التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من 2016

كن رساليا

  الناس يولدون ويحيون ما شاء الله، ثم يموتون. منهم من يكون له أثر في حياته وبعد موته، ومنهم من لا أثر له وهم أغلب الناس. وأعظم الآثار؛ الأعمال والمشاريع والإنجازات التي تتنفع بها البشرية، وخاصة تلك التي يجتمع فيها خير الدنيا والآخرة. وأفضل نموذج لهذه الآثار؛ آثار الرسل والأنبياء ثم الذين يلونهم من العلماء والمصلحين والدعاة والمربين الصادقين المخلصين. إن الذين أرسوا قواعد الثقافات الإنسانية، وشيدوا الحضارات، وأقاموا العدل، ونشروا الأمن... هم أشخاص رساليون، لا ينقطع ذكرهم بعد موتهم، ويسجل التاريخ أعمالهم وإنجازاتهم بكل فخر واعتزاز. وما أعظم العلماء والمصلحين والأبطال الذين سرت روح إنجازاتهم في نفوس الناس على مر العصور والدهور، بل كانوا أعلاما ونماذج في مجال التربية والقدوة الحسنة. إذا حدثتك نفسك بالانضمام إلى قائمة الرساليين، فكن على يقين أن طريقهم ليس مفروشا بالورود، بل مملوءا بالأشواك التي لا يتحمل وخزها وأذاها إلا أولوا العزم والإرادة الصلبة والهمة العالية. إن الإنسان المسلم الراغب في شرف الوظيفة الرسالية أيا كان نوعها: قيادة أو إصلاحا أو تربية وتعليما أو دعوة... ينبغي له قبل الشروع ف

أنين البحر

البحر مخلوق من مخلوقات الله العظيمة، يضم في أحشائه كائنات حيوانية ونباتية وأصدافا ولآلئ وأنهارا من المياه الحلوة... إنه يسبح الله؛ قال تعالى: "يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض" (الجمعة 1). وقال أيضا: "تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" (الإسراء44). فكل المخلوقات التي تسكن البحر تسبح الله، بل كل قطرة ماء تسبح باسم ربها. وإذا تأملت بقلبك ونظرت بعينيك طويلا إلى البحر، شعرت بالهدوء والطمأنينة. إنه على الفطرة؛ يهبك جماله؛ زرقته وحركات أمواجه وأفقه الكبير، وإذا اقتربت من ساحله ذاعبت أقدامك مياهه في لطف وعذوبة. يحملك على ظهره في الفلك والسفن، ويقدم لك ثمرته الطرية من أسماك مختلفة تأكلها هنيئا مريئا. ورغم أن مخلوقات البحر تسبح الله بطريقة لا إرادية؛ أي أنها مجبولة على التسبيح، فإنها واعية بوعي وشعور يناسب خلقتها وطبيعتها. وإلا فكيف نفسر مثلا استماع النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أنين جذع النخلة عندما تركه ولم يعد يقف عليه أ

الاضطرار مخ الدعاء

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المبين: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض" (النمل 64). يتبين بعد التدبر أو الفهم الأولي لنص الآية الكريمة، أن الله أقرب ما يكون إلى عبده المضطر وهو يدعوه ويستغيث به، مما يجعل المتأمل في هذه الآية يخلص إلى وجود تلازم وارتباط وثيق بين حال الاضطرار وإجابة الدعاء. ولعل الاضطرار مستويان أو نوعان : المستوى أو النوع الأول يمكن نعته بالتلقائية؛ أي اضطرار تلقائي لا ينفك عنه المسلم. فالمسلم التقي، انطلاقا من حال الافتقار؛ "يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله" (فاطر15)، دائم الشعور بالاضطرار التلقائي الناتج عن إيمانه القوي بالله، وتعلقه بأسمائه وصفاته. وهذه الحال من أسمى الأحوال الإيمانية التي لها ارتباط وثيق بالعبودية لله. وهكذا تجد المسلم المتنعم بحال الاضطرار التلقائي، يرفع يديه ويدعو ربه سبحانه بقلب خاشع موقن بالإجابة. ولا يقلق إن تأخرت تلك الإجابة، كما لا يسخط لعدم وقوعها وتحققها لكونه يعلم أن الخير فيما يختاره الله لعباده. إن حال الاضطرار التلقائي هذا هو حال إيماني روحي، يحياه المسلم التقي حيثما حل وارتحل، لأنه دائم

أيها الإنسان الغربي...

أيها الإنسان الغربي  !! أيها الإنسان الغربي المتحضر !!؟ أيها الإنسان الغربي المتكبر. أيها الإنسان الغربي المتجبر. أيها الإنسان الغربي صاحب الد يمقراطية والعدالة والإنسانية والتنوير والحداثة... هل هذه المعاني والمبادئ هي التي دعتك إلى استعباد الناس وسفك دماء الشعوب منذ زمن الاستعمار والاستيطان إلى الآن ؟ أهي التي تحملك على نشر رسالة الاستعباد والإرهاب والعنف في العالم ؟ أهي التي تجعلك تتصور نفسك من طينة غير طينة باقي البشر ؟ هل الديمقراطية هي التي تحكم على من يقرأ القرآن ويتبع سنة محمد صلى الله عليه وسلم، بأنه إرهابي وظلامي، وتحكم على من يقتل الأبرياء ويعذب الضعفاء وينشر قيم الرذيلة والقيم المادية المنافية للدين والفطرة بأنه حضاري ورسالي ؟ ما لكم كيف تحكمون ؟ كان عليك أيها الإنسان الغربي أن تحترم ثقافات الناس وحضاراتهم ودياناتهم، ولا تؤذيهم وتتسلط عليهم، وتستهدف قيمهم وخصوصياتهم. كان عليك أن تقدر سنة الاختلاف وتستوعب معادن الناس وأصولهم ومشاربهم، واختلاف ألسنتهم وألوانهم وعقلياتهم وتقاليدهم. كان عليك أن تنظر إلى الآخر بمنطق الانسانية والتعايش. ما كان ينبغي لك أن تدمر وتبيد قبل بضعة قرون

أمة ضيعت دينها...

  أمة ضيعت دينها فأذلها الله وأعمى بصيرتها، فهي تشقى وتعاني وتتعذب: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى". أمة ضيعت دينها، فركنت إلى الجهل واستمرأت مياه مستنقعه، فضلت الطريق وهامت على وجهها. أمة ضيعت دينها وسنة نبيها، فأفسدت عقيدتها حين دانت بدين الصوفية الطرقية والقبورية والعقلية الخرافية. ومكثت على هذه الحال بضعة قرون إلى أن داهمها المستعمر، وأذلها وسامها سوء العذاب عقابا من الله. أمة ضيعت دينها فسلط الله عليها الكفار من اليهود والنصارى يتدخلون، باسم العولمة والد يمقراطية و...، في حياتها الاجتماعية والدينية والتربوية والثقافية والسياسية. ويفرضون عليها كفرهم وعلمانيتهم، ويتهمون دينها بالإرهاب. أمة ضيعت دينها فسلط الله عليها الكفار من اليهود والنصارى، يعلمونها دينا جديدا الذي هو: الحوار الديني، ووحدة الأديان والشرائع السماوية، والموسيقى الروحية والدينية، والتسامح الديني، والهدف من وراء هذا الدين الجديد؛ هو العمل على انسلاخ المسلمين من دينهم والخضوع والركوع لليهود والنصارى. أمة ضيعت دينها فسلط الله عليها الكفار من اليهود والنصارى يلزمونها، باسم حقوق الإن

الإنسان وقيود نفسه

إن الانسان وهو يسعى وراء تحقيق أمر أو إنجاز عمل، ينبغي أن يكون متصفا بالإرادة، ومدركا للطريق أو المنهج المؤدي إلى تحقيق ذلك الأمر أو إنجازه، إضافة إلى توفر عناصر نفسية أو معنوية أخرى؛ مثل التفاؤل، والصبر، والمرونة، وحسن التكيف، والتفاعل والتواصل مع البيئة الاجتماعية. ومن بين العوامل النفسية المساعدة أيضا على تحقيق الآمال وإنجاز الأعمال؛ هناك عامل ذاتي باطني قلما يلتفت إليه؛ وهو تحرر النفس من مجموعة من الأوصاف والأخلاق التي قد تعيق، بل قد تقف في وجه العمل والإنجاز. ويصعب على الإنسان التخلص منها بالكلية، أو دفعة واحدة. ومن بين هذه الأخلاق والأوصاف على سبيل المثال: العجب، والغرور، والكبر، والرياء، والطمع، والحسد، والحرص الشديد على حظوظ النفس، والأنانية، والخوف. وقلما يسلم الإنسان من بعض هذه الأخلاق الذميمة والسلبية، لا سيما إذا كانت نفسه تلهث وراء الحظوظ الدنيوية، أو كانت أسيرة شهواتها ورغباتها. وقد يستطيع الإنسان بلوغ مراده الدنيوي وتحقيق أمله وهو سجين هذه الأخلاق، لكن بعد معاناة نفسية واجتماعية. ذلك أن الإنسان المغرور والمتكبر والأناني...، تعترض سبيله كثير من المشاكل بسبب شخصيته المتكبر

فوبيا الصلاة

نشرت لبنى أبروك قبل بضعة أشهر في جريدة هبة بريس المغربية الإلكترونية خبرا هذا نصه: "كشفت صحيفة "الديلي ميل" البريطانية، عن تعرض شاب مغربي للطرد من طائرة فرنسية بسبب أدائه للصلاة. الصحيفة، ذكرت أن الموظفين أجبروا الشاب على النزول من الطائرة، بسبب أدائه للصلاة من كرسيه، خصوصا أنه تم رصده قبل ذلك، وهو يشاهد أفلاما دينية، مما خلف جوا من الريبة في صفوف ركاب الطائرة. وأضاف ذات المصدر، أنه تم إجباره على النزول بمطار كوبنهاجن بالدانمارك، حيث تعرض لتفتيش ليسمح له بمواصلة الرحلة إلى فرنسا، بعدما تأكدوا بعدم توفره على ما يدعو للخوف." لا شك أن أحداث العنف الأخيرة التي شهدتها بعض عواصم أوربا (باريس شارل إيبدو،  مطار بروكسيل...) بالإضافة إلى الأسلوب الذي تتحدث به وسائل الإعلام الغربية عن واقع وقضايا الإسلام والمسلمين، كل ذلك أدى إلى خلق مناخ نفسي لدى الغربيين مشحون بالقلق والخوف. بيد أنه إذا رجعنا إلى عقود الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الميلادي المنصرم، لا نجد أثرا لهذا المناخ النفسي المعقد. فلم تكن هناك حرب إعلامية معلنة على الإسلام والمسلمين رغم أن العنصرية كا

هل التصوف شرط في تربية النفس وتزكيتها ؟

    يرى الصوفية، قديما وحديثا، استحالة الوصول إلى إصلاح النفس وتزكيتها بدون تصوف. كما يذهبون إلى أن التصوف دعت إليه الشريعة الإسلامية من خلال حثها على التحقق بمقام الإحسان الذي هو روح التصوف أو التصوف نفسه. بل ذهب بعض الصوفية إلى أن التصوف أنزل من السماء؛ وفي هذا الصدد يقول الشيخ الصوفي أحمد بن عجيبة في مطلع كتابه: "إيقاظ الهمم في شرح الحكم": “وأما واضع هذا العلم، فهو النبي صلى الله عليه وسلم علمه الله له بالوحي والإلهام. فنزل جبريل عليه السلام أولاً بالشريعة. فلما تقررت نزل ثانياً بالحقيقة. فخص بها بعضاً دون بعض. وأول من تكلم فيه وأظهره سيدنا على كرم الله وجهه، وأخذه عنه الحسن البصري ….وأخذه عن الحسن حبيب العجمي، وأخذه عن حبيب أبو سليمان داوود الطائي ..وأخذه عن داوود أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي رضي الله عنه، وأخذه عن معروف الكرخي أبو الحسن سري بن مغلس السقطي، توفي سنة إحدى وخمسين ومائة وأخذه عن السري إمام هذه الطريقة ومظهر أعلام الحقيقة، أبو القاسم محمد بن الجنيد …..ثم انتشر التصوف في أصحابه وهلم جرا ولا ينقطع حتى ينقطع الدين. ومن رواية أخرى، أخذه عن سيدنا علي رضي الله ع

العبادة بين التكليف والتشريف

جمعني لقاء بشابين طالبين باحثين فاضلين: عبد الله الغامدي، وعبادة الكيلاني. وبينما نحن نتحدث في موضوع الإيمانيات، إذ توجهت بالكلام إلى عبادة قائلا: ما أجمل "عبادة" أهل الجنة !! فرد علي: لا عبادة في الجنة. فقلت: يا عبادة؛ العبادة نوعان: عبادة تكليف، وعبادة تشريف. الأولى في الدنيا والثانية في الجنة. ومن الأدلة على وجود الثانية، قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن أهل الجنة: "ويلهمون التسبيح كما يلهمون النفس". أو ليست هذه عبادة يا عبادة ؟ إن الله قد أكرم أهل الجنة بكل أنواع النعم، ولولا أن التسبيح من أجل النعم بل أجلها، لما ألهمهم إياه كما ألهمهم النفس. وإذا كان الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده"، فكيف يستثني عباده المكرمين في الجنة ويحرمهم من هذه النعمة ؟ إن الآية تفيد أن كل شيء يسبح أي يعبد الله، فالتسبيح إذن عبادة، وما دام أن أهل الجنة يسبحون فإنهم يعبدون الله. بيد أن عبادتهم هذه ملهمة وخارجة عن إرادتهم إن صح التعبير. وبما أن أهل الجنة انتقلوا من دار التكليف إلى دار النعيم، فإن الله قد أسقط عنهم عبادة التكليف، وأكرمهم بالعباد

حوار إيماني

حدث شاب صديقه: لقد وعدك البارحة مدير بالعمل في شركته، بدءا من مطلع الشهر القادم. أليس كذلك ؟ أجل. ووعدك الله الفردوس والملك الكبير والنعيم الخالد إن أنت عبدته مخلصا له الدين. أجل. هلا أخبرتني بنسبة اليقين في الوعدين كليهما ؟ وعد مدير الشركة يتراوح اليقين فيه ما بين صفر ومائة. ووعد الله يتجسد فيه اليقين مائة في المائة. حدثني عن شعورك وأملك خلال مقابلتك لمدير الشركة. لما استقبلني في مكتبه، أحسست بروح السعادة تسري في كياني، وهمت في عالم الآمال والأحلام، واستيقنت أن ما كنت أرجوه وآمل تحقيقه قد دنا مني وأقبل علي. أخبرني عن شعورك ومناجاتك لربك وأنت تصلي. آه، ما أتعسني. لو كان شعوري وأملي وأنا أناجي ربي في صلاتي شبيها بشعوري وأملي وأنا أقابل المدير، لفزت بالحسنيين ونعيم الدارين. هل هذا يعني أن يقينك في الله أضعف من يقينك في مدير الشركة ؟ كلا، إن يقيني في الله الرزاق الرحيم أقوى من يقيني في المدير ووعوده. لكن كيف تفسر الفرق الواضح، على المستوى النفسي، بين مقابلتك للمدير ومناجاتك لربك أثناء صلاتك ؟ وبعبارة أخرى؛ ما هو تعليلك لوجود التركيز العقلي وحرارة الوجدان، وسريان معاني الآمال والأحلام في ك

معشر الصوفية الأفاضل

إخواني، معشر الصوفية الأفاضل ، لقد تبين لي من خلال هذا العمل أن المناظرة في القضايا المذهبية من أصعب أنواع المناظرات، لأن كلا المتناظرين يرى أن صاحبه أو مناظره غير متجرد من الأهواء والميولات . فالمعترض على التصوف البدعي الطرقي يعتبر لدى مناظره المتصوف، وهابيا أو جاهلا بالتصوف، ولو قدم هذا المعترض ألف حجة وبرهان. والأمر كذلك بالنسبة لمدعي التصوف إزاء مناظره المعترض. فلو قال المعترض مثلا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تستحيل رؤيته يقظة بعد موته، بدليل أن ليس أحد من الصحابة أو التابعين ومن تبعهم بإحسان خلال القرون الأولى ادعى ذلك، وإنما ادعى تلك الرؤية شيوخ  وأقطاب بعد ظهور وتطور بدعة التصوف، لأجابه مدعي التصوف: إنك جاهل بعلوم القوم وأذواقهم أو مصاب بآفة الوهابية. بيد أنني أتساءل: لماذا لم يقم أحد من هؤلاء الأدعياء بدعوة الناس لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم عندما رآه أو حضر معه حتى يقيم الحجة على المعترض أو الوهابي؟ أليس لأنه يفتري أو خيل إليه أنه يراه؟ وكذلك إذا قال المعترض : إن المسلم لا يستطيع الطيران في السماء بدون آلة، ولا يستطيع إقامة صلاة الظهر في أقصى المشرق وصلاة العصر في أقصى الم

حوار بين مقيم ومهاجر

قال أحد المهاجرين العرب في أوربا: لقد بدأ الإسلام في العقود الأخيرة ينتشر انتشارا واسعا في كثير من بلدان النصارى ولعل السبب في ذلك وجود مئات الآلاف من المسلمين العاملين والمقيمين مع أسرهم في هذه البلدان، حيث الاحتكاك والتأثر المتبادل بين الطرفين، مما نتج عنه إقبال عدد كبير من الأوربيين على الإسلام، وهذه الظاهرة لم تكن معروفة قبل هجرة العمال المسلمين إلى أوروبا والإقامة فيها. وما دام الأمر كذلك، فإن إقامة المسلم في هذه البلاد تبدو ضرورية إن لم تكن واجبة؟! لأن المسلم العربي ينبغي أن يساند أخاه المسلم الأوربي. ويشد أزره كي تقوى بينهما الأخوة الدينية، مما يساعد على نشر الإسلام وإقامة الدولة المسلمة؟!! فأجابه صديقه المقيم في بلاده : قولك إن انتشار الإسلام في بلدان النصارى سببه وجود المسلمين العاملين في هذه البلدان، قول يفتقر إلى دليل، ورأي سقيم بعيد عن السداد والصواب. والقول الراجح والمحكم في هذه المسألة، هو ما أثبته الدارسون المتخصصون في كتاباتهم وأبحاثهم حول هذه الظاهرة، بعد أن وقفوا على حقيقة الأمر وجليته، فاتضح كما يتبين الصبح لذي عينين. لقد أكد هؤلاء الدارسون أن سبب إقبال الغربيين على

مشروع تقارب بين المدرسة والكتاب القرآني في البادية المغربية

إن التعليم القرآني مكون عظيم من مكونات الحضارة الإسلامية، ورافد أساسي من روافد التراث التربوي والتعليمي في العالم الإسلامي. كما أن الكتاب القرآني مهد العلماء، والفقهاء، والمفكرين، والمناظرين من أصحاب الفكر والمنطق على مر عصور تاريخنا المشرق. ولا يخفى على أحد أن الكتاب القرآني، في الوقت الراهن، يعتبر أحد أركان البيت القروي في باديتنا المغربية، وبالتالي فهو مكون جوهري من مكونات الفضاء الديني والثقافي والتربوي، في عالم القرية. ناهيك عما يقوم به من المحافظة على التوازن البنيوي داخل العناصر المكونة للمجتمع القروي. والكتاب القرآني يسهم في استمرارية الخط الثقافي الأصيل، المتجذر في الحضارة المغربية، بدءا من حضارة الأدارسة، ومرورا بالمرابطين، والموحدين، والمرينيين، والسعديين، ثم العلويين. بيد أن دور الكتاتيب القرآنية بدأ يتراجع عندما أنشئت المدارس في القرى؛ حيث أغلقت أبواب كثير منها، وبقي بعضها قائما. وهكذا بعد أن أقبل القرويون على المدارس وتركوا الكتاتيب القرآنية شبه مقفرة، برزت بعض المشاكل، أذكر منها ما يلي: - بعد المدرسة عن كثير من المداشر والتجمعات السكنية. - فقر معظم القرويين، وعدم استطاعت

رسالة شكر من والد لولده

بعد نشري لمقالي : "درس تربوي إيماني" في صفحتي (الفايسبوك)، قبل بضعة أسابيع، قرأت تعليقا لإحدى المربيات العاملات في مجال التربية والتعليم في مغربنا العزيز، هذا نصه: "هذا هو الاستاذ  والقدوة الحسنة لطلابه..هكذا ينبغي ان تعيش الامة الاسلامية التضامن فيما بيننا ويالروعة المشهد عندما يكون التضامن ممن هو معلمنا هذه القيم .فطوبى لك أيها الاستاذ الفاضل .....هكذا ينبغي ان تكون العلاقة بين المربي وبين الطالب..طوبى لك بدعوات الخير التي تصلك ممن لاتعرفهم حتى في وجوههم!!". ولقد أعجبني وأسعدني قولها: " طوبى لك بدعوات الخير التي تصلك ممن لاتعرفهم حتى في وجوههم!!"، والذي كان سببا في كتابة هذه التدوينة؛ "رسالة شكر من والد لولده". وخير ما قيل في تعريف الشكر: عرفان الإحسان.وقيل: الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع.وقال ابن القيم: الشكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافا، وعلى قلبه شهودا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادا وطاعة. [مدارج السالكين (2/ 244) ومن أسماء الله: الشاكر، والشكور.قال تعالى: " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ

ثمن الجنة

            ثمن الجنة توحيد صحيح وعبودية خالصة.   ثمن الجنة اتباع السنة ونبذ البدعة.   ثمن الجنة قراءة خاشعة للقرآن، وفهم وتدبر لآياته، وعمل بأوامره وأحكامه.   ثمن الجنة بر بالوالدين، وصلة الأرحام، وإحسان إلى الناس.   ثمن الجنة كلمة طيبة تسر بها قلب مسلم، أو تنصحه، أو تصلح بين اثنين، أو تأمر بمعروف أو تنهى عن منكر. ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) سورة إبراهيم.   ثمن الجنة أخلاق كريمة: حلم، تواضع، مروءة، صبر، شكر، عفو، رفق، حياء، سخاء... ثمن الجنة صلاة خاشعة في جوف الليل، تتودد بها إلى الله ، وتذيب بها قساوة القلب، وتلج من خلالها ديوان من "تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون" (سورة السجدة 16).   ثمن الجنة محبة الله مع الخشية والتعظيم والإجلال، والاجتهاد في فهم أسمائه وصفاته والرغبة في التحقق بها مع التشوف إلى منزلة؛ "يحبه

التنصير سرطان

  كثيراً ما يَعْثُرُ الباحث المسلم أثناء تناوله لموضوع تردي أوضاع المسلمين وتقهقرهم، على نصوص للمستشرقين أو المنصرين يستلهم منها فهمَه لجانب من جوانب ذلك الموضوع. ولا يخفى عن المسلمين أن التنصير والاستشراق قد قَدَّمَا ومَا فَتِئَا يُقدمان من المجهودات والأعمال الكبيرة، خدمة للاستعمارين القديم والجديد، وللسياسة الغربية المعاصرة، وذلك فيما يرتبط بالعالم الإسلامي. ولطالما قرأت نصوصاً تنصيرية واستشراقية يَنْضَحُ مضمونها بالخبث والمكر والكذب والدهاء، أو توحي بنشوة الكبر والاستعلاء والانتصار؛ كما هو شأن النص التالي : يقول صموئيل زويمر أحد أعمدة التنصير في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي وذلك خلال انعقاد مؤتمر القدس التنصيري سنة 1935م. «إنكم أعددتم نشءا (في بلاد المسلمين) لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلمين من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده الاستعمار المسيحي؛ لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات. فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراكز... ففي سبيل الشهوات

شيـخ تطـوان بنـت الأنـدلـس

شيـخ تطـوان بنـت الأنـدلـس     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، لقد كانت سنة 1389هـ؛ 1970م، سنة حاسمة في حياتي، وبداية عهد جديد يتسم بحب العلم والمعرفة، لم تلبث أن ظهرت آثاره في دراستي بثانوية القاضي عياض بتطوان…. كان عدد الحاضرين في الجلسة العلمية يقارب العشرة، وقد جلسوا على الحصير يستمعون إلى دروس السيرة والتفسير والنحو والبلاغة. وبفضل شخصية الفقيه محمد بوخبزة المرحة والانبساطية، لم تكن هذه الدروس مملة، بل كان إقبالنا عليها شديدا ورغبتنا في التحصيل قوية. وكان أستاذنا جزاه الله عنا خيرا وبارك في عمره، كثيرا ما يدعونا إلى بيته ويقدم إلينا الشاي والحلويات، كما يتحفنا بالنوادر الأدبية والتاريخية، وأحيانا يدخلنا مكتبته القيمة ويعيرنا الكتب التي كنا نرغب في مطالعتها. لقد غرس فينا حب القراءة والبحث، وعلمنا آداب المناقشة والحوار، كما رغبنا في الدعوة الإسلامية، وحثنا على قراءة كتب الدعاة من القدامى والمحدثين، من أمثال تقي الدين بن تيمية، وحسن البنا، وأبي الأعلى المودودي رحمهم الله. وبما أنه كان يميل إلى المذهب الظاهري في كثير من المواقف والأحكام الفقهية، لم يكن يخفي إعجابه

كم تنادي فأعرض ؟

  كم تنادي فأعرض ؟ كم تحسن فأسيء ؟ كم تدعو فلا أستجيب ؟ كم تنبه فأتمادى في الغي والغفلة ؟ كم تبتلي فلا أعتبر ؟ كم توعد فلا أنزجر ؟ كم تستر فأجاهر بالمعاصي ؟ كم تجود فأبخل ؟ كم تنعم فأجحد ؟ كم........... إلى متى صدي وإعراضي؛ وتمادي في غيي ؟ إلى متى أظل هدفا لشيطاني وغرضا لسهام أهوائي ؟ هلا أخذت للأمر عدته، وأحللت الرشد محل العمى، والعز محل الذل، والحرية محل الأسر ؟ أجل لأتسورن على نفسي حائطها، ولأنزلن بفضائها، ولأبيدن خضراءها وغضراءها، ولأستاصلن شأفتها حتى تعلمن أينا أقوى وأمكر، وللمكائد أبصر، وعلى الهواجر أصبر. وإن لم أفعل نالتني نفحات القر، ولفحات الحر، وأذى الزمهرير، وسم القمطرير، ولن ينفعني، إذا أدركني الغرق، قولي: "لو أن لي كرة فأكون من المحسنين" (الزمر 55). فالتوبة التوبة، والأوبة الأوبة، وبادر يا نفسي بالأعمال سبعا.   د. عبد الله الشـارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، نوفمبر 2008.