فلك مادي ومعنوي.

وما دام الإنسان جزءا من الكون؛ فإما أن يدور ويسبح الله، وتلك فطرته، وإما أن يلفظه الفلك فيغدو نشازا شاذا. وكمثال حي على الإنسان الذي لفظه فلك التسبيح؛ الشخص المنتحر، أو اللعين المطرود من رحمة الله، أو المصاب بأمراض نفسية حادة، أو المشرك بالله الذي خر من السماء؛  مصداقا لقوله تعالى. "ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق"[2] وهذا أبلغ تعبير وتصوير لطرد الإنسان من فلك التسبيح.

وغني عن البيان، أن الذي يقبل على قراءة الذكر الحكيم بشغف وهمة ووقار مع تعظيم لله سبحانه، وإخلاص الدين له، وصدق لهجة المناجاة من خلال الترتيل، يجد من اللذة الروحية ما يعجز عن وصفه الواصفون. وفي هذا الصدد يقول العلامة محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية رحمه الله:" لذة كل أحد على قدره وهمته وشرف نفسه، فأشرف الناس نفسا وأعلاهم وأرفعهم قدرا من لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والتودد إليه بما يحبه ويرضاه. فلذته في إقباله عليه، وعكوف همته عليه، ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيء، من الكلام والأفعال والأشغال. فلو عرض عليه ما يلتذ به الأول لم تسمح نفسه بقبوله. كما أن الأول إذا عرض عليه ما يلتذ به هذا لم تسمح نفسه به ولم تلتفت إليه ونفرت منه".[3]

ثم إن اللحظات التي يكون فيها الكيان الإنساني متفتحا لتلقي شيء من حقيقة القرآن، يهتز فيها اهتزازا ويرتجف ارتجافا، ويقع فيه من التغيرات والتحولات ما يمثله في علم المادة، فعل المغناطيس والكهرباء بالأجسام أو أشد. والذين أحسوا شيئا من مس القرآن في كيانهم، يتذوقون هذه الحقيقة تذوقا لا يخطر على بال غافل، ولا يرقى إليه عقل جاهل.

ثم إن الآيات القرآنية تتأرجح في صورها ومشاهدها، بين الوعد والوعيد، محدثة بذلك توازنا وطمأنينة في باطن المسلم. ولولا ذلك لما كان في مقدوره أن يحافظ على سكينته النفسية. ومن هنا فإن الآيات المعبرة  عن مشاهد النعيم، تخفف من وطأة الخشوع والخوف الناتجين عن التأمل والتمعن في الآيات المعبرة عن مشاهد العذاب وأهوال القيامة. وإذا تعود المؤمن استحضار قلبه والتحلي بحلية الخشوع أثناء تلاوة القرآن، فقد أذن لنفسه في ولوج عالم التدبر، وهو فضاء معنوي  فسيح لا يتوقف عن الاتساع، بفضل إمدادات حالتي الحضور والخشوع، وترى العبد يسبح في أرجائه ممتطيا معاني الآيات، منتهلا من حروف " إقرأ"؛ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. تارة تعتريه الدهشة والحيرة من شدة الأنوار الساطعة من أصل تلك الحروف وما تحمله من إيحاءات ربانية متلألئة، وتارة أخرى ينجذب إلى صلصاله الطيني حتى لا يزيغ عن دورته الفلكية، أو يحمله هيمانه إلى عالم قد يكون فيه حتفه كما حصل لأصحاب الحلول ووحدة الوجود من الصوفية، وحتى يعرف أن التحقق بالعبودية الحقة يستلزم القيام بواجبات الاستخلاف وممارسة شريعة الله.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، ذو الحجة 1439-غشت 2018 / تطوان المغرب

 

[1] - سورة الجمعة آية 1
[2] - سورة الحج آية 29
[3] - محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، "الفوائد" ص 168-169، دار الكتب العلمية بيروت 1417هـ 1996م.

لماذا عز الزواج الطيب؟

0


الزواج سنة حميدة وعظيمة دعا إليها الشرع الحكيم من خلال كلام العزيز العليم، وحث عليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، في كثير من الأحاديث الشريفة. وشرع الزواج لغايات جليلة كثيرة ومتنوعة، منها؛ بناء الأسرة، والحفاظ على النسل الطاهر، وتكثير سواد المسلمين، ومنع الشياطين من العبث بالمسلم وإغوائه، أو إيقاعه في فاحشة الزنا.

ولقد أتى على المسلمين زمن طويل، كانت أسباب الزواج فيه ميسرة على الشباب ذكورا وإناثا، سواء كانوا أغنياء أم كانوا فقراء. وما زلت أتذكر أعراس الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي؛ حيث البساطة والقناعة والتواضع والحياء والعفة، وحيث التكافل الاجتماعي والمحبة والمودة، والرضا بما قسم الله من رزق.

أما الآن فالحال غير الحال؛ إذ ضعف الإيمان، وتغيرت النفوس وتكدرت، وقويت أمراض القلوب؛ من حقد وحسد وكبر وعجب وغرور وأنانية ونفاق...، واستبدت الأهواء بالعقول، فضاعت الفطرة الآدمية الحنفية، واجتالتها الشياطين، وهام الكل على وجهه إلا من رحم الله.

فكان من العدل أن يعاقب الله عباده لعلهم يرجعون ويتوبون، قال تعالى: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " (الروم 41). ومن مظاهر عقوبة الله لعباده حرمانهم من كثير من الطيبات والنعم، والتي من بينها نعمة الزواج الطيب الموصوف بالأمن والسكينة والطمأنينة؛ قال سبحانه: "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا" (الأعراف 189).

كم هي بيوت المسلمين اليوم، التي يغشاها الأمن والسكينة والطمأنينة ؟

كم هي أسر المسلمين اليوم، التي لم تتجرع كؤوس العذاب بسبب الصراعات والمشاكل أو الطلاق ؟

-        لماذا انتشرت واستفحلت الفواحش والرذائل؛ مثل التبرج، والاختلاط، والعري، والتحرش الجنسي، والاغتصاب، والمثلية، والخيانة الزوجية، والزنا بالمحارم، وهلم جرا ومسخا ؟

-        بل لماذا يدافع المقلدة من تلامذة المستشرقين، وحفدة بني قينقاع من الحداثيين، والعلمانيين، والملاحدة، والمستغربين، والفرنكوفونيين، عن هذه الرذائل والفواحش ؟

-        أليسوا متآمرين على مؤسسة الأسرة باسم "حقوق الإنسان" ؟

أقول: إن الزواج الطيب المبارك الموصوف بالأمن والسكينة، أصبح نادرا وعزيزا نفيسا في زماننا هذا، وذلك لأسباب كثيرة، من بينها:

-        ضعف الإيمان والوعي الديني الصحيح.

-        خضوع المقبلين على الزواج للعادات والتقاليد الفاسدة، والتكاليف المادية الباهضة المعرقلة لتحقيق الزواج الآمن.

-        توهم كثير من الشباب أن الزواج أمر صعب ومغامرة بالحياة !!

-        ضعف القناعة والتوكل على الله، والخوف من الفقر، ومن تحمل مسؤولية وأعباء الحياة الزوجية.

-        الخوف من الوقوع، بعد الزواج، في المشاكل الزوجية والتي غالبا ما تفضي إلى الطلاق.

-        حرص معظم الشباب على أن يبدأ مشروع الزواج بالتعرف على بنت يختلي بها مدة قد تصل إلى سنة أو سنوات؛ كي يختبرها ويرى هل تصلح للحياة الزوجية أم لا تصلح لها ؟!! وقد يزني بها ويكذب عليها،... إنه اختبار من تعليم المسلسلات ؟!!

ولهذه الأسباب وغيرها يعزف الشباب المسلم عن الزواج، وكثير ممن تزوج منهم، سرعان ما انتهى بهم الأمر إلى الوقوع في المشاكل أو الطلاق، بسبب ديون العرس، وضعف الإيمان، والحسابات المادية السخيفة، أو اعتبار الزواج كمشروع شركة ربحية، أو الوقوع في فخ السحر، أو مستنقع الصراع بين أقارب وأهل الطرفين.

وهكذا ينقلب الفرح إلى قرح. وهل يطمع في نعمة الزواج الرباني الآمن المطمئن، ونعمة الزوجة الصالحة والأولاد الصالحين، من يخضع لأهوائه ولحماقات العادات والتقاليد المعرقلة، ومن لا نصيب له من القناعة والرضا والتقوى والتوكل على الله، ومن همه الدنيا وحدها... ؟ هيهات هيهات !! إلا أن يدخل الجمل في سم الخياط.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، ذو الحجة 1439-غشت 2018 / تطوان المغرب.

أوجست كونت و"دين الإنسانية"

0

أوجست كونت ودين الإنسانية


   إن مؤسسي ورواد علم الاجتماع المعاصر ذهبوا، أثناء وضع اللبنات الأولى لهذا العلم، إلى أن الدين سيتراجع عن مكانته الاجتماعية والقيمية، بفعل قوة العلمنة الناشئة، ومكونات وعناصر المدنية المادية الحديثة، بما تحمله من علوم وصناعات وتكنولوجيا. ولقد نظر لهذه الأطروحة ودافع عنها، كل من سان سيمون، وأو جست كونت، وكارل ماركس، وماكس فيبر، وإميل دوركايم، وغيرهم من علماء الاجتماع والفلاسفة،  حيث ذهب كل هؤلاء إلى أن العلمنة، باعتبارها سلسلة محكمة من العمليات الفكرية والقيمية، ستعمل على تقليص دور الدين وحصره في الحياة الذاتية والشخصية، وإبعاده عن جميع مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية، والاقتصادية والسياسية. إن هذه القناعة العقلية تشكل ثمرة الصراع مع الدين الكنسي، والذي طبع الفكر الأوربي منذ بداية عصر النهضة. إنها النتيجة الحتمية للصراع بين العلم الناشئ وعقلية الكنيسة.


   وهكذا يعتبر مشروع أوجست كونت الاجتماعي والفلسفي الإصلاحي، مشروعا وضعيا وعلمانيا، لا مكان فيه للدين. بيد أن أوجست كونت أدرك في النهاية، أهمية الدين في حياة الإنسان، وأن الإنسان ذو نزوع، من تلقاء نفسه،  إلى التدين بغض النظر عن طبيعة الدين. كما أن التدين يعتبر عاملا أساسيا في الحفاظ على التماسك الاجتماعي، ولذلك تفتقت عبقريته الفلسفية عن وضع ما أطلق عليه؛ "دين الإنسانية"، وهي محاولة تدخل في إطار ما يسمى بأنسنة الدين وعلمنته.


   "لقد رأى أوجست كونت أن الدين نافعٌ لحياة الإنسانية وتقدُّمها، بما فيه من توحيدٍ للمبدأ والغاية، وبما فيه من استغلالِ العاطفة لخيرِ المجتمع الإنساني، وصيانته من الانحلال والأنانية والفساد .فرأى أن يخترع ديناً يجعل فيه "الإنسانية" هي الجهة المقصودة بكل الأعمال الدينية، التي رأى أنها تجمع بين الفضيلة والتأملات الفكرية والتوجهات النفسية العاطفية، لتسود فكرة "الإنسانية" بدل الرب الخالق.


   وحين بدا له أن يخترع هذا الدين، رأى أن تُوَجَّه العبادةُ بالفكر، والعاطفة والعمل، لمحبَّة الإنسانية وخيرها، وتقدُّمِها الارتقائي، فانتهى به الأمر إلى أن يجعل فِكرةَ "الإنسانية" أو  معنى "الإنسانية" المجرّد بدل (الله) إلهاً واحداً توجّه له العبادة.(...)


   لما تجمعت لدى "أوجست كونت" كل هذه الرؤى، ظهر له أن معنى "الإنسانية" المجرد عن المشخصات، هو "الموجود الأعظم"، الذي تشارك فيه الموجودات الماضية والحاضرة والمستقبلة، والذي تُسَهِمُ عن طريقه الموجوداتُ في تقدُّم الناسِ وسعادةِ المجتمع البشري. فهذا "الموجود الأعظم"، وهو معنى "الإنسانية" المجرّد عن المشخّصات، هو المعنى الذي ينبغي التوجُّه له بالعبادة. وسمَّى "كونت" مفاهيمه هذه "دين الإنسانية".
أما العبادة في هذا الدين؛ "دين الإنسانية"، فهي عبادة تُوَجَّهُ لفكرة "الإنسانية" أو لمعنى "الإنسانية".


   ورأى "كونت" أن يضع معالم لهذه العبادة، فقسَّمها إلى:


- عبادة مشتركة


- عبادة فردية


   فالعبادة المشتركة تكون في أعيادٍ تذكاريّةٍ تكريماً للمحسنين من الناس إلى "الإنسانية"(...)


    والعبادة الفردية تكونُ بأن يتّخذ الفرد الأشخاص الأعزاء عليه، كأبيه وأمه وأستاذه وزعيمه، نماذج للمَثَل الأعلى، فيُكرمَهم، رمزاً لتكريم "الموجود الأعظم" الذي هو "الإنسانية".(...)


   رأى "كونت" إن يعهد بتدبير أمرَيِ العبادة والتربية إلى هيئة "إكليريكيّة" أي: هيئة دينية عليا، على مثل الأنظمة الكنسية، مؤلفة من الفلاسفة والشعراء والأطباء. (...)


   واستولت فكرة الثالوث النصرانية على ذهن ونفس "أوجست كونت"، فرأى أن يخترع لدين الإنسانية الذي أتى به، ثالوثاً آخر غير ثالوث النصارى.


 أما العنصر الأول من ثالوثه فهو؛ "الإنسانية" الذي سماه "الموجود الأعظم".
   وأما العنصر الثاني من ثالوثه فهو الأرض، واعتبرها "الفَتَشَ الأَعظم" أي: الكائن المادي الأعظم، وأثبت له حياةً روحيةً ونفسيةً شبيهةً بحياة الإنسان.
   وأما العنصر الثالث من ثالوثه فهو السماء أو   الهواء، وقد سمّاه "الوسط الأعظم" الذي تكونت فيه الأرض، التي هي "الفَتَشُ الأعظم".(.....).


   شايعه مستجيباً للدين الذي ابتدعه، ونصب نفسه كاهناً أكبر له، أشياعٌ؛ فكان له بعض المشايعين في "فرنسا" و"إنجلترا" و"السويد" و"أمريكا الشمالية" و"أمريكا الجنوبية". وأقاموا لهم معابد، وتَبِعُوا في كل بلد كاهناً ولوه أمور هذا الدين الذي ابتدعه أوجست كونت، واتخذوا لهذا الدين شعاراً مثلثاً وضعه كونت؛ المحبة، النظام، التقدم."[1]


   "بل إن أوجست كونت عين نفسه البابا الجديد للإنسانية، ودعا المسلمين للتخلي عن دينهم، والدخول في الدين الجديد".[2]


يقول عالم الاجتماع ريمون آرون الفرنسي: "إن أوجست كونت أراد وأسس دينا. وذهب إلى أن دين عصرنا ينبغي أن يكون وضعيا أي مستلهما الوضعية. ولا يشبه الدين القديم الذي يقوم على فكر متجاوز. فالإنسان صاحب العقل العلمي لا يؤمن بالوحي أو أفكار الكنيسة أو الألوهية. لكن الدين، من ناحية أخرى، يستجيب لمطلب أساسي لدى الإنسان. والمجتمعات تحتاج إلى الدين لتلبية الرغبات الروحية. إن الدين الذي سيقوم بهذه الوظيفة هو دين الإنسانية."[3]


من خلال هذه النصوص المتعلقة ب"دين الإنسانية"، ندرك إن أوجست كونت كان فيلسوفا منذ تأسيس مشروعه الاجتماعي العلمي، إلى تأسيس ووضع دينه الوضعي. كما ندرك أن فلسفته جعلته يقر بضرورة وجود ديانة جديدة، تناسب الحياة الاجتماعية الحديثة المؤطرة بالعلوم الوضعية، لا سيما علم الاجتماع.


إن هذا الفيلسوف الاجتماعي، رغم عقيدته العلمانية والإلحادية، اعترف بنزعة التقديس عند الإنسان، وميله الفطري إلى تعظيم كائنات مادية أو معنوية، وذلك استجابة لرغبات نفسية دفينة وعميقة، لا يستطيع الإنسان التجرد منها أو إنكارها. وبعبارة أخرى، يبدو أن ظاهرة أو نزعة التدين، من النزعات والميولات النفسية التي رافقت الإنسان في حياته عبر مراحل التاريخ البشري كله، حيث تجلت هذه الظاهرة في كل الثقافات والحضارات.


وبما أن المجتمعات الأوربية دانت بالديانة المسيحية القائمة على الثالوث المقدس، فإن أوجست كونت أقام أيضا "دين الإنسانية" على ثالوث مقدس: 1- الإنسانية (الموجود الأعظم)، 2- الأرض (الفتش الأعظم) أي الكائن المادي الأعظم، 3- السماء أو الهواء (الوسط الأعظم). ورغم أن هذا الدين العلماني، بطقوسه وأعياده ومناسباته، لم يعمر طويلا حيث سرعان ما إنقرض أتباعه، بقي إلهه حيا؛ وهو "الإنسانية" (الموجود الأعظم). ولذا تجد كلمة "الإنسانية"، لغة واصطلاحا، من أكثر الكلمات شيوعا واستعمالا في العلوم الاجتماعية، والتربوية، والقانونية، والنفسية، والسياسية، وفي الآداب والفلسفة.


كما أن كثيرا من المنظمات، والهيئات، والجمعيات المدنية في الغرب، والتي لها علاقة بالمساعدات الاجتماعية، تنطلق في ممارستها من عقيدة الإنسانية، وتعتبر الإنسانية مذهبا وعقيدة لها، تدافع عنها كما يدافع متدين عن دينه. وهذه الظاهرة تدخل فيما يسمى: "علمنة الدين" أو "أنسنته". أي أن الإنسان الغربي الذي يمارس الأعمال الإنسانية، كثيرا ما يمارسها بروح شبيهة بالروح الدينية، ولذا قد تجده ينعم باطنيا ونفسيا من خلال عمله الإنساني.


وهذه مسألة فطرية في الإنسان، بل أكدتها الأديان السماوية؛ حيث أن الإنسان مخلوق عابد بالفطرة. فإما أن يعبد الله ويوحده، أو يشرك به، أو  يعبد صنما، أو شيئا من الأشياء ماديا أو معنويا، أو يعبد هوى من الأهواء، أو يعبد "الإنسانية"، إلى غير ذلك من المعبودات. إنها إذن حاجة نفسية، أو   بلغة علم النفس الحديث؛ مثير نفسي يستدعي الاستجابة.



د.عبد الله الشـارف، كلية أصول الدين تطوان المغرب/ شعبان 1439-أبريل 2018

 

[1] - عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني: "كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة"، ص 416 وما يليها، بتصرف.


[2] - عيسى محمد طلعت: "أتباع سان سيمون وفلسفتهم الاجتماعية وتطبيقها في مصر"، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة 1957، ص 113.


[3]- Raymond Aron:  "Les étapes de la pensée sociogogique" Gallimard France 1976, p 122

رؤیا قرآنیة مُحزنة

0

رؤیا قرآنیة مُحزنة


انتبھت من نومي ھذه اللیلة؛ لیلة الاثنین 23 جمادى الثانیة 1439 ،حزینا وقلبي یعتصره الألم والأسى بسبب رؤیا ألیمة وموجعة؛ حیث رأیت في منامي أني أسیر في حي النیارین بالمدینة العتیقة في تطوان، وإذ بأذني تلتقط أصوات أطفال یقرأون القرآن، فطربت روحي وعزمت على زیارة ھذا الكُتاب، وأدخلت یدي في جیبي وأخرجت ورقتین نقدیتین من فئة 20 درھما كي أمنحھا للفقیه.
وكان ھذا الكتاب القرآني من بین الكتاتیب التي أقیمت في مدینة تطوان وغیرھا من المدن المغربیة قبل فترة الاستعمار وخلالھا، لكن لما خرج المستعمر وأقبل الاستقلال یحمل تباشیر الحریة والتنمیة والبناء...، لم یلبث الحال أكثر من عقد من الزمان حتى بدأ عقد تلك الكتاتیب المتلألئة ینفرط، وصار عددھا یقل تدریجیا، إلى أن لفظت أنفاسھا وفنیت في نھایة السبعینیات أو مطلع الثمانینیات؛ حیث بدا أن ھذا القطاع التعلیمي الرباني لایتناغم مع ثقافة وعقلیة المستغربین، من المسؤولین على التربیة في بلادنا، الذین شربوا لبن المستعمر ونشأوا في أحضان ثقافته.
وھل كان بقاء ھذه الكتاتیب واستمرارھا یضر التعلیم الابتدائي والثانوي الحالي؟ أم یشكل رافدا قویا ومتینا على مستوى اللغة العربیة، والقیم الأخلاقیة الرفیعة، وثوابت الھویة والحضارة المغربیة؟
لكن أبى الفرانكوفونیون المتفرنسون من خلال الازدواجیة اللغویة العقیمة، وإدراج نصوص القیم الغربیة العلمانیة في الكتاب المدرسي (مادتا اللغة الفرنسیة والفلسفة) وتضییق الخناق على كل ماله علاقة بالقیم الدینیة والتراثیة...، إلا أن یقیموا القطیعة المعرفیة والقیمیة، بین التلمیذ والطالب المغربي وبین أصالته وھویته.
أعوذ إلى الرؤیا وأقول: ولجت باب الكتاب وما أن أرسلت نظري إلى الأطفال الحفظة والفقیه حتى ھالني عدم وجود حصیر مفروش للجلوس علیه كما ھو مألوف ومعتاد، ولون أرض الكتاب أخضر مفتوح. بل الأدھى والأمر أني رأیت ھؤلاء الأطفال قد افترشوا الألواح وجلسوا علیھا، وألواح أخرى یسندون ظھورھم إلیھا، وكل تلك الألواح مسطرة 
بالآیات القرآنیة !!
وعندما دنوت من الفقیه، وكان شابا في الثلاثینیات من عمره، أخذ لوحا كبیرا قد كتب فیه ربع الحزب أو یزید، ووضعه على الأرض، ثم أومأ إلي بالجلوس علیه فقلت له مستنكرا: كیف أجلس على لوح كتب فیه القرآن، فابتسم ثم طأطأ رأسه وأطرق صامتا بعد ما قرأ في وجھي أمارات الغضب والاستنكار... فاستیقظت مذعورا وقلبي كله یرجف من ھول ما أبصرت وأدركت. لقد ضعضعني وھدّ كیاني مارأیت، وأقضت الرؤیا مضجعي، وأطارت الرقاد عن عیني.
لاعلم لي بتأویل الرؤى، بید أنه وقع في خاطري عقب انتباھي من النوم أننا، معشر المسلمین، إلا من رحم الله، لم نھجر القرآن فحسب، وإنما أھناه وسخرنا منه والعیاذ بالله. ومظاھر ھذا السلوك والموقف المشین والمخزي من كلام الله سبحانه، أكثر من أن تحصى. 
فقول القائل الیوم مثلا؛ إن بعض أحكام القرآن لاتصلح لزماننا وحیاتنا المعاصرة، مظھر من تلك المظاھر المخزیة.
وتزیین جدران المساجد والبیوت بالآیات القرآنیة، مع عدم تعظیمھا والعمل بأحكامھا، استھزاء بكلام الله أیضا. والتباھي بامتلاك نسخ للقرآن مخطوطة أو ناذرة نفیسة، وعرضھا في المعارض والمتاحف، والإعجاب بخطھا وجمال تجلیدھا، وألوان زخرفتھا؛ أي الاھتمام بمظھر تلك النسخ وجمالھا المادي وتجاھل جمال القرآن وبعده الروحي والرسالي، مظھر آخر من مظاھر السخریة والاستھزاء بكتاب الله سبحانه.
وكذلك الاستماع إلى القرآن في المآتم وبعض المناسبات، والمواسم البدعیة، والإعراض عن قراءته والاستماع إلیه، والعمل به في الحیاة الیومیة، ضرب آخر من ضروب السخریة والإعراض عن كلام الله عز وجل.
وكثیر من المقرئین والمرتلین یقضون حیاتھم في الاشتغال بمخارج الحروف، والتفنن في الترنیم والتغني بالقرآن، والتنافس فیما بینھم على المراتب الأولى من حیث عدد المستمعین والمعجبین بقراءاتھم، مما یفضي ببعضھم إلى الوقوع في العجب والریاء. وھذا لون آخر من ألوان الإعراض عن جوھر القرآن، وروح رسالته الخالدة.
وأختم ھذه الأمثلة بالمثال المتعلق بأولئك الذین یكثرون من إقامة الندوات والمؤتمرات، والأیام الدراسیة حول القرآن، أو الإشراف على طباعته وتوزیعه على المسلمین، بینما سلوك كثیر منھم یتنافى مع دستور القرآن وأخلاقه وتعالیمه؛ قال الله تعالى :" أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ " (البقرة:44).
لایسعني، وأنا تحت وطأة ھذا الحال النفسي المؤلم بسبب تلك الرؤیا المحزنة، أن أذكر إخواني المسلمین بمحبة القرآن وإكرامه بقراءته وتدبره، والتخلق بأخلاقه وتعظیمه. وأن یكون لكل واحد منا ورد قرآني یومي یحافظ علیه، كي یظل متصلا بخالقه سبحانه.

 

د.عبد الله الشارف، كلیة أصول الدین تطوان، جمادى الثانیة 1439 – مارس 2018

الكافر لا عقل له

0

الكافر لا عقل له


بينما كنت أقرأ القرآن إذا استوقفني قول الله تعالى: "وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ" (الملك:10)  

فقلت سبحان الله: الكافر يعترف يوم القيامة بعدم امتلاكه للعقل. ثم بدأت أنظر في الآيات المتعلقة بهذا السياق، فوجدتها كثيرة منها قوله تعالى: "تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ " (الحشر:14). وقوله عز وجل: "أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" (الفرقان:44). وقوله سبحانه: "وَإِذَا نَادَيْتُمُ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُؤا وَلَعِبًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ" (المائدة:60).
إن هذه الآيات ونظائرها، تشير إلى أن الله عرّى الكافر من العقل؛ أي جرّده منه، إذ لو كان عاقلا لآمن واتبع الهدى، وهذا مقياس وحقيقة، وجوهر العقل والتعقل، في القرآن. أما مقياسه وجوهره فيما سوى ذلك؛ فهو الضلال المبين. فهل يعتبر لينين، أوستالين، أو هتلر، أو بوش، أو ترامب وغيرهم من أهل الكفر والضلال والافساد، عُقلاء ؟ 
وروي عن النبي ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله، ما أعقل فلاناً النصراني فقال: «مَهْ إنّ الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى: "وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىۤ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ"»، وفي حديث ابن عمر: فزجره النبي ﷺ، ثم قال: «مَهْ فإن العاقل من يعمل بطاعة الله» (ذكره الترمذي الحكيم أبو عبد الله بإسناده).
والغريب أن الفلسفات بدءا من فيتاغورس، ومرورا بأفلاطون وأرسطو... و هيجل وهيدجر وكل فلاسفة العقل، كانوا ولا يزالون يخبطون خبط عشواء، حتى أنكرو وجود الإله، بل أعلنوا موته ( فريدريك نيتشه)، ثم قالوا بموت الإنسان (ميشيل فوكو)... وقال إميل دوركايم بالعقل الجمعي، ثم قال ليفي ستراوس بالعقل البنيوي، وقال آخرون بالعقل الأداتي، والعقل الالكتروني،والعقل الافتراضي. وكل واحد منهم يدّعي وصلاً بليلى، وليلى لاتُقر لهم بوصل.
وبين الذكاء والعقل خصوص وعموم؛ فليس كل ذكي عاقلا بينما كل عاقل ذكي. كما أن الذكاء مشترك بين كثير من الحيوانات والإنسان الكافر، بينما العقل يختص به الإنسان المسلم الصالح.
ومن ناحية أخرى، لا ينبغي الخلط بين العقل والذكاء؛ إن الغربيين المعاصرين أذكياء، لأنهم اخترعوا وكتبوا في العلوم  والمعارف، وصنعوا الحضارة المادية، لكنهم ليسوا عقلاء لكونهم كفروا بالله، وظلموا وفسدوا في الأرض، و حاربوا المؤمنين، فليس لهم من العقل مثقال ذرة، بل لا إرادة لهم، لأنهم مَسُوقين من قبل الشياطين، قال الله تعالى: " أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا" (مريم:83) 
لقد سَوَّدَ الفلاسفة، والمناطقة، والملاحدة، والحداثيون آلاف الصفحات، متحدثين عن العقل، فلم يحيطوا به، بل لم يتفقوا على تعريف واحد له، فاللاحق منهم ينتقد السابق، ويسفه عقله ويجرده منه.
والمدرسة العقلية والعقلانية، كان لها صولات وجولات، ثم اضمحلت باغتراب العقل أو موته.
والخلاصة أن العاقل هو المؤمن الصالح الذي يأتمر بأوامر الله، ويجتنب نواهيه و يسعى في خير ومصلحة العباد.

 

د.عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان، رجب الخير1439/ مارس 2018.

مسلم يشكو قسوة قلبه

1

مسلم يشكو قسوة قلبه


ذات يوم من الأيام، لقيني أحد الأساتذة الأصدقاء، فكان الحديث بيننا ذو شجون. وبينما نحن نتنعم بحلاوة الكلام ولطافته، إذ باغتني بقوله: "إنني يا صديقي، أعاني قساوة القلب، حيث يستثقل قلبي العبادة والطاعة لله، وأشعر بافتقار شديد إلى الحد الأدنى من الرغبة الضرورية للإقبال على خالقي. فهل من نصيحة تنصحني بها؟ " فنصحته معتمدا على الكتاب والسنة وأخبار بعض الصالحين والعباد من السلف الصالح. وخطر ببالي وقتئذ أن أحرر مقالا في الموضوع أو النازلة. ومرت شهور بل سنوات، إلى أن من الله علي، بعدما تنفس صبح هذا اليوم المبارك، بتحرير الخاطر وإنجاز الوعد.

إن الانسان عندما يصاب بمرض ما فإنه يبادر باستعمال الدواء، وإذا كان قلقا نفسيا لسبب مادي أو معنوي، تجده يفكر ويبذل قصارى جهده للتخلص من ذلك القلق. وإذا كان عازما على اجتياز امتحان معين، أو المشاركة في مباراة التوظيف، فإنه يستعد لذلك ويقوي رغبته وهمته.
إن العامل المشترك من وراء هذه المواقف الثلاثة هو الخوف، أي خوف الإنسان على نفسه الهلاك أو الموت، في حالتي المرض ومعاناة القلق، وخوفه من الرسوب في حالة الامتحان أو التوظيف. فالشعور بالخوف هو الذي يحفز ذلك الإنسان، ويدفعه للتفكير والبحث في الوسائل والطرق المؤدية إلى التخلص من معاناة المرض، أو النجاح في الامتحان أو مباراة التوظيف. وإذا انعدم الخوف، أهمل الإنسان المرض إلى أن يهلك أو يموت، أو قصر في الاستعداد للامتحان والمباراة، فتضيع فرصة النجاح.
إن عنصر الخوف أمر ضروري وأساسي في مثل هذه الحالات أو ما يشبهها، وإلا لفسدت الحياة ولأصابها اختلال واضطراب، وهو ما يلاحظ كثيرا في المجتمعات التي يسود فيها الظلم والجهل والفساد.
وشاء الله الحكيم الرحيم، أن ينبعث منبه الخوف في كيان الإنسان، عندما تعتريه تلك الأحوال المذكورة وغيرها مما ينتظم في سلكها. بيد أن هناك حالا عظيما وخطيرا، يهيمن على الإنسان وقد يفتك به، ومع ذلك لايشعر صاحبه بالخوف منه. إنه حال أو مرض الغفلة والإعراض عن الله، إنها قسوة القلب (موضوع النازلة). هذا المرض الخطير الذي استفحل وانتشر بين المسلمين وأتى على الأخضر واليابس.
إن المسلم الغافل عن عبادة الله، وعن القيام بواجباته ومسؤولياته، أي المقصر في حقوق الله وحقوق عباده، قد تجده يحسن الظن بنفسه وبربه، في حين أنه بعيد عن خالقه بسبب غفلته وقساوة قلبه، وإن صلى، وصام، وحج واعتمر. وبما أنه لا يشعر بالخوف مما هو فيه من الرعونة والغفلة، وعصيان الخالق وقساوة القلب، فلا يرجى شفاؤه وتوبته إلا أن يشاء الله، فيتداركه برحمته.
إن الخوف ينبعث تلقائيا في باطن الإنسان، عندما يتعلق الأمر بالأحوال والأعراض التي أشرت إليها آنفا. أما فيما يخص مرض الغفلة والإعراض عن الله سبحانه، فإن منبه الخوف غالبا ما يكون غائبا عن قلب المسلم، ولذا تجد أكثر الناس غافلين معرضين كما أخبرنا القرآن الكريم.
فالخوف الأول تلقائي وطبيعي، يداهم الإنسان المصاب ويزعجه وينبهه، فتجده يبحث عن
الدواء في حال المرض الجسدي، أو يفكر في طرق التخلص من معاناة القلق وغيره، مما هو نفسي، والبحث عن السبل المؤدية إلى النجاح في أمر ما، أو التغلب على مشكلة من المشاكل.. إلخ.
أما الخوف من الله المؤدي إلى التوبة، واجتناب الغفلة، وسلوك الصراط المستقيم، فلا سبيل للظفر به واستحضاره، إلا بمجاهدة النفس من خلال اتباع أوامر الله، واجتناب نواهيه والتسنن بسنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ولزوم الذكر والمراقبة والمحاسبة والمرابطة، وغيرها من الوسائل الإيمانية التي تجلب التقوى والإنابة إلى الله.
ولو قدر للإنسان أن يرى النار بأم عينيه، ويشاهد الغافلين والعصاة من الناس يعذبون فيها، لامتلأ قلبه خوفا من عذاب الله وبطشه، ولأناب إليه وعبده حق عبادته.
ولما كان هذا الأمر متعذرا بل مستحيلا، لأن النار غيب والجنة غيب، جعل الله عز وجل للمسلم وسيلة الذكر، والتفكر،والتدبر، لاستحضار الغيب في القلب، كي ينبعث منه الخوف. فعين الإنسان في الدنيا لا ترى الغيب، ابتلاء من الله، لكن عين قلبه تراه إذا كان هذا الإنسان مسلما، واجتهد في جلب الخوف إلى قلبه من خلال الذكر والتفكر؛ قال تعالى :"الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض" (آل عمران 191).
إن الخوف المطلوب إذن، ليس خوف إقرار واعتراف، أي أن يقول المسلم بلسانه؛ أنا أقر وأومن بعذاب جهنم، وأخشى الوقوع فيه. وإنما المطلوب هو الخوف المزعج المقلق، أو خوف الذوق والممارسة الذي يملأ قلب صاحبه، حتى يغدو كأنه ينظر بعينيه إلى الجنة والنار.
إن المسلم الغافل عن الله، يخاف خوف الإقرار والاعتراف، وهو خوف لا أثر له في قلبه وسلوكه، إنما مجرد إيمان واعتقاد بارد لا روح فيه، وهذا لا ينفع صاحبه.
إن الله من خلال آيات الوعيد التي تتحدث عن هول القيامة، والمحشر وعذاب النار، يخوفنا بالعقاب لنخوف أنفسنا. فالمقصد من الوعيد؛ هو إحداث الخوف في القلب لتحصل الإنابة، ولا وسيلة لإحداث هذا الخوف إلا التخويف. والتخويف آلية أو عملية نفسية إرادية، يمارسها المسلم بالذكر، والتفكر، والتدبر، ومجاهدة النفس ومحاسبتها، ومراقبتها، وهو ما يعبر عنه القرآن بتزكية النفس، "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" (الشمس 9-10).
إن الخوف المزعج والمقلق شرط لازم لحصول التوبة والإنابة، وهو الغاية من تكرار آيات الوعيد في القرآن الكريم، كما أن هذا الخوف هو الذي عبر عنه الصحابة والتابعون وغيرهم من الأتقياء، ببكائهم عند قراءة القرآن، وبخشيتهم وتعظيمهم لأوامر الله ونواهيه.
إن المسلم مأمور بتخويف نفسه كي ينقذها من النار، بل التخويف واجب عليه وفرض عين. وعندما يتكلف المسلم الصادق التخويف، ويستعمل أسبابه، ويمارسه بصدق وإخلاص، يمن الله عليه بالخوف المطلوب، فتقوى حرارته في قلبه، ويحصل خشوع القلب والجوارح، ثم ينشط للعبادة والذكر والمناجاة.
قد ينعم الله على عبده بالخوف المطلوب تفضلا، ويدنيه منه تكرما. أو قد يباغته هذا الخوف ويستولي على قلبه لسبب من الأسباب. لكن العبد إذا لم يكرمه الله بنعمة هذا الخوف تفضلا، ولا هجم على قلبه بغتة، لا عذر له إذا ترك التكلف للتخويف، وجلب الخوف المقصود إلى قلبه، من خلال الوسائل الإيمانية التي أمر بها الشارع، ونص عليها في كتابه، وبينتها السنة النبوية الصحيحة.

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب /رجب الخير 1439- مارس  2018.

"مؤسسة راند" الأمريكية والحداثيون العرب

0

مؤسسة راند الأمريكية والحداثيون العرب


"مؤسسة راند مؤسسة بحثية أمريكية‏،‏ قريبة جدا من صانع القرار الأمريكي‏، فيما يتعلق بقضايا الإسلام والعالم الإسلامي‏..‏ وفي التقرير الذي أعدته هذه المؤسسة سنة 2004 ـ أي في العام الذي بلغ ذروة الهجمة الأمريكية على العالم الإسلامي بعد غزو أفغانستان والعراق ـ والذي ترجم ونشر تحت عنوان (خطة أمريكية لإعادة بناء الدين الإسلامي). جاء فيه تقسيم تيارات الفكر في العالم الإسلامي إلى أربعة تيارات هي:
1 ـ تيار الأصوليين: الذين يرفضون قيم الثقافة الغربية.
2 ـ تيار التقليديين: الذين يريدون مجتمعا محافظا, وهم في ريبة من الحداثة والتغيير.
3 ـ تيار العلمانيين: الذين يريدون أن يقبل العالم الإسلامي الفصل بين الدين والدولة.
4 ـ تيار الحداثيين: الذين يريدون العالم الإسلامي جزءا من الحداثة الغربية، ويريدون تحديث الإسلام ليواكب العصر.
ثم تطلب هذه الخطة من صانع القرار الأمريكي: دعم الحداثيين العرب, لأنهم الأكثر إخلاصا في تبني قيم وروح المجتمع الغربي الحديث.. ولأنهم مع العلمانيين العرب الأقرب إلى الغرب في ضوء القيم والسياسات. ومن بين ميادين الدعم الأمريكي المقترح لهؤلاء الحداثيين العرب: تشجيع تأويلهم للنص القرآني الحرفي الذي نعتبره (أي يعتبره الأمريكان) ـ تاريخا وأسطورة!!. أما آليات الدعم الأمريكي لهؤلاء الحداثيين العرب, كما أشارت إليها هذه الخطة الأمريكية, فهي:
أ ـ نشر وتوزيع أعمالهم ـ في شرح وطرح الاسلام ـ بتكلفة مدعمة.
ب ـ تشجيعهم على الكتابة للجماهير والشباب.
ج ـ تقديم آرائهم في مناهج التربية الإسلامية المدرسية.
د ـ إعطاؤهم منصات شعبية للتواصل مع الجماهير.
هـ ـ جعل آرائهم وأحكامهم في القضايا الكبيرة للتأويل والفهم الديني متاحة للجمهور حتى يمكن أن تنافس آراء وأحكام الأصوليين والتقليديين.
و. تيسير وتشجيع الوعي بالتاريخ السابق على الإسلام، والثقافة اللا إسلامية.
ز ـ تشجيع تأويلهم للنص الديني الحرفي الذي نعتبره تاريخا وأسطورة.
ثم انتهى هذا التقرير الأمريكي الكاشف عن مواقع الحداثيين العرب من مخططات الامبريالية الأمريكية المعاصرة ـ إلى القول بضرورة إعادة بناء الدين الإسلامي.."

هكذا يخطط أعداء الاسلام لضرب المسلمين، وتدمير هويتهم، وثوابتهم الدينية والتاريخية والحضارية. ثم يتهمونهم بالإرهاب. ومتى كان الضعيف يرهب القوي ؟ وهل يخيف الأسد مواء القط أو ثغاء الشاة؟ إن الإرهاب الأمريكي والغربي المسلط على المسلمين باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، أعظم جريمة إنسانية يمارسها هؤلاء الغربيون الصليبيون. ومما يؤسف له أن كثيرا من المسلمين قد انساقوا مع هذا المخطط الأمريكي الإرهابي الرهيب، وتفاعلوا معه بطريقة أو أخرى. ومن أمثلة هذا التفاعل؛ تجرد بعض المسلمين من المظاهر والأوصاف والسلوكات التي تدل على الاسلام السني الملتزم، خوفا من أن يتهمو أو يقذفوا بالإرهاب !! ومن الدواهي المدهية والمصائب المبكية التي ابتليت بها بعض المجتمعات المسلمة؛ سكوت المسؤولين في هذه المجتمعات عن كلام وطعون الحداثيين والعلمانيين في الكتاب والسنة وثوابت الأمة من جهة، وتضييق الخناق على العلماء الغيورين والدعاة الصادقين، ومنعهم من القيام بواجبهم من جهة أخرى، مما يعمل على ترجيح كفة الفساد والانحراف الفكري والعقدي بين المسلمين.

 

د.عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب/ رجب الخير 1439-مارس 2018.

رؤية قرآنية مُحزنة

0

رؤية قرآنية مُحزنة


انتبهت من نومي هذه الليلة؛ ليلة الاثنين 23 جمادى الثانية 1439، حزينا وقلبي يعتصره الألم والأسى بسبب رؤيا أليمة وموجعة؛ حيث رأيت في منامي أني أسير في حي النيارين بالمدينة العتيقة في تطوان، وإذ بأذني تلتقط أصوات أطفال يقرأون القرآن، فطربت روحي وعزمت على زيارة هذا الكُتاب، وأدخلت يدي في جيبي وأخرجت ورقتين نقديتين من فئة 20 درهما كي أمنحها للفقيه.

وكان هذا الكتاب القرآني من بين الكتاتيب التي أقيمت في مدينة تطوان وغيرها من المدن المغربية قبل فترة الاستعمار وخلالها، لكن لما خرج المستعمر وأقبل الاستقلال يحمل تباشير الحرية والتنمية والبناء...، لم يلبث الحال أكثر من عقد من الزمان حتى بدأ عقد تلك الكتاتيب المتلألئة ينفرط، وصار عددها يقل تدريجيا، إلى أن لفظت أنفاسها وفنيت في نهاية السبعينيات أو مطلع الثمانينيات؛ حيث بدا أن هذا القطاع التعليمي الرباني لايتناغم مع ثقافة وعقلية المستغربين، من المسؤولين على التربية في بلادنا، الذين شربوا لبن المستعمر ونشأوا في أحضان ثقافته.

وهل كان بقاء هذه الكتاتيب واستمرارها يضر التعليم الابتدائي والثانوي الحالي؟ أم يشكل رافدا قويا ومتينا على مستوى اللغة العربية، والقيم الأخلاقية الرفيعة، وثوابت الهوية والحضارة المغربية؟

لكن أبى الفرانكوفونيون المتفرنسون من خلال الازدواجية اللغوية العقيمة، وإدراج نصوص القيم الغربية العلمانية في الكتاب المدرسي (مادتا اللغة الفرنسية والفلسفة) وتضييق الخناق على كل ماله علاقة بالقيم الدينية والتراثية...، إلا أن يقيموا القطيعة المعرفية والقيمية، بين التلميذ والطالب المغربي وبين أصالته وهويته.

أعوذ إلى الرؤيا وأقول: ولجت باب الكتاب وما أن أرسلت نظري إلى الأطفال الحفظة والفقيه حتى هالني عدم وجود حصير مفروش للجلوس عليه كما هو مألوف ومعتاد، ولون أرض الكتاب أخضر مفتوح. بل الأدهى والأمر أني رأيت هؤلاء الأطفال قد افترشوا الألواح وجلسوا عليها، وألواح أخرى يسندون ظهورهم إليها، وكل تلك الألواح مسطرة بالآيات القرآنية!!

وعندما دنوت من الفقيه، وكان شابا في الثلاثينيات من عمره، أخذ لوحا كبيرا قد كتب فيه ربع الحزب أو يزيد، ووضعه على الأرض، ثم  أومأ إلي بالجلوس عليه فقلت له مستنكرا: كيف أجلس على لوح كتب فيه القرآن، فابتسم ثم طأطأ رأسه وأطرق صامتا بعد ما قرأ في وجهي أمارات الغضب والاستنكار... فاستيقظت مذعورا وقلبي كله يرجف من هول ما أبصرت وأدركت. لقد ضعضعني وهدّ كياني مارأيت، وأقضت الرؤيا مضجعي، وأطارت الرقاد عن عيني.

لاعلم لي بتأويل الرؤى، بيد أنه وقع في خاطري عقب انتباهي من النوم أننا، معشر المسلمين، إلا من رحم الله، لم نهجر القرآن فحسب، وإنما أهناه وسخرنا منه والعياذ بالله. ومظاهر هذا السلوك والموقف المشين والمخزي من كلام الله سبحانه، أكثر من أن تحصى. فقول القائل اليوم مثلا؛ إن بعض أحكام القرآن لاتصلح لزماننا وحياتنا المعاصرة، مظهر من تلك المظاهر المخزية.

وتزيين جدران المساجد والبيوت بالآيات القرآنية، مع عدم تعظيمها والعمل بأحكامها، استهزاء بكلام الله أيضا. والتباهي بامتلاك نسخ للقرآن مخطوطة أو ناذرة نفيسة، وعرضها في المعارض والمتاحف، والإعجاب بخطها وجمال تجليدها، وألوان زخرفتها؛ أي الاهتمام بمظهر تلك النسخ وجمالها المادي وتجاهل جمال القرآن وبعده الروحي والرسالي، مظهر آخر من مظاهر السخرية والاستهزاء بكتاب الله سبحانه.

وكذلك الاستماع إلى القرآن في المآتم وبعض المناسبات، والمواسم البدعية، والإعراض عن قراءته والاستماع إليه، والعمل به في الحياة اليومية، ضرب آخر من ضروب السخرية والاعراض عن كلام الله عز وجل.

وكثير من المقرئين والمرتلين يقضون حياتهم في الاشتغال بمخارج الحروف، والتفنن في الترنيم والتغني بالقرآن، والتنافس فيما بينهم على المراتب الأولى من حيث عدد المستمعين والمعجبين بقراءاتهم، مما يفضي ببعضهم إلى الوقوع في العجب والرياء. وهذا لون آخر من ألوان الاعراض عن جوهر القرآن، وروح رسالته الخالدة.

وأختم هذه الأمثلة بالمثال المتعلق بأولئك الذين يكثرون من إقامة الندوات والمؤتمرات، والأيام الدراسية حول القرآن، أو الإشراف على طباعته وتوزيعه على المسلمين، بينما سلوك كثير منهم يتنافى مع دستور القرآن وأخلاقه وتعاليمه؛ قال الله تعالى :" أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ " (البقرة:44).

لايسعني، وأنا تحت وطأة هذا الحال النفسي المؤلم بسبب تلك الرؤيا المحزنة، إلا أن أذكر إخواني المسلمين بمحبة القرآن وإكرامه بقراءته وتدبره، والتخلق بأخلاقه وتعظيمه. وأن يكون لكل واحد منا ورد قرآني يومي يحافظ عليه، كي يظل متصلا بخالقه سبحانه، حتى يلقاه وينعم بالدخول في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أهل القرآن أهل الله وخاصته "(رواه ابن ماجة وأحمد).

 

د.عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان، جمادى الثانية 1439 – مارس 2018.

قراءة في علمانية حقوق الإنسان

0

قراءة في علمانية حقوق الإنسان


إن موضوع حقوق الإنسان، بشكله ومضمونه، وبمنطلقاته وغاياته، موضوع سياسي، وقانوني، واجتماعي، وثقافي، من إنتاج ومعطيات الحضارة الغربية المعاصرة. كما أنه يرجع من حيث النشأة والتأسيس، إلى الثورة الفرنسية التي عملت على إرساء الثالوث المقدس: "المساواة، الأخوة، الحرية". إذ قبل هذه الثورة، كان الإنسان الأوربي يعاني الظلم والقهر والجهل، وكل ألوان الاستغلال بسبب طغيان الكنيسة، واستبداد الحكام المتواطئين معها.

ولقد عكف رجال القانون والسياسة والفلسفة، بدءا من زمن الثورة الفرنسية، على معالجة موضوع الإنسان وحقوقه، والدفاع عن شخصه وكرامته. فألفت الكتب، ونشرت المقالات، وألقيت الخطب والمحاضرات، وعقدت المجالس والمؤتمرات والندوات، وأبرمت المعاهدات والاتفاقيات، إلى أن وصل موضوع حقوق الإنسان إلى نسخته الأخيرة، ووضعيته النهائية التي عبرت عنها المواثيق الدولية في هيئة الأمم المتحدة.

ومن ناحية أخرى، فإن الإطار الفكري والثقافي والعقدي الذي احتضن هذا الحدث الإنساني، ورعاه ورسم معالمه، هو إطار الفلسفة والعقيدة العلمانية. ذلك لأن الأوربيين، بعد صراع مرير مع الكنيسة طيلة بضعة قرون، أقاموا قطيعة نهائية مع الدين، كأساس ومرجع في السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والتربية، والاجتماع.

ومن هنا، فإن موضوع حقوق الإنسان، يتأصل ويتجذر في أرضية فكرية وفلسفية علمانية محضة. كما أن مركزية الحضارة الغربية وفلسفتها التي تعلي من شأن الإنسان الغربي الأبيض، كان لها أثر عميق في صياغة وتوجيه هذا الموضوع. وبناء على هذه المعطيات البنيوية، فإن غاية "حقوق الإنسان" هي الدفاع عن الانسان الغربي وعن حقوقه، لا عن حقوق سواه. فعندما يقتل شعب فلسطين، أو العراق، أو سوريا... وتدمر القرى والمدن، فإن ذلك يعني الدفاع عن حقوق الإنسان الغربي المعتدى عليه من قبل هذه الشعوب المسلمة الإرهابية !!

وعندما تتدخل أمريكا في قيم وثقافة ودين المسلمين، وتفرض عليهم العلمانية، فإنها تفعل ذلك دفاعا عن حقوق الإنسان الغربي أيضا، وهكذا...

إن روح هذه العلمانية الخبيثة سرت في كيان المجتمعات الإنسانية؛ ثقافة، وقيما، وتربية، وسلوكا. ولذا فإن البشرية تئن تحت وطأة هذا الشر والكيد والمكر، الذي تحمل لواءه قوى الصهيونية والماسونية، وعبيدهما من الرأسماليين، والحكام، والمسؤولين الظالمين، في العالم أجمع.

ولقد خيمت روح هذا الداء الخبيث على ربوع البلدان الإسلامية،  بما في ذلك بلدنا ووطننا العزيز، مستهدفة ديننا، وقيمنا، وهويتنا، وحضارتنا. والمجالات التي تخللتها العلمانية في المغرب كثيرة، سأتناول في مقالي هذا مجالا منها، وهو مجال حقوق الإنسان في المغرب.

قرأت في مقال للكاتب اليساري النقابي محمد حنفي[1] ، تحت عنوان "العلمانية وحقوق الإنسان"، المنشور على صفحة الموقع الرئيسي لمؤسسة "الحوار المتمدن"، العدد 2447، 27-11-2008، يحرر فيه كلامه الذي وجهه إلى أعضاء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، حيث يقول:

" تحية نضالية لجميع الإخوان في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

تحية إلى الإخوان في المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

إننا ونحن نناضل داخل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، نعتبر أن النضال الحقوقي هو نضال علماني بالدرجة الأولى؛ لأن مرجعية الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي هي المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، هي مواثيق علمانية بدون منازع، وتاريخ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، هو تاريخ علماني، وارتباطات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، هي ارتباطات علمانية، وخاصة منها الأحزاب الديمقراطية، والتقدمية، واليسارية، والعمالية، وهي ارتباطات علمانية، وبدون التصريح بلفظ العلمانية. ولذلك لا نرى في طرح مفهوم العلمانية للنقاش إلا إبرازا لعلمانية حقوق الإنسان، المنتجة لعلمانية الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، المنتجة بدورها لعلمانية العلاقة مع الأحزاب الديمقراطية، والتقدمية، واليسارية، والعمالية، المنتجة بدورها لعلمانية النضال الديمقراطي الهادف إلى علمانية العلاقات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، التي بدونها لا يمكن السعي الى علمنة الدولة المغربية."

لا يخفى على ذي عقل لبيب أن روح هذا النص علمانية، وأن كاتبه مقتنع بالأطروحة العلمانية ومدافع عنها. إنه كاتب ومناضل في مجال "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، حيث يعتبر النضال الحقوقي، نضالا علمانيا بالدرجة الأولى، وذلك "لأن مرجعية الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي هي المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، هي مواثيق علمانية بدون منازع". كما يشير إلى أن "تاريخ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان... تاريخ علماني". ولهذا فهو يؤكد أن "جمعية حقوق الإنسان المغربية"، لا يسعها إلا أن تكون علمانية، لأنها تستمد روحها من "علمانية حقوق الإنسان".

" فعلمانية حقوق الإنسان، المنتجة لعلمانية الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، المنتجة بدورها لعلمانية العلاقة مع الأحزاب الديمقراطية، والتقدمية، واليسارية، والعمالية، المنتجة بدورها لعلمانية النضال الديمقراطي الهادف إلى علمانية العلاقات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، التي بدونها لا يمكن السعي الى علمنة الدولة المغربية."

وهكذا يفصح محمد حنفي عن الهدف النهائي لنضال وممارسة "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، الذي هو السعي إلى علمنة الدولة المغربية.

ويقول هذا الكاتب معرفا العلمانية: "العلمانية توجه فكرى علمي سياسي يهدف إلى اعتماد القيم الاجتماعية، والسياسية، والفكرية، والمسلكية، على أنها من إنتاج الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والعلمي، والمعرفي، والحقوقي، والإنساني، والسياسي، وأن الغيب غير منتج لها، وغير متحكم فيها، أو موجه للقيام بها".

إن كاتبنا المناضل يحافظ في تعريفه على روح العلمانية الأصلية، ويرفض أي لون من ألوان العلمانيات المرنة والمذاهنة، التي تتعامل أو تتكيف مع الوضع الاجتماعي والديني القائم. ولذا فهو يدعو، متأسيا بأساتذته العلمانيين الغربيين، إلى فصل الدين عن الدولة؛ اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، حيث يقول في مقاله:

" علينا أن نلح على ضرورة الفصل بين:

1) الديني والاقتصادي، لأن الدين، وانطلاقا من نصوصه المختلفة، يعتبر أن ما ينتجه الإنسان من خيرات مادية، من خلال ممارسة الزراعة، والصناعة، والتجارة، وتقديم مختلف الخدمات، هو رزق من عند الله، ليصير المحرومون من حقوقهم في ذلك الإنتاج، تحت طائلة القدر، فكأن القدر هو الذي يعطي، وهو الذي يأخذ. ولذلك فالفصل بين الديني، والاقتصادي يعتبر مسألة علمانية بالدرجة الأولى.

2) الديني والاجتماعي، لأن الدين يعتبر العلاقات الاجتماعية صياغة دينية، والحقوق الاجتماعية قدرا دينيا، الأمر الذي يترتب عنه كون الممارسة الاجتماعية على مقاس الدين السائد في المجتمع. وهو ما يعني ضرورة سيادة الفصل في المجتمع، أي مجتمع، بين الديني والاجتماعي، حتى تصير العلاقات والقيم الاجتماعية علمانية، ويصير الدين شأنا فرديا، يساهم في تقويم ممارسة الأفراد، دون أن يؤثر ذلك في علمانية المجتمع ككل."

يتبين من خلال هذا النص، أن محمد حنفي يتبع أساتذته حذو النعل بالنعل، لكي يصل رفقة المناضلين الحقوقيين، إلى النتيجة التي وصل إليها أولئك الأساتذة، وهي: " أن العلمانية ممارسة يومية، تعمل على تحرير الاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، والسياسة من أسر الغيب، مهما كان هذا الغيب، وتجعل من كل ذلك شأنا بشريا، واختيارا حرا، ونزيها للإنسان الذي يصير أمره بيده، بسبب علمنة مجمل العلاقات القائمة في المجتمع، التي تصير مفصولة عن الدين، ووسيلة لتطور مختلف المجالات، ليبقى الدين شأنا فرديا".

ثم يقول:

"وفي هذا الأفق، لا بد من العمل على:

1) تفكيك منظومة القيم الاقتصادية، التي تعتمد المصدر الغيبي في الحصول على الإنتاج الاقتصادي المستجيب لحاجيات الأفراد، والجماعات، والشعوب، والدول، وإقامة منظومة بديلة، تجعل الإنسان هو مصدر ذلك الإنتاج (...) حتى تزول قيم الغيب، وبصفة نهائية من العلاقات الاقتصادية القائمة في المجتمع.

2) تفكيك منظومة القيم الاجتماعية، التي تحكم العلاقات الاجتماعية، باعتبارها منتوجا غيبيا، ما على الإنسان إلا أن يتقبله، والعمل على تسييد منظومة بديلة، تجعل العلاقات الاجتماعية، علاقات إنسانية بالدرجة الأولى.

 3) تفكيك منظومة القيم الثقافية، التي تحكم المسلكية الفردية، والجماعية، باعتبارها قيما ثقافية غيبية، ترتبط بالدين من جهة. وبأدلجة الدين من أخرى، والنضال من أجل تسييد قيم ثقافية بديلة، لا مرجعية فيها إلا للإنسان المنتج لثقافته."

يستنتج من كلام الكاتب الحقوقي محمد حنفي، أن موضوع حقوق الإنسان هو موضوع علماني قبل أن يكون موضوعا اجتماعيا، أو سياسيا، أو ثقافيا. والروح العلمانية، التي هي جوهره، ينبغي أن تظل مصاحبة له طوال حياته، وإلا فإن هذا الموضوع لن يتحقق أبدا في أرض الواقع.

بيد أن كاتبنا الحقوقي هذا نسي أو تناسى، أن المغرب والبلدان الإسلامية، لها مرجعها القرآن، الذي ينص على حقوق الإنسان مهما كان جنسه أو دينه، بخلاف حقوق الإنسان المؤسسة في الغرب، والتي تدافع عن الإنسان الغربي وحده، كما أشرت وتشير الأحداث والوقائع اليومية.

ثم إن كاتبنا يربط ربطا بنيويا بين العلمانية والدفاع عن الإنسان، والحالة أن العلمانية ليست شرطا لازما لتأسيس هذا الدفاع وممارسته. إذ التاريخ يثبت أن الأديان السماوية؛ اليهودية، المسيحية (في نصوصهما المقدسة الصحيحة) ، الإسلام، هي التي أعلنت عن حقوق الإنسان الحقيقية والفطرية، ودعت إلى تكريمه وإقامة كل ما يوفر له الأمن والسعادة. ولنا في تاريخ الإسلام المشرق أعظم مثال على ذلك، بخلاف العلمانية التي نتج عنها ما لا يحصى من الويلات والمصائب والكوارث؛ كالحربين العالميتين، والإرهاب في روسيا والصين، زمن التمكين للنظام الشيوعي في النصف الأول من القرن الماضي، الذي ذهب ضحيته عشرات الملايين من البشر. كما أن الظلم والقتل، وانتهاك حقوق الإنسان المسلم اليوم، يمارس باسم حقوق الإنسان المؤسسة على العلمانية والمركزية الغربية. ومن الشواهد والأدلة على هذا؛ حرب الإبادة التي تقوم بها روسيا وأمريكا وحلفاؤهما في سوريا، وما وقع في العراق قبل ذلك أيضا من قتل للمدنيين الأبرياء، ودمار للمدن والقرى ظلما وعدوانا، باسم حقوق الإنسان، القائمة على حماية حقوق الانسان الغربي وحده، صاحب الحضارة والمدنية ؟!!  والديمقراطية ؟!! وحقوق الإنسان ؟!!

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1439-فبراير 2018.

 

 


[1] - من مواليد مراكش -  المغرب  سنة 1946، تخرج من كلية الدراسات العربية – جامعة القرويين سنة 1971 ،ناضل في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مند سنة 1965، ساهم في بناء الاتحاد الاشتراكي – اللجنة الإدارية الوطنية الذي تحول فيما بعد إلى حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي. عضو اللجنة المركزية لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي(المكتب السياسي ). ناضل في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب خلال سنوات 1968 – 1969 – 1970 –1971 ،يناضل في إطار الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.


نشر مقالات ميدانية في جريدة المحرر المغربية خلال السبعينيات و في جريدتي الطريق و المسار خلال الثمانينيات. نشر العديد من المقالات في جريدة البيان و في جرائد أخرى. مهتم بالشأن النقابي و الإسلامي و الحقوقي و بقضية المرأة.

"النسـاء الحَمَّـالات"

0

النساء الحمالات


لايختلف اثنان عاقلان في أن المغرب من بين أبرز البلدان في العالم الثالث، التي يمارس فيها الظلم، والاستغلال، والاستعباد، بموازاة مع الخطاب الديمقراطي، وحقوق الانسان، والحرية.

وإذا كان الرجل الفقير في المغرب، وباقي البلدان العربية والإسلامية المتخلفة، يعاني القهر والظلم والتهميش، فإن المرأة الفقيرة تعاني ضِعف ما يعانيه شقيقها الرجل. وإذا ما أجرينا مقارنة بين وضع المرأة النفسي والاجتماعي زمن الاستعمار، وخلال العقدين الأولين من الاستقلال، ووضعها بدءا من الثمانينيات وإلى الآن، نجد هناك فرقا هائلا وكبيرا.

إن الأسرة المغربية زمن الاستعمار، لم تكن تعاني التفكك، والأزمات، ومشاكل الطلاق، أو مشاكل تربية الأبناء، وغيرها من المشاكل، باستثناء قضية الأمية. وكان البيت المغربي بيتاً متماسكا، قوي الأركان مهما كان وضعه المادي. وكانت الثقافة والتقاليد المغربية المحافظة، تحفظ هذا البيت من الاضطراب والتصدع. وظل الوضع كذلك إلى حدود السبعينيات من القرن الماضي.

ومع حلول الثمانينيات، اشتد لهيب آلة التغريب، وذلك على يد المستغربين الذين تسلموا معاولها من المستعمرين، فتغيرت معالم المجتمع المغربي، وأصاب التغريب تدريجيا، كل النواحي الاجتماعية والثقافية. وفي هذا الإطار، بدأت مشاكل الأسرة المغربية في اطراد وتصاعد، وقويت الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن؛ وما أعقب ذلك من تفشي البطالة والجريمة، والتفكك الأسري، والفقر والجهل، مع انحسار القيم والأخلاق، وتدهور العوامل المسؤولة عن تماسك الأسرة وثباتها.

ومن ناحية أخرى، فإن جشع أصحاب المعامل، والشركات، والمقاولات، جعلهم يستغلون العمال والعاملات، استغلالا فاحشا، ويستخدمونهم في أشغال، جلها قاسية مقابل أجور زهيدة، مع حرمانهم من كثير من الحقوق.

ثم إن الثقافة الحديثة المستوردة من أوربا، والتي استهدف بها المستغربـون- من أعضاء الحكومات المتعاقبة، والمسؤولون السياسيون، والتربويون، والاعلاميون، والمثقفون الحداثيون- ثقافـة المغرب وهويته الدينية، والحضارية والتاريخية، أثرت سلبا في بنية الأسرة المغربية، وأرغمتها شيئا فشيئا، على تقبل القيم الغربية المادية المفكِّكة لأصول وثوابت الأسرة المحافظة.

ومع ذلك فإن الأسرة المغربية، كباقي الأسر في العالم الاسلامي، تتحمل بالدرجة الأولى مسؤولية تفككها وانحرافها عن القيم والمبادئ الأخلاقية والدينية، إذ لولا قابليتها للتفكك والانحراف لما أصابها ذلك. ومن هنا فإن من يمارس الفساد أويُسهم فيه، سواء كان قويا أم ضعيفا، يكون مريدا لذلك ومسؤولا عنه بغض النظرعن الظروف. وقد تكون الأسرة المغربية التي تحافظ على قيمها الدينية والأخلاقية، سابحة ضد التيار التغريبي، أشد معاناة من تلك التي آثرت التفسخ والانحراف.

إن المرأة المغربية "الحمّالة"، التي لجأت إلى هذا العمل القاسي اللإنساني، في مدينة سبتة السليبة، ليست بالضروري امرأة فقيرة؛ فقد صرح كثير من النسوة اللواتي يعملن منذ سنوات في تهريب السلع؛ من مواد غذائية وألبسة وغيرها، أن هؤلاء "الحمالات" يطمحن بشقائهن إلى الغنى السريع، لما في هذا العمل الحقير والدنيء من أرباح وفيرة. وهناك آلاف من النساء في إقليم تطوان، يقنعن بالعمل في الأشغال المتواضعة، وبالأجور الضعيفة في بلدهن، بدل المغامرة بأنفسهن في خطر العمل في التهريب، مع التعرض للإهانة، والسب، والضرب، من قبل الشرطة الإسبانية، وغيرها من الويلات والمصائب التي تحدث خلال التهريب.

إن هؤلاء النسوة "الحمالات" والمهربات، قد شاع خبرهن وانتشر في كل أوربا، وتناقلته الأخبار، لاسيما بعد موت بعضهن بسبب الأثقال والزحام والتدافع. إن هذه المناظر والمشاهد والصور اللإنسانية الأليمة، لتدمي قلب كل مغربي غيور على المرأة المغربية التي تهان كرامتها كل يوم.

إن النظام الرأسمالي الإمبريالي العولمي، الذي يمتص دماء الشعوب المستضعفة ويعتبر أبناءها عبيدا له وخولا،  ما كان ليقوم بأعماله الوحشية، لولا قابلية تلك الشعوب للاستعباد، ولولا تواطؤ المستكبرين والمسؤولين، في بلدان العالم الثالث مع رموز ذلك النظام الوحشي المدعي للديموقراطية والحرية.

إن كارثة "النساء الحمالات"، وغيرها من الكوارث اللإنسانية التي يشهدها العالم الاسلامي، المستهدف من قبل الصهيونية والإمبريالية الغربية، تدخل في إطار الزواج والتعاقد الحقير بين المستكبرين الرأسماليين الكبار، والمستكبريين الرأسماليين المحليين الصغار.

أما آن للمسؤولين، الذين ملأوا الأوراق والخطابات بالعدالة والتنمية، والديمقراطية وحقوق الإنسان، أن ينظروا في هذه الكارثة وغيرها من الكوارث، بعين العدالة والإنسانية والرحمة ؟!

أما آن لزمن الخطابات والشعارات أن يغيب وينمحي، ولزمن العدل والوعي والمساواة أن يُقبل ويسود؟!

 

د.عبد الله الشارف أستاذ علم الاجتمـاع بجامعة عبد المالك السعدي، تطوان / فبراير 2018

الأستاذ الديالمي والتبعية السوسيولوجية للغرب

0

الأستاذ الديالمي والتبعية السوسيولوجية للغرب


 

يقول السوسيولوجي المغربي د.عبد الصمد الديالمي: "إن الفكر السوسيولوجي رغم تبعيته أو بالأحرى بفضل تلك التبعية لسوسيولوجيا المركز يظل فكرا مستنيرا وعقلانيا قادرا على الانسلاخ والنقد".[1] هذا كلام دكتور سوسيولوجي وأستاذ جامعي مغربي، كلام يعبر عن اعتزاز وافتخار صاحبه بأهمية وجدوى تبعية السوسيولوجيا المغربية لسوسيولوجيا المركز أي الغرب.

كيف يمكن ممارسة الاستقلالية والحرية والنقد العلمي في الدراسات والأبحاث الاجتماعية تحت وطأة التبعية؟

إن السوسيولوجيين المغاربة الحداثيين والعلمانيين لا يسعهم؛ وقد أحدثوا قطيعة فكرية وثقافية مع التراث المغربي العربي الإسلامي والهوية المغربية القائمة على ثوابتها الدينية والحضارية والتاريخية، إلا أن يرتموا في حضن الثقافة الغربية الليبرالية والعلمانية، ويستوردوا منها المناهج والإيديولوجيات والفلسفات، التي من خلالها يتناولون المجتمع المغربي بالدراسة والتحليل، ووضع الخطط الكفيلة في رأيهم لتغييره، بعد الإجهاز على مقوماته الدينية والتراثية، وجعله ينخرط في عالم الحداثة على الطريقة الغربية.

هذا "ضرب في حديد بارد" كما يقول المثل العربي؛ وقد سبقهم إلى مشروعهم الفاشل، قبل بضعة عقود، زملاؤهم الاشتراكيون والبعثيون في مصر والعراق وسوريا وكانت الحصيلة: سراب في صحراء يَـبَاب.

د.عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الأولى 1439– يناير 2018

 

[1] - ملامح تطور السوسيولوجيا في المغرب، د.عبد الصمد الديالمي، مجلة المستقبل العربي، العدد 8 سنة 1985.

انتشار الإلحاد في أوساط الشباب والطلبة المغاربة

0

انتشار الإلحاد في أوساط الشباب والطلبة المغاربة


 

الجواب عن أسئلة متعلقة بالإلحاد وردت عليّ من جريدة هوية بريس الإلكترونية.

1- بداية ما هو الإلحاد ومن هم رموزه؟

الإلحاد مذهب فلسفي وعقدي، ظهر في أوربا مع انتشار المذاهب المادية والعلمانية التي نتجت عن الصراع بين العلماء وأصحاب الكنيسة قبل بضعة قرون.

وعملت الشيوعية على نشره في العالم، كما عمل على نشره الاستعمار الغربي، ثم الغزو الفكري، ثم العولمة الثقافية المعاصرة.

ومن رواده وأقطابه ومؤسسيه: ديكارت، وفولتير، وماركس، وانجلز، ودارون، ودوركايم، وسارتر.

وقد عمل اليهود على نشره في العالم من خلال المنابر الإعلامية، والجمعيات اللادينية الهدامة… للقضاء على الأديان والقيم، وذلك من أجل التحكم في العالم.

2- من هي الفئات التي ينتشر بينها الإلحاد؟

إن الفئات التي ينتشر فيها الإلحاد، هي فئات الشباب والطلبة، وبعض أدعياء الثقافة من العلمانيين والحداثيين.

3 - ما هي أسباب انتشار ظاهرة الإلحاد في المغرب؟

هناك أسباب كثيرة دفعت بهؤلاء إلى الإلحاد منها:

- وسائل الإعلام المسموعة والمرئية (الفضائيات).

- المواقع الإلكترونية المتخصصة في نشر الإلحاد.

- المواقع الإلكترونية المتخصصة في التنصير.

- الكتاب المدرسي مادة الفلسفة، بما يتضمن من نصوص فلسفية غربية، تدعو إلى التحرر من الدين والتراث.

- ضعف التربية على القيم الدينية والأخلاقية في المدرسة والجامعة والمجتمع…

- تراجع وانحسار دور العلماء في القيام بواجب الدعوة والرد على الملاحدة والحداثيين.

- تخلي الآباء والأمهات عن واجب التربية الدينية لأبنائهم، القائمة على محبة وتقديس الهوية الدينية والثوابت والأخلاق السامية.

- إعجاب الشباب وانبهارهم بالحضارة الغربية وتقمصهم للقيم الغربية الإلحادية واللادينية.

 4- كيف أثرت الموجة الإلحادية الغربية في شرائح من المجتمع المغربي؟

إن ضعف الإيمان والثقافة الإسلامية وانعدام التربية الاسلامية، إضافة إلى العوامل والأسباب المشار إليها، كل ذلك جعل من السهل أن يؤثر الإلحاد في ضعاف النفوس والعقول.

5- هل ترى أن الإلحاد سيحقق مزيدا من الاكتساح؟

إذا استمر الوضع الديني والثقافي في التدني والتدهور، فإن الإلحاد سيزداد انتشارا. لكن في رأيي لن ينال من صلابة هوية المغاربة، وتمسكهم بثوابتهم. بل أني أعتبر هذه الظاهرة “موضة” من الموضات، وقد سبقتها موضة الماركسية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ثم أفلت، وكثير من الملاحدة يتوبون ويرجعون، كما تاب ورجع كثير من المتمركسين من الشباب المغربي…

6- الرقابة ولت في زمن الثورة المعلوماتية ومواقع التواصل الاجتماعي.. في ظل هذه المستجدات ما هو دور وزارات الإعلام والتعليم والثقافة إزاء المد الإلحادي المنظم؟

لا ينتظر من وزارات الإعلام والتعليم والثقافة والأوقاف أن تفعل شيئا فيما يخص هذا الأمر، لأنه يتعارض مع حقوق الإنسان، وأهداف الانفتاح والتواصل مع الآخر، واحترام الأديان والعقائد. والله المستعان.

 

د.عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الأولى 1439- يناير 2018.

السوسيولوجيا العربية وإشكالية التراث

0

السوسيولوجيا العربية وإشكالية التراث


يعتبر موضوع التراث العربي، من الموضوعات الفكرية التي شغلت بال السوسيولوجيين العرب ما يقرب من قرن من الزمان. ولعل هناك شبه إجماع بينهم حول الصورة الجامدة الميتة التي يتصف بها التراث العربي الإسلامي، والذي ينبغي التخلص منه لكونه يعرقل في رأيهم مشروع التحديث والحداثة.

يقول الدكتور عبد القادر عرابي: "علم الاجتماع العربي الراهن ما زال يعاني من الإشكالات عينها التي عانى منها الرواد، أما الإشكالية الأولى فتتمثل في العلاقة بين علم الاجتماع والتراث. وقد وضحنا أن الفكر العربي يخضع لوصاية التراث والمجتمع، ولم يتجرأ حتى الآن على خوض الصراع مع المرجعية التراثية، التي تأخذ طابع المقدس في المخيلة العربية"[1].

ويقول أيضا: "المعروف أن نظرية الدين تحتل مساحة واسعة من أعمال دوركايم و فيبر الكالفيني المستقيم و غيرهما، وأن كليهما يرى أن علاقة الفرد بالمجتمع متأثرة بالدين. إن الواقع الرمزي للدين عند دوركايم هو جوهر الوعي الجمعي،وهو شرط التماسك الاجتماعي واستمرار النظام الاجتماعي. إن التدين عند دوركايم هو التسامي الاجتماعي، فالدين هو جوهر الاجتماعي. العقل الجمعي هو في جوهره عقل ديني. التعبيرات الدينية و المعرفة الدينية هما معرفة يومية. الوظائف الدينية تقوم بها بنى غير دينية، بمعنى أن القيم الدينية منصهرة في الحياة الاجتماعية. ولعل هذا سر نجاح أوربا، وهوأنها صهرت قيمها الأخلاقية في الحياة الاجتماعية. القيم الدينية عند دوركايم، الذي درس دور المقدس في تكوين المجتمع، تشكل الضمير الجمعي، وعند فيبر مصدر  التحديث والعقلانية. وعندما أقول القيم الدينية فأقصد بذلك دور هذه القيم في الحياة اليومية. أوروبا النهضة عرفت بثورتها الفكرية وغناها المعرفي، وما تزال هذه المرحلة حتى اليوم تشكل المرجعية الفكرية والمجتمعية، إنها مرجعية إنسانية وثقافية متحركة وغير جامدة. من هنا نرى أن أوربا لم تقطع روابطها مع الماضي قدر ما عقلنته، واتخذت من العقل والانسان مرجعية أساسية. مثل هذه المرجعية تمثلها العلوم الانسانية التي تجدد الفكر في ضوء القراءة المجتمعية."[2]

إن منطوق النص الأول ينقل الى القارئ معاناة السوسيولوجي العربي وهو يواجه عائق التراث الذي يشكل في نظره العامل الرئيس في إجهاض مشروع علم الاجتماع العربي، والحيلولة دون قيام مجتمع عربي متطور وحداثي. إن وطأة  التراث المقدس على نفسية وعقلية الانسان العربي لا يذيبها و لا يمحوها، إلا قوة التفكيك والنسف من الداخل، من خلال نشر ثقافة التحرر والنقد، ونزع القداسة عن التراث الديني.

وفي النص الثاني، يحاول الدكتور عبد القادر عرابي تقديم الصورة الحقيقية التي ينبغي أن يكون عليها الدين، مستلهما في ذلك نظرة إيميل دوركايم حول الدين. إن باحثنا السوسيولوجي يتبنى أسس النظرة الدوركيمية ،ويعتبرها النموذج الأمثل فيما يتعلق بالتفاعل بين القيم الدينية و البنية الاجتماعية بحيث تنصهر الأولى في الثانية،  وتذوب في العقل الجمعي. ومن هنا قوله: " نرى أن أوربا لم تقطع روابطها مع الماضي قدرما عقلنته، واتخذت من العقل والانسان مرجعية أساسية".

إن باحثنا السوسيولوجي يماثل أو يطابق بين الدين المسيحي والدين الاسلامي، أي يتصور الإسلام مثلما تصور الأوربيون العلمانيون المسيحية، والحالة أن الدين الاسلامي يختلف جوهريا عن الدين المسيحي دين. ذلك أن الإسلام دين عالمي، يحمل مشروعا إنسانيا متكاملا صالحا لكل زمان ومكان، و لا يتعارض مع العلم، بل يدعو إليه وينصره. واذا كانت فرضيات دوركايم وغيره قد وجدت آذانا صاغية، وأرضية ثقافية تتقبل مثل هذه الأفكار الشاذة، فإن ثقافة المسلمين المتجذرة في أرض الدين، والوحي الصحيح، والحضارة العريقة، تلفظها لامحالة.

إن التراث الاسلامي الممتزج بالدين، يشكل محور أساس هوية المسلمين، وأصالتهم وتميزهم، ولذا فإنهم يحترمونه ويقدسونه كل حسب وعيه،  ومستواه الثقافي والاجتماعي. وقد غاب عن عقول السوسيولوجيين العرب الحداثيين، أن الدين الاسلامي آخر رسالة الى الانسان من ربه وخالقه. فلا رسالة بعدها ولا نبي بعد رسولنا محمد صلوات الله وسلامه عليه. ولو تأمل الحداثيون بعقل متجرد من الهوى، مسألة الإقبال العالمي على الاسلام والدخول فيه، والإعجاب بقيمه، وقوانينه الاجتماعية، والاقتصادية، والتربوية، وشمولية رؤيته وتصوره للحياة، لتصدعت وانهارت تلك الافكار والرؤى الحداثية لديهم، والتي وقعوا ضحيتها بسبب الاستغراب الناتج عن الانبهار بالحضاره الغربية.

ويقول السوسيولوجي محمد جسوس:

"إن من أهم أسباب بروز العقلانية تضاؤل المقدس داخل المجتمع، هذا هو الشرط الأول. والشرط الثاني هو بروز قوى جديدة لها قدرة على الاكتساح، لها مشروع طبقي أو مشروع حضاري بعيد المدى، تستعمل العقلانية كأداة للمزيد من تحطيم ما تبقى من النظم السابقة، ومن رواسب المقدس … كي تبني التاريخ كما تريده هي، لا التاريخ كما كان يؤدى إليه نوع من الطروحات التقليدية أو نوع من الطروحات التراثية. (…)
… هذه الاستمرارية للماضي ولرموز الماضي معناه أن المقدس كأرضية عليا، كمنطلق لازال له تواجد في العالم العربي يفوق بكثير ما حدث في المجتمعات الأوربية الغربية عامة، وهذا بالفعل، يشكل إحدى أهم العوائق البنيوية نحو تحول العقلانية من مجرد فكرة إلى حركة اجتماعية وإلى صيرورة تاريخية فعلية"[3].
يتضح من كلام محمد جسوس أن العقلانية لا تتزامن ولا تتعايش مع التراث والمقدس والدين، لأن شرط إقامتها وسيادتها يكمن في طرح ونبذ هذه المكونات الدينية والثقافية، وإحلال ثقافة الحداثة الغربية محلها. ومن هنا نستنتج عقلية الاستنساخ وضعف المرونة الفكرية لدى هؤلاء السوسيولوجيين، الذين أصروا على إقامة القطيعة النهائية مع الماضي والتراث الديني والثقافي، معتقدين أن بناء ثقافة جديدة ينبغي أن ينطلق من الصفر فيما يتعلق بالهوية الذاتية والحضارية الضاربة في جذور التاريخ، ويعتمد على استيراد نماذج ثقافية جاهزة من الغرب.

هكذا تشكل عملية “استمرارية الماضي” في واقع الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الإسلامية، العامل الرئيس الذي يشد عربة التاريخ إلى الوراء في رأي العقلانيين المستغربين،  مما يجعلهم يستبعدون ـ رغم ما يبدونه من ترقب وانتظار تعلوه سمة من التفاؤل ـ “تضاؤل المقدس” وتراجعه داخل المجتمعات المعنية.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الأولى 1439-يناير2018.

 

 

[1]- آفاق علم اجتماع عربي معاصر،د.أبو بكر أحمد باقادر ود.عبد القادر عرابي، دار الفكر،سوريا،2006، ص 155.


[2]- المرجع نفسه، ص: 143-144


[3]- ثورة العقلانية العربية واقع وآفاق، محمد جسوس، مجلة الوحدة عدد 51، دجنبر 1988، ص: 36-37