كن رساليا

1
 كن-رساليا


الناس يولدون ويحيون ما شاء الله، ثم يموتون. منهم من يكون له أثر في حياته وبعد موته، ومنهم من لا أثر له وهم أغلب الناس.

وأعظم الآثار؛ الأعمال والمشاريع والإنجازات التي تتنفع بها البشرية، وخاصة تلك التي يجتمع فيها خير الدنيا والآخرة. وأفضل نموذج لهذه الآثار؛ آثار الرسل والأنبياء ثم الذين يلونهم من العلماء والمصلحين والدعاة والمربين الصادقين المخلصين.

إن الذين أرسوا قواعد الثقافات الإنسانية، وشيدوا الحضارات، وأقاموا العدل، ونشروا الأمن... هم أشخاص رساليون، لا ينقطع ذكرهم بعد موتهم، ويسجل التاريخ أعمالهم وإنجازاتهم بكل فخر واعتزاز. وما أعظم العلماء والمصلحين والأبطال الذين سرت روح إنجازاتهم في نفوس الناس على مر العصور والدهور، بل كانوا أعلاما ونماذج في مجال التربية والقدوة الحسنة.

إذا حدثتك نفسك بالانضمام إلى قائمة الرساليين، فكن على يقين أن طريقهم ليس مفروشا بالورود، بل مملوءا بالأشواك التي لا يتحمل وخزها وأذاها إلا أولوا العزم والإرادة الصلبة والهمة العالية.

إن الإنسان المسلم الراغب في شرف الوظيفة الرسالية أيا كان نوعها: قيادة أو إصلاحا أو تربية وتعليما أو دعوة... ينبغي له قبل الشروع في ممارسة تلك الوظيفة، أن يتسلح بالعلم والمعرفة، وأن يكون مطلعا على واقع المجتمع الذي يعيش في وسطه؛ أي الذي يشكل هدف تلك الوظيفة الرسالية. كما يكون قوي الإيمان، قلبه متصل بالله على الدوام، متحليا بالصبر والحلم، والتواضع والإيثار وسائر الأخلاق الحميدة، ويكون أيضا مثالا للتضحية والتفاني في سبيل تحقيق الرسالة.

وغني عن البيان أن الأمة التي يقل فيها الأشخاص الرساليون، تصاب بالجهل الذي يؤدي إلى ظهور الأمراض الفكرية والاجتماعية والنفسية، فتتخلف عن ركب الحضارة الإنسانية، وتصبح عاجزة عن القيام بوظائف حياتها، فتبرز المشاكل السياسية والاقتصادية، وقد تنشب الصراعات والحروب بين أطراف مجتمعاتها، مما يجعل أعداؤها يطمعون فيها أو يستحودون عليها بطريقة أو أخرى، كما هو حال الأمة الإسلامية في وقتنا الراهن.

والغريب أن أعداء هذه الأمة من اليهود والنصارى، يكثر فيهم "الرساليون" المخربون. ورغم أنهم أهل شرك وباطل، فإنهم أخذوا بأسباب الدنيا، واطلعوا على طبيعة السنن والقوانين الاجتماعية، ورسموا الأهداف... فمارسوا الوظيفة "الرسالية" التخريبية، انطلاقا من فلسفتهم وتصورهم للحياة. وكانت النتيجة أن ملكوا زمام أمورهم، وظفروا بالقوة والسيادة في العلم والسياسة والاقتصاد...

في حين تخلفنا نحن، معشر المسلمين، عن المضي في المسيرة الحضارية التي أقام أسسها أجدادنا. لقد تمزقت سلسلة تلك المسيرة، وضاعت حلقاتها، وكسدت أسواق العلم والمعرفة، فأنى لنا والحالة هذه، بجيل من الرساليين يأخذون على عاتقهم النهوض بالأمة الإسلامية ؟

هذه الجملة الاستفهامية الأخيرة لا تدعو إلى التشاؤم، ولا تعني أن دور المسلمين قد انتهى كما يوهمنا بذلك أعداؤنا اليهود والنصارى ومن في ركبهم من المستغربين والعلمانيين والحداثيين العرب. بل على العكس من ذلك، ينبغي ألا نيأس من رحمة الله، ولا نستسلم لأوهما وإيحاءات الأعداء والمغرضين. فنحن خير أمة أخرجت للناس، أمة الرسالة لكافة الناس، ونحن الشهداء على الناس، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر كما ورد في القرآن الكريم. والرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الله يبعث على رأس كل مائة من يجدد دينها، وذلك كما جاء في حديث صحيح رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

هذا التجديد المشار إليه في الحديث يعبر عن الوظيفة الرسالية في أسمى معانيها. والخلاصة أن المسلمين اليوم مطالبون بإحياء الوظيفة الرسالية، والاقتداء بالسلف الصالح في ميدان الإصلاح والتجديد، مع الإلمام بفقه الواقع ومواكبة العصر.

 

د. عبد الله  الشارف، مكة المكرمة، ذو القعدة 1437- غشت 2016.

أنين البحر

0

أنين البحر


البحر مخلوق من مخلوقات الله العظيمة، يضم في أحشائه كائنات حيوانية ونباتية وأصدافا ولآلئ وأنهارا من المياه الحلوة...

إنه يسبح الله؛ قال تعالى: "يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض" (الجمعة 1). وقال أيضا: "تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" (الإسراء44). فكل المخلوقات التي تسكن البحر تسبح الله، بل كل قطرة ماء تسبح باسم ربها.

وإذا تأملت بقلبك ونظرت بعينيك طويلا إلى البحر، شعرت بالهدوء والطمأنينة. إنه على الفطرة؛ يهبك جماله؛ زرقته وحركات أمواجه وأفقه الكبير، وإذا اقتربت من ساحله ذاعبت أقدامك مياهه في لطف وعذوبة. يحملك على ظهره في الفلك والسفن، ويقدم لك ثمرته الطرية من أسماك مختلفة تأكلها هنيئا مريئا.

ورغم أن مخلوقات البحر تسبح الله بطريقة لا إرادية؛ أي أنها مجبولة على التسبيح، فإنها واعية بوعي وشعور يناسب خلقتها وطبيعتها. وإلا فكيف نفسر مثلا استماع النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أنين جذع النخلة عندما تركه ولم يعد يقف عليه أثناء الخطبة، أو كيف ندرك مخاطبته صلى الله عليه وسلم لجبل أحد لما تحرك والنبي صلى الله عليه وسلم فوقه صحبة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قائلا: "إهدأ أحد فإن فوقك نبي وصديق وشهيد". فكذلك البحر له تواصل معين مع بني آدم وباقي المخلوقات. قد نخلص انطلاقا من هذه الحقائق  إلى أن البحر الذي يسبح الله، يملك كيانا روحيا ومعنويا وشعورا معينا.

إن هذا البحر، أيها القراء الأفاضل، قد عاش في سلم وأمن ووئام مع البشرية طوال آلاف السنين، إلى أن جاء بشر الحضارة الغربية، فآذوه ماديا ومعنويا. فمن حيث الجانب المادي؛ عمدوا إلى طرح نفايات المصانع والقاذورات البشرية في جوفه الطاهر، وتسببوا بذلك في قتل خلق عظيم من حيواناته ونباتاته.

ومن حيث الجانب المعنوي؛ فإنهم قد آذوه بعريهم ومنكراتهم وفواحشهم القذرة. فترى العراة وأشباه العراة يلطخون مياهه ويدنسونها بفسقهم وحيوانيتهم القذرة المقيتة. لذا فهو يتألم ويئن، لكن لا يحس بأنينه وشكواه إلا المؤمن. أما العراة المفسدون فهم في غمرة ساهون، وفي أوساخهم يتمرغون، وفي غيهم يعمهون. وإذا أردت أن تنصحهم بقولك لهم: إن عريكم وفحشكم يؤذي البحر كما يؤذي ذوي الحياء والمروءة من الناس، رموك بالتخلف والجمود، وربما قالوا لك: أخرجوهم من شاطئكم إنهم أناس يتطهرون ويستحيون !!

بل أكثر من هذا، إن هؤلاء الشياطين من الآدميين سخروا أبواقا إعلامية للدفاع عن منكراتهم وفواحشهم، وللسخرية من الذين يتطهرون ويسبحون بلباس يستر أبدانهم وعوراتهم. إن هؤلاء الشياطين من الآدميين الذين فسد معدنهم، وفسدت فطرتهم بسبب فحشهم وعريهم، لا يطيقون رؤية السباحين المستورين، وكذلك الشيطان لا يتحمل رؤية المؤمن التقي.

وكثيرا ما يأذن الله للبحر فيغضب يزمجر فيرعب الغافلين بالعواصف أو التسونامي فتكون الكارثة. ومع ذلك يقولون: هذا غضب الطبيعة. ومن أغضب الطبيعة ؟ قال تعالى: "فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" (الحج 46).

د. عبد الله الشـارف، مكـة المكرمـة، ذو القعدة 1437- غشت 2016.

الاضطرار مخ الدعاء

0

الاضطرار مخ الدعاء


قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المبين: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض" (النمل 64). يتبين بعد التدبر أو الفهم الأولي لنص الآية الكريمة، أن الله أقرب ما يكون إلى عبده المضطر وهو يدعوه ويستغيث به، مما يجعل المتأمل في هذه الآية يخلص إلى وجود تلازم وارتباط وثيق بين حال الاضطرار وإجابة الدعاء.

ولعل الاضطرار مستويان أو نوعان:

المستوى أو النوع الأول يمكن نعته بالتلقائية؛ أي اضطرار تلقائي لا ينفك عنه المسلم. فالمسلم التقي، انطلاقا من حال الافتقار؛ "يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله" (فاطر15)، دائم الشعور بالاضطرار التلقائي الناتج عن إيمانه القوي بالله، وتعلقه بأسمائه وصفاته. وهذه الحال من أسمى الأحوال الإيمانية التي لها ارتباط وثيق بالعبودية لله. وهكذا تجد المسلم المتنعم بحال الاضطرار التلقائي، يرفع يديه ويدعو ربه سبحانه بقلب خاشع موقن بالإجابة. ولا يقلق إن تأخرت تلك الإجابة، كما لا يسخط لعدم وقوعها وتحققها لكونه يعلم أن الخير فيما يختاره الله لعباده.

إن حال الاضطرار التلقائي هذا هو حال إيماني روحي، يحياه المسلم التقي حيثما حل وارتحل، لأنه دائم الصلة بالله، محافظ على أوامره، مجتنب لنواهيه. ولما كان معظم المسلمين أهل غفلة وكسل وتهاون في الدين، حرموا نعمة الاضطرار التلقائي. ولذا تجدهم إذا دعوا الله دعوه بقلوب ساهية خربة، خالية من الصدق والإخلاص. بل لعل كثيرا منهم لا يقين لهم في الإجابة. وهذا حرمان وأي حرمان جره المسلم الغافل بكامل إرادته إلى نفسه، وتجرع مرارته سواء شعر أم لم يشعر.

والمستوى الثاني للإضطرار هو المشار إليه في قوله تعالى، "أمن يجيب المضطر إذا دعاه". وهو الاضطرار المعبر عن الوضع النفسي المتأزم أو الخطير الذي يعتري الإنسان في كل زمان ومكان، أو بعبارة أخرى هو ذاك الاضطرار إلى الله الذي ينبعث من قلب الإنسان، وقد حلت به مصيبة أو داهمته قارعة، أو مشكلة كبيرة تهدد عقله وكيانه... قال تعالى: "فإذا  ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ليكفروا بما آتيناهم" (العنكبوت 65-66)... إلى غير ذلك من الآيات المشيرة إلى هذا الاضطرار.

ولا شك أن الإنسان، مسلما كان أم كافرا، وقد حلت به المصيبة حتى أيقن بالهلاك، يكون أقرب إلى الله بحيث يدعوه بكل كيانه، مستحضرا في قلبه ألا مخلص له سواه سبحانه. وهذا شعور فطري في الإنسان متجذر في باطنه بحيث لا يمكنه دفعه، بل يستغرق كيان المضطر اللهفان حال معاناته وتألمه، حتى فرعون نفسه الذي ادعى الألوهية، عبر عن هذا الشعور الفطري بقوله: "آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين" (يونس 90).

نحن إذن أمام أمر فطري ووجداني عميق في كيان الإنسان، يدل على عبودية هذا الإنسان وافتقاره المطلق إلى الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: "إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا" (مريم 94).

ومن ناحية أخرى قد لا أجانب الصواب إذا قلت: إن المؤمن الصادق التقي قد يعتريه حال من الخشية واليقين والقرب، يجعله يشعر بشيء من الاضطرار الثاني. ويكفي مثالا على ذلك ما تطفح به كتب التراجم والسير من أخبار متعلقة بزهد وعبادة وخشية كثير من العباد والعلماء والدعاة والمصلحين الربانيين، تشير إلى أحوالهم الإيمانية السامية أثناء تهجدهم وقيامهم الليل أو قراءتهم للقرآن، أو غير ذلك من ألوان الطاعات والقربات، وما حصل لبعضهم من الكرامات. وأخبار الصحابة والتابعين في هذا المعنى والسياق أكثر من أن تحصى. وهذه الأحوال لا تنقطع ما بقي الإسلام والمسلمون.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت أيضا؛ إن المسلم المجتهد في العبادة والتقرب إلى الله، يستطيع استدعاء واستحضار الاضطرار الثاني إذا أعد العدة وكان من أصحاب الهمم العليا. ولا تسل بعد ذلك عن الفوائد الإيمانية والمعرفية التي يجنيها وقد تفيأ ظلال حال الاضطرار المشار إليه.

إن المسلم الذي يجتهد مثلا في التهجد وقيام الليل والناس نيام، مرتلا في صلاته القرآن بخشوع وتدبر، قد يمر بآيات الوعد والوعيد، فيهتز كيانه، ويقشعر جلده، ثم يستغرقه مشهدا الجنة والنار، ويغدو كأنه ينظر إليهما، آنذاك قد يشعر لا محالة بالاضطرار الثاني، ولله في خلقه شؤون. ولا ريب أن هذا المسلم التقي وقد غمره الشعور بحال الاضطرار الثاني، يكون أقرب إلى الله سبحانه، فيتيسر له الدعاء النابع من أعماق قلبه، كما يصبح موقنا بالإجابة. ولذا فإن الاضطرار الأول والثاني، فيما يبدو، لهما علاقة وثيقة بمخ العبادة، والله تعالى أعلم. فما أحوج المسلم الذي يروم تربية نفسه وتزكيتها والسمو بروحه، إلى استدعاء واستحضار حال الاضطرار بنوعيه.

وأختم هذا المقال بنصين  رقائقيين لهما علاقة بالموضوع:

"إذا تمكن الخوف من قلبك ملكت التمييز، وتحركت الجوارح بالأمر، وسكنت بالنهي، وانمحى الاعتراض لضعف قوة النفس، وتلاشى الفرح إلا برحمة الله، والحزن إلا للتقصير في العبادة، ووقعت الإجابة بالطلب أو دونه لحصول الانسجام بين ذاتك والكون ولصدق اضطرارك؛ (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) والاضطرار إليه عين الخوف منه وحبلك الموصل إليه."

"عليك بالاضطرار، فقد تقارب الزمان، وضاق الوقت، وأوشكت ساعة نفسك على التوقف ؛ (أمن يجيب المضطر إذا دعاه)، ولذ بالافتقار، فلا ملجأ لك إلا هو؛ (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله )، وبادر إلى الفرار فقد سعرت النار ولفحك لهيبها ولما تراها؛ (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين)، واستنجد بالعزيز الغفار قبل أن يطلع النهار، فيغشى ضوؤه الأبصار، وقتئذ تعنو (الوجوه للحي القيوم)، ويتميز الحق من الباطل والمؤمنون من الكفار."

(من كتاب "في أدب الرقائق"، د. عبد الله الشارف،  ص 57 و 124 تطوان المغرب 2015)


د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة، ذو القعدة 1437- غشت 2016.

أيها الإنسان الغربي...

0
أيها-الإنسان-الغربي

أيها الإنسان الغربي !!

أيها الإنسان الغربي المتحضر !!؟

أيها الإنسان الغربي المتكبر.

أيها الإنسان الغربي المتجبر.

أيها الإنسان الغربي صاحب الد يمقراطية والعدالة والإنسانية والتنوير والحداثة... هل هذه المعاني والمبادئ هي التي دعتك إلى استعباد الناس وسفك دماء الشعوب منذ زمن الاستعمار والاستيطان إلى الآن ؟

أهي التي تحملك على نشر رسالة الاستعباد والإرهاب والعنف في العالم ؟

أهي التي تجعلك تتصور نفسك من طينة غير طينة باقي البشر ؟

هل الديمقراطية هي التي تحكم على من يقرأ القرآن ويتبع سنة محمد صلى الله عليه وسلم، بأنه إرهابي وظلامي، وتحكم على من يقتل الأبرياء ويعذب الضعفاء وينشر قيم الرذيلة والقيم المادية المنافية للدين والفطرة بأنه حضاري ورسالي ؟ ما لكم كيف تحكمون ؟

كان عليك أيها الإنسان الغربي أن تحترم ثقافات الناس وحضاراتهم ودياناتهم، ولا تؤذيهم وتتسلط عليهم، وتستهدف قيمهم وخصوصياتهم. كان عليك أن تقدر سنة الاختلاف وتستوعب معادن الناس وأصولهم ومشاربهم، واختلاف ألسنتهم وألوانهم وعقلياتهم وتقاليدهم. كان عليك أن تنظر إلى الآخر بمنطق الانسانية والتعايش.

ما كان ينبغي لك أن تدمر وتبيد قبل بضعة قرون، أمما وحضارات في أمريكا الشمالية والجنوبية، وأن تدمر قرى ومجتمعات في افريقيا وآسيا أثناء الفترة الاستيطانية والاستعمارية.  ما هذه ديمقراطية، ولا إنسانية، ولا رسالة حضارية... بل هذا هو الإرهاب الحقيقي الذي مارسته طوال قرون وما زلت تمارسه إلى الآن بأشكال وأساليب مباشرة أو غير مباشرة وحربائية.

أتظنن أيها الإنسان الغربي أن غيرك من البشر عبيدا وخولا لك ؟ أتظنن أن الظلم الذي خرب عروش وكراسي الاباطرة  والأكاسرة والجبابرة، سيستثنيك من الخراب والدمار؟ إن الحربين العالميتين ليستا منك ببعيد، بل لا زالت آثارهما تسري في ذاكرتك وكيانك.

والله إنك لتخبط خبط عشواء في صحراء ظلماء. ولكأني أتحسس ريحا فيها عذاب شديد قد أوشكت على تدميرك وأخذك على غرة. قال تعالى: "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون" ( إبراهيم 44).

إن دعوات المظلومين والمشردين واللاجئين وضحايا الحرب في العراق وسوريا وفلسطين... ليس بينها وبين الله حجاب.

أيها الإنسان الغربي إنك لما أقمت القطيعة بينك وبين السماء، بينك وبين خالقك، بينك وبين مسيحيتك، وقعت في فخ ألوهية الإنسان؛ أي حصل لك تضخم باطني وإعجاب بإنسانيتك، فبارزت ربك بإلحادك.

ليتك بقيت مسيحيا، بل ليتك أسلمت لله ودخلت في دين الاسلام الذي بشرت به التوراة والإنجيل، لتنعم بما ينعم به المسلمون من الطمأنينة وحلاوة العبودية.

أيها الإنسان الغربي؛ إنك تحارب الإسلام وتعتدي على المسلمين، بل تعتدي على نفسك

أيها الإنسان الغربي؛ إني أدعوك إلى إزاحة النظارة السوداء عن عينيك، تلك النظارة التي تنظر من خلالها إلى غيرك دينا وثقافة وحضارة.

أدعوك أيها الإنسان الغربي إلى قراءة جديدة نقدية في مبادئ ثقافتك وأسس فلسفتك وأهداف حضارتك.

أدعوك أيها الإنسان الغربي إلى الاستفادة من التاريخ ومن أحوال الأمم والحضارات السابقة. ولا تظنن أن التاريخ قد توقف عندك، أو بدأ من حيث بدأت حضارتك... وأن الحضارات متعاقبة وأعمارها كأعمار البشر من حيث الطفولة والفتوة والشباب ثم الكهولة فالشيخوخة. ولعل شيخوخة حضارتك تكون أسرع في حياتها من شيخوخة الحضارات السابقة....

إني أدعوك أيها الإنسان الغربي وأدعوك وأدعوك... لكن كما قال الشاعر :

أسمعت لو ناديت حيا """ ولكن لا حياة لمن تنادي

ونار لو نفخت فيها أضاءت"""  ولكنك تنفخ في رماد

لقد بدأ الرعب يسري في كيانك بسبب بعض القتلى في بلدك هنا وهناك، على أيدي مواطنيك، نشأوا في أرضك، لكنهم ذاقوا مرارة ظلمك وعنصريتك، فثاروا عليك. ولعل الأيام وهذا ما يخشى، تباغثك بما لا يطاق من الدواهي المدهية والمصائب المبكية التي يشيب لها الولدان. وقد تخرب بيتك، ما لم تتب وترجع عن غيك وظلمك، بيدك ويد من استعبدته وظلمته... سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان المغرب، شوال 1437. يوليوز 2016.

أمة ضيعت دينها...

0
يا-امة-ضيعت-دينها

 

أمة ضيعت دينها فأذلها الله وأعمى بصيرتها، فهي تشقى وتعاني وتتعذب: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى".

أمة ضيعت دينها، فركنت إلى الجهل واستمرأت مياه مستنقعه، فضلت الطريق وهامت على وجهها.

أمة ضيعت دينها وسنة نبيها، فأفسدت عقيدتها حين دانت بدين الصوفية الطرقية والقبورية والعقلية الخرافية. ومكثت على هذه الحال بضعة قرون إلى أن داهمها المستعمر، وأذلها وسامها سوء العذاب عقابا من الله.

أمة ضيعت دينها فسلط الله عليها الكفار من اليهود والنصارى يتدخلون، باسم العولمة والد يمقراطية و...، في حياتها الاجتماعية والدينية والتربوية والثقافية والسياسية. ويفرضون عليها كفرهم وعلمانيتهم، ويتهمون دينها بالإرهاب.

أمة ضيعت دينها فسلط الله عليها الكفار من اليهود والنصارى، يعلمونها دينا جديدا الذي هو: الحوار الديني، ووحدة الأديان والشرائع السماوية، والموسيقى الروحية والدينية، والتسامح الديني، والهدف من وراء هذا الدين الجديد؛ هو العمل على انسلاخ المسلمين من دينهم والخضوع والركوع لليهود والنصارى.

أمة ضيعت دينها فسلط الله عليها الكفار من اليهود والنصارى يلزمونها، باسم حقوق الإنسان، باحترام الشواذ والمثليين اللوطيين، واحترام آراء وأفكار المرتدين من الملاحدة والحداثيين الذين الذين يطعنون في ثوابت وأحكام الإسلام، ويستهزئون بالقرآن والسنة.

أمة ضيعت دينها فأصابها الوهن وغدت غثاء كغثاء السيل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها  (انظر الحديث) وجاء الكفار والصليبيون الحاقدون وجاسوا خلال الديار وقتلوا مئات الآلاف من المسلمين العزل في العراق وسوريا، وأجبروا ملايين آخرين على الهجرة. إنها لمصيبة العصر ونكبة الدهر وداهية الدواهي ولا معتصم لها !!

أمة ضيعت دينها فعاقبها الله بحب الدنيا وكراهية الآخرة؛ فضعف الإيمان أو خبت جذوة ناره، وقست القلوب، وركنت النفوس إلى الشهوات والملذات العاجلة الفانية، ومات الشعور بالأخوة في الدين حتى غدت مشاهد قتل المسلمين وتشريدهم وتهجيرهم، كانها صور شريط سينمائي لا تؤثر في في قلوب مشاهديها من المسلمين الغافلين "الآمنين".

أمة ضيعت دينها فابتلاها الله بداء حب اليهود والنصارى وتقليدهم والتشبه بهم وخدمتهم والخضوع لهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراعا حتى لو دخلوا جحر ضب  (انظر الحديث). فأصبحت لغات النصارى (الإنجليزية والفرنسية...) أحسن وأرفع مكانة من اللغة العربية، واحتفل كثير من المسلمين بأعياد النصارى، وصار لباس النصارى أفضل من لباس المسلمين، وغدت عاداتهم أجمل من عادات المسلمين، وأسلوب حياتهم وتفكيرهم أنفع وأجدى من أسلوب حياة وتفكير المسلمين....

أمة ضيعت دينها وفتقت ما كان رتقا؛ حيث أقامت قطيعة بين الدنيا والآخرة، فعبدت الدنيا وعكفت عليها بقلبها، بينما قامت بما فرض عليها من عبادة وواجبات نحو ربها في قالب أو صورة لا روح فيها. وهكذا فرقت بين الدنيا والآخرة، فجعلت الدنيا حية والآخرة ميتة، ونسيت قوله تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" (الأنعام 162).

حسبنا الله ونعم الوكيل، وإلى الله المشتكى.

د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة رمضان 1437. يونيو 2016.

الإنسان وقيود نفسه

0

الإنسان وقيود نفسه


إن الانسان وهو يسعى وراء تحقيق أمر أو إنجاز عمل، ينبغي أن يكون متصفا بالإرادة، ومدركا للطريق أو المنهج المؤدي إلى تحقيق ذلك الأمر أو إنجازه، إضافة إلى توفر عناصر نفسية أو معنوية أخرى؛ مثل التفاؤل، والصبر، والمرونة، وحسن التكيف، والتفاعل والتواصل مع البيئة الاجتماعية.


ومن بين العوامل النفسية المساعدة أيضا على تحقيق الآمال وإنجاز الأعمال؛ هناك عامل ذاتي باطني قلما يلتفت إليه؛ وهو تحرر النفس من مجموعة من الأوصاف والأخلاق التي قد تعيق، بل قد تقف في وجه العمل والإنجاز. ويصعب على الإنسان التخلص منها بالكلية، أو دفعة واحدة. ومن بين هذه الأخلاق والأوصاف على سبيل المثال: العجب، والغرور، والكبر، والرياء، والطمع، والحسد، والحرص الشديد على حظوظ النفس، والأنانية، والخوف.

وقلما يسلم الإنسان من بعض هذه الأخلاق الذميمة والسلبية، لا سيما إذا كانت نفسه تلهث وراء الحظوظ الدنيوية، أو كانت أسيرة شهواتها ورغباتها. وقد يستطيع الإنسان بلوغ مراده الدنيوي وتحقيق أمله وهو سجين هذه الأخلاق، لكن بعد معاناة نفسية واجتماعية. ذلك أن الإنسان المغرور والمتكبر والأناني...، تعترض سبيله كثير من المشاكل بسبب شخصيته المتكبرة أو المغرورة أو الأنانية... مما قد يؤدي إلى نوع من النفور بينه وبين وسطه الاجتماعي، والذي بدوره قد يؤثر سلبا على شخصيته ونفسيته، فيضطر مثلا لممارسة الكذب والنفاق كي يستميل قلوب الناس، مع تحمل المعاناة النفسية الناتجة عن ذلك السلوك. ويكفيه ألما نفسيا اطلاع الناس على أهدافه ونواياه الخبيثة والدنيئة.

بيد أن هذا الإنسان الطموح إذا استطاع التخلص من تلك الأخلاق الذميمة والمستهجنة، فسيخلو له الجو لا محالة، وسيظفر بما يطمح إليه دون مكابدة أو معاناة نفسية. لكن هيهات، فأنى له أن يتخلص منها وقد امتزجت روحه بروحها، وما أصعب الفتق بعد الرتق.

أما الإنسان اللبيب الطيب، ذو الصدق والمروءة والشهامة، فيجب عليه، وهو في طريقه إلى تحقيق الأهداف النبيلة؛ كتحصيل علم نافع، أو الانخراط والإسهام في أمر إصلاحي أو دعوي... أن يجاهد نفسه ويجتهد في اجتناب تلك الأوصاف والأخلاق النفسية الدنيئة، وكذا الأهواء والحظوظ الذاتية التي تتعارض مع تلك الأهداف السامية التي يروم تحقيقها.

إن هذا الإنسان ينطلق بقوة وثبات نحو إنجاز عمله العلمي أو الدعوي أو التربوي... ولا يعتريه في ذلك كسل أو فتور لخلو باطنه من تلك الأخلاق والموانع النفسية. وكلما جاهد نفسه وزكاها وهذبها وروضها على الأخلاق الحسنة حتى ينقاد طبعها وتركن إلى أصل فطرتها، كلما كانت النتيجة والثمرة أطيب وأنفع له ولغيره. وحينئذ يشق طريقه نحو العلا والأهداف السامية، بكل سهولة وتلقائية ويسر.

وإذا ما اطلعنا على سير الأبطال والقادة والمصلحين والدعاة والعلماء الصادقين، وجدنا أنهم كانوا متصفين بالأخلاق الإنسانية السامية، وأنهم قد عملوا على تجريد أنفسهم من الصفات والأخلاق السلبية، لكونها تتعارض مع أهدافهم النبيلة ومشاريعهم البناءة. كما أنهم استرخصوا كل نفيس لديهم في سبيل الوصول إلى تلك الأهداف، فكانت الأخلاق الكريمة من كرم وشجاعة وصدق وإخلاص وتواضع وإيثار...بارزة في هيكل شخصياتهم وفي مظاهر سلوكهم وتصرفاتهم.

إن من يريد قطع خمسين كيلومتر في اليوم الواحد مشيا على الأقدام، قد ينجح في مسيرته، بخلاف إذا أراد قطع المسافة نفسها وهو يحمل على ظهره كيسا يزن ثلاثين كيلوجرام. فالأول مثل من يريد نيل العلا وإنجاز الأعمال الهامة بدون قيود نفسية. والثاني مثل من يحلم بتحقيق ذلك مع الاحتفاظ بالقيود النفسية والتعلق بها. ولقد ثبت علميا ونفسيا منذ القدم وفي كل الحضارات والثقافات، أن الإنسان كلما كان متحررا من القيود النفسية؛ من عجب وكبر ورياء وحسد وخوف وطمع ونفاق وأنانية... كلما كان نظره صائبا وأحكامه ومواقفه رشيدة وسديدة وأهلا لتحقيق الإنجازات والأعمال العظيمة والرائعة في شتى الميادين. إن تلك القيود هي بمثابة الحجب التي تمنع صاحبها من النظرة الثاقبة والرأي السديد والموقف الرشيد. فإذا رقت تلك الحجب أو أزيحت، جاء النصر والظفر وتحققت الآمال.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان، شعبان 1437-يونيو 2016.

فوبيا الصلاة

0

فوبيا الصلاة


نشرت لبنى أبروك قبل بضعة أشهر في جريدة هبة بريس المغربية الإلكترونية خبرا هذا نصه: "كشفت صحيفة "الديلي ميل" البريطانية، عن تعرض شاب مغربي للطرد من طائرة فرنسية بسبب أدائه للصلاة.

الصحيفة، ذكرت أن الموظفين أجبروا الشاب على النزول من الطائرة، بسبب أدائه للصلاة من كرسيه، خصوصا أنه تم رصده قبل ذلك، وهو يشاهد أفلاما دينية، مما خلف جوا من الريبة في صفوف ركاب الطائرة.

وأضاف ذات المصدر، أنه تم إجباره على النزول بمطار كوبنهاجن بالدانمارك، حيث تعرض لتفتيش ليسمح له بمواصلة الرحلة إلى فرنسا، بعدما تأكدوا بعدم توفره على ما يدعو للخوف."

لا شك أن أحداث العنف الأخيرة التي شهدتها بعض عواصم أوربا (باريس شارل إيبدو،  مطار بروكسيل...) بالإضافة إلى الأسلوب الذي تتحدث به وسائل الإعلام الغربية عن واقع وقضايا الإسلام والمسلمين، كل ذلك أدى إلى خلق مناخ نفسي لدى الغربيين مشحون بالقلق والخوف.

بيد أنه إذا رجعنا إلى عقود الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الميلادي المنصرم، لا نجد أثرا لهذا المناخ النفسي المعقد. فلم تكن هناك حرب إعلامية معلنة على الإسلام والمسلمين رغم أن العنصرية كانت ولا تزال متفشية. أما الآن؛ فإن المسلمة المحجبة والرجل المسلم الملتحي والمسجد الذي تقام فيه الصلاة... كل ذلك قد أصبح، في وعي الإنسان الغربي، مصدر خطر يهدد حياته، علما بأن هذه المظاهر والرموز الدينية لا علاقة لها بما يسمونه: "الإرهاب".

والحقيقة أننا نعيش حربا إعلامية وسلوكية ونفسية وصليبية ضد الإسلام و

المسلمين؛ ذلك لأن الإسلام، دينا وثقافة وحضارة، يتحدى الغرب ولا ولن يركع له. بل سينتصر عليه، لأن الإسلام آخر الأديان وجاء للناس كافة، كما أن القرآن الذي هو هدى وشفاء للناس، تحتوي آياته وسوره على نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي وأخلاقي، يصلح للبشرية كلها عاجلا وآجلا. كما أنه يجيب عن كل الأسئلة المتعلقة بحياة الإنسان الدنيوية والأخروية. ثم إن الإسلام يملك في جوهره عناصر القوة والبقاء والاستمرارية، والتحدي المتواصل الذي يجسد صراع الحق والباطل.

إن الفراغ الروحي الذي يحياه الإنسان الغربي هو المسؤول بالدرجة الأولى عن هذه النفسية الهيستيرية تجاه الإسلام والمسلمين. وإذا رجعنا إلى التاريخ الإسلامي المشرق واطلعنا على حياة اليهود والنصارى، طيلة قرون عديدة، بين ظهراني المسلمين سواء في الشرق أو الغرب، وجدنا أنهم كانوا يعيشون في أمن وسلام، يمارسون دينهم وحرفهم وأعمالهم، ولهم حقوق وعليهم واجبات كباقي المواطنين. فلم تكن تزعجهم صلاة المسلمين ولا لحاهم ولا حجاب نسائهم ولا أذان صلواتهم...

لكن أعداء الإسلام والمسلمين اليوم من الصهاينة والمسيحيين والمنصرين والمستشرقين لما رأوا ضعف المسلمين وتفرقهم وجهلهم وبعدهم عن دينهم ...، أرادوا أن يجهزوا عليهم ويبيدونهم. إنهم الآن يستعملون كل ما في وسعهم للوصول إلى هذه الغاية.

ورغم نشاط وعمل عشرات الآلاف من المؤسسات والجمعيات والمراكز التنصيرية والاستشراقية واليهودية والصهيونية، إضافة إلى زرع الفتن والحروب والصراعات بين المسلمين، من أجل القضاء على الإسلام وإضعاف المسلمين، فإن هذا الدين لا يزداد إلا صلابة وقوة وانتشارا، الأمر الذي حير كثيرا من الكتاب والمسؤولين الغربيين، ولينصرن الله دينه وهو سبحانه غالب على أمره.

د.عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان المغرب شعبان 1437-ماي2016

هل التصوف شرط في تربية النفس وتزكيتها ؟

1
   هل-التصوف-شرط-في-تربية-النفس-وتزكيتها

يرى الصوفية، قديما وحديثا، استحالة الوصول إلى إصلاح النفس وتزكيتها بدون تصوف. كما يذهبون إلى أن التصوف دعت إليه الشريعة الإسلامية من خلال حثها على التحقق بمقام الإحسان الذي هو روح التصوف أو التصوف نفسه. بل ذهب بعض الصوفية إلى أن التصوف أنزل من السماء؛ وفي هذا الصدد يقول الشيخ الصوفي أحمد بن عجيبة في مطلع كتابه: "إيقاظ الهمم في شرح الحكم":

“وأما واضع هذا العلم، فهو النبي صلى الله عليه وسلم علمه الله له بالوحي والإلهام. فنزل جبريل عليه السلام أولاً بالشريعة. فلما تقررت نزل ثانياً بالحقيقة. فخص بها بعضاً دون بعض. وأول من تكلم فيه وأظهره سيدنا على كرم الله وجهه، وأخذه عنه الحسن البصري ….وأخذه عن الحسن حبيب العجمي، وأخذه عن حبيب أبو سليمان داوود الطائي ..وأخذه عن داوود أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي رضي الله عنه، وأخذه عن معروف الكرخي أبو الحسن سري بن مغلس السقطي، توفي سنة إحدى وخمسين ومائة وأخذه عن السري إمام هذه الطريقة ومظهر أعلام الحقيقة، أبو القاسم محمد بن الجنيد …..ثم انتشر التصوف في أصحابه وهلم جرا ولا ينقطع حتى ينقطع الدين.

ومن رواية أخرى، أخذه عن سيدنا علي رضي الله عنه أول الاقطاب سيدنا الحسن ولده، ثم عنه أبو محمد جابر، ثم القطب سعيد الغزواني ثم القطب فتح السعود ثم ….ثم القطب الكبير مولاى عبد السلام بن مشيش، ثم القطب الشهير أبو الحسن الشاذلي، ثم خليفته أبو العباس المرسى، ثم العارف الكبير سيدي أحمد بن عطاء الله ثم …..ثم العارف سيدي العربي بن عبد الله، ثم العارف الكبير سيدي على بن عبد الرحمن العمراني الحسني، ثم العارف الشهير شيخ المشايخ سيدي ومولاي العربي الدرقاوي الحسني، ثم العارف الكامل المحقق الواصل شيخنا سيدي محمد بن أحمد البوزيدي الحسني ثم عبد ربه وأقل عبيده أحمد ابن محمد بن عجيبة الحسني، ثم عنه خلق كثير والمنة لله العلي الكبير وأما اسمه فهو علم التصوف واختلف في اشتقاقه على أقوال كثيرة.”

أي افتراء هذا؟ وأي كذب وبهتان؟ متى كان النبي صلى الله عليه وسلم متصوفا؟ وما هي الأحاديث التي تشير إلى هذا الباطل؟ ومن هم الصحابة الدين مارسوا التصوف؟ وما هي الطريقة الصوفية التي اشتهرت عندهم؟ أين الأدلة على هذه الدعوى؟ أين الحجج العقلية والنقلية؟

إن قوله: ” فنزل جبريل عليه السلام أولاً بالشريعة، فلما تقررت نزل ثانياً بالحقيقة، فخص بها بعضاً دون بعض”، يعني أن الدين ينقسم إلى شريعة وحقيقة، أي؛ كما يقولون، ظاهر وباطن. وبعبارة أخرى؛ فإن الشريعة تمثل الهيكل، والحقيقة تمثل الروح. إن جبريل نزل في البداية بالهيكل، فلما تقرر، نزل بالحقيقة. فخص بها بعضا دون بعض !! أي أن الصحابة فريقان؛ فريق يعلم الشريعة ولا علم له بالحقيقة، وفريق يعلمهما كليهما !!

وذهب الصوفية أيضا إلى أن "من لا شيخ له فالشيطان شيخه"، إذ الشيخ هو الذي يدلك على الله ويوصلك إليه. وهو الواسطة اللازمة من خلال البيعة. فالشيخ ضروري ولازم لتربية النفس والسمو بها في مقامات الإيمان والإحسان.

 

وقد أشار  أبو حامد الغزالي إلى هذا المعنى: "فكذلك المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه إلي سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض، وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة، فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لامحالة، فمن سلك سبيل البوادي المهلكة بغير خفير فقد خاطر بنفسه وأهلكها، ويكون المستقل بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها، فإنها تجف على القرب، وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر. فمعتصم المريد بعد تقديم الشروط المذكورة شيخه. فليتمسك به تمسك الأعمى على شاطئ النهر بالقائد... ، وليعلم أن نفعه في خطئه لو أخطأ أكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب." (؟ !! ) (أبو حامد الغزالي: " إحياء علوم الدين" ، ج 3، ص 112-113.

إن القارئ المتأمل قد يعجب لهذه الأفكار الغريبة التي سطرها العلامة أبو حامد الغزالي في هذا النص، تلك الأفكار التي تتعارض كليا مع منطق العقل والنقل.  فقوله "إن سبيل الدين غامض "، لم يقل  به عامة الناس من المسلمين بله علماؤهم . إن الأدلة العقلية والنقلية على يسر الدين، ووضوح منهاجه، واستواء مسلكه، أكثر من أن تحصى. إن الله الذي خلق العباد و أمرهم بعبادته، وأرسل الرسل وأنزل الوحي، يستحيل أن يأمرهم بما لا يطيقون وبما لا يفهمون أو بما هو غامض. ومن الأدلة النقلية قوله تعالى " إن هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا" ( الإنسان 3 ).

ومن السنة قول النبي (ص): "تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك".

ثم إن قول أبي حامد الغزالي: " فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة"، قول مردود عليه. نعم نحن جميعا نعلم  أن الشيطان عدو الإنسان الأكبر، لا يتوقف عن إغواء الآدميين والكيد لهم واهلاكهم، بيد أن الله يقول:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" ( الحجر 42)، ويقول أيضا :" إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف  من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون" (الأعراف 201).

والغريب أن المطلع على شطحات كثير من الشيوخ الطرقيين، وانحرافاتهم وتكالبهم على الدنيا، واستعبادهم لمريديهم، وأكاذيبهم ودعاواهم، ومسوخاتهم ومنكراتهم، لا يشك أن هؤلاء هم الشياطين حقا، كما قال تعالى: "شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" (الأنعام 113).

إن قول الصوفية باستحالة الوصول إلى إصلاح النفس وتزكيتها دون الاعتماد على التصوف، قول لا ينهض على دليل، بل يكذبه واقع وحياة المسلمين على مر العصور. فإذا رجعنا مثلا إلى حياة المسلمين الدينية فيما بين القرنين الأول والسادس، حيث خلو هذه المرحلة من التصوف الطرقي، وجدنا أن هؤلاء المسلمين كانوا يمارسون عبادتهم وحياتهم الدينية بطريقة تلقائية، كل حسب مستوى إيمانواجتهاده وتقربه إلى الله.

ولم يكن التصوف الذي ظهر في أواخر القرن الثاني للهجرة، مشاعا بين الناس. وإنما اهتم به طائفة من المسلمين ودعوا إليه. فنسبتهم إلى عامة المسلمين ضعيفة جدا، وعددهم لا يذكر إذا قورن بعدد المسلمين.

فهل معنى هذا أن غير الصوفية من المسلمين لم يعملوا على إصلاح النفس وتزكيتها ؟ إن كتب التاريخ والتراجم مليئة بذكر حياة كثير من العباد والزهاد والفقهاء والعلماء من الذين شهد لهم المسلمون بالصلاح والاستقامة والورع، ولم يكونوا صوفية.

وهل تصوف الأئمة الأربعة؛ مالك والشافعي...؟ وهل تصوف تلاميذهم الذين أخذوا عنهم العلم ؟ وهل تصوف مئات العلماء والأدباء والأطباء و... وغيرهم ممن أثروا الثقافة الإسلامية بإنتاجهم العلمي والأدبي ؟ فكيف نحكم على هؤلاء بعدم ممارستهم لتزكية النفس لكونهم لم يكونوا من الصوفية ؟

نعم لقد كثر عدد المتصوفة بعد القرن السادس الهجري، بسبب ظهور وانتشار الطرق الصوفية التي مال إليها كثير من المسلمين، الذين جعلوا من الشيوخ الطرقيين أئمة يهتدون بهم، حتى انتهى بهم الأمر إلى تقديسهم والاستغاثة بهم أحياء وأمواتا. وإن المطلع على حياة أولئك الشيوخ وحياة مريديهم، ليدرك أن هؤلاء كانوا ولا يزالون أبعد الناس عن إصلاح النفس وتزكيتها وتطهيرها على منهج النبوة.ولا يتسع المجال هنا لذكر المصائب والويلات والانحرافات السلوكية والعقدية، التي انتشرت بين أتباع الطرق الصوفية.

وأما قولهم؛ إن التصوف دعت إليه الشريعة الإسلامية من خلال حثها على التحقق بمقام الإحسان الذي يرادف في تصورهم مقام التصوف، فإنه قول بعيد عن الصواب، وليس له من الأدلة والبراهين إلا ما هو من قبيل السراب. والإحسان كما جاء في الحديث الصحيح: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، ومعناه مقام أو منزلة إيمانية تجعل المؤمن مستحضرا ربه في قلبه حتى كأنه، من شدة اليقين، يراه. إنها مراقبة الله سبحانه وخشيته. إن منزلة الإحسان هي أسمى منزلة إيمانية يبلغها المؤمن بتوفيق من الله مع المجاهدة والتحلي بصفات المتقين.

وإذا كان الإحسان يعني أن تعبد الله كأنك تراه، فإنه يستلزم العبادة كما أمر الله ورسوله. فكيف نرادف بينه وبين التصوف الذي ابتدع أهله وشيوخه في مجالات متعلقة بالعبادة كذكر الله سبحانه ؟

إن مصطلح الإحسان مصطلح ديني إيماني يقوم على معاني إيمانية مستلهمة من الكتاب والسنة، ومسيجة بسياجهما. في حين أن مصطلح التصوف تؤسسه معاني وآراء مستلهمة من اجتهادات ومواقف المتصوفة والتي لا تخلو من أهواء وميولات شخصية. فلا ترادف ولا تطابق بين المصطلحين. وبعبارة أوضح؛ كيف يمكننا الجمع أو التوفيق بين الإحسان كمصطلح إيماني رصين ودقيق، وبين التصوف الطرقي كسلوك في العبادة قائم على البدع والأباطيل والدجل ؟

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان المغرب. رجب 1437- ماي 2016

العبادة بين التكليف والتشريف

1
العبادة-بين-التشريف-والتكليف

جمعني لقاء بشابين طالبين باحثين فاضلين: عبد الله الغامدي، وعبادة الكيلاني. وبينما نحن نتحدث في موضوع الإيمانيات، إذ توجهت بالكلام إلى عبادة قائلا:

ما أجمل "عبادة" أهل الجنة !! فرد علي: لا عبادة في الجنة.

فقلت: يا عبادة؛ العبادة نوعان: عبادة تكليف، وعبادة تشريف. الأولى في الدنيا والثانية في الجنة. ومن الأدلة على وجود الثانية، قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن أهل الجنة: "ويلهمون التسبيح كما يلهمون النفس". أو ليست هذه عبادة يا عبادة ؟

إن الله قد أكرم أهل الجنة بكل أنواع النعم، ولولا أن التسبيح من أجل النعم بل أجلها، لما ألهمهم إياه كما ألهمهم النفس. وإذا كان الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده"، فكيف يستثني عباده المكرمين في الجنة ويحرمهم من هذه النعمة ؟ إن الآية تفيد أن كل شيء يسبح أي يعبد الله، فالتسبيح إذن عبادة، وما دام أن أهل الجنة يسبحون فإنهم يعبدون الله. بيد أن عبادتهم هذه ملهمة وخارجة عن إرادتهم إن صح التعبير.

وبما أن أهل الجنة انتقلوا من دار التكليف إلى دار النعيم، فإن الله قد أسقط عنهم عبادة التكليف، وأكرمهم بالعبادة الكونية؛ أي أنهم قد انتظموا في سلك قانون التسبيح الكوني الأبدي، وغدا كيانهم يلهج بالتسبيح، وهم في الوقت نفسه يتنعمون بنعم الجنة، ويتناولون ما يشتهون على سرر متقابلين، ولله في خلقه شؤون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا يكون اشتغال أهل الجنة بذلك أعظم من كل شيء كما في الحديث: " إن أهلَ الجنةِ يُلهمُون التسْبيحَ كَمَا يُلهَمُونَ النَّفَس " (رواه مسلم) وهو يبين غاية تنعمهم بذكر الله ومحبته"(الفتاوي ج 10).فهذا نعيم لا يشغلهم عنه ولا يلهيهم ما بين أيديهم من النعيم المخلوق لأن لذّته أعظم مما هم فيه. وبالمناسبة أزف إليك نصوصا أدبية رقيقة ولطيفة لها علاقة بالموضوع، أقتطفها من كتابي: "في أدب الرقائق" (ص 71-72-92-167).

لذة الذكر

لا تعبده على رسم التكليف، مجردا عن المحبة والتزليف. فغاية العبادة رؤيته، ولذة القلب ذكره, وما تلذذ أهل الجنة بأعظم من تلذذهم برؤيته وذكره إذ "يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس". فأصل محبته في قلبك، واذكره على كل أحوالك، واعلم ألا طعم للجنة إلا بذكره ورؤيته، وأن حقيقة العبودية في تأمله جل جلاله وعكوف القلب عليه، وعند كشف الغطاء يفرح المؤمن باللقاء .

 

إذا استغرق الذكر كيانك

إذا سكت لسان فمك عن الدنيا ونطق لسان قلبك بالآخرة، وتجوهرت نفسك بالذكر حتى استغرق كيانك، واستمعت إلى لغته العذبة بسمعك الباطني، وحصل لك الهيام بالتهليل والتسبيح، وصرت كانك مجذوب وما بك جذب، فاعلم أن الله قد فتح في قلبك نافدة تطل منها على جنة الذكر، وأن أهل الجنة، جعلني الله وإياك منهم، "يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس"، وأن ذكرك يوقد من شجرة الإيمان تكاد أغصانها تتلألأ نورا ولو سكت لسان قلبك ساعة.

لابد لك من ذكره

يا عبد الله لا بد لك من ذكر ربك، في يومك وغدك، ودنياك وآخرتك. يا عبد الله إذا ذكرته، ستذكره في جنتك، تحت ظلال أشجارك، وعلى ضفاف أنهارك، وبين حور عينك ونسائك. يا عبد الله شتان بين ذكرك له مع أنفاسك، وذكرك له مع زفراتك وآهاتك. وشتان بين ذكرك؛ يا حبيبي اشتقت لرؤيتك فإذا بمركب بجانبك يحملك إلى مولاك، وبين ذكرك؛ "يا مالك ليقض علينا ربك". فالبدار البدار، والتوبة التوبة، وما أراك تطيق رؤية مالك.

 

كن موصولا بالحق

إذا رمت التلذذ بشئ فلم تظفر بلذة، أو كان حظك ضعيفا، أو كطيف لم يلبث أن توارى، فاعلم أنك لم تكن موصولا بالحق وأن حبلك منقطع. واعلم أن لا تلذذ في الحقيقة إلا ما كان مع الذكر والقرب والحضور، وأن لذة الغفلة والبعد أماني وسراب وغرور. فاظفر بالأصل تنعم به وبالفرع، وإلا فلا أصل ولا فرع وإنما ضرب في حديد بارد.

 

أنشودة الذكر

 

ذكري نَفَسي نَفَسي ذكري؛ “سبق المُفَردون”

ذكري سكينتي، ذكري أمني، ويُتَخَطف الناس من حولي

ذكري سياحتي، ذكري تأملي؛ “ويتفكرون في خلق السموات والأرض”

ذكري حريتي، ذكري إرادتي وعزيمتي، ذكري استجابتي لما يحييني؛ “استجيبوا لله

وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم”

ذكري عمارة قلبي، ذكري غراس جنتي؛ “سبحان الله وبحمده”

**********

ذكري دوائي من أسقامي، ذكري سلاحي في نحر عدوي؛ الوسواس الخناس

ذكري جنتي؛ عدني وفردوسي؛ “أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر”

ذكري جلاء همي وحزني، وحياة روحي ونور قلبي؛ يسعى بين يدي، ويضيء ما حولي؛ “يهدي الله لنوره من يشاء”

ذكري يقظتي من غفلتي، وتوبتي من خطيئتي، وزوال غشاوتي عن مهجتي؛ “وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور”

ذكري نَفَسي، نَفَسي ذكري؛ “أهل الجنة يُلهمون التسبيح والتكبير كما تُلهمون النفس”

**********

ذكري غذائي، ذكري رحيقي، ذكري شرابي من سلسبيلي

ذكري لذتي، ونعيم قلبي؛ ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل

ذكري أنيسي في خلوتي، ورفيقي في جلوتي: “أنا جليس من ذكري”

ذكري قائما، ذكري قاعدا، ذكري على جنبي، وفي جميع أحوالي، وأتفكر في خلقه، و أجني العنب من الدوالي

ذكري يحجبني، ذكري يقيني غيبتي ونميمتي، ولغوي وغفلتي، ذكرى يذكرني إذا طاف بي

شيطاني؛ فإذا أنا مبصر

**********

ذكري قناعتي، ذكري رزقي وغناي، ذكري وقايتي من فقري وفاقتي؛ “من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين”

ذكري خادمي، ذكري معيني؛ ييسر عسيري ويذلل صعابي؛ “لا حول ولا قوة إلا بالله”

ذكري أفضل أعمالي، وتاج أقوالي، ونور أفعالي

ذكري أكبر من صدقتي، ومن بري وإحساني، ومن حجي وعمرتي؛ “ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون”

ذكري مداد قلمي، وروح كلماتي، ونور بصري في قراءتي، ومرشدي في مذاكرتي، وباب معرفتي. والذكر بالتذكر، والعلم بالتعلم، والله يحيي القلوب بالذكر والحكمة، كما يحيي الأرض بوابل السماء.

 

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان المغرب، رجب 1437-أبريل 2016.

 

 

 

حوار إيماني

0
حوار-ايماني

حدث شاب صديقه:

لقد وعدك البارحة مدير بالعمل في شركته، بدءا من مطلع الشهر القادم. أليس كذلك ؟

أجل.

ووعدك الله الفردوس والملك الكبير والنعيم الخالد إن أنت عبدته مخلصا له الدين.

أجل.

هلا أخبرتني بنسبة اليقين في الوعدين كليهما ؟

وعد مدير الشركة يتراوح اليقين فيه ما بين صفر ومائة. ووعد الله يتجسد فيه اليقين مائة في المائة.

حدثني عن شعورك وأملك خلال مقابلتك لمدير الشركة.

لما استقبلني في مكتبه، أحسست بروح السعادة تسري في كياني، وهمت في عالم الآمال والأحلام، واستيقنت أن ما كنت أرجوه وآمل تحقيقه قد دنا مني وأقبل علي.

أخبرني عن شعورك ومناجاتك لربك وأنت تصلي.

آه، ما أتعسني. لو كان شعوري وأملي وأنا أناجي ربي في صلاتي شبيها بشعوري وأملي وأنا أقابل المدير، لفزت بالحسنيين ونعيم الدارين.

هل هذا يعني أن يقينك في الله أضعف من يقينك في مدير الشركة ؟

كلا، إن يقيني في الله الرزاق الرحيم أقوى من يقيني في المدير ووعوده.

لكن كيف تفسر الفرق الواضح، على المستوى النفسي، بين مقابلتك للمدير ومناجاتك لربك أثناء صلاتك ؟ وبعبارة أخرى؛ ما هو تعليلك لوجود التركيز العقلي وحرارة الوجدان، وسريان معاني الآمال والأحلام في كيانك وأنت تتحدث إلى المدير من جهة ؟ ومن جهة أخرى شعورك بالفتور العقلي وضعف التركيز واليقظة، وضعف أأأأو برودة في الوجدان، وانصراف عن جوهر الصلاة إلى السياحة في خواطر النفس وأهوائها وأنت تصلي ؟

إن ما أشرت إليه نفيس وصحيح، وأظن أن سبب ذلك يكمن في ضعف الإيمان.

لكنك قلت قبل قليل؛ إن يقينك في الله أقوى من يقينك في مدير الشركة ووعوده.

نعم وما زلت أعتقد ذلك.

وكيف يمكن الجمع يا صديقي، بين قوة اليقين في الله ووعده، وضعف الإيمان به ؟

أجل يمكن الجمع بينهما، بل إن المسلمين لديهم اليقين في أن الله لا يخلف وعده، وأن الجنة حق والنار حق. ومع ذلك فإن معظمهم مقصرون ومذنبون وغافلون، وما ذلك إلا لضعف إيمانهم.

اسمع يا صديقي وكن فطنا؛ إن اليقين الذي لا يثمر قوة في الإيمان، ولا يكره إليك الذنوب والمعاصي، ولا يجنبك الغفلة، هو يقين إقرار لا يقين ذوق ووجدان وإحسان. قال رسول الله صىلى الله عليه وسلم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا" (رواه مسلم). وجاء في حديث آخر صحيح: "... والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

إن يقين الإقرار؛ أي أنك تقر أن الله لا يخلف وعده...، لا يكفي يا صديقي، بل لا يعول عليه، ويشترك فيه الصالح والطالح. إنه ينبغي أن يتواطأ في اليقين عقلك وقلبك، وما ثم غير قلبك. وإلا فأنت تضرب في حديد بارد، ولن تبلغ المراد.

يا صديقي؛ إن القطيعة إذا أقيمت بين العقل أي القلب واليقين الذوقي الإحساني، فإن ذلك يؤدي إلى ضعف في الإيمان، وتعلق شديد بالدنيا وعالم الشهادة، وعزوف عن الآخرة وعالم الغيب. وهذا هو الداء الذي عز دواؤه، وغاب بين الناس أطباؤه.

جزاك الله على هذه النصيحة والإشارة اللطيفة، وسأراجع نفسي وأتأمل حالي إن شاء الله قبل فوات الأوان.

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، رجب 1437- أبريل 2016.

 

 

معشر الصوفية الأفاضل

0
معشر-الصوفية-الأفاضل

إخواني، معشر الصوفية الأفاضل، لقد تبين لي من خلال هذا العمل أن المناظرة في القضايا المذهبية من أصعب أنواع المناظرات، لأن كلا المتناظرين يرى أن صاحبه أو مناظره غير متجرد من الأهواء والميولات . فالمعترض على التصوف البدعي الطرقي يعتبر لدى مناظره المتصوف، وهابيا أو جاهلا بالتصوف، ولو قدم هذا المعترض ألف حجة وبرهان. والأمر كذلك بالنسبة لمدعي التصوف إزاء مناظره المعترض.

فلو قال المعترض مثلا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تستحيل رؤيته يقظة بعد موته، بدليل أن ليس أحد من الصحابة أو التابعين ومن تبعهم بإحسان خلال القرون الأولى ادعى ذلك، وإنما ادعى تلك الرؤية شيوخ  وأقطاب بعد ظهور وتطور بدعة التصوف، لأجابه مدعي التصوف: إنك جاهل بعلوم القوم وأذواقهم أو مصاب بآفة الوهابية. بيد أنني أتساءل: لماذا لم يقم أحد من هؤلاء الأدعياء بدعوة الناس لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم عندما رآه أو حضر معه حتى يقيم الحجة على المعترض أو الوهابي؟ أليس لأنه يفتري أو خيل إليه أنه يراه؟

وكذلك إذا قال المعترض: إن المسلم لا يستطيع الطيران في السماء بدون آلة، ولا يستطيع إقامة صلاة الظهر في أقصى المشرق وصلاة العصر في أقصى المغرب دون الاستعانة بوسيلة نقل، ولا أن يستجيب، وهو ميت في قبره، لمستغيث يستغيث به، ولا أن يتصرف في أحوال الناس وأرزاقهم كما يفعل الأقطاب والأبدال والأوتاد، لأجاب مدعي التصوف أن كل هذا يستطيعه شيوخ التصوف وأقطابه وأوتاده، ولا دليل له على ذلك سوى أنه مسطر في كتبهم كما أنه يجري على ألسنتهم. وقس على هذا ما لا يتسع المجال لذكره من الترهات والطامات والمسوخات.

وكذلك إذا قال المعترض: هذا الذي تسمونه علوما لدنية لم يكن موجودا عند الصحابة والتابعين، ولا يشبه من قريب ولا من بعيد إلهاماتهم وفتوحاتهم في فهم الدين وإدراك حقائقه. فمن من الصحابة أو التابعين تفوه بكلام من جنس كلام ابن الفارض في تائيته، أو الجيلي في كتابه؛ "الإنسان الكامل" ، أو ابن عربي في "فتوحاته" أو "فصوصه"،أو الدباغ في كلامه الذي لم يحسن دبغه، أو الشعراني أو التيجاني أو ابن عجيبة أو الحراق.... لأجاب مدعي التصوف بالجواب نفسه، ولا دليل يستدل به سوى الهوى.

ولوقال المعترض: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تجعلوا قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”[21]. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: “لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”[22] .

وقال صلى الله عليه وسلم: ألا وان من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أوليائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، اني أنهاكم عن ذلك.”[23]

وعندما خالفوا أمره صلى الله عليه وسلم، جرهم ذلك الى مفاسد عظيمة، حيث اعتقدوا في أصحاب الأضرحة الضر والنفع وقضاء الحوائج، وتقربوا اليهم بالذبائح والقرابين، وطلبوا منهم ما يطلبه العباد من ربهم، واستغاثوا بهم الى غير ذلك من ألوان الشرك التي تفسد العقيدة. أقول: لو قال المعترض كل هذا لأجابه المتصوف الطرقي: أنت تنكر بركة الأولياء ونفعهم للعباد، وتنفي كراماتهم وما خصهم الله به، وما يشبه هذا الكلام.

ولو قال المعترض: ان كل واحد من الشيوخ الطرقيين يزعم أنه تلقى ذكرا وأورادا خاصة بطريقته من الغيب، إما من الله مباشرة، أو من الرسول صلى الله عليه وسلم يقظة أو مناما، أو من الخضر عليه السلام، مثل ما هو موجود في الطريقة التيجانية، حيث يجلس المريد الذاكر جلسة التشهد، مغمضا عينيه، مستحضرا صورة الشيخ أحمد التيجاني، شيخ الطريقة، ويتخيل أن عمودا من النور يخرج من قلب الشيخ ويدخل في قلبه..

ولهم ذكر آخر يوم الجمعة عند الغروب، حيث يرددون لا اله الا الله ألف مرة مع السماع؛ وهو انشاد شئ من الشعر بالغناء والترنم جماعة ، ثم يقولون: الله حي، والمنشد ينشدهم وهم قيام حتى يخلص عندهم الى لفظ : آه، آه، آه. ويسموه هذه الحالة: العمارة. ثم يصلون صلاة الفاتح لما أغلق خمسين مرة، ثم لا اله الا الله مئة مرة، ثم صلاة جوهرة الكمال اثني عشرة مرة. وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة، يحضرون، في زعمهم، عند قراءة جوهرة الكمال، لذا يجب التطهر بالماءن وليس التيمم، قبل قراءتها. ومن شروطها أيضا تهييئ الفراش الطاهر الذي يسع خمسة أشخاص، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر ومعه الخلفاء الأربعة !!!؟[24] .

ان العبادات التي شرعها الله توقيفية فلا مجال للرأي فيها، ومع كل هذا الانحراف لا يستحيي الصوفية الطرقيون ولا يردعهم عقل أو دين من الزعم الدائم أنهم يهتدون بالكتاب والسنة.

أقول: لو قدم المعترض هذا الكلام وأثبته بالحجج والبراهين، فان المتصوف الطرقي لن يعدم جوابا من جنس الأجوبة السابقة التي تنبت في أرض الأهواء والشركيات والضلالات.

اخواني الصوفية: قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: “من كان منكم مستنا، فليستن بمن كان مات، أولئك أصحاب محمد، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيهم واقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فانهم كانوا على الهدى المستقيم”.[25]

فمن خالفهم زاعما أنه أتى بطاعة و قربة، فلا يخلو حاله من أمرين: اما أنه جاء ببدعة ظلما، واما أن يكون مدعيا فاقهم فضلا وعلما، بل كان مالك رحمه الله تعالى يقول: “من أحدث في هذه الأمة شئ لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الدين؛ لأن الله تعالى يقول: “اليوم أكملت لكم دينكم”، فما لم يكن يومئذ دينان لا يكون اليوم دينا”.[26]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد”.[27] أي مردود على صاحبه غير مقبول. وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: “كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم، فلا تعبدوها فان الأول لم يدع للآخر مقالا”.

اخواني الصوفية: ان التصوف الطرقي ملئ بالبدع والمخالفات والضلالات، بدءا من أخذ العهد وتقديس الشيوخ أحياء وأمواتا، والاستغاثة بهم، ومرورا بالقبورية والمواليد والمزارات، ثم طي الزمان والمكان والكشوفات والمعارج، وهم جرا ومسخا… كل هذه المظاهر البدعية المستحدثة وغيرها، يدين بها الصوفية الطرقيون، ويتقربون بها الى الله، وهم بذلك خالفوا أمر الله ورسوله، حيث أنهم أدخلوا في عبادتهم لله ما لم يأمر به. ومن هنا فاني أخشى أن يصدق عليهم أو يعمهم قوله تعالى: “فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم” (سورة النور: 63)

إخواني المتصوفة الأفاضل؛ كلانا متمسك برأيه ومدافع عنه، فلا معنى للاستمرار في هذه المناظرة، ولذا فإنني قررت التوقف عن الحوار معكم في هذا الموضوع، وسوف أقوم، إن شاء الله، بطبع هذه المناظرة ونشرها كي يستفيد منها القراء.

أسأل الله العلي القدير أن يرزقنا السداد في القول والعمل. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.

تطوان، صفر الخير 1432 هجرية يناير 2011 ميلادية.

د. عبد الله الشارف؛ مقتطف من كتابي: "مناظرة صوفية معاصرة". منشورات الزمن-الرباط المغرب 2014.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حوار بين مقيم ومهاجر

0
Syrian refugees go through passport control before boarding the passenger ship "Eleftherios Venizelos" at the port on the Greek island of Kos, August 16, 2015. The vessel will house more than 2500 refugees and migrants who entered the country from theTurkish coast and will be used as a registration center for migrants.The United Nations refugee agency (UNHCR) called on Greece to take control of the "total chaos" on Mediterranean islands, where thousands of migrants have landed. About 124,000 have arrived this year by sea, many via Turkey, according to Vincent Cochetel, UNHCR director for Europe. REUTERS/Alkis Konstantinidis

قال أحد المهاجرين العرب في أوربا:

لقد بدأ الإسلام في العقود الأخيرة ينتشر انتشارا واسعا في كثير من بلدان النصارى ولعل السبب في ذلك وجود مئات الآلاف من المسلمين العاملين والمقيمين مع أسرهم في هذه البلدان، حيث الاحتكاك والتأثر المتبادل بين الطرفين، مما نتج عنه إقبال عدد كبير من الأوربيين على الإسلام، وهذه الظاهرة لم تكن معروفة قبل هجرة العمال المسلمين إلى أوروبا والإقامة فيها.

وما دام الأمر كذلك، فإن إقامة المسلم في هذه البلاد تبدو ضرورية إن لم تكن واجبة؟! لأن المسلم العربي ينبغي أن يساند أخاه المسلم الأوربي. ويشد أزره كي تقوى بينهما الأخوة الدينية، مما يساعد على نشر الإسلام وإقامة الدولة المسلمة؟!!

فأجابه صديقه المقيم في بلاده :

قولك إن انتشار الإسلام في بلدان النصارى سببه وجود المسلمين العاملين في هذه البلدان، قول يفتقر إلى دليل، ورأي سقيم بعيد عن السداد والصواب.

والقول الراجح والمحكم في هذه المسألة، هو ما أثبته الدارسون المتخصصون في كتاباتهم وأبحاثهم حول هذه الظاهرة، بعد أن وقفوا على حقيقة الأمر وجليته، فاتضح كما يتبين الصبح لذي عينين. لقد أكد هؤلاء الدارسون أن سبب إقبال الغربيين على الإسلام يرجع بالدرجة الأولى، إلى عوامل داخلية متعلقة بطبيعة الحضارة الغربية المعاصرة، تلك الحضارة التي فقد فيها التوازن بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان، حيث طغى الجانب الأول على الثاني بعد أن حيل بين هذا الإنسان وبين القيم الروحية والإيمانية، بسبب الفلسفة العلمانية. فانتشرت الأمراض والعقد النفسية وكثرت المشاكل الأسرية والاجتماعية، واستفحل الانتحار والعنف والإرهاب، وظهرت فلسفات التمرد والغثيان.

كل هذه الظواهر المرضية وغيرها نجمت عن ذلك الاختلال بين العنصرين الجوهريين: المادي والروحي وتغليب العنصر الأول على الثاني.

وهكذا اندفع الإنسان الغربي؛ بسبب وطأة الفراغ الروحي؛ يبحث في الثقافات، والفلسفات، والديانات العالمية، لعله يعثر عن دواء أو بلسم. فمنهم من أصبح بوذيا، ومنهم من عكف على ممارسة اليوكا، أو ما أشبهها من الرياضات والفنون الروحية الأسيوية، وانخرط آخرون في جمعيات ومنظمات روحية، أو صوفية، أو تلك التي لها علاقة بالجن والشياطين، والبعض الآخر، الذي هو بيت القصيد؛ بحث في الإسلام فوجد فيه ضالته وراحته، كما أكد أولئك الدارسون أن البحث العلمي والثقافي السائد اليوم عند الغربيين، بالإضافة إلى المؤسسات والمعاهد العلمية المتخصصة في التراث الإسلامي، كل هذا يعتبر من العوامل الممهدة لقبول الإسلام والدخول فيه. كما لم يغفل هؤلاء الباحثون عامل الصحوة الإسلامية وما صاحبها من وقائع وأحداث ومنعطفات تشير إلى مظاهر اليقظة في البلدان الإسلامية، الأمر الذي أثار انتباه الغربيين ودعاهم لمزيد من البحث والدراسة.

هذه باختصار أهم العوامل التي، في نظر الباحثين المتخصصين، تكمن وراء إسلام الغربيين. نعم قد يدخل شاب أوربي في الإسلام بسبب زواجه من بنت عربية أو أندونيسية تنتمي إلى عائلة مسلمة مهاجرة، أو بسبب علاقة إنسانية طيبة جمعته بشاب أو رجل مسلم مهاجر، لكن هذه الحالات تعتبر ناذرة ولا ترقى إلى مستوى عامل من العوامل الأساسية في نشوء ظاهرة الإسلام في الغرب.

وهب أن إقامة المهاجرين المسلمين في بلاد أوربا والغرب، تعتبر العامل الأساسي الذي دفع بكثير من الغربيين إلى الدخول في الإسلام، أليس من الخسارة والدمار، أن ينسلخ مآت الآلاف من أبناء وأحفاد المسلمين المهاجرين، عن دينهم وهويتهم، كي تدخل، جدلا، جماعات من الغربيين في الإسلام، والقاعدة الفقهية تقول: "الضرر لا يزال بالضرر"، كما تقول: "درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة".

إن ذلك المسلم المهاجر الذي يفرح عندما ينظر إلى شخص أوربي قد دخل في الإسلام، ينسى أن أبناءه أو أحفاده لا يعرفون عن الإسلام، شيئا ويخضعون لتربية علمانية صارمة، ويتنفسون في مناخ ثقافي واجتماعي لا ديني، وهم بذلك أميل وأقرب إلى التنصر والكفر، الذي فر منه ذلك الأوربي المسلم.

قال المهاجر:

إذا كان المهاجرون المسلمون المقيمون في الغرب ليس لهم، كما ذكرت، دور مهم في جلب الغربيين إلى الإسلام، أفلا ترى معي أن هؤلاء الغربيين المسلمين محتاجون إلى مؤازرتنا ومساندتنا خاصة أنهم أصبحوا غرباء في بلدانهم؟!

فأجاب المقيم:

إن المسلم المهاجر في أوربا أحوج إلى المؤازرة والمساندة، ذلك أن حياته الاجتماعية تستدعي الرحمة، والشفقة، والمواساة، وبيته الأسري المتصدع أوهن من بيت العنكبوت، ومعاناته النفسية والاجتماعية، بلغت حدا لا يطاق تنفطر لها القلوب رحمة، وتسيل لها العيون رأفة، ويبكي لها الحجر الأصم.

فكيف يؤازر ويساند من هو مهيض الجناح خائر القوى؟

ثم إن هذا الأوربي الذي أقبل على الإسلام ليس ضعيفا في بلده، أو مظلوما، ولا يحتاج إلى مؤازرة أحد، بل يشق طريقه في الحياة بقوة الإيمان والعلم، بعد أن أكرمه الله بنعمة الإسلام.

أما أنت يا عزيزي المهاجر المسلم، يا من كانت "هجرته لدنيا يصيبها" تأمل حالك وحال أبنائك وأحفادك، وأين أنت وأولادك من الصلوات الخمس في جماعة كما أمر الله؟ ومن إتيان الحلال واجتناب الحرام؟

أين أنت وأبناؤك من قراءة القرآن وصلة الأرحام؟

أين أنت من الولاء والبراء؟

أين أنت؟ أين أهلك وأبناؤك؟ ما هو مصير الأبناء؟ والأحفاد وأحفاد الأحفاد؛ إنه التلاشي، الذوبان، الله، الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

قال المهاجر:

لو كان بلدي أحسن من بلد النصارى لما فارقته، ولو كانت أخلاق ومعاملة المسلمين بعضهم لبعض أحسن من معاملة الأوربيين بعضهم لبعض لما حصلت عندي الرغبة في الهجرة ولما فكرت فيها البتة، لكن جذبني عدل هؤلاء بعد أن قهرني ظلم أبناء جلدتي.

 

قال المقيم:

ذكرت أن الأوربيين يتصفون بالعدل، والأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، فلماذا يمارسون العنصرية ضد المهاجرين العرب والأفارقة ويحتقرونهم، ويسندون إليهم الأعمال الصعبة والشاقة، التي يأبى العمال الأوربيون مزاولتها، ويمنعونهم من ممارسة الشعائر الدينية كما أمر الله، حيث لا يبيحون لهم الأذان عند الصلاة، ويحاربون حجاب المرأة، ويكرهون أبناءهم على التربية العلمانية الفاسدة الهدامة، ويتهمونهم بالعنف والإرهاب وكل الصفات الذميمة إلى غير ذلك مما لا أذكره الآن.

قال المهاجر:

إن العنصرية التي يمارسها بعض النصارى في بلاد الغربة، لا يذهب ضحيتها إلا من لا يحترم نفسه، ولا ينضبط بضوابط المدنية، من المهاجرين العرب والأفارقة السود. في حين أن المهاجرين الذين يحترمون قوانين البلاد، ويعرفون ما لهم وما عليهم، ولهم رغبة صادقة في الاندماج، فلا يتعرضون للأذى. أما الأعمال الصعبة أو الحقيرة، التي يشتغل بها كثير من المهاجرين  فإنها تناسب مستواهم الاجتماعي والثقافي، ومؤهلاتهم المهنية المتواضعة أو الضعيفة، فكيف تسند إليهم أعمال ليسوا أهلا لها، أو لا يمكنهم القيام بها؟

أما عن الممارسة الدينية، فإن المساجد وأماكن العبادة موجودة في معظم الأحياء التي يقطن فيها المهاجرون المسلمون، بيد أن الغربيين لا يتحملون سماع الأذان، أو النظر إلى المآذن والصوامع، كما تشمئز نفوس المسلمين عندما تقع أعينهم على كنيسة في بلادهم الإسلامية، أو تقرع آذانهم الأجراس والنواقيس. ثم إن الإيمان في القلب؛ فليس من الضروري أن يعبر المسلمون المقيمون في أوربا عن دينهم وشخصيتهم الإسلامية بكل المظاهر والسمات التي يظهرون بها في بلدانهم، خاصة وهم تحت سلطة حكومات وقوانين علمانية.

وأما التربية العلمانية في المدارس والمعاهد والمؤسسات، فإنها تعبر عن إرادة واختيار أصحابها، وما دام المسلمون المهاجرون يقيمون في بلاد الغرب، ويعتبرون هم وأبناؤهم مواطنين كغيرهم من الغربيين، فإن عليهم أن يحترموا شروط المواطنة ومبادئها؛ حيث أن الدولة هي المسؤولة عن تربية رعاياها ومواطنيها مهما كان أصلهم أو لونهم أو دينهم، تربية تنسجم مع ثقافتها وحضارتها. فليس من المنطقي أن تنادى أقلية مسلمة مستضعفة بإيجاد ومنح تربية إسلامية أو شرقية لأبنائها من المواطنين الأوربيين وإن كانوا من أصول عربية مسلمة؟!

إنما يمكن للمهاجر المسلم أن يلقن أبناءه مبادئ الإسلام وأركانه، وشعائره، فلا أحد يمنعه من ذلك. إلا أن الإيمان كما قلت مقره القلب، وليس من الضروري الإعلان والإشهار، وممارسة بعض السلوكات، أو الظهور بمظهر إسلامي، لا يرضي الأوربيين، بل يثير بواطنهم، فتحدث ردود الأفعال التي عادة ما توصف بالعنصرية والاعتداء؟!

فأجاب المقيم:

فهمت من كلامك أن على المسلم المهاجر في بلاد الغرب أن يحترم قوانين وآداب البلاد التي يقيم فيها، ويسعى إلى الاندماج  في المجتمع الغربي النصراني، وذلك من خلال تقبل ثقافته وتقاليده، واستيعاب مبادئ التربية العلمانية التي يدعو إليها ويربي عليها أبناءه، وأن ينبذ أو ينسلخ ولو ظاهريا، من كل السمات والمظاهر التي توحي بأنه مسلم، كي لا يصطدم بالآخرين، ولا يكون هدفا لسخريتهم، أو إيذائهم. وتبين لي أن تصريحك هذا يدل على أن الدين بالنسبة للمسلم المهاجر في بلاد الغرب، ليس ضروريا، وأن مكانه لا يتعدى دائرة قلبه وذلك في مقابل رضا النصارى.

كما استنجت من كلامك أيضا أن أبناء المسلمين وأحفادهم الذين نشأوا في بلاد الغرب وترعرعوا فيها، لا تصلح لهم إلا تربية الغرب وثقافته، وأن مسألة الذوبان والانسلاخ عن الهوية الدينية أمر حتمي وواقعي، لا يمكن دفعه، كما أنه لا يشكل خطرا على هؤلاء الأبناء والأحفاد مادام أنه اختيارهم. وهذا يذكرني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: "يولد الإنسان على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه"[1].

لقد صدق الحبيب المصطفى الذي لا ينطق على الهوى؛ إذ ما ذا يفعل هؤلاء المهاجرون المسلمون في الغرب بأبنائهم وأحفادهم – إلا من رحم الله -؟! ألم يسلموهم للغربيين النصارى كي يفعلوا بهم ما يشاؤون؟.

كم من شباب الجيل الثاني أو الثالث ذكورا وإناثا، تزوجوا بالأوربيات والأوربيين، وكونوا أسرا على النمط الغربي العلماني، وأنجبوا أولادا أشباه  نصارى أو علمانيين أو ما شئت. أو ليس الآباء  المسلمون المهاجرون هم المسؤولون بالدرجة الأولى عن تنصير أو علمنة أبنائهم وأحفادهم؟

أو لسنا أمام موريسكيين جدد في طريقهم إلى الذوبان والانصهار ثم الاندثار؟!!

ثم بعد بضعة عقود قد ينطق حفيد من الجيل السادس أو السابع قائلا: قيل لي أن أصلي عربي، وأن جدي الأول الذي قدم من المغرب أو مصر أو....كان مسلما، تماما كما يعترف الآن عشرات الآلاف من الأندلسيين أو الإسبان المسيحيين حيث يقولون إن أصولهم عربية وأن أجدادهم كانوا مسلمين!!!!

قال المهاجر:

أظن أنك تنظر إلى مستقبل المهاجرين وأبنائهم بعيون سوداء، عندما تقارن أو تماثل بين أجيالنا اللاحقة وبين المورسكيين الذين تنصروا بعد خروج المسلمين من الأندلس. والحال أن الفرق بين طبيعة المجتمعين: مجتمع المهاجرين المسلمين الآن ومجتمع المورسكيين، كبير جدا، ذلك أن هؤلاء المورسكيين كانوا يخيرون بين التنصر أو الموت والنفي، في حين لا أحد من الأوربيين يجبر أحدا من المهاجرين المسلمين على الخروج من دينه، أو الدخول في النصرانية.  وبعبارة أخرى؛ إن المجتمع الأوربي في العصور الوسطى، حيث الجهل والظلمات وسيطرة الكنيسة على العقول والنفوس، مجتمع قد ولى إلى غير رجعة. فالعلم قد حل محل الجهل، كما حلت الحرية الفكرية والدينية محل الاستبداد الكنسي، فمن أراد من الأوربيين الدخول في الإسلام فالباب مفتوح، ومن مالت نفسه إلى البوذية فسيجد من يدله على السبيل، ومن اعتقد الإلحاد ونفى وجود الإله، فهو حر في اعتقاده، ولا يعدم من يسانده ويوجهه، فالفلسفات الإلحادية كثيرة. والمهاجر المسلم الذي يريد الحفاظ على دينه لا يجد من يمنعه من ذلك، فأماكن الصلاة متوفرة، والقرآن موجود. بل يمكنك أن تقتني ما شئت من النسخ، في حين أنه كان ممنوعا في زمن المورسكيين، بل تعاقب الكنيسة كل من وجد عنده نسخة منه، وكانت تضطهد من يصلي، أو يعلم أبناءه اللغة العربية، إلى غير ذلك من مظاهر الظلم والاستبداد، ومحاولات سلخ المورسكيين عن هويتهم الدينية والثقافية، تلك المظاهر التي لا وجود لها في أوربا اليوم، أليس كذلك يا صديقي المقيم؟

أجاب المقيم:

كلامك صحيح لكنه لا يخلو من السذاجة والسطحية فقولك مثلا: "إن الحرية الفكرية والدينية قد حلت محل الاستبداد الكنيسي"، قول فيه نظر، ذلك لأن الحكومات الأوربية لا تعامل الطوائف الدينية المتواجدة في أرضها على قدم المساواة، فاليهود، أو البوذيون أو عباد الشياطين، أو غيرهم من أصحاب الملل، لو أرادوا تأسيس مقر أو مكان لممارسة عبادتهم، فإن تلك الحكومات تستجيب على الفور. في حين إذا تعلق الأمر ببناء مسجد تقام فيه الصلاة فإنها تعارض معارضة قوية، كما أن وسائل الإعلام المحلية، تجعل من بناء هذا المسجد قضية خطيرة، تهدد أمن وهوية وثوابت البلاد، وهي بذلك تثير شعور الحقد، والكراهية، في نفوس الأوربيين، مما يغذي عامل العنصرية ضد المهاجرين المسلمين، وما يقال عن المسجد يمكن أن يقال عن حجاب الفتاة أو المرأة المسلمة فكلاهما مستهدف، في حين لا تستهدف اليهودية أو البوذية أو ديانة أخرى، في شأن من شؤونها. فأين الحرية الفكرية أو الدينية التي ذكرت؟

أليس هذا يدل على استبداد كنسي جديد تدعمه حكومات تدعي الديمقراطية والحرية.

لست أرى فرقا جوهريا بين الاستبداد القديم والاستبداد المعاصر. أما من حيث الشكل فالفرق بينهما يكمن في أن الاستبداد الأول كان وحشيا ومباشرا في حين أن الاستبداد المعاصر، يعمل غالبا في خفاء، كما يتستر في لباس الديمقراطية والحرية أو العلمانية. أما من حيث النتائج فتكاد تكون متماثلة؛ أي فيما يخص الابتعاد عن الدين، فأبناء وأحفاد المورسكيين ابتعدوا عن دينهم ودين آبائهم وأجدادهم شيئا فشيئا، وكذلك يفعل أبناء وأحفاد المهاجرين المسلمين اليوم إلا من رحمه الله تعالى.

إن عامل الإكراه على الانسلاخ من الدين والهوية، الذي كان مباشرا فيما مضى، أصبح اليوم غير مباشر حيث أن أبناء الأجيال الجديدة واللاحقة من المهاجرين المسلمين، يشعرون بانسلاخهم عن دينهم وهويتهم لكونهم انسجموا مع ثقافة ومدنية المجتمع الأوربي الذي نشأوا فيه. ثم إنهم عندما يحسون بكراهية هذا المجتمع لثقافة ودين آبائهم يزدادون نفورا من كل ما يتعلق بذلك، كي لا يشعروا ببعض الآلام النفسية المرتبطة بازدواجية الشخصية. إن هذا هو منطق العلاقة بين القوي والضعيف ومنطق مقولة "الإنسان ابن بيئته".

[1] - حديث صحيح.

د. عبد الله الشارف كلية أصول الدين تطوان. جمادى الثانية 1437 – مارس 2016.

مشروع تقارب بين المدرسة والكتاب القرآني في البادية المغربية

0
ta7fid-koran

إن التعليم القرآني مكون عظيم من مكونات الحضارة الإسلامية، ورافد أساسي من روافد التراث التربوي والتعليمي في العالم الإسلامي.

كما أن الكتاب القرآني مهد العلماء، والفقهاء، والمفكرين، والمناظرين من أصحاب الفكر والمنطق على مر عصور تاريخنا المشرق.

ولا يخفى على أحد أن الكتاب القرآني، في الوقت الراهن، يعتبر أحد أركان البيت القروي في باديتنا المغربية، وبالتالي فهو مكون جوهري من مكونات الفضاء الديني والثقافي والتربوي، في عالم القرية. ناهيك عما يقوم به من المحافظة على التوازن البنيوي داخل العناصر المكونة للمجتمع القروي. والكتاب القرآني يسهم في استمرارية الخط الثقافي الأصيل، المتجذر في الحضارة المغربية، بدءا من حضارة الأدارسة، ومرورا بالمرابطين، والموحدين، والمرينيين، والسعديين، ثم العلويين.

بيد أن دور الكتاتيب القرآنية بدأ يتراجع عندما أنشئت المدارس في القرى؛ حيث أغلقت أبواب كثير منها، وبقي بعضها قائما. وهكذا بعد أن أقبل القرويون على المدارس وتركوا الكتاتيب القرآنية شبه مقفرة، برزت بعض المشاكل، أذكر منها ما يلي:

- بعد المدرسة عن كثير من المداشر والتجمعات السكنية.

- فقر معظم القرويين، وعدم استطاعتهم تحمل تكاليف التمدرس.

- عدم القدرة على بعث الأبناء إلى المدينة لمتابعة الدراسة.

- كثير من المعلمين والمعلمات لا يواظبون على الحضور.

- مكونات الفضاء المدرسي في القرى ليست في المستوى المطلوب ولا تلبي حاجيات التلميذ.

- مناخ العملية التعليمية الناجحة غير متوفر.

- التواصل بين المعلمين والآباء القرويين يكاد يكون منعدما.

- معظم الآباء القرويين لا يدركون أهمية المدرسة ووظيفتها، كما أن وضعية المدرسة وفضاءها لا يغريان بالاهتمام.

ومن خلال زيارات قمت بها، خلال التسعينيات من القرن الماضي، والسنوات الأولى من العقد الأول من هذا القرن، لبعض القرى والمداشر الكائنة في قبيلتي بني سعيد وغمارة من إقليمي تطوان وشفشاون، سجلت بعض الملاحظات المتعلقة بواقع التعليم والتمدرس هناك، من بينها:

- نفور معظم أبناء تلك القرى والمداشر من التعليم القرآني.

- إقبالهم على المدارس إذا كانت قريبة من سكناهم.

- لا زالت بعض الكتاتيب متواجدة، لكنها قليلة.

- انقطاع كثير من التلاميذ عن الدراسة قبل السنة السادسة.

- عدم توفر الشروط الصحية داخل الفضاء المدرسي.

- غياب المعلمين بكثرة.

- التلميذ القروي لا يحسن كتابة اسمه بعد سنوات من الدراسة، بله تعلم الحساب أو اللغة الأجنبية.

بيد أنني لاحظت أمرا عجيبا؛ وهو أن الولد الذي أدخله أبوه إلى الكتاب ليحفظ القرآن، متفوق جدا مقارنة بزميله الذي أمضى سنوات من عمره في المدرسة ثم غادرها. فالأول اكتسب من خلال حفظه للقرآن ثقافة عظيمة، غالبا ما يستفيد منها في سلوكه وحياته الاجتماعية، ولن يكون أبدا من الذين التحقوا بطابور الأميين. في حين أن الثاني سيكبر أميا، وسيحتاج إلى تلك الدروس، ويصعب عليه أن ينعم بالمستوى التعليمي والثقافي لزميله القرآني. وهذه المفارقة العجيبة لاحظتها عندما كنت أقضي عطلتي الصيفية في قرية ترغة من قبيلة غمارة.

ومنذ ما يقرب من عقد من الزمان، بدأ كثير من حفظة القرآن القرويين، يلجون أبواب بعض كليات الآداب وكليات جامعة القرويين، وذلك بعد الدراسة والتحصيل لمدة ست سنوات في المدارس العتيقة الموجودة في كثير من المدن المغربية، ثم حصولهم على شهادة باكالوريا التعليم العتيق.

ولقد أبرمت اتفاقيات بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وبين كثير من المدارس العتيقة، قبلت بموجبها هذه المدارس البرنامج التربوي والتعليمي المقترح من قبل الوزارة، حيث تم إدماجه في البرنامج التعليمي العتيق. كما تأسست على إثر هذا التقارب والاتفاق بين الطرفين، مديرية التعليم العتيق الكائنة بالرباط، والتي ترعى شؤون الجانب التربوي والتعليمي في المدارس العتيقة. ومن ناحية أخرى، عقدت وزارة الأوقاف مع وزارة التربية الوطنية، اتفاقية تقضي بنوع من الانفتاح والشراكة بين التعليم العمومي والمدارس العتيقة المدمجة تربويا في رحاب وزارة الأوقاف. وانطلاقا من هذه الاتفاقية، يمكن لتلميذ المدرسة العمومية أن يلتحق، إن شاء، بالمدرسة العتيقة إذا توفرت فيه شروط معينة، والعكس سواء.

وبهذه المناسبة أشير إلى أن كثيرا  من الطلبة الجامعيين الوافدين من المدارس العتيقة خلال السنوات الأخيرة، والذين التحقوا بكليات الآداب، شعبة اللغة العربية أو  الدراسات الإسلامية، وكليتي الشريعة بفاس وأصول الدين بتطوان، يعتبرون من بين الطلبة المتفوقين. وهذا ما لمسته شخصيا أثناء تدريسي في كليتي أصول الدين والآداب، كما أبدى الملاحظة نفسها بعض زملائي الأساتذة.

إن ما أريد أن أخلص إليه من كلامي هذا، هو أن يعمل المسؤولون في قطاع التربية والتعليم وقطاع وزارة الأوقاف، على مد الجسور بين الكتاب القرآني والمدرسة، في القرى والبوادي، وذلك عبر إيجاد طريقة تربوية تلزم تلميذ القرية بالذهاب إلى المدرسة والكتاب القرآني معا. أو بعبارة أخرى ينبغي أن يخصص لهذا التلميذ وقت معين يحفظ فيه القرآن داخل الكتاب القرآني الذي غالبا ما يكون مجاورا للمدرسة.

ولهذه الطريقة مزايا ونتائج إيجابية كثيرة، منها:

1- إن حفظ القرآن يقوي عند التلميذ ملكة اللغة، مما يساعد على تحسين مستوى لغته العربية، ويجعله أكثر استيعابا لكل ما يتعلق باللغة والنحو والإملاء والتربية الإسلامية إلخ.

2- إن الفقيه كثيرا ما يحدث الأولاد الحفظة عن قصص القرآن، وعن الأنبياء والرسل، وصفاتهم، وعن بعض القضايا المتعلقة بالعقيدة والعبادة والسلوك، ويرغبهم في الأخلاق الحسنة.

3- هناك عدد لا بأس به من المعلمين الذين يكثر غيابهم عن المدرسة، فيضيع تلاميذ القرية، لكن إذا كان هؤلاء التلاميذ ملزمين بالذهاب إلى الكتاب القرآني، فإن الخسارة تكون محدودة، لكون التلميذ ظل مرتبطا بالتعليم والتحصيل.

4- إن حفظ القرآن وتعلمه، واستيعاب قصصه، يقوي شخصية التلميذ وإرادته، ويشحذ ذهنه، مما يجعله قادرا على النجاح في كل سنة دراسية، الأمر الذي يجبنه الانفصال عن المدرسة الناتج عن التكرار. وظاهرة الانفصال هذه من أخطر الظواهر التربوية التي تعانيها المدارس القروية.

5- إن حفظ القرآن، الذي عادة ما يكون مقرونا بالصلاة، يجنب تلميذ القرية عوامل الانحراف الأخلاقي والسلوكات الشاذة، ويقوي في ذاته عوامل الاندماج والتكيف الاجتماعي السوي في محيطه القروي.

6- إن هذا التلميذ القروي الحامل لكتاب الله العزيز، إذا ما التحق بالمدينة لمتابعة دراسته في الإعدادية، يكون أقل عرضة للانحراف الأخلاقي والرسوب في الدراسة.

7- هذه المزاوجة المقترحة بين الكتاب القرآني والمدرسة، سيكون لها وقع طيب في نفوس أهالي القرية، لأن كثيرا منهم قد يئسوا من وظيفة المدرسة ودورها في التربية، ولعل الكتاب القرآني يقدم من خلال إشراكه في عملية التربية والتعليم، علاجا أو إصلاحا للوضع المزري.

8- إن التلميذ القروي الذي لم يلتحق بالمدينة لإتمام الدراسة، أو الذي غادر المدرسة بعد سنوات من التعليم، إذا كان حافظا لكتاب الله، فإنه لن يلتحق بطابور الأميين، كما أشرت قبل قليل.

9- إن تشجيع التعليم القرآني، وتعميمه في القرى، إلى جانب التعليم المدرسي، سيكون عاملا أساسيا في تخفيض نسبة الأميين في الوسط القروي.

وأخيرا ألتمس من المسؤولين النظر في هذا المقترح وعرضه على أهل الاختصاص. ولي كامل اليقين أننا إذا استلهمنا تراثنا الثقافي، والحضاري، والديني، والتربوي، وأعدنا قراءة تاريخنا المجيد قراءة علمية ومتأنية، مع الاستفادة من علوم العصر، فإننا سنعثر على الخريطة التي تساعدنا على فهم كثير من القضايا والإشكالات التربوية المتعلقة بالعالم القروي.

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين بتطوان. جمادى الثانية 1437- مارس 2016

رسالة شكر من والد لولده

0
رسالة-شكر

بعد نشري لمقالي : "درس تربوي إيماني" في صفحتي (الفايسبوك)، قبل بضعة أسابيع، قرأت تعليقا لإحدى المربيات العاملات في مجال التربية والتعليم في مغربنا العزيز، هذا نصه: "هذا هو الاستاذ  والقدوة الحسنة لطلابه..هكذا ينبغي ان تعيش الامة الاسلامية التضامن فيما بيننا ويالروعة المشهد عندما يكون التضامن ممن هو معلمنا هذه القيم .فطوبى لك أيها الاستاذ الفاضل .....هكذا ينبغي ان تكون العلاقة بين المربي وبين الطالب..طوبى لك بدعوات الخير التي تصلك ممن لاتعرفهم حتى في وجوههم!!".

ولقد أعجبني وأسعدني قولها: " طوبى لك بدعوات الخير التي تصلك ممن لاتعرفهم حتى في وجوههم!!"، والذي كان سببا في كتابة هذه التدوينة؛ "رسالة شكر من والد لولده".

وخير ما قيل في تعريف الشكر: عرفان الإحسان.وقيل: الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع.وقال ابن القيم: الشكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافا، وعلى قلبه شهودا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادا وطاعة. [مدارج السالكين (2/ 244)
ومن أسماء الله: الشاكر، والشكور.قال تعالى: " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ" (البقرة: 158)
وقال سبحانه:"إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ" (الشورى: 23)
وسيد الشاكرين نبينا صلى الله عليه وسلم ، فعن المغيرة بن شبعة رضي الله عنه قال: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم أو ليصلي حتى ترم قدماه، فيقال له فيقول: «أفلا أكون عبدا شكورا»؟ (البخاري ومسلم)
ولقد أمرنا الله تعالى بالشكر: "فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون" (البقرة: 152)
وقال سبحانه: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) (لقمان: 14)
والشكر لمن أسدى إلينا معروفاً واجب علينا ،لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (الترمذي). وفي سنن أبى داود عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ".

ولعل من أجمل صور وألوان الشكر؛ شكر الأب لابنه أو لابنته. وكثيرا ما يغفل الآباء عن شكر أولادهم، لأن كثيرا منهم يعتبر إحسان الأبناء لآبائهم واجبا لا يستوجب الشكر.

ولكي لا أكون من صنف هؤلاء الآباء، فإني أبادر بشكر ولدي عبد الرحمن، على ما أسداه إلي من الخير حيث أنه أنجز لي موقعا ومدونة أستطيع من خلالهما نشر مقالاتي، وإقامة تواصل ثقافي وتربوي بيني وبين الطلبة والأساتذة والباحثين داخل المغرب وخارجه. ولقد نبهني حفظه الله، إلى أن نشر المعرفة عبر الأنترنيت، قد يكون أفضل من نشرها بواسطة الكتب والمجلات الورقية، لكونها تصل إلى أكبر عدد ممكن من القراء والباحثين. ولم أكن أشاطره الرأي في بداية الأمر، لكنني أدركت بعد ذلك أنه مصيب في رأيه.

وبالمناسبة، أذكر الآباء والأمهات ببذل الجهد في تربية أبنائهم وحسن توجيههم وصحبتهم، والسهر على تنشئتهم تنشئة صالحة، ليكونوا نفعا لهم ولمجتمعهم، وذخرا لهم في الآخرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، رواه مسلم.

 

د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين تطوان المغرب. جمادى الأولى 1437- فبراير 2016.

ثمن الجنة

0
 

 

 

 

 

Ebadat0098

 

ثمن الجنة

توحيد صحيح وعبودية خالصة.

 

ثمن الجنة

اتباع السنة ونبذ البدعة.

 

ثمن الجنة

قراءة خاشعة للقرآن، وفهم وتدبر لآياته، وعمل بأوامره وأحكامه.

 

ثمن الجنة

بر بالوالدين، وصلة الأرحام، وإحسان إلى الناس.

 

ثمن الجنة

كلمة طيبة تسر بها قلب مسلم، أو تنصحه، أو تصلح بين اثنين، أو تأمر بمعروف أو تنهى عن منكر. ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) سورة إبراهيم.

 

ثمن الجنة

أخلاق كريمة: حلم، تواضع، مروءة، صبر، شكر، عفو، رفق، حياء، سخاء...

ثمن الجنة

صلاة خاشعة في جوف الليل، تتودد بها إلى الله ، وتذيب بها قساوة القلب، وتلج من خلالها ديوان من "تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون" (سورة السجدة 16).

 

ثمن الجنة

محبة الله مع الخشية والتعظيم والإجلال، والاجتهاد في فهم أسمائه وصفاته والرغبة في التحقق بها مع التشوف إلى منزلة؛ "يحبهم ويحبونه".

 

ثمن الجنة

ذكر الله باللسان والقلب حتى يتواطآ. ثم ذكره بالقلب إذا غاب اللسان؛ وتلك النعمة العظمى.

 

ثمن الجنة

تزكية النفس وتطهيرها بالتوبة والطاعة، واجتناب الرذائل، واكتساب الفضائل. ثم المراقبة والمحاسبة والمصابرة والمرابطة.

 

ثمن الجنة

خوف من الله ينبعث في باطنك، يبدد شبح الهوى، ويكسر قيد الشهوات، ويسلك بك سبيل الطاعات.

 

ثمن الجنة

شوق إلى الله يستغرق قلبك وكيانك؛ يزهدك في الفانيات ويرغبك في الباقيات، ويذيقك طعم الآخرة ولما ترحل إليها.

ثمن الجنة........

 

د. عبد الله الشارف، جمادى الأولى 1437- فبراير 2016.

 

التنصير سرطان

1
2555

 

كثيراً ما يَعْثُرُ الباحث المسلم أثناء تناوله لموضوع تردي أوضاع المسلمين وتقهقرهم، على نصوص للمستشرقين أو المنصرين يستلهم منها فهمَه لجانب من جوانب ذلك الموضوع. ولا يخفى عن المسلمين أن التنصير والاستشراق قد قَدَّمَا ومَا فَتِئَا يُقدمان من المجهودات والأعمال الكبيرة، خدمة للاستعمارين القديم والجديد، وللسياسة الغربية المعاصرة، وذلك فيما يرتبط بالعالم الإسلامي.

ولطالما قرأت نصوصاً تنصيرية واستشراقية يَنْضَحُ مضمونها بالخبث والمكر والكذب والدهاء، أو توحي بنشوة الكبر والاستعلاء والانتصار؛ كما هو شأن النص التالي : يقول صموئيل زويمر أحد أعمدة التنصير في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي وذلك خلال انعقاد مؤتمر القدس التنصيري سنة 1935م.

«إنكم أعددتم نشءا (في بلاد المسلمين) لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلمين من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده الاستعمار المسيحي؛ لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات. فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراكز... ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء. إن مهمتكم تمت على أكمل الوجوه وانتهيتم إلى خير النتائج، وباركتكم المسيحية ورضي عنكم الاستعمار، فاستمروا في أداء رسالتكم فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضع بركات الرب([1])

لا شك أن هذا المنصر الحقود كان يشعر بالاستعلاء والكبر، ويحس بنشوة الانتصار تسري في كيانه أثناء تصريحه بهذا الكلام الخطير. والغريب أنه يتحدث عن نشء مسلم ينتمي إلى العقد الرابع من القرن العشرين الميلادي؛ أي قبل ثمانين سنة. ولنا أن نتساءل :

من يا ترى يكون هذا النشء ؟ من يقصد من المسلمين بهذا الكلام، أي نشء هذا الذي أُخرج من الإسلام على حد تعبيره، «ولم تدخلوه في المسيحية» ؟!

لعله يقصد بلا ريب، أولئك الشباب الذين درسوا في المدارس والمعاهد والكليات التي أسسها المستعمر البريطاني والفرنسي في مصر والشام. إنهم أبناء العائلات الثرية، أبناء الطبقة البورجازية التي اختارت، زمن الاستعمار، الغرب قبلة لها.  لقد كانت مصالح هذه الطبقة متناغمة مع مصالح المستعمِر الغاشم كما وضعت يدها في يده، واتفقا على تغريب بلاد المسلمين. وانحدر من ذلك النشء المذموم المنحرف صنيع الاستعمار؛ أجيال من المستغربين المنبهرين بالغرب المسيحي ومدنيته. إن المستغربين المعاصرين من ذرية النشء المشؤوم هم الذين كانوا ولا يزالون، يتقلدون المناصب العليا والمسؤوليات الكبيرة ذات التأثير البالغ في السياسة والثقافة والتربية والاجتماع، مع ما يبذلونه من جهود تصب في تغريب المجتمع المسلم. وقد قلَّدتهم وآزرتهم في هذا التوجه التغريبي طائفة من الحداثيين والعلمانيين واللادينيين ومن سواهم من عامة الأنجلوفونيين أو الفرانكفونيين في البلاد الإسلامية، من المسؤولين والأطر العليا وأصحاب الشركات ... الخ.

ولقد صدق صموئيل زويمر في نعته لهذا النشء وذريته بنشء الخمول والكسل والسعي وراء الدنيا والشهوات. ومما زاد في الطين بلة أن هذه الأوصاف الذميمة كادت تعم المسلمين إلا من رحم الله تعالى.

فكيف يهتم بالعظائم ويتأثر بهموم الأمة المسلمة ويهب لنصرة المظلومين من المسلمين ... الخ، من يصبح ويُمسي وهمَّه الدنيا والشهوات والمصالح الشخصية ؟

لقد نجح مخطط المنصرين والمستشرقين والمستعمرين، فأين مخطط علماء الأمة ودعاتها والمسؤولين عنها ؟

د. عبد الله الشـارف، كلية أصول الدين، تطـوان المغرب، ربيع الثاني 1437- يناير2016

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1])محمد محمود الصواف : المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام، ط : 3. دار الاعتصام. القاهرة ص218.

شيـخ تطـوان بنـت الأنـدلـس

0

شيـخ تطـوان بنـت الأنـدلـس



 

بوخبزة

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه،

لقد كانت سنة 1389هـ؛ 1970م، سنة حاسمة في حياتي، وبداية عهد جديد يتسم بحب العلم والمعرفة، لم تلبث أن ظهرت آثاره في دراستي بثانوية القاضي عياض بتطوان….

كان عدد الحاضرين في الجلسة العلمية يقارب العشرة، وقد جلسوا على الحصير يستمعون إلى دروس السيرة والتفسير والنحو والبلاغة. وبفضل شخصية الفقيه محمد بوخبزة المرحة والانبساطية، لم تكن هذه الدروس مملة، بل كان إقبالنا عليها شديدا ورغبتنا في التحصيل قوية. وكان أستاذنا جزاه الله عنا خيرا وبارك في عمره، كثيرا ما يدعونا إلى بيته ويقدم إلينا الشاي والحلويات، كما يتحفنا بالنوادر الأدبية والتاريخية، وأحيانا يدخلنا مكتبته القيمة ويعيرنا الكتب التي كنا نرغب في مطالعتها. لقد غرس فينا حب القراءة والبحث، وعلمنا آداب المناقشة والحوار، كما رغبنا في الدعوة الإسلامية، وحثنا على قراءة كتب الدعاة من القدامى والمحدثين، من أمثال تقي الدين بن تيمية، وحسن البنا، وأبي الأعلى المودودي رحمهم الله.

وبما أنه كان يميل إلى المذهب الظاهري في كثير من المواقف والأحكام الفقهية، لم يكن يخفي إعجابه بشخصية ابن حزم، مما دفعني إلى الاهتمام بهذا العالم الموسوعي الفذ، فقرأت بعض مؤلفاته التي أسرني فيها كلامه المنطقي والفلسفي، ومنها صرت أبحث في الكتابات الفلسفية عند المسلمين، فقرأت لأبي علي بن سينا، ولأبي نصر الفارابي، ولأبي حامد الغزالي، ولأبي الوليد بن رشد...

وسرعان ما بدأت بذور جلسات أستاذنا الدينية تثمر، حيث تجلى أول الغيث في تأسيس مجلة “لسان الطالب” بثانوية القاضي عياض، والتي أسهمت فيها بمقال حول “مشكلة الملحدين”، كما شارك صديقي الأمين بوخبزة بمقال تحت عنوان “الماركسية تحارب الدين”. وقمنا بتوزيع بعض أعداد المجلة على ثانويات المدينة. غير أننا فوجئنا بعد بضعة أيام، عندما ذكرت جريدة “البيان” أسماءنا قائلة؛ بأن الإخوان المسلمين بدأوا يفرخون… في ثانوية بمدينة تطوان !! ولم يكن هذا التهديد ليثنينا عن عزمنا، بل كنا نستغل كل الفرص لنوضح مبادئ الإسلام لتلاميذ المؤسسة، ونحذرهم من الوقوع في حبائل “المتمركسين” المعجبين بتعاليم ماركس ولينين، والذين كانوا يحلمون بثورة شي غيفارا في الوطن العربي.

إن بيت أستاذي الجليل كان، ولا يزال، قبلة للطلبة ،والأساتذة والباحثين المغاربة ،وغير المغاربة، ممن تاقت أنفسهم إلى البحث والتنقيب في العلوم الدينية والأدبية والتاريخية، أو ممن لهم شغف بعالم المخطوطات ، حيث يظفر كل واحد منهم بما ينفعه ويشفي غليله، وشيخنا العلامة الجليل كله آذان صاغية لأسئلتهم واستفساراتهم، لا يعرف الملل، بل تعلو محياه ابتسامة الفرح والرضا.

ولقد تتلمذ على يديه مئات الطلبة والشباب عقودا طويلة، بدءا من خمسينيات القرن الماضي الميلادي. كما استفاد من خطبه ودروسه المفيدة والنافعة بجامع العيون، كثير من المؤمنين، وذلك على مدى ما يقرب من أربعة عقود. وراودته الدنيا عن نفسه، فاستعصم وأبى وزهد فيها، كما رغب عن السياسة ليتفرغ للعلم والدعوة والتعليم.

وقلما تعثر على عالم مغربي معاصر، دافع عن السنة وقمع البدعة، مثل ما فعل شيخنا وأستاذنا الفاضل. وإنك لتلمس في دروسه وثنايا خطبه وكتاباته، ما يدل على هذا التوجه العلمي والدعوي بكل صدق وإخلاص. وهكذا فقد غرس في قلوب تلاميذه ومحبيه، حب السنة وكراهية البدعة. وله، حفظه الله، مع المتبدعة صولات وجولات، كما نظم قصائد شعرية في هجوهم والرد عليهم، مما لا يتردد قارئها في الحكم على علو كعبه في هذا الشأن. بل لا يسامى فيه ولا يجارى.

ولا أعرف أيضا عالما أو باحثا مغربيا، أحب المخطوطات واعتنى بها عناية شيخنا بها. فقد ظل ينسخ لسنوات طويلة بخطه الرائق الجميل الأصيل، مئات من الرسائل المخطوطة الثاوية في المكتبة العامة والمخطوطات بمدينتنا تطوان بنت الأندلس. ثم طفق يتردد على مكتبته ببيته كثير من المحققين والدارسين لنفائس المخطوطات العربية، حيث نالوا بغيتهم بمنحه إياهم  نسخا  منها كي يعملوا على دراستها وتحقيقها. وهكذا يكون شيخنا بإشرافه على قسم المخطوطات في المكتبة العامة وعنايته به، وبما أسداه من خير لأولئك المحققين، قد أسهم في إخراج عدد كبير من تلك المخطوطات من عالمها المنسي، إلى فضاء العلم والمعرفة.

إن شيخي، رعاه الله، كريم المحتد والمنبت والعنصر. وله من المحاسن، والمحامد، والمكارم، والمفاخر ما لا يحتاج إلى ذكر أو تفصيل. ويكفيه فخرا في الأرض وذخرا في السماء؛ حبه للسنة والذب عنها، وبغضه للبدعة والرد على أهلها.

أما من حيث الفقه والأصول والحديث والتفسير واللغة والأدب والتاريخ والتحقيق... فقد أخذ منها حظا كاملا وسهما وافرا. كما جالس العلماء في المغرب والمشرق وناظرهم؛ من أمثال تقي الدين الهلالي، والشيخ الألباني، والشيخ الأنصاري رحمهم الله، وكذا الشيخ الحويني حفظه الله تعالى.

جزى الله شيخنا وأستاذنا الجليل خير جزاء، وحفظه وأعلى مقامه يوم القيامة في عليين. آمين.

 

وكتبه تلميذه أبو عبد الرحمن عبد الله الشــارف

تطوان 14 رجب 1436 – 3 ماي 2015

كم تنادي فأعرض ؟

0
كم تنادي فأعرض

 

كم تنادي فأعرض ؟

كم تحسن فأسيء ؟

كم تدعو فلا أستجيب ؟

كم تنبه فأتمادى في الغي والغفلة ؟

كم تبتلي فلا أعتبر ؟

كم توعد فلا أنزجر ؟

كم تستر فأجاهر بالمعاصي ؟

كم تجود فأبخل ؟

كم تنعم فأجحد ؟

كم...........

إلى متى صدي وإعراضي؛ وتمادي في غيي ؟

إلى متى أظل هدفا لشيطاني وغرضا لسهام أهوائي ؟

هلا أخذت للأمر عدته، وأحللت الرشد محل العمى، والعز محل الذل، والحرية محل الأسر ؟

أجل لأتسورن على نفسي حائطها، ولأنزلن بفضائها، ولأبيدن خضراءها وغضراءها، ولأستاصلن شأفتها حتى تعلمن أينا أقوى وأمكر، وللمكائد أبصر، وعلى الهواجر أصبر. وإن لم أفعل نالتني نفحات القر، ولفحات الحر، وأذى الزمهرير، وسم القمطرير، ولن ينفعني، إذا أدركني الغرق، قولي: "لو أن لي كرة فأكون من المحسنين" (الزمر 55).

فالتوبة التوبة، والأوبة الأوبة، وبادر يا نفسي بالأعمال سبعا.

 

د. عبد الله الشـارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، نوفمبر 2008.