التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مشروع تقارب بين المدرسة والكتاب القرآني في البادية المغربية

ta7fid-koran

إن التعليم القرآني مكون عظيم من مكونات الحضارة الإسلامية، ورافد أساسي من روافد التراث التربوي والتعليمي في العالم الإسلامي.

كما أن الكتاب القرآني مهد العلماء، والفقهاء، والمفكرين، والمناظرين من أصحاب الفكر والمنطق على مر عصور تاريخنا المشرق.

ولا يخفى على أحد أن الكتاب القرآني، في الوقت الراهن، يعتبر أحد أركان البيت القروي في باديتنا المغربية، وبالتالي فهو مكون جوهري من مكونات الفضاء الديني والثقافي والتربوي، في عالم القرية. ناهيك عما يقوم به من المحافظة على التوازن البنيوي داخل العناصر المكونة للمجتمع القروي. والكتاب القرآني يسهم في استمرارية الخط الثقافي الأصيل، المتجذر في الحضارة المغربية، بدءا من حضارة الأدارسة، ومرورا بالمرابطين، والموحدين، والمرينيين، والسعديين، ثم العلويين.

بيد أن دور الكتاتيب القرآنية بدأ يتراجع عندما أنشئت المدارس في القرى؛ حيث أغلقت أبواب كثير منها، وبقي بعضها قائما. وهكذا بعد أن أقبل القرويون على المدارس وتركوا الكتاتيب القرآنية شبه مقفرة، برزت بعض المشاكل، أذكر منها ما يلي:

- بعد المدرسة عن كثير من المداشر والتجمعات السكنية.

- فقر معظم القرويين، وعدم استطاعتهم تحمل تكاليف التمدرس.

- عدم القدرة على بعث الأبناء إلى المدينة لمتابعة الدراسة.

- كثير من المعلمين والمعلمات لا يواظبون على الحضور.

- مكونات الفضاء المدرسي في القرى ليست في المستوى المطلوب ولا تلبي حاجيات التلميذ.

- مناخ العملية التعليمية الناجحة غير متوفر.

- التواصل بين المعلمين والآباء القرويين يكاد يكون منعدما.

- معظم الآباء القرويين لا يدركون أهمية المدرسة ووظيفتها، كما أن وضعية المدرسة وفضاءها لا يغريان بالاهتمام.

ومن خلال زيارات قمت بها، خلال التسعينيات من القرن الماضي، والسنوات الأولى من العقد الأول من هذا القرن، لبعض القرى والمداشر الكائنة في قبيلتي بني سعيد وغمارة من إقليمي تطوان وشفشاون، سجلت بعض الملاحظات المتعلقة بواقع التعليم والتمدرس هناك، من بينها:

- نفور معظم أبناء تلك القرى والمداشر من التعليم القرآني.

- إقبالهم على المدارس إذا كانت قريبة من سكناهم.

- لا زالت بعض الكتاتيب متواجدة، لكنها قليلة.

- انقطاع كثير من التلاميذ عن الدراسة قبل السنة السادسة.

- عدم توفر الشروط الصحية داخل الفضاء المدرسي.

- غياب المعلمين بكثرة.

- التلميذ القروي لا يحسن كتابة اسمه بعد سنوات من الدراسة، بله تعلم الحساب أو اللغة الأجنبية.

بيد أنني لاحظت أمرا عجيبا؛ وهو أن الولد الذي أدخله أبوه إلى الكتاب ليحفظ القرآن، متفوق جدا مقارنة بزميله الذي أمضى سنوات من عمره في المدرسة ثم غادرها. فالأول اكتسب من خلال حفظه للقرآن ثقافة عظيمة، غالبا ما يستفيد منها في سلوكه وحياته الاجتماعية، ولن يكون أبدا من الذين التحقوا بطابور الأميين. في حين أن الثاني سيكبر أميا، وسيحتاج إلى تلك الدروس، ويصعب عليه أن ينعم بالمستوى التعليمي والثقافي لزميله القرآني. وهذه المفارقة العجيبة لاحظتها عندما كنت أقضي عطلتي الصيفية في قرية ترغة من قبيلة غمارة.

ومنذ ما يقرب من عقد من الزمان، بدأ كثير من حفظة القرآن القرويين، يلجون أبواب بعض كليات الآداب وكليات جامعة القرويين، وذلك بعد الدراسة والتحصيل لمدة ست سنوات في المدارس العتيقة الموجودة في كثير من المدن المغربية، ثم حصولهم على شهادة باكالوريا التعليم العتيق.

ولقد أبرمت اتفاقيات بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وبين كثير من المدارس العتيقة، قبلت بموجبها هذه المدارس البرنامج التربوي والتعليمي المقترح من قبل الوزارة، حيث تم إدماجه في البرنامج التعليمي العتيق. كما تأسست على إثر هذا التقارب والاتفاق بين الطرفين، مديرية التعليم العتيق الكائنة بالرباط، والتي ترعى شؤون الجانب التربوي والتعليمي في المدارس العتيقة. ومن ناحية أخرى، عقدت وزارة الأوقاف مع وزارة التربية الوطنية، اتفاقية تقضي بنوع من الانفتاح والشراكة بين التعليم العمومي والمدارس العتيقة المدمجة تربويا في رحاب وزارة الأوقاف. وانطلاقا من هذه الاتفاقية، يمكن لتلميذ المدرسة العمومية أن يلتحق، إن شاء، بالمدرسة العتيقة إذا توفرت فيه شروط معينة، والعكس سواء.

وبهذه المناسبة أشير إلى أن كثيرا  من الطلبة الجامعيين الوافدين من المدارس العتيقة خلال السنوات الأخيرة، والذين التحقوا بكليات الآداب، شعبة اللغة العربية أو  الدراسات الإسلامية، وكليتي الشريعة بفاس وأصول الدين بتطوان، يعتبرون من بين الطلبة المتفوقين. وهذا ما لمسته شخصيا أثناء تدريسي في كليتي أصول الدين والآداب، كما أبدى الملاحظة نفسها بعض زملائي الأساتذة.

إن ما أريد أن أخلص إليه من كلامي هذا، هو أن يعمل المسؤولون في قطاع التربية والتعليم وقطاع وزارة الأوقاف، على مد الجسور بين الكتاب القرآني والمدرسة، في القرى والبوادي، وذلك عبر إيجاد طريقة تربوية تلزم تلميذ القرية بالذهاب إلى المدرسة والكتاب القرآني معا. أو بعبارة أخرى ينبغي أن يخصص لهذا التلميذ وقت معين يحفظ فيه القرآن داخل الكتاب القرآني الذي غالبا ما يكون مجاورا للمدرسة.

ولهذه الطريقة مزايا ونتائج إيجابية كثيرة، منها:

1- إن حفظ القرآن يقوي عند التلميذ ملكة اللغة، مما يساعد على تحسين مستوى لغته العربية، ويجعله أكثر استيعابا لكل ما يتعلق باللغة والنحو والإملاء والتربية الإسلامية إلخ.

2- إن الفقيه كثيرا ما يحدث الأولاد الحفظة عن قصص القرآن، وعن الأنبياء والرسل، وصفاتهم، وعن بعض القضايا المتعلقة بالعقيدة والعبادة والسلوك، ويرغبهم في الأخلاق الحسنة.

3- هناك عدد لا بأس به من المعلمين الذين يكثر غيابهم عن المدرسة، فيضيع تلاميذ القرية، لكن إذا كان هؤلاء التلاميذ ملزمين بالذهاب إلى الكتاب القرآني، فإن الخسارة تكون محدودة، لكون التلميذ ظل مرتبطا بالتعليم والتحصيل.

4- إن حفظ القرآن وتعلمه، واستيعاب قصصه، يقوي شخصية التلميذ وإرادته، ويشحذ ذهنه، مما يجعله قادرا على النجاح في كل سنة دراسية، الأمر الذي يجبنه الانفصال عن المدرسة الناتج عن التكرار. وظاهرة الانفصال هذه من أخطر الظواهر التربوية التي تعانيها المدارس القروية.

5- إن حفظ القرآن، الذي عادة ما يكون مقرونا بالصلاة، يجنب تلميذ القرية عوامل الانحراف الأخلاقي والسلوكات الشاذة، ويقوي في ذاته عوامل الاندماج والتكيف الاجتماعي السوي في محيطه القروي.

6- إن هذا التلميذ القروي الحامل لكتاب الله العزيز، إذا ما التحق بالمدينة لمتابعة دراسته في الإعدادية، يكون أقل عرضة للانحراف الأخلاقي والرسوب في الدراسة.

7- هذه المزاوجة المقترحة بين الكتاب القرآني والمدرسة، سيكون لها وقع طيب في نفوس أهالي القرية، لأن كثيرا منهم قد يئسوا من وظيفة المدرسة ودورها في التربية، ولعل الكتاب القرآني يقدم من خلال إشراكه في عملية التربية والتعليم، علاجا أو إصلاحا للوضع المزري.

8- إن التلميذ القروي الذي لم يلتحق بالمدينة لإتمام الدراسة، أو الذي غادر المدرسة بعد سنوات من التعليم، إذا كان حافظا لكتاب الله، فإنه لن يلتحق بطابور الأميين، كما أشرت قبل قليل.

9- إن تشجيع التعليم القرآني، وتعميمه في القرى، إلى جانب التعليم المدرسي، سيكون عاملا أساسيا في تخفيض نسبة الأميين في الوسط القروي.

وأخيرا ألتمس من المسؤولين النظر في هذا المقترح وعرضه على أهل الاختصاص. ولي كامل اليقين أننا إذا استلهمنا تراثنا الثقافي، والحضاري، والديني، والتربوي، وأعدنا قراءة تاريخنا المجيد قراءة علمية ومتأنية، مع الاستفادة من علوم العصر، فإننا سنعثر على الخريطة التي تساعدنا على فهم كثير من القضايا والإشكالات التربوية المتعلقة بالعالم القروي.

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين بتطوان. جمادى الثانية 1437- مارس 2016

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال