التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من 2018

صدور الأفعال عن هيئة نفسية راسخة في القلب

  إن ميل الإنسان نحو شيء ما، ماديا كان أو معنويا، والشغف به، قد يحدث في باطنه مع مرور الأيام، محبة عظيمة تشبه محبة العاشق لمعشوقه أو العابد لمعبوده. فيصبح هذا الشيء شغله الشاغل وهمه الوحيد. ومن الموضوعات التي تتجسد فيها مثل هذه العلاقة والرابطة: المال، المنصب، الجاه، العلم، العبادة، اللهو (كرة القدم مثلا)، الشهوات، الظلم والإفساد، الإصلاح، الإحسان... إلخ.   وتترسخ الرابطة بين الذات والموضوع، أو المحب والمحبوب، عندما ت صبح صورة الموضوع وروحه هيئة راسخة وصفة ملازمة لقلب المحب، وحينئذ تمسي تلك الهيئة الجوهرية الراسخة، مصدر الخواطر والأفكار الصادرة عن ذات المحب. ولذا تجد كل واحد من الناس تنطق جوارحه بما يختلج في صدره، مما له علاقة بتلك الهيئة الراسخة والصفة الملازمة لقلبه؛ وكل إناء بما فيه ينضح. وعلى قدر قوة تلك الهيئة ورسوخها، وثبات تلك الصفة الملازمة للقلب، تكون قوة الأفعال ويكون تدفقها وتلقائيتها، وهو أمر نفسي باطني جُبِل عليه الإنسان لتتيسر حياته، ويمارس أعماله الحسنة أو القبيحة. والعاقل الفطن من تعلق قلبه بالموضوعات الحميدة النافعة والأهداف السامية، حتى إذا صارت أرواحها وصورها هيئة را

بالصور.. طلبة “ماستر الفكر المقاصدي والاجتماعي بالسياق المعاصر” في زيارة للدكتور عبد الله الشارف

  عرفانا منهم قام طلبة وطالبات “ماستر الفكر المقاصدي والاجتماعي بالسياق المعاصر” بكلية أصول الدين بتطوان بزيارة لمنسق الماستر الدكتور عبد الله الشارف في مكتبته ببيته بمدينة تطوان وذلك يوم الخميس 13 دجنبر 2018.   الدكتور عبد الله الشارف؛ أستاذ جامعي بكلية أصول الدين بتطوان، والذي يعد أحد أبرز علماء الاجتماع الداعين إلى علم الاجتماع الإسلامي، فتح أبواب بيته لطلبته، واستقبلهم بحفاوة حارة، وشديد ترحاب، كما شاركهم بعض تجاربه في الحياة الدراسية، وأطلعهم على بعض أفكاره العلمية ومشاريعه المستقبلية.     الزيارة التي تعد سابقة من نوعها حسب ما وصفها به بعض طلبة الدكتور الشارف، جاءت إثر انتهاء الدراسة، حيث قرر الطلبة الباحثون بالقيام بهذه الزيارة الميدانية لأستاذهم، وقد تخللتاها قراءة القرءان الكريم بصوت الطالب الباحث يونس الگمراوي، كما تضمنت نصائح وتوجيهات علمية، ومناقشات فكرية في مواضيع مختلفة، خاصة في ما يتعلق بعلم الاجتماع وقضايا الأمة.   طلبة وطالبات العالم الأنثروپولوجي استغلوا الفرصة في الأخير، حيث قدموا له درعا تذكاريا دليلا على وفائهم وصدق محبتهم له وباقي أساتذتهم بكلية أصول الدين بتطوان.

ذكرُك له شرط ذكرِه لك

  يا ابن آدم ألم يأت عليك حين من الدهر لم تكن شيئا مذكورا، ثم غدوت مذكورا. أو ليس من الشكر والإحسان أن تذكر من صيَّرك مذكورا، وباهى بك الملائكة وأسجدهم لك. لقد أنساك الشيطان ذكر ربك حسدا لما علم ذكر الخالق لك. فهو يطوف بك ويغويك وأنت لاتتذكر ولا تبصر. حذار أن يصدق عليك قول الله ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون). وحري بك إن أنت ظلمت نفسك أن تذكره وتستغفره، فيكشف عنك ما ظ لمت به نفسك.   واعلم أن ذكرك له شرط ذكره لك (فاذكروني أذكركم)، وحبلك الموصل إليه. وإنك بالذكر موجود وبعدمه معدوم، وإنك بالبيان صرت إنسانا (خلق الإنسان علمه البيان). وحياة قلبك بالذكرى (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين).   وتجنب من أعينهم في غطاء عن ذكره كي لا تعمى بصيرتك. واعلم أن أجل أوصافك وصف العبودية. فأنت عبد الله بالذكر، وعبد الهوى بالغفلة، والسجين المعذب بالإعراض (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا). فعليك بذكر التسبيح والتهليل، وذكر الدعاء والثناء، وذكر التفكر والتدبر والتفقه، وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم عليك بالحسنات لأنهن يذ

بين مرض القلب ومرض البدن

  لا يشعر بألم الذنب غافل، كما لا يحس بجراحة الطبيب مُبَنَّج. ومرض القلب أخطر من مرض البدن، لأن أمراض القلب (الحسد، الطمع، البخل، الكبر، الرياء، العُجب الظلم، الغفلة،...) لا تؤثر في البدن؛ أي لا تؤلمه. وبما أن مرضى هذه الأمراض قلما يشعرون بها أو بألمها، فهم لا يسعون لعلاجها والتخلص منها. بينما تؤلم أمراض البدن أصحابها، فيستعملون الدواء دفعا للألم وطلبا للشفاء.   وغالبا ما يعلم الظالمون، أو المفسدون، أو المتكبرون مثلا، أنهم يمارسون الظ لم والفساد والكبر، وإن أنكروا ذلك وادعوا كذبا أنهم مصلحون، لكنهم لا يحسون بظلمهم وفسادهم وتكبرهم، لأن ممارستهم لتلك الأفعال والسلوكات الفاسدة، لا تحدث أي ألم في قلوبهم، إذ لو تألمت قلوبهم لانزجروا. قال تعالى: "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون" (البقرة 11)، والحال أو المثل نفسه ينطبق على الحسود والغافل والمرائي.. إلخ.   ومما يدعو للعجب أن أمراض القلوب المشار إليها، قد يستعذبها كثير من حَمَلَتها، ويتلذذون بممارستها وفعلها، و لا يسعهم إلا ذلك نظرا لانتكاس فطرتهم وخسة معدنهم. فكيف يعالجون ويتخ

موقف علم الاجتماع الغربي من الدين

لقد أجمع علماء الاجتماع والأنتربولوجيا، أن الدين من إنتاج وإفراز المجتمع والثقافة أي؛ ظاهرة اجتماعية وثقافية تتصف بنوع من الاستقلالية والقهر، وأنها حسب إميل دوركايم، عالم الاجتماع الفرنسي، تصدر عن "العقل الجمعي". كما أن الدين أسلوب من الأساليب البدائية في التفكير، فكل متدين بدائي؛ بمعنى أنه ينتمي إلى ثقافة دنيا لم تتطور بعد. والدين كموضوع مقدس وبناء رمزي، كان مناسبا للإنسانية في مرحلة الطفولة.   ويعتبر إميل دوركايم الأديان كلها، صورة معقدة ومتأخرة من "الديانة التوتمية" البدائية، التي تتلخص في عبادة أفراد قبيلة ما، لحيوان، أو نبات، أو حجر، تربطهم به علاقة التقديس. إن التوتمية هي الشكل الأول للدين. ولقد تبنى جل علماء الاجتماع في الغرب الأوربي والأمريكي، وفي الشرق الشيوعي، هذه الفرضية التوتمية دون نقد أو تمحيص. وطفق كثير من السوسيولوجيون العرب يرددونها في أبحاثهم، ويعتمدون عليها في تحليلاتهم للدين، لا سيما فيما يتعلق بعلم الاجتماع الديني.   وبالنسبة لنصوص الديانات السماوية؛ (التوراة، الإنجيل، القرآن)، فإن علم الاجتماع يعتبرها كباقي النصوص المكتوبة، وقدسيتها في نظره مجر

بين الحرية والهوى

  تعتبر الحرية من المفاهيم والموضوعات النفسية والفلسفية التي شغلت عقول الفلاسفة، وعلماء النفس والسياسة والقانون، زمنا طويلا. ولم يحصل إلى الآن، اتفاق بين هؤلاء الفلاسفة والعلماء، على تعريف موحد جامع مانع لمفهوم الحرية، لأن كل واحد منهم ينطلق من تصوره الذاتي النابع من بيئته الثقافية والاجتماعية، ورؤيته الوجودية، ومذهبه الفلسفي أو العقدي أو السياسي. معنى هذا أن أي تصور لمعنى الحرية محكوم بهذه الشروط والعوامل.   ولعل من الصعوبة بمكان تصديق قول قائل ما: "أنا أفكر أو أمارس سلوكي بكامل حريتي"، إذ كثيرا ما يتبين لذلك القائل، بعد زمن، أنه لم يكن يفكر أو يمارس سلوكه بحرية، وإنما كان مغلوبا على أمره دون شعور منه. وهذه ظاهرة من الظواهر النفسية المرضية المرتبطة بالشخصية الضعيفة، أو الجاهلة، أو المضطربة، أو المؤدلجة. بل يمكن أن تشمل عددا هائلا من أفراد المجتمع الذي يعاني القهر والظلم والجهل.   وليس معنى هذا أن المجتمعات الغربية المتقدمة، يمارس كل أفرادها تفكيرهم وسلوكهم بحرية تامة، ذلك أن عقلية الإنسان الغربي، انطلاقا من واقعه الثقافي والسياسي والحضاري، تؤسسها وتوجهها إيديولوجيات وسياسات

الاضطرار نوعان: تلقائي وجبري

  الاضطرار نوعان: تلقائي وجبري. فالأول لا ينفك عنه المسلم التقي، انطلاقا من حال الافتقار؛ “يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله” (فاطر15). إن هذا المسلم دائم الشعور بالاضطرار التلقائي الناتج عن إيمانه القوي بالله، وتعلقه بأسمائه وصفاته. وهذه الحال من أسمى الأحوال الإيمانية التي لها ارتباط وثيق بالعبودية لله. وهكذا تجد المسلم المتنعم بحال الاضطرار التلقائي، يرفع يديه ويدعو ربه سبحانه بقلب خاشع موقن بالإجابة. ولا يقلق إن تأخرت تلك الإجابة، كما لا يسخط لعدم وقوعها وتحققها، لكونه يعلم أن الخير فيما يختاره الله لعباده.   ان حال الاضطرار التلقائي هذا هو حال إيماني روحي، يحياه المسلم التقي حيثما حل وارتحل، لأنه دائم الصلة بالله، محافظ على أوامره، مجتنب لنواهيه. ولما كان معظم المسلمين أهل غفلة وكسل وتهاون في الدين، حرموا نعمة الاضطرار التلقائي. ولذا تجدهم إذا دعوا الله دعوه بقلوب ساهية خربة، خالية من الصدق والإخلاص. بل لعل كثيرا منهم لا يقين لهم في الإجابة. وهذا حرمان وأي حرمان جره المسلم الغافل بكامل إرادته إلى نفسه، وتجرع مرارته سواء شعر أم لم يشعر..   والثاني: الاضطرار الجبري؛ أي جُبر عليه الإ

مهرجان مدينة الصويرة الموسيقي: تخدير وتطبيع

  لقد عرف بلدنا العزيز المغرب، خلال السنوات الأخيرة، سلسلة من المهرجانات الموسيقية الروحية، خاصة في مدينة فاس؛ معقل الثقافة والعلم. وتهدف هذه التظاهرات الفنية والثقافية إلى تقرير وتأسيس ما يسمى ب "الوحدة الروحية والدينية بين مختلف الأديان والعقائد والثقافات"، والتركيز على المشترك الديني وأواصر القرابة بين الأديان والملل، وذلك من خلال الغناء الروحي الصوفي والإنشاد الديني عبر معزوفات موسيقية روحية وصوفية؛ تذوب وتنصهر فيها وبها الاختلافات الدينية والعقائدية، لتفضي في نهاية المطاف إلى ما يعرف بوحدة الأديان أو دين الإنسانية.   إن مهرجان مدينة الصويرة الأخير، يندرج في هذا السياق مع إضافة عنصر التطبيع مع الكيان الصهيوني. وإذا كانت اللقاءات الروحية والصوفية الموسيقية، التي اتخذت من فاس فضاء ومركزا لها، تهدف إلى تخدير العقول و"تضبيعها"، فإن مهرجان مدينة الصويرة يدعو إلى فتح باب الصداقة والتواصل مع الكيان الصهيوني، الذي لا يتوقف عن قتل الفلسطينيين بعد أن اغتصب أرضهم، وذلك من خلال الغناء والإنشاد اليهودي، والموسيقى الكبالية والحاسدية (صوفية يهودية)، ليحصل التخدير ثم التطبيع و&

"العقل الجمعي" عند إميل دوركايم

  يعتبر إميل دوركايم أبرز علماء الاجتماع الفرنسيين الذين نهجوا نهج أوجست كونت في إقامة علم الاجتماع على أسس علمية مادية وعلمانية. وإذا كان أوجست كونت، مؤسس علم الاجتماع الغربي، قد خلص، في إطار تفكيره العلماني، إلى أن "الإنسانية" هي رمز الدين الجديد، فإن إميل دوركايم جعل من "العقل الجمعي"، إله ورمز هذا الدين. و"العقل الجمعي" عند إميل دوركايم، يوجد خارج عقول أفراد المجتمع، وهم يخضعون دائما لتعاليمه وتوجيهاته، ولو على غير إرادة منهم. كما أنه المكون الأول لأفكار الناس، ومذاهبهم، وعاداتهم. وهو الملزم لهم باتباع أوامره وإملاءاته. و"العقل الجمعي" دائم التغير، ولذا ينفي دوركايم وجود قيم أو أخلاق ثابتة، أو دين موجه للإنسان مدى الحياة. بل كل الأديان في رأيه، تولدت عن أسباب اجتماعية معينة، وأنها تتغير وتفنى لأسباب اجتماعية أخرى. ويذهب إميل دوركايم إلى أن "العقل الجمعي" أقوى من حرية الفرد، بل يتنافى معها، وقد يتجاوزها أو يلغيها في بعض الحالات، مما يجعل سلوك الناس في الحياة سلوكا جبريا. ويتضح من فلسفة إميل دوركايم أن "العقل الجمعي" بمثابة

ما نصيب المرأة الغربية من معنى الإنسانية؟

  إن المرأة الأوربية ، فيما يثبت المؤرخون الغربيون، عانت صنوفا من الرق والعبودية طوال تاريخ الإمبراطورية الرومانية، ثم بعد ذلك على امتداد العصور الوسطى النصرانية. بل اعتبرت الكنيسة المسيحية، خلال قرون طويلة، المرأة  شيطانا وليس إنسانا. وهذا أمر متداول في الأدبيات الأوربية الوسطى. ولما بدأت هذه الشعوب تتحسس طريق النهضة في فجر القرن الخامس عشر، توالت الحركات الأدبية و الفلسفية في كل من إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا ،ثم بزغت الثورة العلمية في انجلترا. و مع تطور البروتستانية و مجيء الثورة الفرنسية بشعارات الإخاء، و الحرية، والمساواة،حينذاك  بدأت الأنثى تتنفس الصعداء،  وتتطلع إلى مستقبل خال من القيود و العبودية.و مع كل هذه الثورات الفكرية والسياسية  والاجتماعية التي استمرت على مسيرة أربعة قرون، لم ينظر الرجل الأوربي في موضوع المرأة نظرة تأمل و استبصار، إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر . "و يذهب كولان سميت في كتابه عن ستيوارت ميل  الفيلسوف الإنجليزي، ورجل السياسة و القانون،إلى أن هذا الأخير كان أول أوربي استطاع أن يخرق الصمت المحيط بالمرأة، و يدافع عنها في البرلمان الإنجليزي، و ذلك س

مأساة هجرة الأدمغة

  تندرج هجرة الأدمغة في إطار ظاهرة الهجرة العمالية التي شهدها العالم منذ بداية النصف الأول من القرن العشرين، حيث هاجرت ملايين من البشر بوتيرة تصاعدية، بلدانها الضعيفة (آسيا، إفريقيا)، إلى البلدان الغربية الرأسمالية (أوربا، أمريكا)، وذلك بحثا عن العمل أو أملا في عيش أفضل. ولولا طبيعة النظام الرأسمالي العالمي القائم على منطق الظلم والاستعمار والاستغلال اللامحدود، لما كان لظاهرة الهجرة هاته وجود بهذا الشكل اللإنساني الفظيع. وتشير بعض الدراسات الإحصائية الحديثة إلى وجود أكثر من 200 ألف مهاجر مغربي من حملة الشهادات العلمية في البلدان الغربية، يعملون في شتى القطاعات الحيوية. بل يهاجر كل سنة، ما يزيد عن ألف شاب مغربي من ذوي الكفاءات العلمية المختلفة إلى أوروبا وأمريكا. لا شك أنهم يعانون آلام الغربة، ويتحملون على مضض صعوبات ومعاناة التكيف مع المجتمع الجديد، الذي كثيرا ما يضطرهم للتنازل تدريجيا، عن كثير من مكونات هويتهم وثقافتهم، مما قد يفرز انعكاسات خطيرة على المستوى النفسي، أو ينتج عنه، مع الزمن، ذوبان كلي تنمحي معه قسمات وخصائص شخصية المهاجر الأولى. ولنا جميعا أن نتساءل: لماذا لا يهتم المسؤو

فائدة الانكسار النفسي المحمــود

  إن الانسان إذا نزل به مكروه أو مصاب؛ كموت أحد الأبناء أو الأقارب، أو إفلاس في تجارة، أو مرض خطير، أو ما شابه ذلك من المصائب، فإنه  يتأثر بذلك تأثرا بليغا، ويجد في باطنه انكسارا قويا لا يستطيع له دفعا. وقد يظل هذا الانكسار مصاحبا له أياما أو شهورا أو أكثر، وذلك حسب وطأة المصاب. وفي بعض الأحيان،  يؤدي هذا الانكسار النفسي إلى تولد شعور، لدى الشخص المصاب، بالزهد في الدنيا والعزوف عن زينتها وملذاتها. وهو شعور قد يدوم أيضا لفترة طويلة، أو تخبو جذوة ناره بعد مدة قصيرة. بيد أنه لو تصورنا وجود الانكسار النفسي عند هذا الإنسان المصاب قبل مداهمة المكروه له، فماذا ستكون النتيجة على المستوى النفسي؟ لا شك أن وطأة المكروه ستمسي هينة أو ضعيفة، مما يعين ذلك الإنسان المكروب على الصبر والحفاظ على التوازن النفسي. ومن هنا فإن أحسن وأنفع وسيلة لتجنب صدمة ووطأة المصاب، هي التسلح المبكر بالانكسار النفسي المحمود، وجلب الأسباب المؤدية إليه. ولن يظفر المسلم بذلك ما لم يتب إلى الله توبة نصوحا، ويداوم على قراءة كلامه بتدبر وخشوع، ويستحضر معاني الوعد والوعيد، ويتحقق بأوصاف العبودية، ويشرب من عين الزهد، ويسبح في فض

علم الاجتماع العربي ومنطق التبعية والاستيراد

  إن علم الاجتماع علم ينتمي إلى حظيرة العلوم الإنسانية، ذات الأسس الفلسفية والأبعاد الإيديولوجية. ولقد بذل المؤسسون، والرواد الأوائل، والمنظرون السوسيولوجيون، جهودا متواصلة من أجل تشكيل وصياغة هذا العلم صياغة علمية، أسوة بالعلوم الطبيعية، وأملا في إخضاع الظواهر الاجتماعية للدراسة العلمية الموضوعية. بيد أن طبيعة موضوعه حالت دون تحقيق الغاية المنشودة، لا سيما أن الدارس؛ أي الإنسان، هو نفسه المدروس. وهكذا فإن الإشكالية المنهجية في علم الاجتماع، لا زالت قائمة، كما أن الإطار الفلسفي والإيديولوجي سيظل محكما قبضته على بنية هذا العلم ومساره، بحكم طبيعة، وفلسفة، وأهداف، الأنظمة الليبرالية الرأسمالية الحديثة. بل إن هذا العلم قد ولج نفق أزمته البنيوية والوظيفية، بدءا من سبعينيات القرن الماضي؛ حيث كثرت الدعوات إلى إعادة النظر في أسسه، ومناهجه والبحث عن سبل العلاج. ولقد انعكست هذه الأزمة على علم الاجتماع العربي، الذي لم ينطلق ولم يتأسس بعد، فيما ذهب إليه بعض النقاد وكبار السوسيولوجيون العرب. إن المسيرة العلمية لعلم الاجتماع العربي، قد انطلقت من القطر المصري الذي تضافرت فيه عوامل ثقافية وسياسية وتار

إشراقة قرآنية

  إن الإنسان يعتبر جزءا لا يتجزأ من هذا الكون العظيم، ولذا فإن مفهوم التسبيح الذي يشكل القانون والمنهج الجوهري الذي تنتظم فيه كل المخلوقات انطلاقا من قوله تعالى " يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض"[1]، يعبر عن الخاصية الذاتية لهذه المخلوقات، وبالتالي فإن هذا الانسجام والتناغم الذي يعم الكون، له علاقة وطيدة بمنطق التسبيح. وإذا كان الخالق سبحانه قد أودع في مخلوقاته، من حيوانات ونباتات وخلايا وأنهار وبحار ونجوم وكواكب، قانون التسبيح، وألهمها ذكره والدوران في فلكه، فإنه قد هدى الإنسان إلى  القانون نفسه بواسطة الوحي المنزل من عنده. ومن هنا فإن الإنسان الذي يعرض عن تعاليم القرآن، التي هي تعاليم فطرته المفطور عليها، فإنه يتحول إلى عنصر شاذ يصطدم  بعناصر الكون بما في ذلك نفسه التي بين جنبيه، كما أن كل ما في الكون ينقلب ضده ويدخل في صراع معه؛ لأن الكون يدور ويسبح و يُسبح الله في فلك مادي ومعنوي. وما دام الإنسان جزءا من الكون؛ فإما أن يدور ويسبح الله، وتلك فطرته، وإما أن يلفظه الفلك فيغدو نشازا شاذا. وكمثال حي على الإنسان الذي لفظه فلك التسبيح؛ الشخص المنتحر، أو اللعين المطرود من رح

لماذا عز الزواج الطيب؟

الزواج سنة حميدة وعظيمة دعا إليها الشرع الحكيم من خلال كلام العزيز العليم، وحث عليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، في كثير من الأحاديث الشريفة. وشرع الزواج لغايات جليلة كثيرة ومتنوعة، منها؛ بناء الأسرة، والحفاظ على النسل الطاهر، وتكثير سواد المسلمين، ومنع الشياطين من العبث بالمسلم وإغوائه، أو إيقاعه في فاحشة الزنا. ولقد أتى على المسلمين زمن طويل، كانت أسباب الزواج فيه ميسرة على الشباب ذكورا وإناثا، سواء كانوا أغنياء أم كانوا فقراء. وما زلت أتذكر أعراس الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي؛ حيث البساطة والقناعة والتواضع والحياء والعفة، وحيث التكافل الاجتماعي والمحبة والمودة، والرضا بما قسم الله من رزق. أما الآن فالحال غير الحال؛ إذ ضعف الإيمان، وتغيرت النفوس وتكدرت، وقويت أمراض القلوب؛ من حقد وحسد وكبر وعجب وغرور وأنانية ونفاق...، واستبدت الأهواء بالعقول، فضاعت الفطرة الآدمية الحنفية، واجتالتها الشياطين، وهام الكل على وجهه إلا من رحم الله. فكان من العدل أن يعاقب الله عباده لعلهم يرجعون ويتوبون، قال تعالى: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ

أوجست كونت و"دين الإنسانية"

   إن مؤسسي ورواد علم الاجتماع المعاصر ذهبوا، أثناء وضع اللبنات الأولى لهذا العلم، إلى أن الدين سيتراجع عن مكانته الاجتماعية والقيمية، بفعل قوة العلمنة الناشئة، ومكونات وعناصر المدنية المادية الحديثة، بما تحمله من علوم وصناعات وتكنولوجيا. ولقد نظر لهذه الأطروحة ودافع عنها، كل من سان سيمون، وأو جست كونت، وكارل ماركس، وماكس فيبر، وإميل دوركايم، وغيرهم من علماء الاجتماع والفلاسفة،  حيث ذهب كل هؤلاء إلى أن العلمنة، باعتبارها سلسلة محكمة من العمليات الفكرية والقيمية، ستعمل على تقليص دور الدين وحصره في الحياة الذاتية والشخصية، وإبعاده عن جميع مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية، والاقتصادية والسياسية. إن هذه القناعة العقلية تشكل ثمرة الصراع مع الدين الكنسي، والذي طبع الفكر الأوربي منذ بداية عصر النهضة. إنها النتيجة الحتمية للصراع بين العلم الناشئ وعقلية الكنيسة.    وهكذا يعتبر مشروع أوجست كونت الاجتماعي والفلسفي الإصلاحي، مشروعا وضعيا وعلمانيا، لا مكان فيه للدين. بيد أن أوجست كونت أدرك في النهاية، أهمية الدين في حياة الإنسان، وأن الإنسان ذو نزوع، من تلقاء نفسه،  إلى التدين بغض النظر عن طبيعة

رؤیا قرآنیة مُحزنة

انتبھت من نومي ھذه اللیلة؛ لیلة الاثنین 23 جمادى الثانیة 1439 ،حزینا وقلبي یعتصره الألم والأسى بسبب رؤیا ألیمة وموجعة؛ حیث رأیت في منامي أني أسیر في حي النیارین بالمدینة العتیقة في تطوان، وإذ بأذني تلتقط أصوات أطفال یقرأون القرآن، فطربت روحي وعزمت على زیارة ھذا الكُتاب، وأدخلت یدي في جیبي وأخرجت ورقتین نقدیتین من فئة 20 درھما كي أمنحھا للفقیه. وكان ھذا الكتاب القرآني من بین الكتاتیب التي أقیمت في مدینة تطوان وغیرھا من المدن المغربیة قبل فترة الاستعمار وخلالھا، لكن لما خرج المستعمر وأقبل الاستقلال یحمل تباشیر الحریة والتنمیة والبناء...، لم یلبث الحال أكثر من عقد من الزمان حتى بدأ عقد تلك الكتاتیب المتلألئة ینفرط، وصار عددھا یقل تدریجیا، إلى أن لفظت أنفاسھا وفنیت في نھایة السبعینیات أو مطلع الثمانینیات؛ حیث بدا أن ھذا القطاع التعلیمي الرباني لایتناغم مع ثقافة وعقلیة المستغربین، من المسؤولین على التربیة في بلادنا، الذین شربوا لبن المستعمر ونشأوا في أحضان ثقافته. وھل كان بقاء ھذه الكتاتیب واستمرارھا یضر التعلیم الابتدائي والثانوي الحالي؟ أم یشكل رافدا قویا ومتینا على مستوى اللغة العربیة، و

الكافر لا عقل له

بينما كنت أقرأ القرآن إذا استوقفني قول الله تعالى: "وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ" (الملك:10)   فقلت سبحان الله: الكافر يعترف يوم القيامة بعدم امتلاكه للعقل. ثم بدأت أنظر في الآيات المتعلقة بهذا السياق، فوجدتها كثيرة منها قوله تعالى: "تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ " (الحشر:14). وقوله عز وجل: "أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" (الفرقان:44). وقوله سبحانه: "وَإِذَا نَادَيْتُمُ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُؤا وَلَعِبًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ" (المائدة:60). إن هذه الآيات ونظائرها، تشير إلى أن الله عرّى الكافر من العقل؛ أي جرّده منه، إذ لو كان عاقلا لآمن واتبع الهدى، وهذا مقياس وحقيقة، وجوهر العقل والتعقل، في القرآن. أما مقياسه وجوهره فيما سوى ذلك؛ فهو الضلال المبين. فهل يعتبر لينين، أوستالين، أو هتلر، أو بوش، أو ترامب وغيرهم من أهل

مسلم يشكو قسوة قلبه

ذات يوم من الأيام، لقيني أحد الأساتذة الأصدقاء، فكان الحديث بيننا ذو شجون. وبينما نحن نتنعم بحلاوة الكلام ولطافته، إذ باغتني بقوله: "إنني يا صديقي، أعاني قساوة القلب، حيث يستثقل قلبي العبادة والطاعة لله، وأشعر بافتقار شديد إلى الحد الأدنى من الرغبة الضرورية للإقبال على خالقي. فهل من نصيحة تنصحني بها؟ " فنصحته معتمدا على الكتاب والسنة وأخبار بعض الصالحين والعباد من السلف الصالح. وخطر ببالي وقتئذ أن أحرر مقالا في الموضوع أو النازلة. ومرت شهور بل سنوات، إلى أن من الله علي، بعدما تنفس صبح هذا اليوم المبارك، بتحرير الخاطر وإنجاز الوعد. إن الانسان عندما يصاب بمرض ما فإنه يبادر باستعمال الدواء، وإذا كان قلقا نفسيا لسبب مادي أو معنوي، تجده يفكر ويبذل قصارى جهده للتخلص من ذلك القلق. وإذا كان عازما على اجتياز امتحان معين، أو المشاركة في مباراة التوظيف، فإنه يستعد لذلك ويقوي رغبته وهمته. إن العامل المشترك من وراء هذه المواقف الثلاثة هو الخوف، أي خوف الإنسان على نفسه الهلاك أو الموت، في حالتي المرض ومعاناة القلق، وخوفه من الرسوب في حالة الامتحان أو التوظيف. فالشعور بالخوف هو الذي يحفز

"مؤسسة راند" الأمريكية والحداثيون العرب

"مؤسسة راند مؤسسة بحثية أمريكية‏،‏ قريبة جدا من صانع القرار الأمريكي‏، فيما يتعلق بقضايا الإسلام والعالم الإسلامي‏..‏ وفي التقرير الذي أعدته هذه المؤسسة سنة 2004 ـ أي في العام الذي بلغ ذروة الهجمة الأمريكية على العالم الإسلامي بعد غزو أفغانستان والعراق ـ والذي ترجم ونشر تحت عنوان (خطة أمريكية لإعادة بناء الدين الإسلامي). جاء فيه تقسيم تيارات الفكر في العالم الإسلامي إلى أربعة تيارات هي: 1 ـ تيار الأصوليين: الذين يرفضون قيم الثقافة الغربية. 2 ـ تيار التقليديين: الذين يريدون مجتمعا محافظا, وهم في ريبة من الحداثة والتغيير. 3 ـ تيار العلمانيين: الذين يريدون أن يقبل العالم الإسلامي الفصل بين الدين والدولة. 4 ـ تيار الحداثيين: الذين يريدون العالم الإسلامي جزءا من الحداثة الغربية، ويريدون تحديث الإسلام ليواكب العصر. ثم تطلب هذه الخطة من صانع القرار الأمريكي: دعم الحداثيين العرب, لأنهم الأكثر إخلاصا في تبني قيم وروح المجتمع الغربي الحديث.. ولأنهم مع العلمانيين العرب الأقرب إلى الغرب في ضوء القيم والسياسات. ومن بين ميادين الدعم الأمريكي المقترح لهؤلاء الحداثيين العرب: تشجيع تأويلهم للنص ال

رؤية قرآنية مُحزنة

انتبهت من نومي هذه الليلة؛ ليلة الاثنين 23 جمادى الثانية 1439، حزينا وقلبي يعتصره الألم والأسى بسبب رؤيا أليمة وموجعة؛ حيث رأيت في منامي أني أسير في حي النيارين بالمدينة العتيقة في تطوان، وإذ بأذني تلتقط أصوات أطفال يقرأون القرآن، فطربت روحي وعزمت على زيارة هذا الكُتاب، وأدخلت يدي في جيبي وأخرجت ورقتين نقديتين من فئة 20 درهما كي أمنحها للفقيه. وكان هذا الكتاب القرآني من بين الكتاتيب التي أقيمت في مدينة تطوان وغيرها من المدن المغربية قبل فترة الاستعمار وخلالها، لكن لما خرج المستعمر وأقبل الاستقلال يحمل تباشير الحرية والتنمية والبناء...، لم يلبث الحال أكثر من عقد من الزمان حتى بدأ عقد تلك الكتاتيب المتلألئة ينفرط، وصار عددها يقل تدريجيا، إلى أن لفظت أنفاسها وفنيت في نهاية السبعينيات أو مطلع الثمانينيات؛ حيث بدا أن هذا القطاع التعليمي الرباني لايتناغم مع ثقافة وعقلية المستغربين، من المسؤولين على التربية في بلادنا، الذين شربوا لبن المستعمر ونشأوا في أحضان ثقافته. وهل كان بقاء هذه الكتاتيب واستمرارها يضر التعليم الابتدائي والثانوي الحالي؟ أم يشكل رافدا قويا ومتينا على مستوى اللغة العربية، و

قراءة في علمانية حقوق الإنسان

إن موضوع حقوق الإنسان، بشكله ومضمونه، وبمنطلقاته وغاياته، موضوع سياسي، وقانوني، واجتماعي، وثقافي، من إنتاج ومعطيات الحضارة الغربية المعاصرة. كما أنه يرجع من حيث النشأة والتأسيس، إلى الثورة الفرنسية التي عملت على إرساء الثالوث المقدس: "المساواة، الأخوة، الحرية". إذ قبل هذه الثورة، كان الإنسان الأوربي يعاني الظلم والقهر والجهل، وكل ألوان الاستغلال بسبب طغيان الكنيسة، واستبداد الحكام المتواطئين معها. ولقد عكف رجال القانون والسياسة والفلسفة، بدءا من زمن الثورة الفرنسية، على معالجة موضوع الإنسان وحقوقه، والدفاع عن شخصه وكرامته. فألفت الكتب، ونشرت المقالات، وألقيت الخطب والمحاضرات، وعقدت المجالس والمؤتمرات والندوات، وأبرمت المعاهدات والاتفاقيات، إلى أن وصل موضوع حقوق الإنسان إلى نسخته الأخيرة، ووضعيته النهائية التي عبرت عنها المواثيق الدولية في هيئة الأمم المتحدة. ومن ناحية أخرى، فإن الإطار الفكري والثقافي والعقدي الذي احتضن هذا الحدث الإنساني، ورعاه ورسم معالمه، هو إطار الفلسفة والعقيدة العلمانية. ذلك لأن الأوربيين، بعد صراع مرير مع الكنيسة طيلة بضعة قرون، أقاموا قطيعة نهائية مع ا

"النسـاء الحَمَّـالات"

لايختلف اثنان عاقلان في أن المغرب من بين أبرز البلدان في العالم الثالث، التي يمارس فيها الظلم، والاستغلال، والاستعباد، بموازاة مع الخطاب الديمقراطي، وحقوق الانسان، والحرية. وإذا كان الرجل الفقير في المغرب، وباقي البلدان العربية والإسلامية المتخلفة، يعاني القهر والظلم والتهميش، فإن المرأة الفقيرة تعاني ضِعف ما يعانيه شقيقها الرجل. وإذا ما أجرينا مقارنة بين وضع المرأة النفسي والاجتماعي زمن الاستعمار، وخلال العقدين الأولين من الاستقلال، ووضعها بدءا من الثمانينيات وإلى الآن، نجد هناك فرقا هائلا وكبيرا. إن الأسرة المغربية زمن الاستعمار، لم تكن تعاني التفكك، والأزمات، ومشاكل الطلاق، أو مشاكل تربية الأبناء، وغيرها من المشاكل، باستثناء قضية الأمية. وكان البيت المغربي بيتاً متماسكا، قوي الأركان مهما كان وضعه المادي. وكانت الثقافة والتقاليد المغربية المحافظة، تحفظ هذا البيت من الاضطراب والتصدع. وظل الوضع كذلك إلى حدود السبعينيات من القرن الماضي. ومع حلول الثمانينيات، اشتد لهيب آلة التغريب، وذلك على يد المستغربين الذين تسلموا معاولها من المستعمرين، فتغيرت معالم المجتمع المغربي، وأصاب التغريب تدري

الأستاذ الديالمي والتبعية السوسيولوجية للغرب

  يقول السوسيولوجي المغربي د.عبد الصمد الديالمي: " إن الفكر السوسيولوجي رغم تبعيته أو بالأحرى بفضل تلك التبعية لسوسيولوجيا المركز يظل فكرا مستنيرا وعقلانيا قادرا على الانسلاخ والنقد " . [1] هذا كلام دكتور سوسيولوجي وأستاذ جامعي مغربي، كلام يعبر عن اعتزاز وافتخار صاحبه بأهمية وجدوى تبعية السوسيولوجيا المغربية لسوسيولوجيا المركز أي الغرب. كيف يمكن ممارسة الاستقلالية والحرية والنقد العلمي في الدراسات والأبحاث الاجتماعية تحت وطأة التبعية؟ إن السوسيولوجيين المغاربة الحداثيين والعلمانيين لا يسعهم؛ وقد أحدثوا قطيعة فكرية وثقافية مع التراث المغربي العربي الإسلامي والهوية المغربية القائمة على ثوابتها الدينية والحضارية والتاريخية، إلا أن يرتموا في حضن الثقافة الغربية الليبرالية والعلمانية، ويستوردوا منها المناهج والإيديولوجيات والفلسفات، التي من خلالها يتناولون المجتمع المغربي بالدراسة والتحليل، ووضع الخطط الكفيلة في رأيهم لتغييره، بعد الإجهاز على مقوماته الدينية والتراثية، وجعله ينخرط في عالم الحداثة على الطريقة الغربية. هذا "ضرب في حديد بارد" كما يقول المثل العربي؛ وقد سب

انتشار الإلحاد في أوساط الشباب والطلبة المغاربة

  الجواب عن أسئلة متعلقة بالإلحاد وردت عليّ من جريدة هوية بريس الإلكترونية. 1- بداية ما هو الإلحاد ومن هم رموزه؟ الإلحاد مذهب فلسفي وعقدي، ظهر في أوربا مع انتشار المذاهب المادية والعلمانية التي نتجت عن الصراع بين العلماء وأصحاب الكنيسة قبل بضعة قرون. وعملت الشيوعية على نشره في العالم، كما عمل على نشره الاستعمار الغربي، ثم الغزو الفكري، ثم العولمة الثقافية المعاصرة. ومن رواده وأقطابه ومؤسسيه: ديكارت، وفولتير، وماركس، وانجلز، ودارون، ودوركايم، وسارتر. وقد عمل اليهود على نشره في العالم من خلال المنابر الإعلامية، والجمعيات اللادينية الهدامة… للقضاء على الأديان والقيم، وذلك من أجل التحكم في العالم. 2- من هي الفئات التي ينتشر بينها الإلحاد؟ إن الفئات التي ينتشر فيها الإلحاد، هي فئات الشباب والطلبة، وبعض أدعياء الثقافة من العلمانيين والحداثيين. 3 - ما هي أسباب انتشار ظاهرة الإلحاد في المغرب؟ هناك أسباب كثيرة دفعت بهؤلاء إلى الإلحاد منها: - وسائل الإعلام المسموعة والمرئية (الفضائيات). - المواقع الإلكترونية المتخصصة في نشر الإلحاد. - المواقع الإلكترونية المتخصصة في التنصير. - الكتاب المدرسي ماد

السوسيولوجيا العربية وإشكالية التراث

يعتبر موضوع التراث العربي، من الموضوعات الفكرية التي شغلت بال السوسيولوجيين العرب ما يقرب من قرن من الزمان. ولعل هناك شبه إجماع بينهم حول الصورة الجامدة الميتة التي يتصف بها التراث العربي الإسلامي، والذي ينبغي التخلص منه لكونه يعرقل في رأيهم مشروع التحديث والحداثة. يقول الدكتور عبد القادر عرابي: "علم الاجتماع العربي الراهن ما زال يعاني من الإشكالات عينها التي عانى منها الرواد، أما الإشكالية الأولى فتتمثل في العلاقة بين علم الاجتماع والتراث. وقد وضحنا أن الفكر العربي يخضع لوصاية التراث والمجتمع، ولم يتجرأ حتى الآن على خوض الصراع مع المرجعية التراثية، التي تأخذ طابع المقدس في المخيلة العربية" [1] . ويقول أيضا: "المعروف أن نظرية الدين تحتل مساحة واسعة من أعمال دوركايم و فيبر الكالفيني المستقيم و غيرهما، وأن كليهما يرى أن علاقة الفرد بالمجتمع متأثرة بالدين. إن الواقع الرمزي للدين عند دوركايم هو جوهر الوعي الجمعي،وهو شرط التماسك الاجتماعي واستمرار النظام الاجتماعي. إن التدين عند دوركايم هو التسامي الاجتماعي، فالدين هو جوهر الاجتماعي. العقل الجمعي هو في جوهره عقل ديني. التعبير