نداء ومحبة

0


 

ذات صباح بينما أنا جالس في غرفتي وقد أطلقت العنان لمخيلتي، إذا بي أطل من نافذة على عالمي الجنة والنار؛ ينشرح صدري تارة وينقبض أخرى، ويهيم قلبي لحظات ويطرب لانعكاس ألوان النعيم في مرآته. ثم يضيق ويتألم، لورود ما يخيفه ويزعجه من صور العذاب وهول الجحيم . حتى غدا باطني مسرحا لصراع عنيف بين النعيم والجحيم،والشقاوة والسعادة والطمأنينة والحيرة. وما هي إلا دقائق معدودة، حتى فوجئت بنداء ينبعث من صميم قلبي، وهاتف يهتف بي: إلى متى هذا النوم؟ إلى متى هذه الغفلة؟ ألا من يقظة توقظ عزمك، وتضيئ ما ادلهم من ليل حالك، وتذيب حجارة القسوة الجاثمة فوق قلبك . أما آن لهذا القلب أن يلين ويخشع؟ ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق)؟ ولهذه العين أن تبصر وتتبصر وتدمع؟ ما لهذا خلقت يا عبد الله؟ وما خلق الله شيئا عبثا أو سدى بل كل في فلك يسبحون وبكل لسان يسبحون، فأين لسانك؟ وأين قلبك؟ وأين قصدك؟ وما وجهتك؟.

هيهات هيهات، أتظن الأمر سهلا والوجود عدما كلا، فالأمر أعظم مما تتصور، والخطب أجل مما قد يخطر على بالك، والفضاء ضاق بما رحب، وعجلة الزمان أوشكت على التوقف، بعد أن أباد الأمم والقرون تعاقب الحركة والسكون ، وليل نهارك قد جن عليك ولما تعاين نجومه. أقم قيامتك قبل قيامها فهول القيامة أشد ما ينتظر والساعة أدهى وأمر. وليوقفنك رب العزة بين يديه وليسألنك سؤال عزيز مقتدر، وقتئذ تبلغ القلوب الحناجر، وتفترس الندامة الصدور ويعض الظالم على يديه ولات حين مناص.

ياعبد الله أنت أكرم على الله من أن تسحرك الدنيا بظلها الزائل، أو تعبث بك الشياطين وتزج بك في حمأة الشهوات والضلالات، وإلهك ينتظر رجوعك وتوبتك ويفرح بذلك، أكثر من فرح أم برجوع ولدها المفقود.

ومرت الأيام، وشعاع ذلك الهاتف يزداد توقدا، وصوت النداء الباطني يزداد قوة وحدة، فعزمت على الخروج عن العادات والمألوفات، والاقتـداء بالتوابين الصالحين، ووطنت نفسي على ذلك كيف لا "والعمر قصير، والساعات طائرة، والحركات دائمة، والفرص بروق تأتلق، والأوطار في غرضها تجتمع وتفترق، والنفوس على فواتها تذوب وتحترق".

فلما استقرت في باطني بوارق اليقظة، وانزعج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، أخذت في أهبة السفر إلى الله لا ألوي على شيء، وعقدت عقدا جازما على المسير ومفارقة كل قاطع ومعوق، ومرافقة كل معين وموصل.
" قال الشاعر:
فحــي على جنات عدن فإنهــــا
منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى
نعـود إلى أوطاننا ونسلـــم

ثم أعقب حال اليقظة والانتباه، شعور عميق بالذل والانكسار والخضوع، والافتقار للرب سبحانه وتعالى، يقول رب العزة: " يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد"
"فأدركت تمام الإدراك أن صلاحي وخلاصي وهداي وسعادتي، بيده جل وعلا، وأن هذا الخير وهذه اليقظة منه وحده، وأن رحمته بي اقتضت تذكري له وسياقتي إليه. فالتجأت إليه لجوء المضطر الذليل المستعطف، ووضعت خذي على عتبة العبودية، ناظرا بقلبي إلى ربي ووليي نظر الذليل إلى العزيز الرحيم".

د. عبد الله الشارف، باريس 1981.

الإيحاء الذاتي والذكر

0



لقد أثبتت الدراسات والأبحاث النفسية قديما وحديثا، أن الإنسان الذي يشكو ضعف الإرادة، يستطيع تقويتها والرفع من مستواها عن طريق الإيحاء الذاتي. والإيحاء في هذا المجال عبارة عن عملية نفسية وعقلية تهدف إلى إيصال فكرة إلى قلب الإنسان، وتثبيتها في عقله وشعوره. وأفضل الإيحاءات النفسية هي تلك التي ننشئها بأنفسنا، فنتخيل أننا نملك القوة العقلية والفكرية التي نحتاج إليها ونستخدمها مثلا، في قهر الاضطراب والخمول، أو في النهوض بالعزيمة. وهكذا من خلال الإيحاءات المتكررة ذهنيا عبر ترديد بعض العبارات الدقيقة والهادفة، مثل: "أستطيع التخلص من هذه العادة... بإمكاني أن أفعل غير ذلك... لقد أصبحت حرا"، أو مثل : "أنا هادئ تماما... أنا لا أشعر بالمؤثرات الحسية.."، يغدو المرء وكأنه يحيا معاني تلك العبارات الأمر الذي يدفعه فعلا إلى تطبيقها وممارستها.


وقد ثبت مؤخرا، في البحث العلمي التجريبي، أن الفكرة تولد إشعاعا بالغ القوة، وأنها تبث في الأثير حركات اهتزازية، من شأنها أن توقظ في بعض الأشخاص حالات روحية ونفسية منسجمة مع الطبيعة الفكرية والنفسية لمرسلها أو صاحبها. وهذا الأمر نلمسه مثلا في العلاقة بين العالم والمتعلم، أو بين الشيخ الصوفي والمريد، أو بين محب ومحبوبه.


وإذا كانت الفكرة الصادرة عن المرسل تؤثر في المرسل إليه، فإن تأثر الإنسان بأفكاره من باب أولى، حيث يكون في آن واحد مرسلا ومتلقيا. والإنسان يتأثر ويخضع تلقائيا لأفكاره مدى حياته، إلا أنه يعجز أحيانا عن تمثل واستلهام بعض الأفكار التي يرغب فيها، وهنا يأتي دور الإيحاء الذاتي كوسيلة ناجعة لتحقيق هذه الرغبة.


والإنسان المسلم الذي يكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى بخشوع وطمأنينة وتأمل واستحضار لعظمة الخالق، يكون ممارسا بطريقة تلقائية ومتصلة، لعملية الإيحاء الذاتي بكل ما تحمله هذه العملية من معاني إيجابية وعميقة. فالذاكر المردد لصيغة من صيغ الذكر المشروعة، يظل مستلهما كل المعاني الروحية التي تنطوي عليها تلك الصيغة، فتنساب في باطنه وكيانه، محدثة ما شاء الله من الخير والأسرار، كما تعمل على تفجير الطاقات الروحية والإيمانية الدفينة، مما يكون له أثر مباشر في تفعيل الإرادة ومدها بالقوة والحيوية والنشاط.


إن عكوف الذاكر مثلا على قول :"أستغفر الله" أو "لا إله إلا الله" أو "سبحان الله" ، يجعله يستوحي من هذه الكلمات معاني الاستغفار والتهليل والتسبيح، وهي بلا شك معاني قوية مرتبطة بالتوحيد والفطرة، تزود الذاكر بشحنات إيمانية عالية، تمكنه من تزكية نفسه والسهر على بناء شخصيته بناء متميزا، مما يعينه على القيام بوظيفة الرسالة والاستخلاف. وكلما حافظ المسلم على الذكر والتذكر على المنهج النبوي، ترقى في سلم السيطرة على نفسه، واكتسب القدرة على مراقبتها بطريقة تلقائية، وبالتالي ازدادت ثقته بها وبكفاءاته وقدراته.


وهكذا فإن الإيحاء الذاتي بواسطة الذكر أفضل وأسمى أنواع الإيحاءات الذاتية، لما يثمره من فوائد في ميدان الإرادة والشخصية وإعادة الثقة بالنفس، وتجديد الثقة بالخالق عز وجل، والارتباط بأسس الفطرة والتوحيد. كما يسهم، من خلال الذكر دائما، في تربية الذوق والوجدان وتنمية قوى الإرادة التي تتجسد عمليا في محبة الله وخشيته ورجائه. لأن محبة الله تدفع المسلم إلى طاعته وحده، وخشية الله تزجره عن المضي فيما يغضب مولاه، والرجاء من الله يمنحه القدرة على الاستمرار وتحمل المصاعب والأزمات. والنجاح في هذه الإرادات الثلاث، يؤدي إلى تحرير القلب من الخضوع للأهواء النفسية والطواغيت والأصنام المادية والمعنوية.


د. أبو خولة عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين، جامعة القرويين/صفر الخير 1435-دجنبر 2013/تطوان المغرب.


كرة القدم الصنم المعبود

5


 

 

إذا كان العرب في الجاهلية قد عبدوا الأصنام وعلى رأسها صنم هبل، فإن الكثير من عرب اليوم يعبدون هبلا جديدا؛ إنه كرة القدم.

جلد مكور مملوء هواء، سبى العقول وترك الأفئدة هواء. ملايين القلوب عاكفة على هذا المعبود. أموال تنفق قرابين، وأوقات تضيع عبثا وسدى، وأعصاب تحترق وتمزق في سبيل جلد مكور يقفز يمنة ويسرة، والعيون جاحظة ناظرة بإعجاب، والقلوب تكاد تندفع من القفص الصدري؛ فرحا أو حزنا .

إن أرصفة الشوارع الآن شبه خالية من الناس، ضجيج السيارات لا يسمع إلا قليلا. مشهد رهيب؛ إنها ساعة العبادة الحديثة؛ العبادة الشيطانية. إنها ساعة العكوف على هبل والمثول بين يديه، وتقريب القرابين؛ بيع النفوس أو ذبحها وتقريبها بكل سخاء وتفاني للصنم الجلدي الهوائي المكور.

المقاهي، معابد هبل الجديد،  مليئة ومكتظة وقت “العبادة الجديدة”. المساجد، بيوت الله، تكاد تهجر أثناء تقريب القرابين لهبل. وكم من مسلم ترك صلاته إذا حضر هبل، فيعرض عن خالقه ليلبي نداء هبل؛ “أفرأيت من اتخذ الهه هواه”.

هواه هبل، هواه هواء في جلد مكور يقفز يمنة ويسرة؛ “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين” (التين؛ 4-5). فهل هناك منزلة أسفل وأضل من منزلة عبادة الهوى ؟؟ سواء أكان هواء مكورا يقفز وينط، أم شهوة عمياء، أم ظلما وكبرا، أم شركا وطغيانا.

أخي المسلم الذي يبيع نفسه لهبل الجديد ويعرض عن الصلاة لأنه في “صلاة” أخرى، أو يكثر ذكر هبل وتعظيمه في نفسه أومع زملائه الهبليين؛ أما تدري أن الله خلقك لعبادته لا لعبادة هواك؛ “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.” (الذاريات 56) ؟ أما تدري أن الله يقول؛ “وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين” (الدخان 38)؟ فكيف تلعب وأنت تعلم أن ربك لا يلعب؟ كيف تتجرأ لتلعب بدينك، وتستجيب لنداء هبل الكرة بكل حرارة ولهفة، وتعرض عن نداء ربك، أو تقبل عليه بقلب ساه لاه غافل، لأن هبلك ملك عليك فؤادك، وتربع على عرش قلبك ؟؟ حذار ثم حذار.

وأعرف أحد الأصدقاء الذين ينتصرون لفرقة مدريد الإسبانية، يحزن كثيرا عندما تخسر في لعبها؛ بحيث لايطيب له طعام ولا شراب ولا حديث، بعد مشاهدة مباراة فريقه الخاسر. وقد يظل أياما مهموما منكسر القلب. لقد أصيب فريقه المحبوب، فهو لذلك يعاني من الآلام النفسية أكثر مما يعانيه أعضاء الفريق أنفسهم. وكثيرا ما يكون لوضعه النفسي هذا أثر سلبي في سلوكه العملي، أو في علاقاته بمحيطه الاجتماعي. وذات يوم أخبرني أنه سيقوم بأداء العمرة، فبادرته قائلا؛ “ادع ربك في المسجد الحرام أن يخلصك من هذا الهم، ويخرج من قلبك حب الكرة وفريق مدريد”. فأجابني؛ ” أعوذ بالله، لن أفعل هذا، ولا أستطيعه، بل أخشى حدوثه؟؟” . فهمست إلى نفسي؛ “لماذا سيعتمر هذا المسكين الولهان؟ وهل سيطوف بالكعبة حقا، وكعبة هبله في قلبه؟” ، إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أسرع الشرك والبدع والانحراف إلى القلوب.

وبهذه المناسبة، أزف إلى القارئ الكريم باقة من الخواطر والرقائق الإيمانية التي دونتها قبل سنوات، لعلها تتناغم مع الموضوع؛

 فر إلى الله


لا تألف غيره لأنك مفارقه، ولا تتعلق بسواه لأنه فان. وروحك خالدة. واعلم أنك في سفر منه إليه، وقد أودعك الأمانة فضيعتها في الطريق لتزودك زاد المقيم، ونسيت أنك على سفر، فأمنت سقر، فلفحك لهيبها. فر إليه وتذكر ألفتك الأصلية، واسأل الله أن يردها إليك، وفي الحديث ( اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري…وتلهمني بها رشدي وترد بها ألفتي ). 

لا عذر لك


لا قلب لك، لا سمع لك، لابصر لك فأنى لك بالخشوع، وأنى لك بالإنابة. بل كيف يتجافى جنبك عن مضجعك. هيهات هيهات؛ أتروم الظفر بحلاوة الإيمان ولما تنفطم نفسك عن شهواتك. كيف بك وقد كشف عنك غطاؤك وأنت على هذه الحال. لا عذر لك يا ابن آدم، فيداك أوكتا وفوك نفخ.

 كسر أصنامك


كسر أصنامك تبد لك أسرارك، ولذ بالرحمان تفز بالإحسان. أبناء جلدتك عكفوا على الأصنام وزينوها ووضعوا لها الأرقام، وحلت عندهم محل خالق الأنام، ومنها المحسوس والمخيل، والثاني أظلم لتعلقه بالوهم، وكلاهما سراب لأن ما خلا الله باطل، “ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور”. لا تلتفت إلى الأصنام فتصيبك السهام، وتبرأ منها وممن يطوف حولها، واحتم بصاحب الحول سبحانه ما أعظمه.

   يالهول المطلع


أزفت الآزفة، وصخت الصاخة، وأدبرت الدنيا وأقبلت الآخرة، وأنت في شأن آخر كأنك غير مطلوب ولا مخاطب؛ “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون”. كلا لتقفن بين يدي العزيز ويا لهول المطلع، ولتفترسنك الندامة ويا لسوء المصرع، ليت أمي لم تلدني أين المفزع ؟

أفق من غفلتك


لا خبر عندهم فيما هم إليه سائرون، ولا عقل لديهم يعقل ما هم به مخاطبون. كأنما وجدوا من غير سبب، ونشروا على الأرض لغير طلب. هيهات هيهات؛ أتظن الأمر لهوا والحياة لغوا ؟ كلا، إذ كل ما يحيط بك، لو أبصرت، له خاضع، وإليه راجع. فاخلع نعليك إنك قاب قوسين أو أدنى من الحرم الآمن، وإلا فار التنور وقيل بعدا للقوم الظالمين.

—-
د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف،كلية أصول الدين جامعة القرويين/ تطوان المغرب. محرم 1435/نوفمبر2013


مسودة تلقائية

0

مهاجر مغربي في بلجيكا

2





في هذا اليوم ( فاتح محرم 1430هـ/ 26 دجنبر 2008)، كنت على موعد مع السيد محمد آيت علي؛ وهو من الأصدقاء  الذين تعرفت إليهم في السنوات الأخيرة من سبعينيات القرن العشرين الميلادي، حيث جمعتنا الدراسة الجامعية في مدينة فاس.


سافر إلى بلجيكا لمتابعة الدراسات العليا في الاقتصاد. وبعد بضع سنوات، ولج ميدان العمل، كما يقع لكثير من الطلبة العرب والأفارقة في بلدان أوروبا. إنه الآن يزاول تدريس مادة الإسلام في ثانوية بمدينة شارل لوغوا جنوب بلجيكا.


سألته متعجبا: " كيف يدرس الإسلام للتلاميذ في بلد مسيحي؟".


 فقال: "ليس هناك ما يدعو للعجب، وهل تظن أنه بلدا علمانيا يعلم أبناءه ديننا، والعداوة الدينية مستحكمة، وقائمة بيننا وبينهم إلى يوم القيامة؟. والحقيقة أنه؛ على إثر زيارة قام بها ملك المملكة العربية السعودية، أو أحد أمرائها لبروكسيل، أيام أزمة البترول الأولى سنة 1973، وبعد إبرام اتفاقية بين الحكومتين، طلب هذا الملك أو الأمير من رئيس حكومة بلجيكا، أن يدرس الإسلام لأبناء الجالية الإسلامية في بلجيكا. فصدر ظهير ملكي بلجيكي ينص على هذا الشأن".


ثم سألته: "حدثني كيف كان موقف البلجيكيين بعد صدور الظهير؟" فقال: "لقد ثارت ثائرتهم، واستنكروا ذلك، وطفقت الصحف ووسائل الإعلام تنتقد وتتهكم".


"وماذا عن مضمون هذه  المادة وعدد ساعاتها؟"


فأجاب: "يا صديقي إن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد إيهام أو دغدغة لعواطف المهاجرين والمسؤولين العرب. إن هذه المادة تندرج في إطار مادة الأخلاق والأديان. فعلى التلميذ، عندما يصل إلى السنة الخامسة أي ما قبل سنة الباكالوريا، أن يختار ما بين الأخلاق والأديان. فأما الأخلاق فيدرسون فيها بعض النظريات العلمانية؛ كنظرية التطور الداروينية، ونظريات أخلاقية فلسفية. وأما الأديان فيطلب من التلميذ أن يختار ما بين الكاثوليكية والأرثوذوكسية و البروتستانتية والعبرية والإسلام. وقد خصصت وزارة التربية والتعليم لهذه المادة ساعتين أسبوعيا، خلال السنتين الخامسة والسادسة (الباكالوريا) من التعليم الثانوي. ومما يلفت نظري أن معظم أبناء المهاجرين العرب، يفضلون مادة الأخلاق العلمانية، ولا يرغبون في مادة الإسلام. بل من المفارقات العجيبة أن تجد كثيرا من التلاميذ البلجيكيين المسيحيين يقبلون عليها، الأمر الذي استرعى انتباه المسؤولين في بعض الثانويات البلجيكية. وهذه الظاهرة بدأت تنمو بعد أحداث  11 سبتمبر 2001 بنيويورك. ثم زاد اطرادها ونموها، على إثر الهجمات الدانمركية على شخصية رسولنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. وقبل سنتين، كان في قسم السنة الخامسة ثانوي بالمؤسسة التي أدرس فيها اثنا عشر تلميذا بلجيكيا من أصول مسيحية، وجلهم أبناء أطر؛ أطباء أو مهندسين... أو أرباب الشركات. وإنه لمما يثير الحيرة والاستغراب أن يقبل هؤلاء التلاميذ المسيحيون على ما يزهد فيه ويعرض عنه أبناء جاليتنا المسلمة.


أما عن مضمون مادة الإسلام، فإنه يشتمل على المحاور الأساسية التي تعرف بالدين الإسلامي؛ من توحيد وصلاة وصيام وزكاة وحج. لكن يطلب مني كمدرس ومن باقي  المدرسين العرب، أن يكون شرح هذه المحاور بطريقة عقلية وفلسفية. كما هو الشأن عندما يكون أستاذ مادة الفلسفة يلقي عرضا أو درسا يتعلق بعقيدة أو فلسفة ما. وبعبارة أخرى، ينبغي على  مدرس هذه المادة؛ وهو عربي مسلم ألا يبرز ذاته وعاطفته الدينية، بحيث قد يؤدي ذلك إلى التأثير في التلاميذ وجعلهم يهتمون بالإسلام، أو يميلون إليه. وفي هذا الصدد، ما زلت أتذكر ذلك اليوم الذي انتقدني ولامني فيه مدير الثانوية، عندما انتهى إلى علمه أنني قرأت مرة سورة الفاتحة على التلاميذ باللغة العربية، قبل ترجمتها وشرحها. فقد قامت قيامته، وقال لي بلهجة صارمة: لا تستعمل العربية في درسك ولو كلمة واحدة؟


وبالمناسبة تذكرت كلاما نطق به عمدة بروكسيل السابق حيث قال: "مادمت أسمع مغربيا يتكلم العربية أو الدارجة المغربية فإن الخطر ما زال قائما؟؟"


 ثم إن المسؤولين في المدارس والثانويات يمنعون التلاميذ ذوي الأصول المغاربية من الكلام بالدارجة المغربية أو العربية داخل القسم. وإن هذا نادر ما يقع، لأن جل هؤلاء التلاميذ يتواصلون فيما بينهم بالفرنسية داخل القسم وخارجه، وفي كل مكان، بما في ذلك بيوتهم؛ حيث يخاطبون إخوتهم وآباءهم وأمهاتهم بالفرنسية أيضا. فبادرته قائلا: "ألا يدل هذا على نوع من الذوبان والانسلاخ من الهوية العربية الإسلامية؟"


فأجابني: "نعم إنه الذوبان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ذوبان في الحياة البلجيكية لغة وثقافة وسلوكا، وانسلاخ تدريجي من الهوية العربية و الدينية. ذلك الانسلاخ الذي يتجلى في عدم ممارسة الشعائر الإسلامية، والاستهانة بها؛ كالصلاة والصيام. فقلما تعثر على شاب من الجيل الثاني، أو فتى من الجيل الثالث يحافظ على صلاته وصيامه. وأظن أن هذه الشعائر والمظاهر الدينية آيلة نحو الاندثار والتلاشي، في أوساط الأسر ذات الأصول المغاربية أو التركية...


قبل قليل أشرت في كلامك إلى أثر "شهود يهو" في صفوف بعض المراهقين والشباب.


هلا حدثتني بشيء من التفصيل عن هذا الأمر؟


نعم، إن المسلمين المهاجرين في أوروبا، من بين المستهدفين الأساسيين من قبل المنصرين وأصحاب عقيدة "شهود يهو"، حيث يطرقون أبوابهم في أيام الآحاد، ويحدثونهم في موضوع الإيمان بالله محاولين إقناعهم بما يعتقدونه من تصورات عقدية باطلة. ورغم أن الجهود التي يبذلونها في سبيل هذه الدعوة غالبا ما تذهب سدى، فإن ذلك لم يثنهم عن عزمهم، إذ أنهم يقنعون فقط ببث الشكوك في عقيدة  هؤلاء المهاجرين. أما الظفر بتنصير أحدهم، أو جلبة إلى حظيرة "شهود يهو" فتتلك أمنية غالية!!


بيد أن صبرهم، وحزمهم، ومثابرتهم، وأخذهم للأمر عدته، جعلهم ينالون ويحققون بعض ما كانوا يحلمون به. فقلت له: وماذا حققوا؟


فقال، وهو يتنفس بملء رئتيه من شدة الأسف والتأثر:


"لقد زارني في السنوات الأخيرة بعض أتباع "شهود يهو". وكان بينهم  أشخاص من أصول مغاربية، إنهم شباب تحولوا من دين الإسلام إلى هذه العقيدة الفاسدة !! وعددهم في ازدياد. ولقد سر بهم أساتذتهم الدجالون سرورا كبيرا لكونهم يمثلون أحسن رسل للعقيدة الجديدة لدى إخوانهم وأسرهم؟!"


هذا  يا صديقي عبد الله، ما حضرني من ألوان المآسي والكوارث التي لحق بالمهاجرين المسلمين، وأبنائهم وأحفادهم في هذا البلد الأوربي. ولقد صدق الفقيه الداعية أبو بكر الجزائري  عندما سأله بعض المهاجرين عن حكم الإسلام في الإقامة ببلاد النصارى، فأجاب بأنها إقامة محرمة لاسيما إذا كان المهاجر المسلم لا يأمن على نفسه وأولاده الفتنة في الدين. ومن يأمنها  منا في بلد الغربة بين ظهراني النصارى المشركين؟!


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين، تطوان المغرب، فاتح محرم 1430هـ/ 26 دجنبر 2008.

الدخول في الصلاة، دخول على الله

1





"الله أكبر، نقطة بدايتي ونهايتي ونور هدايتي إلى فطرتي. الله أكبر حصني وملجأي وفرحي ومناي، وعقال نفسي وغذاء روحي. الله أكبر فرجي من كربتي، ونجاتي من شهوتي، وسلاحي على أعدائي، ونصري في معركتي. الله أكبر سر توبتي وأوبتي، ونفق مراقبتي ومحاسبتي، وعدتي في مجاهدتي. الله أكبر مفتاح صلاتي وركوعي و سجودي وذكرى وتسبيحي.


 الله أكبر من السماوات والأرض فلا تعجبن، وأكبر من هول القيامة وزلزلة الساعة وذهولها فتثبت، وأكبر من بلوغ الروح الحلقوم والتراقي فظن به خيرا، وأكبر من مرضك وفاقتك وهمومك فلا تيأسن، وأكبر من خوفك وأمنك وحزنك وفرحك وفقرك وغناك وضعفك وقوتك ومعصيتك وطاعتك فلا تزيغن، وأكبرمن صبرك وشكرك، وبرك وإحسانك وذكرك وعبادتك وخشوعك فلا تغترن، وأكبر من نعيم الذكر وبرد اليقين وحلاوة الأنس ولذة المناجاة وبوارق المكاشفة فلا تقنعن كي لا تحجب، والتمس المزيد وأن إلى ربك المنتهى" .


"الحمد لله رب العالمين؛ حمدني عبدي، الرحمن الرحيم؛ أثنى علي عبدي، مالك يوم الدين مجدني عبدي. أعظم بها من لحظات ينعم فيها القلب بصدى المناجاة، ويخترق الصدى حاسة السمع الباطنية، فيخشع الكيان أمام صولة الآيات، ويصبح الحق جليسك ومن وحشة الدنيا أنيسك, ومن أحسن من الله جليسا وأعظم منه أنيسا. طوبى لك وقد فتح الباب على مصراعيه، وأذن لك بالمثول بين يديه، فتصور المنح والعطايا من لذة الذكر ونعيم المناجاة إلى النظر إلى وجهه يوم لقائه".


"الله أكبر، الله أعظم، الله أجل. أسلم وجهك لله، واستمطر رحمته بالصبر والصلاة، واصدق الله في ركوعك وسجودك، واخضع وتذلل واستحضر عبوديتك تأخذك المناجاة إلى عالم يجل عن الوصف، تتفيأ في ظلاله، فترنو بعين البصيرة إلى جماله وبهائه. أعظم به من مقام، واسعد بها من لحظات مع رب ودود، مقبل بوجهه الكريم على عبده الخاشع الذليل، واعلم أن حرصك على استحضار الخشوع في صلاتك إرضاء لربك، وطمعا في نعيم القرب وحلاوة المناجاة، لن يضاهي حرصه في الإقبال عليك والاستماع إلى دعواتك. ولئن جئته تمشي أتاك هرولة".


بعد هذه النصوص الرقيقة المقتبسة من كتيبي؛ "واردات وخواطر إيمانية"[1]، أقول لك، أخي المسلم ناصحا، ولنفسي الأمارة: طهر قلبك من الغفلة والرياء والعجب والغرور، وسائر الأهواء النفسية الضارة. واعلم أن الصدق والإخلاص، من أعظم الوسائل والصفات لتحقيق الطهارة الباطنية. وكما أن حدث البدن لا يرتفع إلا بالماء الطاهر، فكذلك حدث القلوب لا يزول إلا بماء الصدق والإخلاص ورحيق العبودية.


أما يستحيي المسلم حينما يناجي ربه، فيقرأ الفاتحة والسورة من القرآن، أو يسبح في ركوعه وسجوده، وهو في كل ذلك إنما يحرك لسانه وشفتيه، بينما قلبه في واد آخر؟


أما يخجل حينما يخاطب ربه بلسانه كالببغاء، وهو في الوقت نفسه عاكف، بكل ما أوتي من تركيز وحضور قلبي، على التفكير في دنياه، وشهواته وآماله وأمانيه؟ ما هذه الازدواجية الغبية السمجة؟ شتان ما بين سريرته وعلانيته، وما بين قلبه ولسانه.


فكيف تصح صلاة من هو غائب عنها إلا ببدنه؟ بل كيف تصح أو تقبل نية دخوله فيها، وهو غير متطهر؛ أي مصر على الذنوب والمعاصي، والله يقول: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"؟ (العنكبوت 45). أي هناك إصراران؛ أولهما: إصرار على الغياب القلبي في الصلاة بمعنى؛ مغادرتها وعدم شهودها، مع الإعراض عن المخاطب وهو الله، وقت مخاطبته الببغاوية !!. وثانيهما: إصرار على الذنوب والمعاصي، وعلى عدم التطهر الباطني، مع إلغاء التفكير في التوبة.


أيظن المسلم أن طهارة البدن تغنيه عن طهارة الباطن، أو تشفع للقلب الخرب؟ فرب متوضئ لا وضوء له ، ولا تنزل ذنوبه مع قطرات مائه، ورب مصل وصلاته تلعنه كما في الحديث النبوي.


هيهات هيهات، أيروم المسلم الغافل العاصي، خداع من يعلم السر وأخفى، ويتطهر !! للدخول عليه والمثول بين يديه ومناجاته في صلاته؟ أما يدري أنه ما تطهر بإصراره على الذنوب والمعاصي؟ أما يدري أن الله لا ينظر إلى صورته ونظافة أطرافه، وإنما ينظر إلى قلبه وباطنه وسريرته؟


إنك لا ترضى عن صديق يظهر لك المحبة، وقد أطلعك الله على نفاقه وخداعه وكذبه. لكنك تطمع أن يرضى عنك خالقك، وأنت تخادعه وتكذب عليه !!. هذا ما لا يقبله عقل ولا نقل، ولا يستسيغه منطق. بيد أنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.


فلنبادر إلى التوبة والإنابة، وإصلاح النفس ومحاسبتها، ومراقبتها، قبل فوات الأوان. وقد ذكر الفقيه العلامة محمد بن قيم الجوزية، في كتابه؛ "المدارج"، كلاما نفيسا له علاقة بالموضوع، يحسن الاستشهاد به:


" وهذا يذكر العباد بالتطهر للموافاة والقدوم عليه ، والدخول وقت اللقاء لمن عقل عن الله ، وفهم أسرار العبادات . فإذا كان العبد لا يدخل عليه حتى يستقبل بيته المحرم بوجهه ، ويستر عورته ، ويطهر بدنه وثيابه ، وموضع مقامه بين يديه . ثم يخلص له النية . فهكذا الدخول عليه وقت اللقاء ، لا يحصل إلا بأن يستقبل ربه بقلبه كله . ويستر عوراته الباطنة بلباس التقوى . ويطهر قلبه وروحه وجوارحه من أدناسها الظاهرة والباطنة . ويتطهر لله طهرا كاملا . ويتأهب للدخول أكمل تأهب . وأوقات الصلاة نظير وقت الموافاة


فإذا تأهب العبد قبل الوقت : جاءه الوقت وهو متأهب . فيدخل على الله . وإذا فرط في التأهب : خيف عليه من خروج الوقت قبل التأهب . إذ هجوم وقت الموافاة مضيق لا يقبل التوسعة . فلا يمكن العبد من التطهر والتأهب عند هجوم الوقت . بل يقال له : هيهات ، فات ما فات ، وقد بعدت بينك وبين التطهر المسافات . فمن شام برق الوعيد بقصر الأمل : لم يزل على طهارة "[2]

رحم الله الفقيه العلامة ابن قيم الجوزية، وإن كلامه المليء بالحكمة، لكلام وثيق الصلة بمشكاة النبوة وروح السنة.









[1] - " واردات وخواطر إيمانية"؛ طوب بريس، الرباط ، ص 30. /2002





[2] - محمد بن قيم الجوزية؛ "مدارج السالكين"، دار الجيل بيروت، د.ت، ج3، ص95-96.


د. أبو خولة عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ جامعة القرويين. تطوان المغرب.رجب الخير 1434/ماي2013.




في أدب الحكم والنصائح

1




إن المطلع على الأدب العربي شعرا ونثرا، يجده مشتملا على أبواب وفنون وموضوعات متنوعة، ذات صلة بالفكر والحياة. ورغم أن كثيرا من النصوص النثرية والشعرية الرائعة، شكلا ومضمونا، قد مر على حياتها زمن طويل، إلا أن ذلك لم يؤثر في جمالها وقوة عطائها وتدفقها. وهذا لا يخفى على من يتذوق اللغة العربية، ويأسره بيانها وبهاؤها. والحقيقة أن اللغة العربية تتحدى الزمان بحيويتها ومرونتها، ولا زالت تحتفظ بشبابها ونضارتها، وذلك سر من أسرارها، رغم كيد الكائدين من أبناء جلدتها، ومن الصليبيين الحاقدين. بل كيف يطرأ عليها المشيب، وهي وعاء الذكر الحكيم؟


وبهذه المناسبة أتحف القارئ الكريم بنصوص شعرية من فن الحكم والنصائح.


قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:



دع الأيام تفعــــــــل ما تشــاء ..... وطب نفسا إذا حكم القضاء


ولا تجــــــــزع لحادثة الليالي ..... فما لحـــوادث الدنيا بقـــــاء
وكن رجلا على الأهوال جلدا ..... وشيمتك السماحة والوفـــاء
وإن كثرت عيوبك في البرايا ..... وسرك أن يكون لها غطـاء
تستر بالسخاء فكـل عيــــــب ..... يغطيه كمـا قــيــل السخـــاء
ولا تــــــر للأعادي قــط ذلا ..... فإن شماتة الأعداء بـــــــــلاء
ولا ترج السماحة مــن بخيل ..... فما في النــــــار للظمآن ماء
ورزقك ليـــس ينقصه التأني ..... وليس يزيد في الرزق العناء
ولا حزن يــدوم ولا ســرور ..... ولا بؤس عليك ولا رخــــاء
إذا ما كنــــت ذا قـلب قنـوع ..... فأنت ومالك الدنيا ســــــــواء
ومــــن نزلت بساحته المنايا ..... فلا أرض تقيه ولا سمــــــاء
وأرض الله واسعة ولــــكــن ..... إذا نزل القضا ضاق الفضاء



وقال الشاعر صلاح الدين الصفدي (764هج):



الجــــد في الجـد والحرمان فـي الكســـل


فــــانصب تصب عـن قريب غـاية الأمل
***


واصبــــر عـــلى كل ما يأتي الزمان به
صـبــر الحسام بــكــفّ الـدارع البطــــل
***


وجــــــانب الحرص والأطماع تحظ بما
تــــرجو من العـــز والتأيـيــد في عجـل
***


ولا تــــــكونَنْ عــــــلى ما فات ذا حزن
ولا تــظـــل بـمــــا أوتـيــــــــت ذا جـذل
***


واسـتـشـعـر الحـلم في كـــل الأمور ولا
تــــسرع بـبـــادرة يومـــــــــا إلى رجـل
***


وإن بـلـيــــت بــشخــــص لا خــلاق له
فــكـــن كــأنك لـم تــــسمع ولم يــقــــــل
***


ولا تـــــمار ســفــيــــها فـــــي محاورة
ولا حــلــيــما لـــكي تقصى عـــن الزلـل
***


ولا يـغـرك مــن يـبـــدي بـشاشــتـــــــه
إلـــيــــك خدعـــــا فـإن السم في العـسل
***


وإن أرد ت نــجـــــاحا فـــــــي كل آونة
فــــاكـتـم أمـــورك عـــن حاف و منتعل
***


إن الـفــتى مـن بماضي الحــزم متصف
ومــــا تعـــــود نـــــقـص القول والعـمل
***


ولا يـــقــيــم بأرض طــاب مســكـنــهـا
حــتـى يــقــدّ أديم السهــل والــجــبـــــل
***


ولا يــضيــــع ساعـــات الزمان فـلــــن
يــعــــود ما فــــات مــن أيــــــامه الأول
***


ولا يــــراقـــب إلا مـــــن يـــــراقــبــــه
ولا يــــُصــاحـــب إلا كـــل ذى نـــُبــــــل
***


ولا يـعــد عـــيــوبا للــــــــــــــورى أبدا
بــل يــعــتــني بالذي فــــيه مـــن الخلـل
***


ولا يــــظن بــــهم سوءا ولا حسنــــــــا
بـــــل التــــجارب تهد يــه عـــــلى مهـل
***


ولا يــــصـــد عــن التـقـوى بصــــيرته
لأنــهـــا للمعــــالي أوضـح الــسبــــــــل
***


فــمــن تـــــكن حلة الــتـــقـوى ملابسه
لم يــــخش فـــي دهره يــوما من العطل
***


مــــن لم تــفــــده صروف الدهر تجربة
فـــيـــما يحاول فلـــــــيسكــن مع الهمـل
***


مــــــن سالمته الليالي فلـيـثــــق عجلا
منــــها بــــحرب عــــــد و جـاء بالحيـل
***


مــــن ضــــيع الحزم لم يظـــفر بحاجته
ومــــن رمى بسهـــــــام العجـب لم ينـل
***


مـــــن جــــاد ســاد وأحيا العالمون له
بــــد يع حــــمد بـــــمدح الفعـل مُتّصـل


 


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين. رجب 1434/ماي 2013.







درس تربوي إيماني

0


ذات يوم، قبل عشرين سنة خلت، بينما كنت في طريقي إلى البيت، التقيت بأحد طلبتي في كلية أصول الدين، فحياني بتحية الإسلام، وطلب مني أن أستمع لكلامه، فاستجبت، ثم قال: "لقد أحاطت بي المشاكل من كل جانب حتى هممت بالانتحار!!  إني قد رسبت في الامتحان النهائي للمرة الثانية، وفقدت منحة الطالب، وتوفي أبي منذ سنة وأنا أكبر إخوتي، وليس لي مال أساعد به أمي، كما يصعب علي أن أعثر على عمل...فأنا أفكر في الموت. فقلت له: تعالى معي إلى المنزل. وبعد تناول وجبة الغذاء، هيأت لنا أم أولادي إبريقا من الشاي مع بعض الحلويات، وكنت بين الفينة والأخرى أطمئن الطالب الحيران وأردد له قول الله تعالى:  "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا". ثم قلت له: سأساعدك في دراستك الجامعية هذه السنة، كي تنجح، إن شاء الله، وتحصل على المنحة من جديد. كما سأقدم لك بعض النصائح والإرشادات التربوية والإيمانية، وأهدي إليك  بعض الرسائل والكتب المتعلقة بتربية النفس وتزكيتها. ومن النصائح التي قدمتها له ما يلي:


_ احرص على صلاة الجماعة في المسجد.
_ عليك بقراءة جزء من القرآن كل يوم.
_ أكثر من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
_ اجتنب الحرام وقول السوء والغيبة والكبر... واجتهد في التحلي بالأخلاق الحميدة.
_ أكثر من الدعاء مع الإلحاح، لا سيما في جوف الليل.
_ الزم صلة الأرحام وأحسن إلى إخوانك المسلمين ولو بالكلمة الطيبة.


بعد مرور شهر، زارني الطالب نفسه، وكان فرحا مسرورا جميل المحيا، وقال لي:  لقد أنقدتني يا أستاذي من الهلاك، فقلت: أنقدك الله سبحانه وتعالى. يا أستاذي لقد بدأت الأمور تتحسن، إذ تغيرت رؤيتي لنفسي وللعالم، وبدأت أنظر إلى الأشياء والأمور نظرة تفاؤل، وقوي إيماني بالله، وصرت أحب الناس للصلاة والذكر، كما عثرت على عمل مؤقت، وسأجتهد في دراستي.


             وحصل الطالب بعد ذلك على شهادة الإجازة، ثم فاجأني بزيارة أخرى بعد ما يقرب من عشر سنوات، وأخبرني بأنه قد تزوج وله أولاد ويعمل مرشدا دينيا تابعا لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، كما أسند إليه خطبة الجمعة، فسررت لحاله.


وقبل بضع سنوات، التقيت بأحد الإخوة الأساتذة، وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث حتى انتهينا إلى موضوع ضعف الإيمان الذي استشرى داؤه بين المسلمين، ثم قال لي: "أسألك عن عمل يحبب إلي العبادة ويذيب قساوة قلبي". فأجبته قائلا: "عليك بالقرآن وذكر الله". فقال: "أطلب منك أن تعلمني حب القرآن والذكر والسبيل إلى تزكية النفس"، فقلت له: "اسمع يا أخي، أنت أستاذ مثلي، فاجتهد كما يجتهد المسلمون الذين يرغبون في إزاحة غيوم الغفلة عن قلوبهم". فقال: "أريد منك نصائح عملية مكتوبة، أي برنامج عملي يتعلق بتقوية الإيمان وتزكية النفس." فقلت له: " لست شيخا تربويا صوفيا أوزع الأوراد وأعالج نفوس المريدين..." فما زال يلح، حتى كتبت له نصائح وخطوات عملية على طريق تزكية النفس.


             هذا وقد حصل لي مع طلبة وأشخاص آخرين مواقف شبيهة بالموقفين المشار إليهما، حيث كنت أمام حالات متنوعة تستدعي العناية والتوجيه الإيماني.


             وخلاصة القول؛ إن التربية الإيمانية وظيفة تلقائية في المجتمع الإسلامي يمارسها العلماء والفقهاء الربانيون، ولست منهم يقينا، بيد أنني أحبهم. كما يقوم بها الدعاة الصادقون والخطباء وأئمة المساجد ، وكل مسلم تتوفر فيه أوصاف معينة، ويأنس من نفسه القدرة على القيام بتلك التربية. وليست هذه التربية حكرا على شيوخ التربية من الصوفية الطرقيين كما يدعي المبتدعة.


             وليراجع الباحث مثلا، المجلد السادس من كتاب "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" لأبي نعيم، يجد فيه من كبار علماء الفقه والحديث كحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري. وفي المجلد السابع هناك مثلا شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة والليث بن سعيد وغيرهم. وفي المجلد الثامن؛ هناك الإمام الشافعي، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه وغيرهم من رؤوس علماء الفقه والحديث، ممن أدخلهم أبو نعيم في جملة الأولياء من كتابه "الحلية". معنى هذا أن هؤلاء المذكورين وغيرهم كثير، كانوا علماء الفقه والحديث، وعلماء التربية والتزكية وإصلاح النفوس، وهم في ذلك قد سلكوا طريق الصحابة والتابعين. والذين ساروا من بعدهم على دربهم، ونهجوا نهجهم إلى يوم القيامة، كانوا مثلهم؛ نماذج في العلم والفقه، وأئمة يقتدى بهم في التقوى والورع والزهد وحسن السمت. وقد كان تلاميذهم يعرفون كثيرا عن أعمالهم الروحية والإيمانية؛ من ذكر وتلاوة وقيام الليل وصيام التطوع... وقد يخبرون عن بعض كراماتهم وأحوالهم الروحية، فيتأثرون بهم، ويقتفون أثرهم بطريقة تلقائية، فيتبوؤون بدورهم منازل التقوى والصلاح والاستقامة، دونما حاجة إلى أوراد أورسوم، أو طقوس وأعراف بدعية أو علوم لدنية وكشفية كما هو الشأن عند الصوفية.


د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين/جامعة القرويين. جمادى الثانية 1434/أبريل 2013.


 

يوسف إستس

0



لقد شهد العالم الغربي؛ الأوربي والأمريكي في العقود الأخيرة، إقبال عشرات أو مئات الآلاف من المسيحيين الغربيين على الإسلام. ولعل جل من  يدخل من هؤلاء في الإسلام، هم من المثقفين والأطر العلمية؛ من مهندسين وأطباء وباحثين أكاديميين، وأساتذة وقساوسة، وغيرهم من أصناف المثقفين وأهل العلم والمعرفة. وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن ديننا العظيم قد جمع، من خلال القرآن الكريم، من الحجج والبراهين والآيات البينات، ما جعل قلوب هؤلاء الغربيين تنقاد وتخضع، وتسلم لرب العالمين.


ولو اطلعت على ما كتبوه، بعد إسلامهم، من اعترافات وانطباعات إيمانية عميقة، لعلمت أن القوم كانوا يكتوون قبل إسلامهم، بنار الشرك ولظى الكفر، وقلق في النفس وضيق في الصدر. وها هم الآن ينشرون رسالة الإسلام بين قومهم وفي ديارهم، يبددون أستار الظلام وحجب الضلال.


ولعل الداعية يوسف إستس، يعتبر من أكبر دعاتهم المعاصرين، وممن امتلأت صدورهم بنور الإيمان واليقين، واندفعوا حاملين راية الإسلام، داعين قومهم إلى الدخول في دين الله. وبالمناسبة، أنقل إليكم نصا من موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية، يعرف بهذا الرجل الأمريكي، الداعية الصادق:


"وُلِدَ يوسف إستس في عام1944 م، لعائلة نصرانية شديدة الالتزام بالنصرانية تعيش في الغرب الأوسط لأمريكا، حتى إن آباءه وأجداده لم يبنوا الكنائس والمدارس فحسب، بل وهبوا أنفسهم لخدمة النصرانية كذلك. كان يوسف مجتهدًا في البحث في الديانة المسيحية، كما درس الهندوسية واليهودية والبوذية، وعلى مدى 30 سنة لاحقة، عمل هو وأبوه معًا في مشاريع تجارية كثيرة، واستطاع يوسف جمع العديد من ملايين الدولارات في تلك السنوات، لكنه لم يجد راحة البال التي لا يمكن تحقيقها إلا بمعرفة الحقيقة وسلوك الطريق الصحيح للهداية. حصل على شهادة ماجستير في الفنون سنة 1974م وشهادة الدكتوراة في علم اللاهوت. بعد تعامله مع شخص مسلم مصري اسمه محمد اعتنق الإسلام سنة 1991م هو وزوجه ووالده ووالدته، ثم تعلَّم بعدها اللغة العربية والدراسات الإسلامية من سنة 1991 م إلى سنة 1998 م في مصر والمغرب وتركيا.


توفي والده في شهر ذي القعدة عام 1422هـ، وكان الشيخ يوسف مع كبر سنه يحضر أباه الطاعن في السن المُقعد على الكرسي المتحرك إلى الصلاة ويضعه في الصف ليحضر صلاة الجماعة (مشهد مؤثر جداً مع كونهما داعيين للنصرانية سابقاً). ولا يكاد يمر يوم إلا ويسلم على يديه أحد، وفي أحد الأيام جاءني مستبشراً طليق الوجه وقال : " أسلم اليوم ستون شخصاً !!". ولا يكتفي الشيخ بتلقين الشهادة فحسب بل يتابع المسلمين الجدد ويعلمهم أمور دينهم، حتى أنه يتكلف السفر لهم أحياناً، وله عدة أشرطة مرئية لمحاضرات عن الإسلام والإرهاب، وعن التعريف الواضح بالإسلام، وعن فهم الإسلام.. وغيرها.


يمضي الشيخ أغلب وقته في الدعوة إلى الله وتعليم الناس. يشغل وقته بطلب دعم المواد والأنشطة الدعوية ويبذل ما لديه للدعوة، مع حسن خلقه ومحبة الناس له ولطف تعامله وتذكيره الدائم بالله ، والحرص على ألا يضيع الوقت إلا في الدعوة أو الحديث النافع أو عمل خير، وحرصه على تعليم أولاده بنفسه حتى لا يتأثروا بالمجتمع المنحل عقدياً وفكرياً وأخلاقياً، مع حجاب زوجته الكامل وبناته. أسلم على يد الشيخ يوسف الآلاف من الناس، حتى أنه لم يعد يتذكر عددهم بالضبط. ففي إحدى محاضراته في ألمانيا أسلم جميع من في القاعة وعددهم ألف ومئتان وخمسون شخصاً.(المصدر: من هو يوسف إستس؟ موقع النسيم).


ولا يعرف يوسف إستس العربية مع أنه يقرأ القرآن قراءة صحيحة من المصحف، لكنه متمكن جداً في مسألة الأديان ويستطيع بفضل الله إقناع أو إفحام خصومه من الديانات الأخرى بطلاقة. وتراه يذكر أثناء حديثه بعض الأحاديث المترجمة من الصحاح والسنن بأرقامها في مواضعها، ولا يُعد الشيخ فقيهاً أو مفتياً، وهو متواضع ويحرص على مجالس العلم ويستفيد من طلاب العلم والمشايخ والدروس المنتظمة في تلك المنطقة. ويظهر حرصه على تطبيق السنة، وهو رائع جداً في الحوار والنقاش مع اليهود والنصارى ومحاجتهم. كما يتميز الشيخ بورعه وشفافيته وتأثره والربط دائماً بالعقيدة والتركيز عليها، وتحقيق التوحيد وقد قلت له مرة: أتمنى أن أتحدث الإنجليزية مثلك فقال: وأنا أتمنى أني ما عرفت من الإنجليزية حرفاً واحداً وأني أتحدث العربية مثلك، لأقرأ كلام ربي وأعقله وأتدبره.


وشارك الشيخ في مؤتمر الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض، وزار مكتب دعوة الجاليات بحي الربوة وأسلم على يديه أربعة فلبينيين في يوم الجمعة 19/8/1423هـ في خيمة الدعوة بالبطحاء في الرياض. وهو داعية في السجون الأمريكية يزور المسلمين ويعلمهم أمور دينهم وعقيدتهم، ويهدي لهم نسخاً من ترجمة معاني القرآن الكريم بالإنجليزية (نسخة الجيب من مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة)، ويلقي لهم درساً مبسطاً في العقيدة وأركان الإسلام، يحضره أيضاً بعض السجناء من غير المسلمين ويسلم عدد منهم في كل مرة.


وموقعه على شبكة الإنترنت (الإسلام غداً islamtomorrow.com) هو من المواقع الدعوية المتميزة في أسلوب عرض الإسلام والدعوة إليه، وفك حيرة النصارى من ضلالهم، والشيخ يستقبل المئات من الرسائل على بريده، ويتابع المسلمين الجدد ويعلمهم ويجيب على تساؤلاتهم، ويعوقه أحياناً عن متابعة الموقع كثرة سفره في الولايات والدعوة وإقامة المحاضرات في الجامعات، وزيارة المسلمين في السجون وتعليمهم أمور دينهم."


 


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، جامعة القرويين. تطوان المغرب. جمادى الثانية 1434/ أبريل 2013. 

اليقين اليقين، يا عبد الله ويا أمة الله

2


عليك باليقين


أنت ميت وتحسب نفسك حيا، وحياتك من نوره "أفمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها"، ونوره من اليقين، والموت أول مراحل اليقين؛ "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". فأكثر من ذكر هادم اللذات كي تحظى باليقين، وينشرح الصدر، وتنعم باليقظة، وتستشعر غربتك الدنيوية، وتتنسم عبير الحياة الأبدية. فتقرب إلى الله واسجد له بقلبك آخر سجدة، ولا ترفع رأسك منها أبدا، وصل صلاة مودع.


واعمل وظن بالله خيرا وبالنفس شرا، وانشد اليقين حتى يستهين قلبك بما استثقلته نفسك، وتعمل على المعاينة؛ كالعبد في الدنيا أمام سيده. والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، وإن أعوزك اليقين؛ ثقلت عليك العبادة، وحرمت السكينة، وفاتتك لذة القرب.


أقم قيامتك


إذا تذكرت الواقعة، وبرق البصر، وخسوف القمر، ولم يصبك خدر، ولا وجدت أثرا في باطنك، فما حصل لك اليقين بالمشهد الرهيب. أقم قيامتك قبل يومها، واستحضر مشاهدها قبل أن تباغثك، واجمع غدك بيومك وما ثم غير يومك. وإذا صح منك التقرب أعطيت سر العبادة، ونلت حلاوة المناجاة، وغشيتك السكينة، وكتبت في ديوان المقربين، ومن ذاق لذة الوهب لا يفرح بالكسب.


ارتو بماء اليقين


اطلب اليقين كي تقذف في عين الحقيقة، كما ألقي السحرة ساجدين، ولن يضرك بعد ذلك شيء، ولسان حالك: (إنا إلى ربنا لمنقلبون). والتمس منه ربط القلب كما ربط على قلوب الفتية؛ (إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها)، وعلى قلب أم موسى؛ (لتكون من المؤمنين)، ثم لن تستوحش مما يستوحش منه الغافلون، ولن تأنس إلا بما يأنس به الواصلون.


 


أجمل ما يرى


خير ما يلقى في القلب اليقين، وأجمل ما يرى وجه رب العالمين، وألذ ما يطرب السمع كلام الحبيب وترتيل الذكر بمزمار داود وشذو نساء الجنة والحور العين. وأحسن ما تقر به العين مقام أمين في أعلى عليين. وكل ما لم يفض بك إلى هذا فوهم وغرور وتخمين، أو هشيم تذروه الرياح فوق الربى وعلى البطاح. ولله ذر لبيد:


        ألا كل شئ ماخلا الله باطل         وكل نعيم لا محالة زائل.


وجه الله أعظم مما يخطر على بالك وأقر للعين وأجمل ما يرى وأبهى، وليس وراء الله مرمى، ولا بعد ذكر الله من خير يرجى أو نعمة تجتبى، ولا أحسن من قرآنه ما يتلى، وإليه يصعد الكلم الطيب ويرقى.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين. جامعة القرويين. تطوان المغرب2003

مناهج العلوم الإنسانية: ملاحظات نقدية

0



إن العلوم الإنسانية في الغرب المعاصر تعاني مشاكل حادة، سواء على مستوى المنهج أو فيما يتعلق بالبناء النظري. ويرى كثير من الباحثين المتخصصين أن هذه المشاكل المنهجية والنظرية مرتبطة بطبيعة موضوع العلوم الإنسانية من جهة، وبالمؤثرات الفلسفية والإيديولوجية التي رافقت تلك العلوم في نشأتها وتطورها ومسيرتها التاريخية.


ثم إن هذه الفلسفات والإيديولوجيات التي صبغت العلوم الإنسانية بصبغتها، تمثل النتاج الفكري والفلسفي، الذي تمخض عن قرون من الصراع بين الفكر اللاهوتي الكنسي والفكر المتحرر، الذي عرف عند مفكري وفلاسفة عصري النهضة والتنوير.


ولما دخل القرن الثامن عشر الميلادي، كانت الثقافة الأوربية قد قطعت أعظم الأشواط في التحرر من هيمنة الفكر اللاهوتي الكنسي. ورفع فلاسفة التنوير شعار العقل، وآمنوا بقدرته على فهم الكون وتسخيره للإنسان، كما أخضعوا المعارف والعلوم للدراسة العقلية المتسلحة بالنقد والتحليل.


ومع نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، بزغت العلمانية كمذهب قوي في وجه الكنيسة الكاثوليكية المثخنة بالضربات، والانتقادات الفلسفية والعلمية. كما توج هذا الوضع بأكبر ثورة اجتماعية وثقافية في تاريخ الغرب؛ وهي الثورة الفرنسية، تلك الثورة التي، إلى جانب الثورة الصناعية، شكلت أعظم سند لقيام المنهج الوضعي، وذلك على يد الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت، في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. وهكذا قامت الفلسفة الوضعية في وجه كل تفكير يخرج عن دائرة الحس، سواء أكان تفكيرا دينيا، أو فلسفيا، أو عقليا.


يقول أوجست كونت: "إننا ما دمنا نفكر بمنطق وضعي في مادة علم الفلك أو الفيزياء، لم يعد بإمكاننا أن نفكر بطريقة مغايرة في مادة السياسة أو الدين. فالمنهج الوضعي الذي نجح في العلوم الطبيعية غير العضوية، يجب أن يمتد إلى كل أبعاد التفكير"[1].


لكن يواجه من يتصدى لدراسة منهج العلوم الإنسانية، بعدم اتفاق العلماء وفلاسفة العلم فيما بينهم بشأنه. وقد ظهر هذا الخلاف واضحا منذ النشأة الحديثة للعلوم الإنسانية أو الاجتماعية الغربية.


"فنجد من جهة من ينادي بوحدة المنهج بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. حيث يرى أصحاب هذا الاتجاه أن العلوم الطبيعية قد وصلت إلى درجة من التقدم، مما يجعل مناهجها تقدم مثالا جديرا بالاحتذاء والتطبيق في المجال الإنساني. فالإنسان، في رأيهم، ليس إلا جزءا من العالم الطبيعي... و لا مندوحة لمادة العلاقات الإنسانية، إذا أريد لها أن تكون علما، عن السير في نفس الطريق المنطقي الذي تسير فيه بقية العلوم الطبيعية".[2]


وهناك الرافضون لفكرة الوحدة المنهجية بين علوم طبيعية وعلوم إنسانية، وللرأي القائل بأن العلوم الطبيعية هي المثل الأعلى للفهم العقلي للواقع. ويذهب هؤلاء الرافضون إلى أنه: " بينما تتعامل العلوم الطبيعية مع علاقات ثابتة وموضوعات مادية، قابلة للقياس وتخضع للتجارب، فإن العلوم الإنسانية تفقد التجارب والقياس وتتعامل مع موضوعات معنوية ونفسية تند عن الثبات. من الخطأ إذا، في رأي أصحاب هذا الاتجاه، تطبيق المناهج التي ثبت نجاحها في العلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية، لأن هذا سوف يؤدي إلى خلط كبير، بل هو السبب في تخلف العلوم الإنسانية. فالوحدة المنهجية في رأيهم مرفوضة لأنها تقوم على افتراض غير مؤكد، فحواه أن الطرق المستخدمة من قبل العلماء الطبيعيين هي وحدها المتصفة بالعلمية"[3] .


وهكذا إذا كانت القوانين الفيزيائية والبيولوجية والجيولوجية صالحة في كل زمان ومكان لكون العالم الطبيعي يحكمه نسق من الاطرادات الثابتة، فإن القوانين الإنسانية لا تخضع للنسق نفسه لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان.


"إن البحث العلمي إنما هو مجرد نشاط إنساني متأثر في نشأته وتطوره وفي صورته الحالية، بالظروف التاريخية والاختيارات الثقافية والقيمية، الخاصة بالمجتمعات الغربية...وأنه بهذا يحتمل ظهور توجهات أخرى منبثقة من نظرات أخرى للكون والحياة... نظرات قد تتطلب إدخال تعديلات جوهرية على تلك النظرة التقليدية، خصوصا عند التعرض بالدراسة للظواهر الإنسانية"[4]


ومن ناحية أخرى، فإن المناهج والدراسات الاجتماعية والتنظيمية لا يمكن فصلها عن الاتجاهات الفلسفية والإيديولوجية التي تسيطر على تلك المناهج والدراسات، وتؤثر في عملية التنظير العلمي والمنهجي.


إن مناهج العلوم الإنسانية في صورتها الحالية هي في الحقيقة إنتاج غربي مرتبط أشد الارتباط بالتاريخ الثقافي للغرب، ويعبر عن خصوصياته ومشكلاته الفكرية. وقد كان تسرّب هذه المناهج إلى جامعات ومراكز البحث العلمي في العالم الإسلامي أمرا تفرضه الحاجة نتيجة الفراغ العلمي، مع شدة الحاجة إلى التجديد. فكان لابد من استيراد العلوم الغربية، أو استيراد مناهجها الجاهزة بدون تعديل أو تغيير !!.


وهكذا أصبحت العلوم الاجتماعية في العالم " التابع " تعاني أزمة حادة، ناتجة أساسا عن التبعية النظرية للحقل المعرفي الغربي، وذلك على المستويين النظري والمنهجي. ومن مظاهر هذه التبعية؛ التقليد والنسخ الأعمى لمناهج المعرفة الغربية، وإعادة إنتاج فكرها، أو مجرد استهلاكه دون أدنى تساؤل أو مراجعة نقدية.


فعندما تأسست العلوم الاجتماعية في جامعات البلدان الإسلامية، لم يحاول الرواد الأوائل استعمال الحس النقدي والمنطق العملي، وإنما نقلوا مناهج الغرب كما تعلموها. إن إشكالية المنهج هي إشكالية النشأة والتأسيس، كما أن تكوين العلوم الاجتماعية عندنا حصل خارج السياق التاريخي والمجتمعي. ولذلك فهي لا تعبر عن عقلية المسلمين ولا عن واقعهم، كما أنها لا تعكس صورة التطور الحقيقي للمجتمعات الإسلامية، بل تعبر مضمونا ومنهجا عن تجربة المجتمعات الأوربية.


إن المنهج الاستدلالي الصوري، والمنهج العقلاني، والمنهج الظواهري، والمنهج البراغماتي، والمنهج الجدلي، والمنهج البنيوي، ومنهج التحليل النفسي، والمنهج الأركيولوجي، والمنهج التفكيكي، والمنهاج التفاعلي، إلخ ... كلها مناهج تدرس بها العلوم الاجتماعية في جامعاتنا، وهي مناهج لها تاريخها الخاص في الصراع مع الغيبي والمقدس والمعنوي.


"ومما يدعو للأسف أن هذه المناهج بمضامينها المعادية والمتحيزة، تدرس لطلبة الجامعة، وتؤخذ على أنها محض علوم ومعارف موضوعية عالمية، تلخص حقيقة المعرفة وتنشئ التصور السليم المتصل بالعالم.


وبالرغم من أن ميدان مناهج العلوم الاجتماعية في الغرب، قد شهد في العقود الأخيرة ظهور تيارات نقدية وتوجهات تمردية تستهدف المناهج الكلاسيكية، وتقترح مناهج جديدة تواكب التطورات الأخيرة للمجتمعات الغربية، فإن كتابنا وباحثينا وأساتذتنا الجامعيين، مازالوا يدورون في فلك تلك المناهج الكلاسيكية المتجاوزة، بل يستميتون في الدفاع عنها. وينتج عن هذا الموقف اللامنطقي والاستغرابي، تخلف واضح ومذهل عن " الإسهام في صياغة نهج الدور الحضاري للعلوم الاجتماعية، وهو دور تتحقق ماهيته بصورة دقيقة عندما يوضع في إطاره المجتمعي، ذلك الإطار الذي يستمد مقوماته من خصوصية المجتمع، وتفرد بنائه وتميزه وهويته الاجتماعية والسياسية، فضلا عن تميزه الديني  والثقافي ([5]) .









[1]1976; pp86-87  Raymond Aron:  Les étapes de la pensée sociologique /  Ed; Tel Gallimard





[2] - د. علا مصطفى أنور: "أزمة المنهج في العلوم الإنسانية"، المعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ "قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية"‘ القاهرة 1417-1996/ ص187.





[3] - المرجع نفسه ؛ ص 189.





[4] - د. إبراهيم عبد الرحمن رجب: " التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية"، دار علم الكتب، الرياض..1416-1996، ص 51.





[5]- د. محمد أحمد بيومي: «علم الاجتماع بين الوعي الإسلامي والوعي المغترب» / دار المعرفة - الجامعية الإسكندرية، ص 52، 1993.



د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين/ جامعة القرويين تطوان المغرب. جمادي الثانية 1434. أبريل 2013.




المورسكيون الجدد

0


في يوم الأربعاء 23 نوفمبر من سنة 2011 م، انطلقت، في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، أشغال ندوة علمية تتعلق بموضوع المورسكيين. شارك فيها أساتذة جامعيون من مدينة تطوان وخارجها. وبعد استماع الحاضرين إلى كلمات ومداخلات السادة الأساتذة المشاركين، فتح باب الأسئلة والمناقشات، وكنت ضمن الذين أدلوا بدلوهم في هذه الندوة، و أخذت الكلمة قائلا:


"أشكر السادة الأساتذة الباحثين على ما أتحفونا به من مداخلات وجولات علمية وأدبية ،في عالم وتاريخ الموركيين، وأقدم التساؤل التالي:


إذا كان اهتمام كثير من الباحثين في بلداننا العربية الإسلامية بموضوع المورسكيين، يزداد يوما بعد يوم، نظرا لأهميته ولأبعاده الدينية والثقافية، ونظرا لما لحق المورسكيين من ظلم واضطهاد على مدى قرنيين من الزمن...لماذا لا يحظى موضوع: "المورسكيون الجدد" !، كما أسميهم، بالعناية نفسها. علما بأن المورسكيين الجدد أحياء، وهم بذلك أولى بالاهتمام. إن هؤلاء المورسكيين هم أبناء وأحفاد المهاجرين المسلمين المعاصرين في بلاد الغرب. ولقد أثبتت دراسات وأبحاث حول الموضوع أن أكثر من سبعة ملايين من أبناء وأحفاد المهاجرين المسلمين، الذين ولدوا ونشؤوا في المجتمعات الغربية، قد ذابوا وانصهر ثلاثة أرباعهم أو أكثر في أحشاء تلك المجتمعات. ذلك أن أغلبهم لا يتكلمون العربية، ولا صلة لهم بأعراف وتقاليد آبائهم الاجتماعية، وأغلبهم لا علم لهم بالواجبات الدينية، كما أن نسبة قليلة منهم من يحافظ على الصلاة والصوم.


أما الذين تزوجوا منهم بالأوربيات، أو اللواتي تزوجن بالأوربيين، فإن أولادهم وأحفادهم قد قطعوا الصلة نهائيا بالدين الإسلامي، فهم إن لم يكونوا قد تنصروا بحكم الوراثة، فقد تعلمنوا. ومما زاد في الطين بلة، أن الأحداث والوقائع التي عرفتها المجتمعات الإسلامية في العقود الأخيرة؛ بدءا من الثورة الإيرانية ومرورا بما سمي ب"تنظيم القاعدة". ثم أحداث 11 شتمبر 2001 بنيويورك، إلخ. كل ذلك كان له آثار سلبية في نفوس المهاجرين وأبنائهم، حيث غدوا أكثر فأكثر هدفا للكراهية والعنصرية، مما دفع بكثير من شباب المهاجرين المسلمين إلى التنكر، وتجنب كل العلامات والمظاهر التي توحي بأن أصولهم عربية أو إسلامية، حيث أن طائفة منهم مثلا، اختاروا أسماء النصارى بدل أسماء العرب المسلمين، أملا في طمس هويتهم، إلى غير ذلك من الكوارث والمآسي.


ومن هنا فإني أدعو السادة الأساتذة المحاضرين في هذه الندوة إلى الاهتمام بالمورسكيين الجدد، والعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه. ثم إن الإحسان إلى المورسكيين الأحياء والعناية بهم، أولى من الاهتمام بالمورسكيين الموتى، والبكاء على أطلالهم ورفاتهم.


ومما لا ريب فيه أن هناك نوعا من التقارب والتماثل بين السياسة الغربية المتبعة إزاء المسلمين المهاجرين في دول الغرب، والسياسة التي اتبعتها السلطات المسيحية والكنسية، مع المورسكيين الذين ظلوا مقيمين في الأندلس بعد سقوط غرناطة. فإذا كانت المساجد قد هدمت آنذاك، أو تحولت إلى كنائس وإسطبلات، فإن السلطات الغربية المعاصرة قلما تستجيب لرغبة المسلمين المهاجرين في بناء المساجد داخل أحيائهم. كما تلوذ بالصمت إذا اعتدي على مساجدهم أو الأماكن التي يصلون ، والتي عادة ما توجد في الطوابق الأرضية، كما لا تسمح لهم برفع الصوت بالأذان، إلى غير ذلك من المضايقات. ثم إن وسائل الإعلام لا تتوقف عن حملتها الشعواء ضد المساجد وكل ما يتعلق بالمظاهر الإسلامية في الغرب.


والمثال الثاني الدال على شيء من التقارب بين السياستين القديمة والحديثة تجاه المسلمين في الغرب، آخذه من مجال التربية والتعليم. لقد أكدت النصوص التاريخية المتعلقة بالوجود الإسلامي في الأندلس بعد نكسة السقوط والانهيار، أن السلطات الكاثوليكية كانت تمنع الآباء المورسكيين من تعليم أبنائهم اللغة العربية، وتأمرهم بإرسالهم إلى المكان المخصص لهم لكي يتعلموا اللغة القشتالية، وإلا خضعوا للعقوبات اللازمة. وكان الهدف من وراء ذلك هو قطع الصلة بين هؤلاء الأبناء وبين أصولهم الدينية والثقافية، ثم تنصيرهم.


أما في الغرب المعاصر فإن:


"الأب المسلم والأم المسلمة إذا رزقا الصلاح ف
ي دينهما، قادران على تربية أولادهما تربية صالحة في أوربا إلى سن السادسة. وبعد هذه السن تلزم الدولة الأبوين بإحضار أولادهما إلى المدرسة، إذ أن التعليم إجباري لمدة عشر سنوات، وفي المدرسة يخضع الطفل لتربية لا تمت للدين بصلة، ولا للأخلاق الحميدة بقربى، فمن سن السابع تبدأ دروس الجنس في المدرسة، فيتعلم الأطفال معاني الجنس، وكيفية ممارسته، دون  تحذير من العلاقة الجنسية المحرمة، بل على العكس من ذلك فيها حض كبير على العلاقات الجنسية المطلقة.


كما أن الطفل لا ينجو من أفكار الإلحاد التي تطرح على رأسه الصغير، من مدرسه أو مدرسته، دون أن يغفل المدرس عن بيان حقوق الطفل، ومنها حق الاعتراض على أمه وأبيه، وأن ليس لأحد  أن يضربه أو يؤدبه، وحرية اختياره لدينه وعشيقته وطريقة حياته دون ممانعة من أب أو أم، وإن فعلا فيسحب حق تربيتهما لطفلهما. فلا يتجاوز الطفل سن البلوغ إلا هو عاص لربه، عاق لوالديه، مجانب للقيم والأخلاق إلا من رحم ربي"[1]


  وإن من يدعي أنه يستطيع أن يربي أولاده في أوربا التربية الإسلامية الصحيحة، فنقول له: بيننا وبينك واقع الحال. فالواقع يدلنا أن المنحرفين من أبناء المسلمين أضعاف أضعاف الملتزمين منهم، وهذا ليس في الآباء الذين درج آباؤهم على الرذيلة وتعودوا عليها، وإنما هذا في الأبناء الذين نشأ آباؤهم على الالتزام وثبتوا عليه.


إن سياسة الغرب تجاه المهاجرين المسلمين، تراهن على المستقبل، كما أنها تخفي التنصير وتعلن العلمانية والحرية والديمقراطية. تلك السموم التي قلما يشعر بها الآباء المسلمون المهاجرون، بيد أنهم قد يدركونها، لكن بعد فوات الأوان.


نعم إنه لمخطط رهيب ولمؤامرة مدبرة بإحكام. بالأمس أو قبل عقود، شرعت أوربا في استغلال سواعد المهاجرين المسلمين  في بناء دولتها، والآن تقطف ثمارا أخرى؛ إنهم الأبناء والأحفاد الذين بدؤوا ينصهرون ويذوبون في بوتقة المجتمعات النصرانية الغربية التي تعاني جمودا أو نقصا ديموغرافيا كبيرا !!.


وصدق أحد العلماء القدامى عندما سئل:


"من أتعس الناس؟" فأجاب: "أتعس الناس من باع دينه بدنياه". ثم قيل له: "ومن أتعس منه؟". فقال: "من باع دينه بدنيا غيره".


لما بدأت وفود العمال المهاجرين المسلمين تفد إلى أوربا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، لإعادة بناء ما هدمته الحرب، والقيام بأعمال أخرى، غلب على ظن المسؤولين الغربيين أن هؤلاء المهاجرين سيعودون إلى بلدانهم بعد توفير قسط من المال. لكنهم آثروا البقاء والإقامة الدائمة، بعد أن تزوجوا وأنجبوا الأولاد؛ ذلك الصيد الذي لم تكن أوربا العجوز تحلم به ولا خطر ببالها !!. لكن هذه الإقامة الدائمة أقلقت، مع مرور الزمن، بال المسؤولين لما أحدثته من صراعات ومشاكل اجتماعية، بسبب الاختلاف الديني والثقافي، مما دعا هؤلاء المسؤولين لإقامة ما سمي بسياسة الاندماج.


وفي هذا الصدد يقول الكاتب التجاني بولعواني:


" بالنظر إلى الخطاب السياسي المهيمن في الغرب، يدرك أن البقاء المسلمين سواء في البلدان الأوربية أم في الدول الغربية، غير مرهون فحسب بتوفرهم على وضعية قانونية صحيحة، أو نيلهم لجنسية البلد الذي يوجدون فيه، أو حتى انتمائهم إليه بالولادة والتربية والتمدرس ونحو ذلك، ولكن مرهون بما هو أهم من ذلك كله، وهو وجوب انخراطهم في الحياة الغربية العامة؛ ثقافيا ولغويا واجتماعيا واقتصاديا وأخلاقيا وغير ذلك، على أن يكون هذا الانخراط مسايرا بل ومندرجا في بوتقة المجتمع الغربي، قلبا وقالبا، تفكيرا وسلوكا، وبعيدا عن أي تصارع مع أخلاق وتقاليد الغربيين، ولو أنها تهدد المسلمين المغتربين في هويتهم الدينية والثقافية، وفي تربية أبنائهم وتوجيههم، مما يضعهم أمام نارين؛ نار الولاء للآخر، ونار التمسك بالهوية الأصيلة.


وسعيا إلى تنفيد هذا المبتغى الذي يطلق عليه في الأدبيات الغربية سياسة الاندماج، تم حشد شتى الإمكانات القانونية والمادية والدعائية، التي وظفتها العديد من الدول الغربية في شكل مشاريع عدة، تأتلف حول أهداف موحدة. وتكلفت مختلف الأجهزة بتطبيق ذلك وتعميمه على كل الأجانب الموجودين بين ظهرانيها، من وزارات وأحزاب ومؤسسات تعليمية وجمعيات وشركات وغير ذلك، وعندما تمعن النظر في هذا الاهتمام اللافت بهذه القضية، تشعر وكأنك لست أمام سياسة الاندماج، وإنما أمام ثورة الاندماج، ما دام أن أولئك المشرفين على ملفات هذه القضية، تفهم من خطابهم وكأن لا خيار للأجانب والمسلمين إلا الاندماج في المجتمعات الغربية وأن رضى الغرب عنهم لا يأتي إلا من بوابة اندماجهم وفق رؤيته الفكرية والتنظيرية وإلا فإنهم سوف يحشرون لا محالة في خانة الخوارج الجدد !.[2]









[1] -  سالم بن عبد الغني الرافعي؛ أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب، ط 1 الرياض دار الوطن للنشر 1422هج، 2001م ص 80.





[2] - التيجاني بولعواني؛ "المسلمون في الغرب بين تناقضات الواقع وتحديات المستقبل"، أفريقيا الشرق؛ الدار البيضاء المغرب 2010،  ص74.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين تطوان المغرب. جمادى الثانية 1434/ أبريل 2013.




الفرح قد يبدد الطاقة النفسية ويوهن الإرادة

0


الفرح انفعال نفسي من الانفعالات الوجدانية الفطرية، وهو يكثر ويقل، ويقوى ويضعف عندالإنسان حسب الظروف النفسية والاجتماعية، وحسب طبيعة الشخصية ونوعها. ويكون الفرح عاملا إيجابيا في بناء الشخصية ونموها، عندما يكون خاضعا لنور العقل، ومسيجا بسياج الحكمة.


وإذا كان الانسان مفراحا؛ أي كثير الفرح، كان أدنى إلى الوقوع في حالات نفسية غيرمرغوب فيها. وبعبارة أخرى؛ كلما أطلق الانسان العنان لنفسه، واسترسل مع أفراح الدنيا؛أي امتلأ باطنه بالأفراح والسرور الدنيوية مادية كانت أم معنوية، واعتاد هذا السلوك النفسي،كان أدعى لأن يفاجأ بما يسوؤه،أو بما لا يحمد عقباه. قال تعالى مخاطبا قارون: "لا تفرح إن الله لا الفرحين" (القصص 76). وقال أيضا "هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ" (يونس 22)


ففي الآية الأولى نهي صريح عن الفرح بمتاع الدنيا وزينتها .ذلك أن قارون أعطاه الله من الكنوز "ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولي القوة " (القصص 76 ) فلم يشكر الله ولم يحسن إلى الناس، وإنما فرح فرحا شديدا أدى به إلى التكبر والمفاخرة والطغيان .فعذبه الله بأن خسف به الأرض قال تعالى: "فخسفنا به وبداره الأرض" (القصص 81).


وفي الآية الثانية، يصف الله ذلك النفر الذي ركب الفلك، وفرح بالريح الطيبة المناسبة. ثم  بعد ذلك أعقبتها ريح عاصف، فكان المشهد الرهيب، المنذر بالنهاية المفجعة.


إن الإكثار من الفرح، في مشهد قارون المخسوف به، تجاوز مستوى تبديد الطاقة النفسية ووهن الإرادة، إلى مستوى فاجعة الخسف.


والمشهد الثاني لم ينته بالغرق، وإنما أنجى الله النفر، كما جاء في الآية التي بعدها. ولكن هذا يدل على أن الفرح الشديد والغفلة عن الله، كثيرا ما يؤديان إلى الوقوع في مثل هذه الكوارث، ابتلاء من الله.


لكن؛ كيف يؤدي الفرح الشديد والإكثار منه عند امتلاك الإنسان للأشياءالدنيوية، من مال أو منصب أو مكانة ...، إلى تبديد الطاقة النفسية وإضعاف الإرادة ؟


إن الانسان عندما يظفر بحظ من حظوظ الدنيا، سواء بعد بذل مجهود أو من غير توقع، إماأن يفرح فرحا شديدا، أو يعتدل في فرحه، أو يفرح قليلا.


ففي الحالتين الثانية والثالثة، غالبا ما يحتفظ الإنسان بالوضع النفسي الذي كان عليه قبل الظفر بذلك الحظ. أما في الحالة الأولى، فإن طاقته النفسية تكون  معرضة للتبديد والضياع؛ بمعنى أن الفرح الشديد الذي تملكه، وغدا جزءا من كيانه ومصاحبا له، سيطر على وعيه وشعوره، وتسلل إلى لا وعيه الباطني، وبالتالي فإنه كثيرا ما يجعل هذا الحظ أو الشيء الذي يفرح به، موضوع تفكيره باستمرار. فهو من جهة قد يخشى عليه الضياع والهلاك أو الزوال. ومن جهة أخرى قد يفكر في سبل تنميته، أو جعله موضوع فخر ومباهاة. أو قد يفكر بنوع من الحسد، في أشخاص يتوفرون على حظ مماثل. إلى غير ذلك من الأفكار التي قد تلقي به في الأودية والشعاب.


إن التلذذ بموضوع الفرح، من خلال تأمله والتفكير فيه، أو النظر إليه، والذي قد يستغرق وقتا طويلا؛ أياما أو شهورا، وربما أكثر من ذلك، يستنزف الطاقة النفسية ويوهنها. فعندما ينتقل هذا الإنسان الأسير، من موضوع فرحه إلى موضوع آخر مرتبط بحياته أو مجتمعه، يفرض عليه الانخراط أو المبادرة أو المباشرة، قد يجد نفسه عاجزا لعدم توفره على الطاقة النفسية الكافية؛ يعني أن إرادته تكون حالتئذ ضعيفة، ولا تقوى على تحمل أعباء الحياة.


ومما لا شك فيه أن الأبطال والعباقرة والعلماء والمصلحين، قد حققوا ما حققوه بعزوفهم عن الحظوظ الدنيوية، وعدم الفرح بما يتهافت عليه عامة الناس، حيث سخروا قدراتهم وطاقاتهم النفسية والعقلية، فيما هم مشغولون به من العلم والأعمال السامية العظيمة.


والخلاصة أن الإنسان كلما قلل من الفرح بالدنيا وحظوظ النفس ما استطاع، كان أوفر طاقة وأقوى إرادة وأمضى عزيمة.


ومن  ناحية أخرى، فإن الإكثار من الفرح بالدنيا، ومن التمتع بزينتها، يفوت على الإنسان الفرح بالآخرة والتنعم بها. وشتان ما بين الفرحين والنعيمين. وإذا أردت معرفة الفرق بينهما، فاسأل التوابين الذين انتقلوا بتوبتهم من  رجس  الحرام إلى نعيم الحلال، ومن ذل المعصية إلى عز الطاعة، ومن شقاء اللهث وراء الدنيا إلى راحة القناعة والرضا. ومن الانصياع والاستسلام للشهوات، إلى الأخذ بزمام النفس الأمارة. بل اسأل الذاكرين الذين انتقلوا من قيظ الغفلة إلى برد اليقظة. ومن ضنك الإعراض عن الله، إلى سعة ذكره والتلذذ بمناجاته. ومن تعاسة الحيرة وألمها إلى نعيم الطمأنينة وظلالها. واسأل إن شئت الزهاد الصادقين، والدعاة المخلصين والعلماء الربانيين... ستجد أن كل هذه الطوائف المذكورة لن يستبدلوا بزينة الدنيا وزخرفها وشهواتها، ما هم مقيمين فيه من نعيم باطني كاد يشبه نعيم الآخرة، إن لم  يكن جزءا منه أو صورة من  صوره، بل قد صرح بذلك كثير منهم.


هذا، وإذا كان الإكثار من الفرح بالدنيا والتهافت على ملذاتها وشهواتها، كما أشرت، يضعف الطاقة النفسية، كما يوهن الإرادة خاصة فيما يتعلق بأعمال الخير والصلاح، فإن التوبة النصوح، والقناعة والرضا والإقبال على الله بالإكثار من ذكره والعمل بأوامره واجتناب نواهيه، والمحافظة على سنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، كل ذلك يجعل الطاقة النفسية الخيرة، قوية ومتدفقة، كما تقوى عند المسلم الصالح إرادة الخير والنفع لنفسه ولكافة المسلمين.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين. تطوان المغرب. جمادى الثانية 1434/ أبريل 2013.


 


 


 


 


 


 


 


 


                                                                          


  

فاطمة المرنيسي وموضوع الحجاب

2




قالت د. فاطمة المرنيسي:


«أعتبر أن اللجوء إلى الحجاب كان وسيلة للسيطرة الجنسية، ولحماية طبقة من النساء الحرائر على حساب طبقة أخرى؛ الإماء»[1]. «إن تشريع الحجاب في المدينة قضى على الحرية التي برهن عليها الإسلام في بداية حياته. وللأسف الشديد كان ينبغي أن تمر خمسـة عشر قرنا، قبل أن يأتي المستعمر فيضغط على الحكومات الإسلامية، لكي تفتح ملف حقوق الفرد والمرأة »؟ ! ! ![2].


في النص الأول، ادعت الدكتورة فاطمة المرنيسي، بأن الحجاب شرع لحماية طبقة من النساء على حساب طبقة أخرى، وتستدل على ذلك في ص 236 من الكتاب نفسه، بقوله تعالى : ]يا أيها النبيء قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين [. وهو استدلال من باب تلبيس الحق بالباطل. و المؤكد في تاريخ السيرة أن النساء في أول الإسلام، كما في الجاهلية، كن يكشفن وجوههن سواء كن حرائر أم إماء. وكان بعض السفهاء يتعرض لهن عندما يخرجن بالليل لقضاء حاجاتهن. وإذا وقع الاعتداء بالتعرض على حرة قالوا حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن زي الإماء بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، وذلك بعد أن شكون إلى النبي  صلى الله عليه وسلم، فعل السفهاء بهن.  وترى الدكتورة فاطمة المرنيسي أن النبي  صلى الله عليه وسلم عندما عزم على ايجاد علاج لظاهرة "التعرض"، لم يكن ينوي قط استئصالها من الجذور، وإنما همه الوحيد هو صرف هؤلاء السفهاء عن إذاية نسائه ونساء المسلمين، أما الإماء وغيرهن من النسوة فلا شأن له بهن . !!


«وينبغي إيجاد وسيلة لفصل الإماء اللواتي أبيح لهن الزنا، عن الحرائر زوجات الاستقراطيين والرجال الأقوياء، اللواتي يحرم عليهن اقتراف تلك الفاحشة» [3].


يتضح من خلال هذا الكلام، أن الإسلام أقام نظاما اجتماعيا طبقيا أو على أصح تعبير، أقام ميزا عنصريا واجتماعيا بين النساء الحرائر والإماء، وشرع الحجاب وسيلة، من جهة، لجعل أولئك الحرائر في مأمن من التعرض والإذاية. ومن جهة أخرى لدفع الإماء وتشجيعهن على الزنا والرذيلة. كما أن تشريع الحجاب يعبر عن انتصار منطق السفهاء والمنافقين.


 إن هذه الاستنتاجات السخيفة، تتناقض مع النقل والعقل. أما تعارضها مع النقل، فلكونها تفتقر إلى دلائل من الكتاب والسنة، بالإضافة إلى أنه لم يقل بها أحد من الفقهاء والمفسرين سواء من القدامى أو المحدثين.


وأما تعارضها مع العقل فلأنها، تتناقض منطقيا مع أهداف الرسالة الإسلامية التي تنص على العدالة والمساواة، وبذلك شهد العقلاء من أئمة الإسلام. وواضح أن الأستاذة فاطمة المرنيسي، وقعت في التناقض من حيث كانت تروم الإبداع، إنها لم تحكم استعمال آليات المنهج الاجتماعي الدوركايمي، حيث فسرت ظهور الحجاب بالضغوط الاجتماعية في مجتمع المدينة، والتي تمثلت في موقف المنافقين والسفهاء. كما أنه قد غاب عن ذهن الباحثة الاجتماعية، أن القداسة الإلهية فوق مبادئ وقوانين منطق علم الاجتماع الوضعي، وأن كثيرا من تنبؤات علماء الاجتماع لم تتحقق، نظرا لتدخل المشيئة الإلهية في حياة الإنسان.


وقالت د. فاطمة المرنيسي:« إن عمر رضي الله عنه، عندما اقترح على النبي صلى الله عليه وسلم، أن يحجب نساءه عن الرجال، عمل على طمس البعد الحضاري والتحرري الذي نادى به الإسلام»[4]. !!


إن ما يؤكده المفسرون وكتاب السيرة ان عمر بن الخطاب الخليفة الثاني، طلب بإلحاح من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحجب نساءه عن عامة الناس.


قال ابن كثير: » هذه آية الحجاب وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول بن الخطاب t كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال : وافقت ربي عز وجل في ثلاث، قلت : يا رسول الله لو اتخذت مقام ابراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى ]واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى[. وقلت : يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن، فأنزل آية الحجاب، وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لما تمالأن عليه في الغيرة ]عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن [، فنزلت كذلك»[5].


عندما تدعي فاطمة المرنيسي أن حجب النبي  صلى الله عليه وسلم نساءه عن المسلمين كان بإيعاز من عمر بن الخطاب ، تجعل من هـذا الخليفة الجليل مشرعا، أي أن ذلك الحجاب لم يكن  ليشرع لولا تدخل عمر والحاحـه في طلب ذلك من النبي، صلى الله عليه وسلم. وهذا يفيد عدم معرفتها بمعنى الوحي وحقيقته. ومما لاشك فيه، كما يتبين من المراجع العربية التي اعتمدت عليها، أنها اطلعت على قول عمر: "وافقت ربي في ثلاث..." وفهمت مغزاه، غير أنها أبت إلا أن تفسر الحدث تفسيرا اجتماعيا ماديا على طريقة المدرسة الاجتماعية الوضعية.


زعمت الدكتورة فاطمة المرنيسي أن النبي صلى الله عليه وسلم، حجب نساءه بإيعاز من عمر أي أن الحجاب لم يكن ليشرع لولا تدخل عمر وإلحاحه في طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا تعتبر الكاتبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من جنى على الإسلام وحضارته، وقضى على تطلعاته التحررية في مهدها.


إن النبي صلى الله عليه وسلم، حسب رأيها، [6] كان يود دائما أن يكون بيته مفتوحا لكل الناس، وأن الحجاب يمثل النقيض التام لكل ما كان يروم تحقيقه. غير أن عمر لم يستطع استيعاب هـذا الأمر، لأنه كان جاهلا بحقيقة الإنسان كما يتصورها الدين الجديد أي الإسلام. ومن هنا رأى أن الحل الوحيد لإعـادة النظام إلى نصابه في المدينة، هو "وضع الحواجز وإخفاء النساء موضوع ومحل الشهوات ".


«ولم يكن غريبا ان يصبح عمر لسان حال المقاومة الرجالية في وجه المشروع التعادلي الذي أتى به النبي  صلى الله عليه وسلم. كما كان عمر مناصرا لاستمرارية الوضع الراهن للمجال العائلي، لكونه كان يعتقد ان التغييرات التي أدخلها الإسلام على الحياة الجاهلية تخص الحياة العامـة والروحية. أما الحياة الخاصة فينبغي ان تظل محكومة بأعراف ما قبل الإسلام»[7].


وهذا التجريح لشخص عمر، إنما جعلته وسيلة للطعن في الإسلام، ويعبر عن أن فاطمة المرنيسي قد أصبحت ممن يجيدون استعمال لغة المستشرقين في دراسة الشخصيات الإسلامية، كما أن كلامها في شأن هذا الخليفة يذكرنا بالقصص التي تزخر بها الكتب المدرسية في الغرب المسيحي عن الإسلام والمسلمين؛ حيث تصور خلفاء الإسلام تصويرا تشمئز منه النفوس فتنعتهم بالغلظة والجور وسفك الدماء. وهكذا بعد أن حملت عمر بن الخطاب مسؤولية " الظلم" الذي لحق المرأة المسلمة خلال قرون طويلة بسبب الحجاب، ختمت النص المشار إليه بالتنبيه إلى أن المستعمر هو الذي خلص المرأة المسلمة، وأعتقها من العبودية حينما " فرض على الحكومات الإسلامية إعادة فتح ملف حقوق الإنسان والمرأة على الخصوص".


متى كان الغازي والمخرب مصلحا ومخلصا أيتها الباحثة الاجتماعية؟ من هي هذه المرأة المغربية التي عاشت في زمن الاستعمار وصرحت بأن المستعمر خلصها من العبودية التي أقامها فيها الإسلام؟ ولو كنت أنت نفسك امرأة مغربية في الثلاثينيات والأربعينيات، هل كنت تدعين أن المستعمر خلص المرأة… وأنت تشاهدين آثار خرابه ودماره للقرى والمدن وتشريده للأسر بقتل وسجن الآباء والأبناء؟ ما أظنك تفعلين.!  ولكن بعد ذهاب الاستعمار العسكري ومجيء الاستعمار الفكري وهيمنته الفكرية، وظهور المستغربين في بلاد المسلمين، تفشت هذه الأفكار الاستغرابية والدعاوى الباطلة.









[1] ـ FATIMA MERNISSI "Le Harem politique,Le Prophète et les femmes


         Ed. Albin Michel, Paris 1987,p23.





[2]- Le Harem politique,Le Prophète et les femmes, P 236





[3] - نفس المرجع .





[4]- فاطمة المرنيسي : " الحريم السياسي" ، ص.234 .





[5]- تفسير ابن كثير, ج 5  ,ص 489.





[6] ـ فاطمة المرنيسي : "الحريم السياسي" ص.236 .





[7]- فاطمة المرنيسي : " الحريم السياسي" ص.180 .


 د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ جامعة القرويين. تطوان المغرب. جمادى الأولى 1434/ مارس 2013




أنشودة الذكر

1

 





ذكري نَفَسي نَفَسي ذكري؛ "سبق المُفَردون"


ذكري سكينتي، ذكري أمني، ويُتَخَطف الناس من حولي


ذكري سياحتي، ذكري تأملي؛ "ويتفكرون في خلق السموات والأرض"


ذكري حريتي، ذكري إرادتي وعزيمتي، ذكري استجابتي لما يحييني؛ "استجيبوا لله


وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"


ذكري عمارة قلبي، ذكري غراس جنتي؛ "سبحان الله وبحمده"


**********                                         


ذكري دوائي من أسقامي، ذكري سلاحي في نحر عدوي؛ الوسواس الخناس


ذكري جنتي؛ عدني وفردوسي؛ "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر"


ذكري جلاء همي وحزني، وحياة روحي ونور قلبي؛ يسعى بين يدي، ويضيء ما حولي؛ "يهدي الله لنوره من يشاء"


ذكري يقظتي من غفلتي، وتوبتي من خطيئتي، وزوال غشاوتي عن مهجتي؛ "وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور"


ذكري نَفَسي، نَفَسي ذكري؛ "أهل الجنة يُلهمون التسبيح والتكبير كما تُلهمون النفس"


**********                                         


ذكري غذائي، ذكري رحيقي، ذكري شرابي من سلسبيلي


ذكري لذتي، ونعيم قلبي؛ ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل


ذكري أنيسي في خلوتي، ورفيقي في جلوتي: "أنا جليس من ذكري"


ذكري قائما، ذكري قاعدا، ذكري على جنبي، وفي جميع أحوالي، وأتفكر في خلقه، و أجني العنب من الدوالي


ذكري يحجبني، ذكري يقيني غيبتي ونميمتي، ولغوي وغفلتي، ذكرى يذكرني إذا طاف بي


 شيطاني؛ فإذا أنا مبصر


**********                                         


ذكري قناعتي، ذكري رزقي وغناي، ذكري وقايتي من فقري وفاقتي؛ "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"


ذكري خادمي، ذكري معيني؛ ييسر عسيري ويذلل صعابي؛ "لا حول ولا قوة إلا بالله"


 ذكري أفضل أعمالي، وتاج أقوالي، ونور أفعالي


ذكري أكبر من صدقتي، ومن بري وإحساني، ومن حجي وعمرتي؛ "ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون"


ذكري مداد قلمي، وروح كلماتي، ونور بصري في قراءتي، ومرشدي في مذاكرتي، وباب


 معرفتي. والذكر بالتذكر، والعلم بالتعلم، والله يحيي القلوب بالذكر والحكمة، كما يحيي الأرض بوابل السماء.



د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ جامعة القرويين. ربيع الأول 1426/أبريل 2005.











علاقة الاستغراب بالتنصير

2


إن ظاهرة الاستغراب التي تجلت في الثقافة العربية الحديثة على اختلاف ألوانها وأشكالها، أفرزتها عوامل داخلية مرتبطة بالذات العربية فكرا ومجتمعا، وعوامل خارجية متعلقة بالغرب وحضارته ومؤسساته. لكن قد يقول قائل: ما علاقة الاستغراب بالتنصير؟ أو كيف يكون هذا الأخير الذي هو دعوة إلى النصرانية، سببا من أسباب نشأة الاستغراب، الذي من خصائصه النزوع نحو الحداثة والعلمانية في التفكير والممارسة؟! أو بعبارة أخرى؛ إذا كانت أوربا حريصة كل الحرص على تعميق أسس التوجيهات الإلحادية واللادينية في بنياتها الاجتماعية والسياسة والثقافية، فلماذا تبنت وأيدت حركات التنصير منذ زمن ليس بالقصير؟ ولماذا لا تزال إلى الآن تقدم الإمدادات والإمكانات لنجاح تلك الحركات؟.


في الواقع ليس في هذه السياسة المنطوية على هذا التناقض الصارخ ما يدعو للعجب، إذا كنا جميعا نعلم أن الوصول إلى الأهداف المرسومة عبر التناقضات، يشكل جانبا جوهريا في طبيعة النظام الرأسمالي. وهكذا، انطلاقا من  المنطق المكيافيلي، اقتنع الغرب بالدور الذي يمكن أن يقوم به التنصير في عملية تخدير الشعوب وإخضاعها لسلطته، وبادر بتعبئة رجال الكنيسة وإعداد الجنود المنصرين، وإنشاء المؤسسات وتنظيم البعثات والإرساليات التنصيرية إلى البلدان المستهدفة.


في البداية لم تستعمل أوربا منطق القوة في إخضاع الشعوب الضعيفة، وإنما مهدت لاستعمارها بالطرق " السلمية"، فكان التنصير أفضل تلك الطرق. إن هذه الطريقة الدينية، في الظاهر، برهنت قبيل الاستعمار وخلاله وبعده، على قوة هائلة في مجال اختراق المقومات الذاتية للشعوب التي خضعت للاستعمار، وتفكيك بنياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، وفي العمل على إذابة ذاتية هذه الشعوب في شخصية الرجل الغربي المستعمر، وبالتالي العمل على خلق أرضية الاستغراب.


لقد عمل المنصرون في المغرب وفي غيره من البلدان الإسلامية، على إظهار الرجل الغربي بمظهر الإنسان المتمدن والمتحضر، الذي يسعى إلى إخراج الناس من ظلمات الجهل والتأخر إلى نور العلم والتقدم. وجعلوا من أنفسهم مثالا على ذلك، فأسسوا المدارس لنشر التعليم، وبنوا المستشفيات والملاجئ، وعملوا على بث روح النصرانية في مؤسساتهم، وفي نفوس من يتعاملون معهم. هذا العمل الدؤوب من قبل المنصرين، جعل من الرجل الغربي السيد القوي والإيجابي، ورجل العصر الذي لا غنى لأحد عنه.


ومن ناحية أخرى، فإن لعمل المنصرين تأثيرا خطيرا في نفسية الأشخاص المستهدفين وخاصة فيما يتعلق بقواهم الذاتية، ذلك أن مبادرة المنصرين إلى بناء المدارس والمستشفيات إلى غير ذلك، ينتج عنه إضعاف أو عرقلة القوة الذاتية للمغاربة ولغيرهم من الشعوب الإسلامية، فتضعف لديهم المبادرة الشخصية، وإرادة التغيير والبناء ويصيبهم نوع من الشلل النفسي. وإذا أضيف إلى هذا كله ما قام به المنصرون في مؤسساتهم التعليمية، وفي كتاباتهم، وسائر أنشطتهم من هجوم على التاريخ الإسلامي، الذي أظهروه بمظهر العنف والوحشية والصراع، تبين مدى الجهود التي حشرها الأوربيون في شخص المنصر، ليعمل على استمالة الرجل المستهدف، بعد تجريده من كل المقومات.


وتجدر الإشارة من جديد، إلى أن أوربا خصوصا منذ مطلع القرن التاسع عشر، لم تكن تسعى، عن طريق التنصير، إلى تنصير المسلمين وإدخالهم في المسيحية، بقدر ما كانت تهدف إلى زعزعة عقائدهم ليسهل عليها استدراجهم وجعلهم تحت سلطتها. إن المنصرين الذين يجوبون البلدان الإسلامية حاليا، لا يطمعون في أن يعتنق أحد المسلمين المسيحية، لعلمهم بكراهية المسلمين الشديدة لدين الكنيسة، وإنما يعملون على استقطاب الشباب وإغرائهم بالأموال ووسائل أخرى جذابة، ثم إخضاعهم لعميلة أشبه ما تكون بعملية غسل الدماغ، حيث يوجهون عقولهم توجيها خاصا، بعد أن يوحوا إليها بأفكار تهدف إلى التحلل من الدين والتقاليد والأعراف، وسلوك مسلك الحرية والإباحية. ويأملون بعد ذلك في أن يكون أفراد هذه العينات نماذج لغيرهم، ويفتتن بهم أصحاب العقول الضعيفة من الشباب. قال زويمر[1] في المؤتمر التبشيري بالقاهرة سنة 1906: " لا ينبغي للمبشر المسيحي أن يفشل أو ييأس ويقنط، عندما يرى أن مساعيه لم تثمر في جلب كثير من المسلمين إلى المسيحية، لكنه يكفي جعل الإسلام يخسر المسلمين بذبذبة بعضهم، عندما تذبذب مسلما وتجعل الإسلام يخسره تعتبر ناجحا أيها المبشر المسيحي، ويكفي أن تذبذبه ولو لم يصبح هذا المسلم مسيحيا"[2].


إن العمل التنصيري بهذه الممارسة الخبيثة، يعمل على إبقاء المغاربة وغيرهم من المستهدفين داخل دائرة التخلف والتبعية، كما يمكن من جانب آخر، لسيادة الغرب وهيمنته الثقافية، ويظل التنصير أيضا شكلا من أشكال التحديات الغربية الموجهة تجاه المسلمين، لجعلهم يتدرجون في الأخذ بأساليب حياة الغرب وقيمه، مما نتج عنه ارتجاج وخلخلة في بنية مجتمعاتهم، حيث حلت العادات والتقاليد الغربية المنحرفة، محل العادات والتقاليد الإسلامية الضابطة لسلوك المسلم، واستعيض عن الثقافة الإسلامية المتينة بثقافة الغرب الخادعة، بدعوى أن الأولى تخلفت عن الركب ولم تواكب تطور العصر. في حين أن الثانية تجسد واقع العصر وتستشرف مستقبله. وهكذا انخدع جماعة من المستغربين بثقافة المستعمر الغاشم، واستلبوا حضاريا وثقافيا وسقطوا في أسر الحضارة الغازية.


لقد أدرك المستعمر أهمية " الإنجيل الاجتماعي" ودوره في إضعاف هوية المجتمعات الإفريقية الآسيوية وتهميش عاداتها وتقاليدها، فشجع عمليات التنصير وأنفق الأموال الطائلة على إنشاء المؤسسات، والمصالح الاجتماعية المتعلقة به. وبما أن الضعيف مولع بتقليد القوي كما يقول ابن خلدون، فإن كثيرا من أفراد المجتمعات التي أصيبت بنكبة الاستعمار، شرعوا تدريجيا في التأثر بالمستوطنين وبالنشاط التنصيري الذي يستهدفهم، وبدأوا ينبذون، أو على الأقل يحتقرون عاداتهم وتقاليدهم ويعظمون عادات النصارى. ولا يتسع المجال هنا لذكر أنواع العادات الدخيلة المستوردة، ولعل الاحتفال برأس السنة الميلادية في البلدان الإسلامية أحسن دليل على ذلك.


يستنتج مما سبق أن الحركات التنصيرية كان لها دور حاسم في خلق ظاهرة الاستغراب في المجتمعات الإسلامية، حيث ترعرعت تحت عيون المنصرين فآت اجتماعية أفرزت عددا من المستغربين، كان من بينهم كثير من المسؤولين، أصحاب المناصب العليا، والكتاب، وكثير من أهل الفن والتجارة،  ومن البورجوازيين، وهذا لا يعني أن الاستغراب لم يغز الطبقات الاجتماعية الأخرى، لكنه كان أشد ظهورا وتمثلا في فآت المسؤولين وأشباه المثقفين، وأفراد الطبقة البرجوازية.









[1] - صموئيل زويمر من أكابر قادة التنصير الإنجليزي في الشرق الإسلامي أثناء الحكم الاستعماري البريطاني في أوائل هذا القرن.





[2] - د. علي جريشة " الاتجاهات الفكرية المعاصرة" دار الوفاء للطباعة والنشر المنصورة 1986 ص: 30.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين- تطوان المغرب. جمادى الأولى 1434/ مارس 2013




بين الاستشراق والاستعمار

0




إن الدول الأوروبية عندما بدأت تفكر في نهضتها العلمية والاجتماعية والاقتصادية بعد الحروب الصليبية، شجعت عمليات نقل علوم المسلمين وإرسال البعثات الطلابية إلى المؤسسات العلمية في الأندلس. ثم أنشأت مدارس ومعاهد تهتم بتدريس علوم العربية والبحث فيما يتعلق بحضارة المسلمين وثقافتهم. ولما قطعت هذه الدول، بخطى ثابتة، مراحل بنائها الحضاري، وانتقل التاريخ من الشرق الإسلامي إلى الغرب النصراني، وتغيرت موازين القوى بينهما، حينذاك وتبعا لمنطق وفلسفة الإمبريالية، فكر الأوربيون في بسط نفوذهم السياسي على العالم. وهكذا تم اللجوء للمرة الثانية، إلى المستشرقين والمتخصصين في علوم الشرق وتاريخه ودياناته، وعادات وتقاليد شعوبه ونظمه السياسية والقانونية.


فإذا كان الهدف المتوخى من الاستشراق في المرحلة الأولى، هو تهيئ أرضية للبناء الحضاري، فإن الهدف منه في مرحلة التوسع الإمبريالي؛ هو دراسة عقائد وعادات وأخلاق الشرق وحياته الاجتماعية والثقافية، وكذا ثرواته وقوته العسكرية من أجل الوصول إلى مواطن القوة في كل ذلك والتخطيط لإضعافها، وإلى مواطن الضعف والتفكير في سبل اغتنامها. ولما نمت عملية الاستيلاء العسكري ووطئت أقدام المستعمر أراضي البلدان المكتسحة، قامت في وجه القوة الاستعمارية حركات الجهاد والمقاومة الهادفة إلى طرد الغزاة وتحرير البلاد. هنالك التجأت السياسية الاستعمارية من جديد إلى الاستشراق، وشجعته على العمل بجانبها في سبيل إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية. وهكذا عمل عدد كبير من المستشرقين، من خلال نشاطاتهم وكتاباتهم، على بث روح الوهن والارتباك في تفكير الشرقيين، وذلك عن طريق التشكيك فيما أيديهم من تراث وما يمتلكونه من عقيدة وقيم إنسانية، مما يجعلهم يفقدون الثقة في أنفسهم، ويرتمون في أحضان الغرب. وكمثال على عمل المستشرقين في هذا القصد؛ إحياؤهم للقوميات التاريخية التي اندثرت نهائيا بعد مجيء الإسلام. لقد عمل المستشرقون على إحياء (الفرعونية) في مصر و (الفينيقية) في سوريا ولبنان و (الأشورية) في العراق و(البربرية) في شمال أفريقيا. لماذا كل هذا؟ أليس هدفهم من ورائه هو تشتيت شمل الأمة الإسلامية، وتمزيق وحدتها وإضعاف قدرتها، ثم وضع العقبات المانعة من تحررها؟


" وقد استطاع الاستعمار أن يجند طائفة من المستشرقين لخدمة أغراضه وتحقيق أهدافه، وتمكين سلطانه في بلاد المسلمين. وهكذا نشأت هناك رابطة رسمية وثيقة بين الاستشراق والاستعمار، وانساق في هذا التيار، عدد من المستشرقين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا عملاء، وأن يكون علمهم وسيلة لإذلال المسلمين، وإضعاف شأن الإسلام وقيمه. هذا عمل يشعر إزاءه المستشرقون المنصفون بالخجل والمرارة. وفي ذلك يقول المستشرق الألماني المعاصر (استفان فيلد: " ..... والأقبح من ذلك أنه توجد جماعة يسمون أنفسهم مستشرقين، سخروا معلوماتهم عن الإسلام وتاريخه في سبيل مكافحة الإسلام والمسلمين. وهذا واقع مؤلم لابد أن يعترف به المستشرقون المخلصون لرسالتهم بكل صراحة"[1].


لم تكن الدول الاستعمارية، كإنجلترا وفرنسا وهولندا وإيطاليا وألمانيا وغيرها، لتحقق كل خططها الاستعمارية لولا وجود جيش المستشرقين. فبالنسبة للمغرب مثلا، لهم يكن في مقدور الماريشال ليوطي – المقيم الفرنسي أيام الحماية – أن ينجح في سياسته البربرية وخططه في تقسيم المغاربة إلى عرب وبربر، لو لم يستعن بالمستشرقين والانتروبولوجيين المتخصصين في لهجات البربر وعاداتهم وتقاليدهم. لقد أنشأ المستعمر الفرنسي سنة 1914 مدرسة فرنسية بربرية بالرباط، كان من بين نشاطها نشر دراسات وأبحاث عن المناطق البربرية، في مجلة نصف شهرية، تحمل عنوان "الوثائق البربرية". إن إخماد المقاومة في القرى والجبال والمناطق البربرية استلزم إيجاد وتكوين مجموعة من "المتبربرين"، الذين بعد تعلمهم اللهجات البربرية سيتم استعمالهم في الأغراض المناسبة، وهكذا برزت في هذه المجموعة أسماء عديدة أمثال لوشاتلييه، وميشو بلير، ولوكلاي، ولاووست، وجوستينياغ، ولوبينياك وغيرهم.


"ومن بين أطروحات ماكراي ومونتاي ما يلي:  إن البربر قديما، عاشوا في مناخ اجتماعي مماثل للمناخ الاجتماعي الذي عاش فيه اليونانيون قبل أثينا، واللاتينيون قبل روما"[2]. و"إن الحكام الاستعماريين الفرنسيين، استنادا إلى فرضيات أتنولوجية، حاولوا عزل البربر عن باقي الشعب المغربي، وإخضاعه لعملية تكييف معينة تصيرهم مع مرور الأيام كائنات إنسانية طيعة تبغض التمرد والثورة. ومن هنا عملوا على إبعاد العنصر البربري عن الإسلام واللغة العربية، بل ذهبوا إلى أنه إذا كان من الضروري أن يتطور هؤلاء البربر فينبغي العمل على توجيه تطورهم نحو ثقافة أوروبية محضة وليس في اتجاه ثقافة إسلامية"[3].










[1] - د. محمود حمدي زقزوق المرجع السابق ص 44.






[2] - Poul coatalen "Ethnologie barbare, in Annales Marocaines de Sociologie, Rabat, Institut de sociologie 1970 p 3."




[3] - Abdellah Charef, " Essai sur la structure sociale des immigrés marocains dans la région parisienne ", Thèse de doctorat de troisième cycle d'Anthropologie, Université paris v 1984 p: 52.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. جمادى الأولى 1434/ مارس 2013.

 


حول الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية

1

 



يقول مارك كونطاغ:  "إن الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية شيء طارئ، أو حادثة تاريخية تحيا في ظروف مفارقة ومتناقضة... وهو أدب انتقالي أو مرحلي قام بدور هام، إلى جانب الأدب العربي، في الصراع ضد الاستعمار الجديد"1


مما لاشك فيه أن الاستعمار الفرنسي لبلدان المغرب العربي، يعتبر السبب الأساسي في ظهور هذا الأدب، إذ لولا وجود تلك الظاهرة السياسية والإمبريالية، لما كانت هناك دواع لكي يعبر بعض الروائيين والقصاصين من أبناء تلك الأقطار، عما يختلج في صدورهم بلغة غير لغتهم الأم. ولقد استطاعت إدارة الاستعمار الفرنسي بما أوتيت من قوة  ودهاء، أن تهمش اللغة العربية وتظهرها بمظهر العقم والجمود، وتعلي، في المقابل، من شأن اللغة الفرنسية، وتجعل منها اللغة الوحيدة في ميدان الفكر والأدب. ومن هنا كانت المدارس والمؤسسات التعليمية الفرنسية تستقطب كل سنة، عددا لا بأس به من أبناء المغاربة، مما أدى إلى ظهور جيل  يحمل راية اللغة والثقافة الفرنسيتين .  فكان منهم كتاب، وروائيون، وشعراء ممن سيضعون اللبنات الأولى للأدب المغربي المكتوب بالفرنسية.


وصرح نجيب العوفي، في حوار أجري معه حول هذا الأدب، بأن ظاهرة الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، أو الأدب المغربي الفرنكفوني بوجه عام، ظاهرة ثقافية حساسة تولدت ضمن سياق تاريخي وسياسي بالغ التعقيد، سياق الهيمنة أو الهجمة الاستعمارية التي اكتسحت كافة الأصعدة والمجالات، بما في ذلك المجال الروحي والثقافي واللساني، الذي يعد وعاء الهوية وذاكرتها.


جاءت الظاهرة إذن في سياق مخطط استعماري شامل لغسل الذاكرة وطمس الهوية وتمييع اللسان، لأجل تمييع الوجدان، وكان الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية لذلك "شرا" لابد منه.


لقد كان "منفى اضطراريا" على حد تعبير الكاتب الروائي مالك حداد. وكأن الأديب المغربي الكاتب باللغة الفرنسية بمثابة "اللاجئ اللغوي" الذي استغل لجوءه هذا ليقول كلمته. لكن بعد حصول الأقطار المغربية على استقلالها، أصبح هذا اللجوء اللغوي غير مبرر وغير مشروع2.


أجل ليس هناك أي سبب منطقي لاستمرار هذا الأدب ، ولقد كان ألبير ميمي أول من أكد سنة 1957 بأن الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية سيموت أو ينمحي تلقائيا بعد الاستقلال3 .


وذهب عبد اللطيف اللعبي في مجلة "أنفاس"، إلى أن هذا الأدب يساهم في بلورة الثقافة الوطنية، وأنه لا يستعمل اللغة الفرنسية إلا كأداة مؤقتة5 . ومعلوم أن هذا الرأي كما ورد في المجلة المذكورة لا يمثل وجهة نظر اللعبي فحسب، وإنما يعبر عن موقف كل كتاب المجلة آنذاك. إذن ما هي يا ترى الأسباب التي حالت دون احتضار هذا الأدب إلى الآن بالرغم من توفر الشروط الموضوعية لذلك؟


لعل تفسير موزوني لهذه الاستمرارية يتضمن جانبا من الإجابة: "إن الأدب المكتوب بالفرنسية يشكل في الواقع ثغرة  يمكن التنفس من خلالها، ذلك أن هذا الأدب يتناول بسخرية تلك المواضيع التي يحجم عنها – لأسباب أخلاقية أو دينية – الكتاب المغاربة الذين يكتبون بالعربية. فمأساة " الخبز الحافي" لمحمد شكري، دليل على الرقابة الصارمة في وجه الكتابات المتعلقة بالجنس. لقد ترجم هذه الرواية بول بولز إلى الإنجليزية سنة 1973، ثم ترجمها الطاهـر بن جلون إلى الفرنسية سنة 1980.....


وهكذا ما دامت هناك مقاومة أخلاقية، فإن الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية سيظل دائما في خدمة الخطابات التي تهدد القيم... إذن هناك على الأقل ثلاثة أسباب لتفسير استمرارية هذا الأدب: طبيعته الإيديولوجية ، رغبته في المساهمة في بلورة الثقافة الوطنية، وقدرته على إيصال الخطابات الممنوعة والمحرمة"6


لا شك أن هذا التفسير ألقى بعض الأضواء على السر في استمرارية الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، بالرغم من اندثار العوامل الاستعمارية التي أنشأته وأخرجته إلى الوجود. لكن لماذا لا نعتبر الأسباب الثلاثة المذكورة آنفا، والتي حالت دون أفول هذا الأدب وموته، من صنع هؤلاء الكتاب المستغربين الذين شق عليهم أن يطلقوا لغة المستعمر؟ لقد بحثوا عن مجال خصب يتخذونه موضوعا لكتاباتهم الروائية والقصصية والشعرية، فلم يجدوا أحسن من واقع المرأة المغربية، وواقع العلاقات الجنسية ووضعية الأعراف والتقاليد في المدن والقرى، وممارسة المغاربة على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية للدين والعقيدة...الخ، كل ذلك في صورة رمادية غير مشرقة، بلغت حدا متناهيا من الاستخفاف بمقومات المجتمع المغربي ومقدساته. وإذا كانوا قد تقربوا إلى فرنسا بإثارتهم للمواضيع ذاتها، التي كانت وما تزال تستهوي الباحثين الفرنسيين من الانتروبولوجيين والمستشرقين، فإنهم قد فاقوا أساتذتهم في الوقاحة والازدراء بأصالة المجتمع المغربي وتراثه.


ومن الناحية النفسية، يمكن القول؛ إن هؤلاء الروائيين وجدوا أنفسهم، غداة الاستقلال، معزولين عن الشعب المغربي لكونهم لا يملكون أداة التواصل الرئيسة، وهي اللغة العربية، فولوا وجوههم قبل أوربا وحكموا على أنفسهم بالنفي عندما اختاروا اللغة الفرنسية وسيلة للتعبير، والقارئ الفرنسي هدفا لإبداعهم الأدبي.


وفي هذا الصدد يقول نجيب العوفي: "إن القارئ الفرنسي الأوربي يبقى هو المستهدف الأول لهذا الأدب، سيما إذا علمنا أن أغلب النصوص الأدبية المكتوبة بالفرنسية، مطبوعة بكمية وافرة في فرنسا على نحو خاص، وأن أغلب هؤلاء الأدباء الفرنكوفونيين مقيمون بفرنسا، ويحملون معهم المغرب كذاكرة موشومة، ومادة خامة للكتابة. ومن ثم أرى أن الجمهور الأساسي الذي يتوجه إليه هذا الأدب، هو الجمهور الأوربي بعامة والجمهور الفرنسي بخاصة، من غير أن يعني هذا غياب الجمهور المفرنس، لكن حجمه يبدو أقل من الحجم الأول لأنه ببساطة لا يمثل القارئ "النموذجي" الذي يتوجه إليه أو يتصوره الكاتب المغربي الفرانكفوني"7.


الهوامش:









1 –Litterature marocaine, in Europe, revue mensuelle Juine-Juillet 1979 Paris p 3





2 – الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 270 مارس 1989


3- ( Le roman marocaine de langue française)Ed Publisud, 1987 Paris, p 23-24 i Lahsen Mouzoun





4-  p -24  ؛ Lahsen Mouzoun





6- Litterature maghrebine actuelle et francophonie, in soffles n° 10-11- p 38 Abdellatif Laabi





7 - الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي...... المرجع السابق





د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب. جمادى الأولى 1434/ مارس 2013.