معاناة الأنثى

0
معاناة الأنثى

 

نشرت مجلة الأحد اللبنانية (عدد 324) رسالة من أنثى افتتحتها واختتمتها بهذه العبارة : ( ليتني لم أكن أنثى ) وقالت خلال سطورها : ..إنني مضطرة لمسايرة بنات جنسي ، ولأكسب إعجاب الرجال ، أن أطلي وجهي بالأحمر والأبيض والأسود ، وإذا ما كنت في مجتمع رجالي حاولت أن أتقمص الشخصية التي تروقهم ،فأنا حينا رصينة هادئة ، وطوراً لعوب مغناج ، وآونة أخرى ساذجة غريرة ، وفي أحيان كثيرة أتصنع الهبل كل ذلك في سبيل أن أحوز إعجاب كل طائفة من الرجال.ولذا أعجز عن تخطيط شخصيتي أو فهم نفسيتي ، ليتني لم أكن أنثى ..إذن لانطلقت في هذا العالم الواسع أمشي على هواي وألبس على هواي وأتحدث على هواي ) أفليس هذا الذي تعترف به هذه الفتاة العصرية من حيرة وضياع هو نتيجة طبيعية لخروج المرأة عن فطرتها وانصرافها عن وظيفتها ، واهتمامها بغشيان مجتمعات الرجال ، وإنشاء صداقات معهم للظفر بإعجاب كل واحد منهم ، على اختلاف الأهواء والأمزجة في نفوس الرجال ؟!!
ألا ترون معي معشر القراء الأفاضل كيف يوحي شياطين الجن إلى شياطين الإنس من الملاحدة والعلمانيين والمفسدين ليعملوا على تدمير ومسخ فطرة الإنسان والزج به في غياهب الظلمات، وجعله يتجرع مرارة العذاب والشقاء من أجل أن يكون متحضرا ومتحررا!! إن هذه الحضارة الغربية التي نسج خيوط فلسفتها العلمانية والمادية، شرذمة من فلاسفة اليهود أمثال ماركس ودارون وفرويد ومن سار على دربهم ونهجهم، لتعاني من الشقاء النفسي والاجتماعي، بسبب البعد عن فطرة الإسلام، ما يصرح به عقلاؤها من الذين دخلوا في الإسلام. ثم يأتي بعد ذلك دور المستغربين المقلدين الببغاوات من تلامذة المستشرقين، لكي ينادوا بمسخ فطرة الإنسان المسلم في بلاده المسلمة. وبعد، افليس هذا الذي تعترف به هذه الفتاة العصرية من حيرة وضياع هو نتيجة طبيعية لخروج المرأة عن فطرتها وانصرافها عن وظيفتها ، واهتمامها بغشيان مجتمعات الرجال ، وإنشاء صداقات معهم للظفر بإعجاب كل واحد منهم ، على اختلاف الأهواء والأمزجة في نفوس الرجال ؟ لماذا هذا الاعتذاء على البريئات من بناتنا، لماذا يغرر بهن ثم يقذفن في مستنقع الرذيلة، فيصبحن لا قيمة لهن، ولا يرغب فيهن أحد من الرجال حتى أولئك الدعاة إلى العلمانية والتحرر من القيم والدين. لانهم لا يرضوا لانفسهم الزواج من امرأة مارست الرذيلة ولو باسم التحرر أي على مذهبهم !! إنهم يفسدونها ثم يتبرؤون منها ومن سلوكها!! ألم أقل لكم معشر القراء الأفاضل أن هؤلاء شياطين الإنس. ولقد أبى المستغربون من دعاة التربية في بلادنا إلا أن يمارسوا هذه الرذيلة من خلال الكتاب المدرسي: “ينبغي للمرأة … أن تفتن وتحير وتسحر . وبما أنها تشبه الوثن الذي يعبد، فحري بها أن تستعمل المساحيق ومستحضرات التجميل كي تعشق، … فتستولي على القلوب وتأسر العقول " ؟!!Royaume du Maorc, Ministère de l'éducation nationale s, 3éme année secondaire 1995 p 380, "Manuel du Francai
هذا النص للشاعر الفرنسي الخليع والماجن “شارل بودلير” الفرنسي، دعوة من “المربين” المغاربة إلى بناتنا البريئات لدفعهن إلى ولوج عالم التبرج والغواية، إن مضمون هذا النص محاولة ماكرة لإقناع الفتاة التلميذة أو الطالبة بأن قيمتها وهويتها وشخصيتها، كل ذلك يكمن في مظهرها الخارجي، وما يمكن أن تنافس به أخواتها مما تتميز به من جمال أو تمتلكه من وسائل الزينة والفتنة.
إن شارل بود لير يطلب من المرأة أن تتبرج و تبالغ في التزين حتى تستطيع «الاستيلاء على القلوب والتأثير في العقول».
ما هذه الوظيفة الدنيئة التي يسندها الشاعر الماجن إلى المرأة؟
وما هي المعاني والأفكار «التربوية» و«الأخلاقية» التي يحتوي عليها هذا«النص التربوي»، والتي يؤمن بها بعض المربين عندنا ، والتي أوحت إليهم بإقحامها في الكتاب المدرسي؟ هل هناك أقبح وأشنع من أن يدعو إلى الرذيلة من يدعي القيام بمهمة التربية والدعوة إلى الفضيلة؟" (د. عبد الله الشارف: "أثر الاستغراب في التربية والتعليم في المغرب"، ألطوبريس طنجة، 2000، ص 65)

د. عبد الله الشـارف، مكة المكرمة، صفر الخير 1437- نوفمبر 2015

خاطرة مكية

0
خاطرة-مكية

 

إذا كنت من محبي أعمال الخير، ومن المهتدين لفعل الطاعات واتباع السنة، من غير تكلف، أو مشقة، أو منازلة للنفس الأمارة، فاعلم يقينا أن الله يحبك؛ (هو الذي حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم)، بل أحبك ابتداء قبل أن تكون نطفة. فما أعظم وأسنى مقام (يحبهم ويحبونه).

وإذا أحبك فقد تولى أمرك، وسقى قلبك بوابل عنايته ورحمته. وأراك الحق حقا فاتبعته والباطل باطلا فاجتنبته. وجعل قرة عينيك في الصلاة وتلاوة القرآن. فلا يزال يقربك، و لا تزال ترتقي، حتى يصدق عليك قوله تعالى في الحديث القدسي؛ ".... فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به... ولإن سألني لأعطينه..." وما ذلك على الله بعزيز.

لكن حذار، وقد من الله عليك بهذا الخير، أن يطوف بك الشيطان الحسود، ويدخل عليك من باب العجب والغرور، أو الرياء والشرك الخفي، ويفسد عملك، فتغدو جنتك قاعا صفصفا. فالزم الصدق والإخلاص، وتحقق بالافتقار وروح العبودية، ورد الفضل إلى صاحبه، وتبرأ من حولك وقوتك، ولذ بمن له الحول والقوة واعتصم بحبله.

عبد الله الشارف، مكة المكرمة، ذو الحجة 1436 .

الإسلام في عيون الغرب

1
 

الاسلام في عيون الغرب


 

لقد أصبح واضحا وضوح الشمس في كبد السماء، أن الغرب بقيادة أمريكا، قد أعلن حربا صليبية على الإسلام والمسلمين، بدءا بأفغانستان، مرورا بالعراق ثم سوريا... كما أن حادث البرجين المفتعل في نيويورك (شتمبر 2001)، كان مخططا لإعلان ما سمي بالحرب ضد الإرهاب؛ أي ضد المسلمين، حتى غدا مفهوم الإرهاب في وسائل الإعلام الغربية مرادفا للإسلام.

وهكذا أصبح كل ما له علاقة بالدين الإسلامي يشكل إرهابا وخطرا على الغرب؛ فالمساجد في أوربا مثلا يعتبرها الأوربيون مصدرا من مصادر الإرهاب، لا سيما أنها تتكاثر ويتضاعف روادها، لذا فهم يكرهونها. بل كثيرا ما يعملون على حرقها أو إلحاق الأذى والضرر بها. ثم إن مشهد جموع المصلين في الجمعات أو خلال رمضان، يحدث نوعا من الفزع أو القلق في قلوب الغربيين. كما أن كثرة الفتيات والنسوة المحجبات والشباب الملتحي، وغير ذلك من المظاهر الإسلامية الجديدة، كل ذلك أصبح يشكل تحديا قويا في وجه الثقافة العلمانية، مما يقلق بال المسؤولين ويقض مضاجعهم.

إن سياسة الاندماج التي اتبعتها الحكومات الغربية تجاه المهاجرين المسلمين، لم تكن إنسانية ولا مرنة؛ من حيث أنها لم تعترف بالخصوصية الدينية والثقافية لهؤلاء المهاجرين، ولذلك فإن تلك السياسة قد حققت كثيرا من أهدافها؛ إذ عملت على تذويب وانصهار هويات وذوات معظم أبناء وأحفاد المهاجرين المسلمين في بوتقة الثقافة الغربية العلمانية، مما أدى إلى إقامة القطيعة بينهم وبين ثقافة ودين آبائهم.

لكن، قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ ذلك أن الاعتداءات المتتالية على العالم الإسلامي، كان له وقع سيئ في نفوس كثير من أبناء المهاجرين المسلمين، الذين أخطأتهم آلة الاندماج الرهيبة ! كما أن رياح الصحوة الإسلامية هبت على الغرب المسيحي فأيقظت ضمائر وقلوب آلاف من الشباب الغافل؛ حيث غدا الإقبال على الدين والرجوع إلى الهوية الذاتية، مظهرا بارزا في سلوك هذا الشباب، الأمر الذي أغاظ المسؤولين الغربيين وأقلق بالهم.

إن الكنيسة في العصور الوسطى أقامت حاجزا قويا ورهيبا بين رعاياها المسيحيين وبين المسلمين، ومنعت الناس من التعلم وتحصيل العلم والمعرفة قرونا طويلة. وعندما برزت العصور الحديثة الأوربية، وثار العلماء والفلاسفة والسياسيون في وجه الكنيسة وتخلصوا منها، نشر العلم لواءه، كما بدأ الناس يستنشقشون نسيم الحرية.

إن الحضارة الغربية المعاصرة أصابها الترهل المبكر، وكثير من فلاسفتها ومفكريها قد كتبوا عن اضمحلالها وأفولها أمثال ؛ أرنولد تونبي، وأوزوالد شبيجلر، ورونيه كينون وبرنارد شو...

ولعل وجود المسلمين في الغرب بالرغم من معاناتهم واستهداف هويتهم وعقيدتهم من جهة، ومن جهة أخرى دخول كثير من الغربيين في الإسلام، يكون سببا من أسباب تجديد الحياة في جسد هذه الحضارة المريضة.

 

أيها الإنسان الغربي؛ لقد لبثت في كهوف الظلام قرونا طويلة مستعبدا من قبل الكنيسة، مكبل العقل، محروما من الحرية ومن أساسيات الحياة الإنسانية. وضرب بينك وبين الحضارة الاسلامية وقتئذ بسور لم تستطع خرقه ولا تسلقه.

 

أيها الإنسان الغربي؛ لقد حققت وأنجزت فتوحات عظيمة في ميدان العلم والمعرفة، وأبدعت في زمن وجيز من الاختراعات العجيبة والهائلة، ما لم يستطع أصحاب الحضارات السابقة إبداعه خلال قرون طويلة.

 

أيها الإنسان الغربي؛ إن ثقافتك التي بنيتها بعد تحررك وهدمك للسور، لا أساس لها لأنك أحدثت فيها قطيعة بينك وبين السماء، وبينك وبين فطرتك. كما أحدثت فيها قطيعة بينها وبين الثقافات الدينية. لقد وقفت ثقافتك على شفا جرف هار، فانهارت بك في أودية الضلال والهلاك.

 

أيها الإنسان الغربي؛ إن جهلك وكبرك وغطرستك وإلحادك... كل ذلك قد أدى بك، وأنت في ذروة عزتك، وانتصاراتك العلمية والاستعمارية، إلى الاصطلاء بنار الحربين العالميتين المدمرتين. ولكنك لم تعتبر ولم تستخلص الدروس والعبر، ولعل المستقبل يخفي لك، بسبب عنادك وكفرك، ما يشيب له الولدان.

 

أيها الإنسان الغربي؛ لقد أبيت بما تحمله في باطنك من تكبر وجهل، إلا أن تقهر العالم باستعمارك الثقافي وعولمتك القسرية. إلا أن الثقافة الإسلامية وحدها تتحداك في عزة وإباء، ولن تخضع لعولمتك ولو حاربتها ألف عام باسم الإرهاب. ولتغزون أرضك على أيدي أبنائك، ولترين أعلامها خافقة شامخة في ربوع بلدانك !

 

أيها الإنسان الغربي؛ إنك مريض تعاني الخواء الروحي والأزمات النفسية والاجتماعية. ولقد جربت شتى أنواع الأدوية، لكن دون جدوى. إن دواءك هو الإسلام، إنه مخلصك من الويلات والمصائب المحيطة بك. وقد اعترف بذلك آلاف ممن أسلم من الأوربيين والأمريكيين، الذين هم آباء وأجداد من سينشر الإسلام في بلادك !!.

 

د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة، ذو الحجة 1436 / اكتوبر 2015.

شهادة مهاجر مغربي من والبة الأندلسية

0

شهادة-مهاجر-من-والبة-الأندلسية


في صباح هذا اليوم، كنت على موعد مع  (م.ش) وهو عامل مغربي مهاجر يعيش ويشتغل في مدينة والبة huelva شرق إقليم الأندلس بجنوب اسبانيا.  وكان حديثنا يدور حول أوضاع المغاربة الاجتماعية في هذا البلد. ولقد أخبرني هذا العامل المهاجر أن الوضعية الاجتماعية والنفسية للعمال المغاربة المقيمين في إسبانيا، تعتبر وضعية مأساوية على جميع المستويات؛ حيث إن البطالة منتشرة انتشارا ذريعا بينهم، مما يؤثر سلبا على حياتهم الأسرية. كما أن معظم الأبناء لا مستقبل لهم، وسيخلفون آباءهم في البطالة والبؤس والتهميش، ذلك أن أغلبهم لا ينهي دراسته الثانوية، بله ولوج أبواب الكليات. ويتعاطى كثير منهم المخدرات، كما يمارسون السرقة وأنواعا من الجرائم مما يجعل السلطات تزج بهم في السجون. وهذا أمر معروف، تتداوله وسائل الإعلام الإسبانية.

كما أخبرني أن الأسر المغربية المقيمة في إسبانيا تعرف تصدعا خطيرا، فيما يخص العلاقة بين الزوجين، أو بينهما وبين الأبناء الذين يغلب عليهم سلوك التمرد والثورة على قيم الأبوين.

وحكى لي هذا المهاجر أمرا غريبا وقع لابنته ثريا في المدرسة، أثناء قيام التلاميذ بمادة الرسم. ذلك أنه استدعي ذات يوم من طرف معلمة ابنته التي أخبرته أن ثريا وحدها امتنعت عن رسم الكنيسة؛ موضوع مادة الرسم. ورغم إلحاح معلمتها فإنها لم تستجب، وقد رسم الكنيسة كل التلاميذ الذين هم من أصول عربية. وقالت المعلمة مستفسرة: "ما الذي جعل ابنتك تمتنع عن هذا الرسم ؟ " فأجابها السيد (م.ش): لا أدري". فأردفت قائلة: "لعلك أسمعتها كلاما قبيحا عن الكنيسة" ؟! فقال : "هذا ممكن، وهو موقف قد يصدر من مسيحي فيما يتعلق بمسجد المسلمين".

يستفاد من هذا الحوارالقصير، أن التعليم في أوربا الذي يقوم أساسا على مبادئ العلمانية، يصر كثير من أعضاء أسرته على القيام بوظيفة التنصير وزعزعة العقيدة الإسلامية في قلوب أولئك التلاميذ، سيما إذا كان بعض أو أغلب تلاميذ القسم من أصول عربية.

وورد في كلام هذا المغربي المهاجر أن الزوجة المغربية كثيرا ما تثور على زوجها لعلمها أن السلطات الإسبانية تحميها وتقف في جانبها ولو كانت ظالمة. وإذا ما ضربها زوجها أو هم بذلك، أو هددها... قد تستدعي  الشرطة، وحينذاك يفرق بينهما، وتمكث الزوجة وأولادها في البيت. أما الزوج فيمنع من الوصول إلى البيت أو الاتصال بزوجته وأولاده.

وأكد لي السيد (م.ش) أن كثيرا من المغربيات انفصلن عن أزواجهن بطريقة أو أخرى، وتزوجن برجال إسبانيين. وهذه ظاهرة اجتماعية شائعة في إسبانيا، مما يدل على جهل أغلب المغربيات المقيمات في هذا البلد، وعلى انسلاخهن تدريجيا من مبادئ وقيم الدين والشريعة الإسلامية.

كما لاحظ، من جهة أخرى، أن عددا هائلا من النساء المغربيات يعملن في قطاع الفلاحة. ثم لما ينتهي موسم هذا القطاع، يلتجئ بعضهن إلى البحث عن العمل كخادمات في البيوت، أو الإشراف على العجزة أو العمل في المقاهي والحانات...بل كثير منهن يحترفن البغاء والدعارة. إن هذه المظاهر الفظيعة والمخزية جعل الإسبان ينظرون إلى المغاربة المقيمين عندهم نظرة احتقار وذل ومهانة.

ويتعجب السيد (ش.م) لهؤلاء الرجال، بل الذكور، الذين سمحوا لزوجاتهم أو بناتهم أو أخواتهم، بمفارقة الأهل والوطن، والذهاب للعمل في بلاد أجنبية تحارب الشرف والمروءة، وتحتقر المسلمين، وتعادي دينهم وهويتهم.

إن هذا العمل الشنيع الذي أقدم عليه هؤلاء السفهاء، لا يقبله عقل ولا شرع، بل تنفر منه الفطرة الإنسانية. إن هذا الذي أذن لامرأته أو ابنته أو أخته، كي تسافر إلى بلاد النصارى والعلمانيين والملاحدة، لتشتغل في الفلاحة أو البيوت أو المقاهي والحانات، أو تمارس البغاء، كل ذلك من أجل الدنيا وجمع المال، لهو إنسان سفيه لا عقل له ولا مروءة. كما أنه جاهل جشع، طامع في حطام الدنيا، ولو على حساب الدين والكرامة والعرض. إنه خسيس وساقط ووضيع. وجمع من الدناءة والسفالة والحقارة والنذالة، ما جعله يفتخر بامرأته أو ابنته، ويتعبر ذلك شجاعة وبطولة، علما بأن الأوربيين قد داسوا كرامتها وأذلوها واستعبدوها.

وإني لأستغرب كيف انحطت القيم الدينية والخلقية في قلوب كثير من المغاربة. وكيف تولد عن هذا الأمر وجود صنف من الرجال والنساء رضوا بأن يصبحوا عبيدا محتقرين ومهانين في بلاد النصارى.

أين شهامة المغربي وتدينه ومروءته؟ أين بطولته وهيبته؟
لقد صدق رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال: " يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها. قال: قلنا يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن. قال: قلنا وما الوهن قال حب الحياة وكراهية الموت" (رواه الإمام أحمد).

كما قال صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه". (رواه الشيخان).

 

إن هذا الوضع الاجتماعي والتربوي الخطير الذي تحياه كثير من الأسر المغربية، يدل على وجود خلل فظيع في التصور العقدي، وتردي مخيف على مستوى الإيمان والأخلاق. ويبدو أن هذه المظاهر الاجتماعية الخطيرة، إضافة إلى العوامل الداخلية، قد أسهم في إيجادها ذلك العمل التخريبي والإفسادي الذي تسهر عليه قوى الشر في العالم، مستهدفة كل القيم الدينية والأخلاقية الإسلامية.

وقد يقول قائل معترضا: "إن هذا المغربي الذي وصفته بالذل والمهانة، لأنه ارتكب جريمة عندما أرسل امرأته أو شجع ابنته على السفر إلى أوربا للعمل فيها، لم يفعل ذلك اختيارا، وإنما أكره عليه بسبب الفقر."

أقول لهذا المعترض: "هل المغرب لا يوجد فيه رزق؟  ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: "لو أنكم تتوكلون على حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا" (رواه الإمام أحمد  والترمذي والنسائي..).  كما أن هذا الذي بعث امرأته للعمل ذليلة ومحتقرة في بلاد النصارى، قد تجده لدناءته وخسته وخبث معدنه، يقضي معظم أوقاته بين المقاهي، أو يتسكع في الشوارع والأزقة، ينتظر المال الذي ترسله إليه تلك الضحية الغبية، كي يطعم نفسه وأولاده. أي حمق هذا، وأي سفاهة وعار؟؟

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. شوال 1436- غشت 2015.

 

 

 

موازيــن.. المُستغربيــن

3

موازيـن..المستغربيـن


 

ياربـاط الفتـح و" الموحدين "، ورباط العز والمجـد والتمكين، ألم يأتك نبأُ " موازين : المستغربين " ؟ ونبأ بني علمان، والحداثيين والمفسدين ؛ تلامذة الغرب والمستشرقين، ومن حذا حذوهم من الفرنكفونيين المقلدين ؟


ياربـاط الفتح، يالؤلؤة الأطلسي : لقد تمادى القوم في غيّهـم، وانهمكوا في غوايتهم، وتاهوا في ضلالتهم، وتردّوا في جهالتهم، وأصروا على باطلهم، وأمعنوا في إساءتهم، وتعمّهوا في سكرتهم.


ياربـاط الفتح، ياجوهرة الغرب : إن القوم استباحوا فنائك، وانتهكوا حريمك، وجاسوا ديارك، إنهم يستهدفون نخوتك، وعزتك، وشهامتك ؛ شهامة الموحدين والمرينيين والسعديين والعلوييـن.


إنهم يستقدمون الراقصات كي يعرضن أجسادهن على أولادك وفلذات كبدك، ويُسمعن باسم " موازين "، غناء تعجز الشياطين عن إبداعه والإتيان بمثله.


إنهم يريدون أسر قلوب أبنائك وشبابك، والزج بهم في أودية الغواية والضلالة، إنهم يريدون " أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا " ( النور : 19 )


لك الله يارباط الفتح، ورباط حسان، ورباط الأفـذاذ والآحاد، الغُرّ الميامين.


يارباط الفتح : لقد انقلبت الموازين في زمن " موازين "  ، وجهل أصحاب " موازين "  أن الله يقول : " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة " ( الأنبياء : 47 ) ، هنالك حَصحص الحق، وتلاشى الباطل؛ " والوزن يومئذ الحق " ( الأعراف : 8 )، وتبين للقوم أنهم كانوا يلعبون، ومع الشياطين كانوا يُزّمرون ؛ " لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " ( ق : 22 ).


يارباط الفتح : إن هؤلاء يجسدون الجبهة الرابعة في الجبهات الأربع التي أنزلت الهزيمة بثقافتنا وأصالتنا، وأسست ظاهرة الاستغراب. وأولـى تلك الجبهات؛ تتمثل في المنصرين الذين عملوا على غزونا بواسطة المدارس والمؤسسات التعليمية والخيرية، وشتى الإعانات. ثم جبهة المستشرقين؛ طلائع الاستعمار، وذلك بما يبثونه في كتبهم من سموم تستهدف الأمة الإسلامية وتراثها، بالاضافة إلى خدماتهم الجليلة للمستعمر. وثالثـا؛ جبهة المستعمرين المكشوفة خلال الاستعمار، والمتسترة أو غير المباشرة بعد مجيء الاستقلال.


والجبهة الرابعـة؛ هي الجبهة الداخلية، جبهة منا وإلينا، إنها جبهة المستغربين التي عملت من حيث تدري أو لاتدري، على تسهيل مهمة الغزو الاستعماري والغزو الفكري. بل منها من شارك المستعمر القديم، ويشارك الغزاة المعاصرين، في صرفنا عن أصولنا وجذورنا وهويتنا، وفي غسل أدمغتنا من كل ماله علاقة بماضينا وتوجيه قبلتنا نحو الغـرب.


د. عبد الله الشـارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. شعبان 1436 / يونيو 2015

المدرسة المغربية والاستغراب الأخلاقي

0
               المدرسة المغربية والاستغراب الأخلاقي

 

كتب محمد الراجي في جريدة هسبريس الإلكترونية (14-5-2015) مقالا تحت عنوان: "جمعية تكشف معطيات صادمة عن واقع التلاميذ بالمدارس"، جاء فيه:

"كشفت الجمعية المغربية للإنصات والتحاور مُعطياتٍ صادمةٍ حوْلَ الوضعية النفسية والصحيّة والمشاكل الاجتماعية التي يتخبط فيها التلاميذ المغاربة، مبْرزةً ضمن تقارير أعدّتها، بناء على جلسات إنصات لتلاميذ وذويهمْ، عنْ وجودِ مشاكلَ خطرةً تستدعي من المسؤولين عن التدبير التدخّل لعلاجها.

خلْف أسوار المدارس يُوجدُ تلاميذ، من الجنسين، يُعانون اضطراباتٍ نفسيّة،وتستعرُ في نفوسهم نزْعة انتقاميّة، سواءٌ تجاه المدُرّسين وإداريي المؤسسات التعليمية، أوْ تُجاه آبائهم وأمّهاتهم.. وتقول أمينة باجي، رئيسة الجمعية، إنّ "النّزعة الانتقامية متفشية في أوساط التلاميذ على نحوٍ خطير جدّا".

ويَظهرُ أنّ أزمةَ التعليم في المغرب أعمقُ بكثيرٍ ممّا يرَاه المسؤولون عن الشأن التربوي والتعليمي، في ظلّ غيابِ الاهتمام بوضعية التلاميذ، خصوصا على المستوى النفسي، ففي إعدادية واحدة بمدينة بالرباط لوحْدها، سجّلت الجمعية طرْد 60 تلميذا، بسبب سلوكهم العنيف، وفي إعدادية أخرى طُردَ أربعة وعشرون تلميذا.

وحسبَ المعطيات التي كشفتْ عنها أمينة باجي، فإنّ الاضطرابات النفسية التي يعاني منها التلاميذ المغاربة، يُفاقمُها تجاهُل آبائهم لهذا المعطى، موضحة أنّ أولياء التلاميذ، خصوصا الرجال، لا يستجيبون لدعوات الجمعية بالتحدّث إليهم، كما أنهم يرفضون علاجَ أبنائهم، "لأنّهم هم أنفسهم بحاجة إلى علاج".

ولا تتوقّف الأوضاع "السّيئة" للتلاميذ عند تفشّي الاضطرابات النفسية في صفوفهم، بلْ تمتدّ إلى الإدمان على المخدّرات، وإقامة علاقاتٍ جنسية، تنتهي بالحمْل، كما تنتهي بالإصابة بالأمراض المنقولة جنسيّا، وحتى الإجهاض، وقالت الدكتورة العراقي، عضو مكتب الجمعية في هذا الصدد "الحمل موجود في صفوف التلاميذ بشكل مدهش".

وقدّمتْ رئيسة الجمعية المغربية للإنصات والتحاور أمينة باجي معلوماتٍ صادمة بخصوص العلاقات الجنسية غير الشرعية في صفوف تلاميذ وتلميذات المدارس المغربية، وروَتْ أنّ تلميذةً في إحدى المؤسسات التعليمية بالرباط حبَلتْ بعد علاقة جنسية، وقامتْ بإجهاض جنينها بنفسها، من خلال استعمال "المهراز".

وتمتدُّ المشاكل التي يتخبّط فيها التلاميذ إلى محيطهم الأسري، إذ يرزح عدد من التلميذات تحتَ معاناة زنا المحارم، والتحرّش الجنسيّ من طرف محارمهنّ، لكنّ الطامّة الكبرى أنّه في حالاتٍ تكون أمهاتهن على علم بذلك، ويصمتْن، بداعي "تجنب الفضيحة"، وقالت باجي في هذا الصدد "اتصلنا بأمّ تلميذةٍ ضحية زنا المحارم، وكان جوابها: "ما تفضحوناش راه راجلي غادي يطلّقني".

وهناك من التلميذات القاصرات من يتعاطى الدعارة، وأوردتْ باجي في هذا الصدد قصّة تلميذة أفصحت خلال جلسة استماعٍ لها من طرف الإختصاصيين النفسانيين والمساعدين الاجتماعيين المتطوعين بالجمعية، أنَّها تضطرُّ لمدّ أمها بمبلغ مالي كل شهر، وتوفّر لوالدها ثمن شراء السجائر، دون أن يسألاها من أين تأتي بالنقود التي تقبضها لقاء امتهان الدعارة.

ويظهرُ من خلال المعطيات التي قدّمتْها الجمعية خلال ندوة صحافية لتقديم حصيلة عشر سنوات من عملها، أنّ العلاقات الجنسية غير الشرعية سائدة بشكل كبير وسط تلاميذ المؤسسات التعليمية، وما ينجم عنها من مشاكل صحيّة واجتماعية ونفسية، ففي مؤسسة تعليمية واحدة بمدينة الرباط وقفت الجمعية على عشر حالات لتلميذات مصاباتٍ بأمراض منقولة جنسيّا".

إن هذه المعطيات الخطيرة المتعلقة بواقع المدرسة المغربية، تدل على أن  القطاع التربوي في المغرب يمر بأزمة بنيوية عميقة. ومن المؤكد أن اعتبار الاستغراب أحد الأسباب الرئيسة في ظهور هذه الأزمة، بات من الأمور المنطقية الجلية. ويمكن مقاربة هذه الأزمة من عدة جوانب، سأقتصر منها في عجالة على الجانب المتعلق بالكتاب المدرسي لمادة اللغة الفرنسية.

إن هذا الكتاب، يعتبر دعوة صريحة إلى تقمص أخلاق وعادات الغربيين، التي لايشك عاقل مؤمن بمبادئ الأخلاق السامية، أنها أبعد ما تكون عن الأخلاق الإنسانية الطاهرة الشريفة..

ومن جهة أخرى فإنه يضرب بعرض الحائط كل المقدسات الدينية، والأخلاق والعادات الأصيلة ،وينال من الشخصية الإسلامية المغربية .

وإذا علمنا ضعف الوازع الديني والحصانة الخلقية عند التلاميذ والطلبة، أمكننا تصور الآثار السلبية لتلك النصوص والصور على عقليتهم وسلوكهم، لا سيما أن الصورة الغربية،  سواء انتمت الى عالم الكائنات الحية والأشياء، أو عالم المعاني والأفكار المتضمنة في النصوص المعروضة ، هي بمثابة مواد البث والإرسال. في حين أن التلميذ يقف موقف المتلقي والمستهلك. ومع مرور الزمن تتفاعل صور تلك الكائنات والأشياء والأفكار في نفسية التلميذ، وتترسخ في ذهنه عبر آلية التقمص، فيرق الحجاب بين ذاته والآخر؛ الغرب. وينظر إلى صورته في مرآة الغربي، فيستحليها ويتلذذ بها، ثم يطلب المزيد من البث والإرسال، ويتهافت على كل ما يأتي ويصدر عن الغرب ، لذلك يكون مستغربا أي طالبا للغرب ثقافة وحضارة وقيما.

ويمكن الاقتصار على عاملين أساسيين ومباشرين، في فهم ظاهرة الاستغراب الخلقي في الكتاب المدرسي لمادة اللغة الفرنسية؛ العامل الأول لغوي بحث ،والعامل الثاني له علاقة بالتعليمات الرسمية المختصة بتعليم اللغة الفرنسية.

العامل اللغوي:

إن مما هو بديهي عند العلماء واللغويين منهم خاصة، أن اللغة والثقافة في التحام دائم، ويشكلان وجهين لموضوع واحد، ذلك أن اللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب وإنما هي أيضا ناقلة للثقافة التي تنتمي إليها. أو بعبارة أخرى؛ فإن اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل الأفكار فحسب، وإنما هي ذات ارتباط وثيق بالأفكار التي تنقلها، وذات تأثير فيها وتأثر بها. كما أن اللغة تؤثر في الشخص الذي يتحدث بها ويمارسها تأثيرا لا حد له، يمتد إلى تفكيره وإرادته وعواطفه وتصوراته وإلى أعماقه النفسية، وإن جميع تصرفاته تصبح مشروطة بهذا التأثير ومتكيفة به.

وبما أن طابع الثقافة الفرنسية علماني ومادي، فإن الأخلاق والقيم الاجتماعية السائدة في فرنسا، هي من جنس تلك الثقافة. فالإباحية والانحلال الخلقي، وما أشبه ذلك، تبدو عند الفرنسي أمورا عادية، بل ربما عبرت عن الحرية في أسمى معانيها. ولما كانت اللغة الفرنسية وعاء لثقافة مليئة بالمظاهر اللأخلاقية، لم يكن غريبا أن تكثر فيها الكلمات والألفاظ والأمثال والمعاني الساقطة، وكفى بأدبها، شعرا ونثرا ، دليلا على ذلك. ومن هنا فإن مؤلفي الكتاب المدرسي لمادة الفرنسية، انساقوا مع تيار الثقافة الفرنسية، واستعذبوا كثيرا من النصوص رغم مضمونها اللأخلاقي.

عامل التعليمات الرسمية:

إن المطلع على التعليمات الرسمية المتعلقة بتعليم اللغة الفرنسية ، انطلاقا من ثمانينيات القرن الماضي،ـ[1] يجدها تنص على أن "الانفتاح" على ثقافة وحضارة الآخر؛ أي الغرب، يعتبر من أهم الغايات المستهدفة من تعلم التلميذ المغربي للغة الفرنسية . إن اللغة الفرنسية بالنسبة لهذا التلميذ وسيلة للحصول على ثقافة مغايرة. وبما أن نصوص هذه التعليمات لم تشر إلى استحضار المعيار الأخلاقي حين اختيار النصوص الأدبية والفكرية والتربوية المتعلقة بمادة اللغة الفرنسية، فإن الكتاب المدرسي المتعلق بهذه اللغة، صدر طافحا بالنصوص اللأخلاقية واللاتربوية.

إن هذا الانفتاح الذي ينص عليه التعليمات الرسمية، وكما يتصوره المسؤولون عن التربية والتعليم والثقافة عندنا، وكما  يتخيله مؤلفو الكتب المدرسية لمادة الفرنسية، هو ما أسميه بالاستغراب الأخلاقي.

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. شعبان 1436. ماي 2015.

 

[1]  راجع مثلا منشورات "وزارة التربية الوطنية، مديرية التعليم الثانوي، قسم البرامج" من سنة 1985 إلى 1995، الملفات التربوية الخاصة باللغة الفرنسية.

محاضـرة : مسؤولية العلماء تجاه التيار الحداثـي

1

أي اندماج للأسرة المسلمة في المجتمعات الأوربية

1

mohajirine


تمهيد:

في مطلع الستينيات من القرن العشرين الميلادي عرفت الهجرة العمالية العربية تدفقا كبيرا وإقبالا واسعا على أسواق العمل في مختلف المدن الأوربية الرئيسة، خاصة بعد عقد المعاهدات المتعلقة بهذا الشأن بين الحكومات الأوربية وكثير من الحكومات العربية. لقد كانت تلك البلدان الصناعية المتقدمة تعيش وقتئذ مرحلة مزدهرة على المستوى الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي، وارتفاع في وتيرة الإنتاج. ولم يكد عقد السبعينيات ينصرم حتى كان عدد هائل من هؤلاء العمال المهاجرين قد تزوجوا أو استقدموا أسرهم.

وهكذا انتقل وجودهم من حال الإقامة المؤقتة إلى حال المواطنة والإقامة الدائمة، مما نتج عنه مشاكل وتحديات لم تكن متوقعة، دفعت بالسلطات الاوربية للتفكير في موضوع الاندماج؛ أي العكوف على تهيئ برنامج سياسي واجتماعي وتربوي يهدف إلى فسح المجال لاندماج أو انخراط هذه المجموعات البشرية في نسيج مجتمع الإقامة.

أضحت إذن قضية الاندماج الشغل الشاغل لصناع القرار في الغرب. ويعترف كثير من الاستراتيجيين الغربيين الذين يعملون في مجال الهجرة وإعادة تأهيل المهاجرين لغويا وثقافيا وحضاريا، أن الصعوبات والمشاكل التي تعترض سبيلهم تتعلق بالمهاجرين الذين هم من أصول عربية أو إسلامية، الذين يرفضون الذوبان في المجتمع الغربي، ويبدلون جهدا كبيرا للحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم وعقائدهم. أما غيرهم من الذين يدينون بالمسيحية كالرومانيين واليونان، فإنهم سريعو الذوبان والانصهار في مجتمعات الإقامة.

و من المعروف أن لكل فرد هويته الخاصة به، و أفكاره و ذكرياته و طباعه، و مستواه الثقافي و الاجتماعي و الاقتصادي. و الفرد المغترب يحمل معه كل هذه الخصوصيات إلى مكان غربته، إلى الدولة التي اختار أن يسكن فيها. و هنا تطرح المشكلة في كيفية الحفاظ على تلك الخصوصيات، و في الوقت نفسه محاولة التأقلم و الاندماج، و البدء من جديد في بناء مستواه الاجتماعي و الثقافي، و في إقامة علاقات اجتماعية، و التعود على نمط عيش قد يكون مختلفا تماما عما كان فيه بلده الأصلي.
وبعدما تم تقنين وضعية أعداد كبيرة من المسلمين المقيمين بأوروبا، وصار وجودهم بالمهجر يتحسن شيئا فشيئا، بدأت تنشأ بجانب ذلك التحسن مشاكل جديدة من عيار آخر، مشاكل ذات أبعاد أخلاقية وحضارية، تمس بشكل أو بآخر ما يعتبر مصيريا في تفكير واعتقاد أولئك المهاجرين، كالدين والهوية والأخلاق والذرية وغير ذلك، حيث بين عشية وضحاها تغير التفكير لدى غالبية مسلمي الغرب، من تفكير بسيط ومحدود في لقمة العيش والعمل والسكن، إلى تفكير معقد ومتشعب في تربية الأبناء، ومستقبل العقيدة التي يؤمنون بها، والثقافة التي يمثلونها، والتعامل مع الآخر وغير ذلك.

 

الاندماج التوافقي السليم:

 إن الدلالة اللغوية لكلمة الاندماج (Integration) تنبني على مفهومين، لا يستقيم معناها إلا بتوفرهما، أو لا يكتمل أحدهما إلا بوجود الآخر. وهذان المفهومان هما؛ الأول: الدخول، والثاني: الاستحكام أو التجانس مع الكل، كما جاء في القواميس الغربية. وهذا معناه أن الشيء لا يصبح مندمجا اندماجا صحيحا وكليا في بنية ما، إلا إذا دخل في تلك البنية وتجانس مع باقي مكوناتها، واستحكم فيها عن طريق توثق الصلة  مع البنية كلها.

إن الاندماج التوافقي السليم لا يتجلى فقط من خلال الدخول والانخراط في منظومة ثقافية أو اجتماعية أيا كان نوع هذا الانخراط، وإنما يشترط في ذلك التجانس والتواصل المتبادل والبناء الواعي. ذلك أن فقدان هذا الشرط يجعل من الاندماج عملية سلبية تؤدي إلى الذوبان في ثقافة الآخر، وإقامة قطيعة تدريجية مع الهوية الذاتية. فكما أن العضو المندمج؛ أي المسلم المهاجر في الغرب ينبغي أن يجتنب الذوبان، ويحافظ على ما يشكل أساس هويته، فكذلك على أعضاء مجتمع الإقامة أن ينفتحوا على خصوصيات ذلك المهاجر، ويعملوا على إرساء قواعد الانسجام المتبادل.

وهكذا فإن الاندماج السليم يحصل عندما يتحقق الاحتفاظ بالهوية الثقافية للبلد الأصلي، وفي الوقت نفسه يتبنى المهاجر المعايير الثقافية لبلد الإقامة بطريقة مرنة وإيجابية؛ فيعطي ويأخذ ويتواصل دون ذوبان وانصهار.

إن عملية الاندماج السليم للمهاجر المسلم في بلاد الغرب، تنبع بطريقة عفوية من تفكيره وسلوكه، وذلك عندما تتوفر له الشروط الملائمة؛ وعلى رأسها التواصل الإيجابي المبني على الإيمان بثقافة الآخر.

التوظيف السياسي للإندماج:

إن المطلع على حياة المسلمين العاملين في بلدان أوربا، وما يعانونه من مشاكل اجتماعية ونفسية وسياسية ...، ليدرك للوهلة الأولى أن عملية الاندماج التي دعت إليها  الأوربية وقامت بتنفيذها الجهات المسؤولة، عملية تتصف بالاختزال والارتجال، كما تفتقر إلى الرؤية الإنسانية والموضوعية، تلك الرؤية التي بغيابها يتعذر أو يستحيل التعامل مع المهاجرين من أصول ثقافية ودينية مختلفة إلى درجة التعارض والتقابل مع ثقافة وعقيدة الأوربيين.

إن المسؤولين في بلد الإقامة يجعلون من قبول واستيعاب المهاجر المسلم للمنظومة الثقافية والتربوية والعقدية العلمانية، شرطا أساسيا للاندماج، في حين يرفضون كل ما يرتبط بهوية ذلك المهاجر وخصوصياته.

إن الناظر في الخطاب السياسي المهيمن في الغرب، يُدرك أن بقاء المسلمين في الدول الغربية، غير مرهون فحسب بتوفرهم على وضعية قانونية صحيحة، أو نيلهم لجنسية البلد الذي يوجدون فيه، أو حتى انتمائهم إليه بالولادة والتربية والتمدرس ونحو ذلك، ولكن مرهون بما هو أهم من ذلك كله، وهو وجوب انخراطهم في الحياة العامة الغربية، ثقافيا ولغويا واجتماعيا واقتصاديا وأخلاقيا وغير ذلك، على أن يكون هذا الانخراط مسايرا، بل ومندرجا في بوتقة المجتمع الغربي، قلبا وقالبا، تفكيرا وسلوكا، وبعيدا عن أي تصارع مع أخلاق وتقاليد الغربيين، ولو أنها تهدد المسلمين المغتربين في هويتهم الدينية والثقافية، وفي تربية أبنائهم وتوجيههم، مما يضعهم أمام نارين؛ نار الولاء للآخر، ونار التمسك بالهوية الأصلية. وسعيا إلى تنفيذ هذا المبتغى، الذي يطلق عليه في الأدبيات الغربية سياسة الاندماج، تم حشد شتى الإمكانيات القانونية والمادية والدعائية، التي وظفتها العديد من الدول الغربية في شكل مشاريع عدة، تأتلف حول أهداف موحدة، وتكلفت مختلف الأجهزة بتطبيق ذلك وتعميمه على كل الأجانب الموجودين بين ظهرانيها، من وزارات وأحزاب ومؤسسات تعليمية وجمعيات وشركات وغير ذلك، وعندما تمعن النظر في هذا الاهتمام اللافت لهذه القضية، تشعر وكأنك لست أمام سياسة الاندماج، وإنما أمام ثورة الاندماج، مادام أن أولئك المشرفين على ملفات هذه القضية، تفهم من خطابهم وكأن لا خيار للأجانب والمسلمين إلا الاندماج في المجتمعات الغربية، وأن رضى الغرب عليهم لا يأتي إلا من بوابة اندماجهم وفق رؤيته الفكرية والتنظيرية، وإلا فإنهم سوف يحشرون لا محالة في خانة الخوارج الجدد!

يقول الكاتب المغربي التيجاني بولعواني:

"إن سياسة الاندماج، التي حاولت أغلب البلدان الأوروبية المستقطبة للمهاجرين، بواسطتها أن تدمج المسلمين والأجانب داخل مجتمعاتها، وتجعلهم ينخرطون في الحياة العامة بشكل منفتح وتلقائي وإيجابي، حتى أضحت تعادل ذلك الحلم الذي يراودها، ما دامت ترى في تنفيذ تلك السياسة و تحقيق أهدافها المبرمجة، حلا سحريا لجملة من الإشكالات الناتجة عن الوجود الإسلامي والأجنبي بالغرب، لكن هذه السياسة التي تبدو وكأنها سوف تجلب النفع والخير العميم للجميع؛ سلطة وشعبا، أصليين وأجانب، أوروبيين ومسلمين... قوبلت بالرفض أو التحفظ من قبل العديد من المسلمين، سواء كانوا مثقفين أم عاديين، لأنها تخفي غير ما تعلنه، وتبطن غير ما تعد به من أهداف ومشاريع، فهي تنبني على أسلوب الاحتواء الذي يسعى إلى تذويب المسلمين في أتون الثقافة الغربية، لأن ذلك الإدماج الذي يتراءى نافعا وإيجابيا، سرعان ما يتبدد نفعه وإيجابيته، لما لا ينفك يبلع هوية الآخر وخصوصياته الحضارية والدينية."[1]

إن سياسة الاندماج تظل مجرد خطاب سياسي وايديولوجي بعيد عن الممارسة اليومية، والتي تكشف الصراع بين مخططات الإذابة من جهة، والمقاومة التي تظهر في سلوك المهاجر المسلم بأشكال مختلفة من جهة أخرى، مما يحول العلاقة بين هذا المهاجر والبلد المحتضن إلى صدام يفرز مشاكل وأزمات كثيرة.

والحقيقة أن اللفظ المناسب للمعنى السياسي المطبق لعملية الاندماج هو الإدماج. ذلك أن الخطاب السياسي الموجه إلى المهاجرين المسلمين، لا يدعوهم إلى الاندماج، وإنما يسعى إلى دمجهم دمجا قسريا. وهذا هو الأمر الواقع والحقيقة الجلية، كما أن له علاقة وطيدة وبنيوية بما يسمى : "مركزية الثقافة الغربية"، تلك الثقافة التي لا تعترف بما سواها من الثقافات، بل ترغمها على الذوبان والانصهار في بوتقتها.

 

[1] - التيجاني بولعواني: "المسلمون في الغرب بين تناقضات الواقع وتحديات المستقبل"، افريقيا الشرق، الدار البيضاء المغرب،

2010، ص 69.

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. جمادى الثانية 1436. مارس 2015.

 

عبادة النفس عند غلاة الصوفية

0

sofiya


مما لا شك فيه أن التصوف يعتبر جزءا لا يتجزأ من الفكر الإسلامي قديما وحديثا، كما أنه مر تاريخيا بمراحل ثلاث؛ مرحلة الزهد والتعبد والصفاء، فمرحلة التفلسف، ثم أخيرا مرحلة الطرقية. ولم تخل هاتان المرحلتان الأخيرتان من ظهور بعض الشيوخ الصوفية الذين مزجوا كلامهم وشطحاتهم بأفكار فلسفية.

وقد يطغي الشعور الذاتي عند المتصوف، ويتضخم عنده الإحساس بالأنا الصوفي، فيعكف على نفسه مناجيا ومتأملا إياها.ومن الصوفية من يبلغ برياضته الروحية ومجاهداته مرتبة الفناء عن العالم والاستغراق في الألوهية ؟ مما جعلهم يقعون فيما يسمونه بالعشق الإلهي، حيث يظنون أنهم قد التصقوا بالذات الإلهية أو حلوا فيها أو اتحدوا بها. بل منهم من أفضى به حاله إلى أن يرى نفسه فقط ولا يرى شيئا غيرها. وفيما يلي، سأعرض بعض النصوص الصوفية الدالة على أن كثيرا من أرباب التصوف كانوا يعبدون أنفسهم وذواتهم وهم يحسبون أنهم يعبدون ربهم.

قال الحسين بن منصور الحلاج الصوفي الحلولي مخاطبا ربه عز وجل:

مزجت روحك بروحي كما    تمزج الخمرة بالماء الزلال

وقال: أنا من أهوى ومن أهوى أنا   نحن روحان حللنا بدنا

وقال محي الدين بن عربي في كتابه "الإسرا إلى مقام الأسرى"، مدعيا أن الله عز وجل يخاطبه:

"أنت كيميائي، وأنت سيميائي، أنت إكسير القلوب، وحياض رياض الغيوب، بك تنقلب الأعيان أيها الإنسان، أنت الذي أردت، وأنت الذي اعتقدت : ربك فيك إليك ومبعودك بين عينيك، ومعارفك مردودة عليك، ما عرفت سواك، ولا ناجيت إلا إياك"[1].(!!!)

وقال في أشعاره الصوفية:

فلولاه ولـولانــا               لما كان الذي كانــا

فإنـا أعبـد حقـا               وإن الله مولانــــا

وإنــا عينه فاعلم             إذا قلـت إنسانـــا

......

فأعطيناه ما يبــدو            بـه فينا وأعطانـــا

فصار الأمر مقسوما                 بإيـاه وإيــــانـا[2]

 

ويقول عمر بن الفارض متحدثا عن الذات الإلهية:

ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها          وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلـت

.........

ولولاي لم يجد وجود ولم يكــن              شهود، ولم تعهد عهود بذمـة

فلا حي إلا من حياتي حياتـــه               وطوع مرادي كل نفس مريدة !!

..........

وكل الجهات الست نحوي توجهت                  بما تم من نسك وحج وعمرة

لها صلـواتي بالمقام، أقيمـــها                وأشهــد فيها أنها لي صلت[3] !!

 

وقال عبد الكريم الجيلي في الموضوع نفسه:

فمهما ترى من معـدن ونباتـه               وحيوانه مع انسه وسجـــاياه

ومهما ترى من أبحر وقفــاره               ومن شجر أو شاهق طال أعلاه

ومهما تـرى من هيئة ملكيـة         ومن منظر إبليس قد كان معناه

ومهما ترى من عرشه ومحيطه             وكرسيه أو رفرف عز مجـلاه

فإني ذاك الكل والكل مشهـدي               أنا المتجـلي في حقيقته لا هـو !!!

وإني رب للأنــام وســيد             جميع الورى اسم وذاتي مسماه[4] !!!

وقال الشيخ الصوفي محمد الحراق المغربي التطواني في "تائيته":

أتطلب ليلى وهي فيك تجلت

وتحسبها غيرا وغيرك ليست !!

فذا بله في علة الحب ظاهر

فكن فطنا فالغير عين القطيعة

............

كلفت بها حتى فنيت بحبها

فلو أقسمت أني إياها لبرت

فحملت بها عني فلم أر غيرها

وهمت بها وجدا بأول نظرة

ولم أزل مستطلعا شمس وجهها

إلى أن تراءت من مطالع صورتي !!

.........

وأصبحت معشوقا وقد كنت عاشقا

لأن ظهوري صار أعظم زلتي

.........

ولي مقعد التنزيه عن كل حادث

ولي حضرة التجريد عن كل شركة

جلست بكرسي التفرد فاستوى

من الله عرش لي على ماء قدرتي

وقال في قصيدة أخرى:

كنت ما بيني وبيني

غائبا عني بأينــي

والذي أهواه حقا

لم يزل ذاتي وعيني

فانظروني تبصروه

إنه والله إنــــي.

إن قول ابن الفارض:

ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها          وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلـت

يفيد الإمعان والإغراق في الحلول ووحدة الوجود، إذ هو لم يكتف بإثبات هذا الشعور في حال أو مستوى "المحو"؛ الذي هو امحاء الكثرة والغيرية، وفناء السوية، وتجلي الوحدة المطلقة، حيث الخلق عين الحق والمربوب عين الرب، وإنما أكده، بكل استعلاء، حتى في حال "الصحو"؛ فذاته هي ذات خالقه سواء كان حاله محوا أو صحوا. كما يأبى هذا الضال، وهو في نشوة الاستعلاء والتيه والتكبر، أن يثبت لربه ذاتا إذ يقول:

وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلـت

فلم يقل: وذاتي بذاته أو ذاته بذاتي، وإنما قال، ليحكم بالعدم الصوفي على رب الوجود،: وذاتي بذاتي؛ فليس ثمة إلا ذاته.

لا يخفى على الناقد المتأمل في هذه الأبيات الشعرية الصوفية أن أصحابها قد حصل لديهم ما يمكن أن نعبر عنه بتضخم الأنا الصوفي؛ ذلك الإحساس الذي قذف ببعضهم في الحلول أو في وحدة الوجود أو الاتحاد، أو في إنكار الذات الإلهية وإثبات الذات الصوفية؛ كما هو واضح وصريح في أشعار عبد الكريم الجيلي. قال محمد بن قيم الجوزية في كتابه "مدارج السالكين":

سمعت بعض الشيوخ يقول: "لو أن شخصين ادعيا محبة محبوب فحضرا بين يديه فأقبل أحدهما على مشاهدته والنظر إليه فقط وأقبل الآخر على استقراء مراداته ومراضيه وأوامره ليمتثلها فقال لهما : ما تريدان فقال أحدهما : أريد دوام مشاهدتك والاستغراق في جمالك وقال الآخر : أريد تنفيذ أوامرك وتحصيل مراضيك فمرادي منك ما تريده أنت مني لا ما أريده أنا منك. والآخر قال : مرادي منك تمتعي بمشاهدتك. أكانا عنده سواء؟
فمن هو الآن صاحب المحبة المعلولة المدخولة الناقصة النفسانية وصاحب المحبة الصحيحة الصادقة الكاملة أهذا أم هذا ؟  وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يحكى عن بعض العارفين أنه قال : الناس يعبدون الله والصوفية يعبدون أنفسهم
أراد هذا المعنى المتقدم وأنهم واقفون مع مرادهم من الله لا مع مراد الله منهم. وهذا عين عبادة النفس فليتأمل اللبيب هذا الموضع حق التأمل فإنه محك وميزان والله المستعان"[5]

نعم لقد صدق هذا الشيخ في قوله: "والصوفية يعبدون أنفسهم"، وما أظنه يقصد الصوفية جميعا، وإنما يشير إلى تلك الفئة التي عبرت من خلال كلامها وأشعارها عن المشاهد الانفعالية والوجدانية الناتجة عما يسمونه بالعشق  الإلهي الذي قاد أصحاب هذه الفئة  إلى الوقوع في الاتحاد أو الحلول أو وحدة الوجود؛ حيث يظن الصوفي العاشق، بعد تضخم الأنا الصوفي لديه، أنه ملتصق بالذات الإلهية أو أنه أصبح وإياها ذاتا واحدة. وهذا التصور المنحرف لا يجافي الفكر والفطرة الإنسانية فحسب، بل يتناقض مع العقيدة الإسلامية الصحيحة القائمة على التوحيد وألوهية الخالق وعبودية العبد.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. جمادى الثانية 1436 مارس 2014.

 

 

[1] - ابن عربي : "الإسرا إلى مقام الأسرى، أو كتاب المعراج"، بيروت 1988، ص 168.

[2] - المرجع نفسه، ص 143.

[3] - انظر "تائية" ابن الفارض.

[4] - انظر "الإنسان الكامل" عبد الكريم الجيلي.

[5] -  محمد بن قيم الجوزية: "مدارج السالكين"  ج 2  ص 289  دار الجيل بيروت  د.ت

رصاص العنصرية

0

رصاص العنصرية


لعل أول ما يعانيه المسلم المهاجر في بلاد الغرب؛ آلام وآثار العنصرية، إذ يلمسها في نظرات الغربيين وقسمات وجوههم منذ اللحظات الأولى التي تطأ فيها أقدامه بلاد المهجر. إن سهامها المسمومة تخترق كيانه وتحدث فيه، مع الزمن، تصدعا خطيرا مما يؤدي إلى الشعور بالمهانة والذلة، وربما بشيء من العدمية. هذه العنصرية البغيضة تطارده وتلاحقه أينما حل وارتحل؛ في الشوارع والأزقة، داخل حافلات  النقل، في الأسواق والمتاجر والمقاهي، في الحدائق والأماكن العمومية، في الإدارات... وفي ميدان عمله، ولا يتخلص منها مؤقتا إلا في بيته.

ولا يخفى على ذي عقل أن أصول هذه العنصرية متجذرة في الثقافة الغربية المسؤولة عن إفراز بعض الفرضيات الاستشراقية  والأنتربولوجية التي تعلي من شأن العرق الآري والإنسان الأوربي الأبيض. كما استطاع الرجل الغربي من خلال الاستعمار والتغريب ثم العولمة، أن يصنع من ذاته الإنسان النموذجي والمركزي؛ سيد الأرض وصاحب الرسالة الحضارية، وأن على الشعوب والأجناس الأخرى أن تخضع لمنطقه وتسعى للتشبه به وتقليده.

ثم إن المسلم المهاجر في بلاد الغرب أكثر اكتواء بلظى العنصرية من غيره من المهاجرين من ذوي الأجناس والثقافات والديانات الأخرى، وذلك  راجع إلى عوامل تاريخية ودينية معروفة.

ولا زال موضوع العنصرية  يشكل محور كثير من الدراسات واللقاءات والندوات العلمية في بلاد الغرب، وذلك قصد علاج هذه الظاهرة الاجتماعية، أو التخفيف على الأقل من وطأتها، لكن دون جدوى.

وتتجلى وحشية العنصرية عندما يقدم بعض ممارسيها على اقتراف جريمة القتل؛ حيث يمسي كثير من المهاجرين المغاربيين هدفا للرصاص العنصري الغادر، أو لطعنات السلاح الأبيض. وقلما يمر أسبوع  دون وقوع جريمة قتل في صفوف المهاجرين المسلمين في بلدان أوربا. إلا أن هذه الجرائم تزداد أثناء الأزمات الاقتصادية والسياسية. وهذا ما حصل سنة 1974 بسبب الأزمة الاقتصادية المرتبطة بارتفاع أسعار البترول العربي، أو بعد الثورة الإيرانية (1979)؛ حيث نشطت بعض الحركات الإسلامية في أوربا مما أدى إلى ردود فعل لها علاقة بما يسمى: الإسلاموفوبيا. وكذلك ما سمي بتفجيرات القاعدة، وأيضا مضاعفات وانعكاسات أحداث 11 شتمبر 2001..... وأخيرا مضاعفات واقعة "شارل إيبدو" بفرنسا. بالإضافة إلى الأحزاب السياسية اليمينية في أوربا التي تغذي روح العنصرية والعداء للمهاجرين المسلمين.

وخلال السنوات الثمانية (في عقد الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي)،  التي قضيتها في باريس من أجل الدراسة، كنت أهتم بالموضوعات المتعلقة  بالعنصرية، لا سيما أن هذا الموضوع  كان يشكل محورا من محاور أطروحتي حول المهاجرين المغاربة في باريس وضواحيها. وما أكثر الاعتداءات التي تعرض لها هؤلاء في تلك الفترة. وأكثرها تأثيرا في نفسي ذلك الاعتداء الذي ذهب ضحيته طالب مغربي في سن التاسعة عشرة من عمره. وقد حضرت جنازته في جمع غفير من المهاجرين. وورد في مجلة فرنسية [1]"أن هذا الشاب المغربي هو القتيل الثالث عشر في سلسلة القتلى المهاجرين المغاربة خلال سنة 1982".

وعن سبب موت هذا الطالب المغربي، أخبرني بعض من حضر الجنازة أن مواطنا فرنسيا أطل من نافدة  شقته وفتح النار على مجموعة من المراهقين المغاربيين الذين أزعجوه بصياحهم، فأصابت رصاصته الطالب المذكور رحمه الله.

نعم إن كثيرا من الشباب المغاربيين يتعاطون هناك المخدرات ويمارسون بعض الجرائم ولا يحترمون القوانين المدنية.... لكن هذا لا  يبرر الاعتداء عليهم بهذه الوحشية.

إن سياسة الإدماج المتبعة في فرنسا لا تراعي الخصوصيات الثقافية والدينية لهؤلاء المهاجرين، كما أن المسؤولين يتجاهلون المشاكل الاجتماعية والتربوية المتعلقة بأبناء أولئك التعساء الغرباء، مما يؤدي إلى تفاقم المشاكل والأزمات الاجتماعية والنفسية في صفوف المهاجرين المغاربيين وأبنائهم.

ولا يخفى على الباحثين في موضوع  الهجرة أن عدد المغاربيين الذين قتلوا على يد العنصريين خلال العقود الأخيرة، يقدر بالمئات، ورغم ذلك فإن هذه الظاهرة اللإنسانية لا تقلق بال المسؤولين سواء في أوربا أو في المغرب العربي، لأن الأمر يتعلق بأشخاص لا  قيمة لهم على المستوى الاجتماعي والسياسي...إنهم ينتمون إلى الطبقة الكادحة المهمشة؛ طبقة التعساء الأشقياء. لقد هجروا بلدانهم إلى أوربا بحثا عن الغنى، فكان نصيب معظمهم التعاسة والشقاء إلا من رحم الله. ولأن يعيش المسلم آمنا في بلده غير مستهدف ولا مهان ولو كان فقيرا، خير له من أن يحيا في بلاد النصارى مهانا محتقرا ومهددا، لا يعرف الأمن والطمأنينة.

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، جمادى الأولى 1436. فبراير 2015. تطوان المغرب.    

 

-

 

- [1]  "Le Nouvel Observateur » , No 941, nov. 1982 ; Paris France ;-

الفتح الإسلامي بالقرآن

0


لقد أتى على أوربا دهر كانت فيه القراءة والكتابة حكرا على أصحاب الكنيسة والحكام ومن في حاشيتهما. بل إن الاشتغال بالعلوم كان محرما باستثناء علم اللاهوت الذي هو من اختصاص القساوسة والرهبان.

وتاريخ الصراع بين دهاقنة الكنيسة والعلماء الأحرار المتمردين، تاريخ ملئ بالمآسي والمصائب؛ حيث ملئت السجون بكل من سولت له نفسه نشر أفكار أونظريات علمية لا ترضى الكنيسة عنها. وكثير من هؤلاء العلماء قتلوا أو عذبوا حتى الموت.

وعندما كانت الشعوب المسيحية تتخبط في ظلمات الجهل، كانت رايات العلم والمعرفة تخفق عالية في سماء البلاد الإسلامية وعلى ربوعها؛ من المشرق إلى المغرب والأندلس. ولقد ظلت الكنيسة قرونا طويلة وهي تحكم قبضتها على رعاياها المقهورين، وتمنع نور الحضارة الإسلامية من أن يتسرب إلى بلدانها، إلى أن بزغ ما سمي بحركة النهضة الأوربية التي استلهمت التراث اليوناني الأدبي والفلسفي، والتراث العلمي الإسلامي المترجم بعد استرجاع المسيحيين لصقلية والنصف الشمالي للأندلس؛ حيث طفقت مراكز الترجمة ونقل العلوم الإسلامية، تتأسس وتنتشر في كثير من المدن المسترجعة.

وكان القرآن الكريم من بين الكتب التي ترجمت إلى اللغة اللاتينية، إلا أن ترجمته لم تكن تخلو من التحريف المقصود، فضلا عن أن كل الترجمات كانت تزعم أن نبينا محمدا صلوات الله وسلامه عليه، هو الذي كتب القرآن، وذلك قصد الحيلولة دون إعجاب المسيحيين بالإسلام أو تصديقه.

وقد قام المستشرقون الأوربيون طوال أربعة قرون أو  أكثر، بأعمال الترجمة والبحث والتنقيب في كتب ومخطوطات التراث الإسلامي، بغية تشويه حقائق الإسلام الساطعة، وهم يخدمون بذلك سياسة الكنيسة الرامية إلى صد المسيحيين عن الإسلام.

لكن مع بداية عصر الاستعمار واحتكاك المستعمرين الاوربيين بالمسلمين واطلاعهم على عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم، بالإضافة إلى تراجع نفود الكنيسة وسلطانها لصالح العلم والعلمانية والحرية، بدأت الرؤية تتغير؛ حيث تبين لكثير من الغربيين أن الإسلام الذي اطلعوا عليه واحتكوا بأهله غير الإسلام الذي حدثتهم عنه الكنيسة خلال قرون من الزمن. بل إن بعضهم لم يخف  إعجابه بحضارة المسلمين وما قامت به من جهود في نشر العلم والمعرفة. وهكذا بدأت حقيقة الإسلام الناصعة تستولي على قلوب الباحثين الأوربيين، فأسلم كثير من العلماء والمستشرقين وغيرهم.

وبعد نهاية فترة الاستعمار وبداية هجرة المسلمين للعمل في أوربا، ازدادت معرفة الأوربيين بالإسلام من خلال احتكاكهم بالجاليات المسلمة وتفاعلهم معها. ثم أعقب ذلك أحداث الصحوة الإسلامية والثورة الإيرانية، وغيرها من الأحداث التي جعلت من الإسلام الحدث الثقافي والديني والسياسي الأكثر هيمنة على الإعلام وتحديا للثقافة الغربية.

ومن باب المعرفة وحب الاستطلاع، أو بحثا عن علاج للقلق والفراغ الروحي، وجد كثير من الغربيين أيضا ضالتهم في الإسلام وشرعوا يدخلون فيه أفواجا أفواجا.

هذا وإذا كان الفتح الإسلامي قديما، قد توقف عند حدود فرنسا والنمسا، فإن الفتح الإسلامي الجديد يشق الآن طريقة في البلدان الغربية المسيحية بالقرآن. إن هذا القرآن العظيم بدأ يقتحم قلوب وبيوت المسيحيين، ويتحداهم بقوته وعظمته وإعجازه. وما هي إلا عقود قليلة حتى يفرح المسلمون إن شاء الله، شرقا وغرب، بالفتح الإسلامي القرآني للبلاد الغربية.

وبالمناسبة أستشهد ببعض النصوص وردت في مقالين نشرا في موقعين إلكترونيين. جاء في الموقع الأول: "مفكرة الإسلام" تحت عنوان :

المصاحف والورود في باريس لمواجهة "الإسلاموفوبيا"

 الثلاثاء 27 يناير 2015

مفكره الإسلام: بدأت في العاصمة الفرنسية باريس حملة لتوزيع مصاحف القرآن الكريم المترجمة إلى الفرنسية والورود على المارة لمواجهة تصاعد موجة الإسلاموفوبيا في فرنسا منذ الاعتداء على أسبوعية "شارلي إبدو" الساخرة.

وفي موقعها على الإنترنت، أعلنت جمعية "اقرأ" الإسلامية التي تتخذ من المانيا مقرا لها أن مشروعها لتوزيع المصاحف المجانية المترجمة "شجع العديد على اعتناق الدين الإسلامي، واليوم نهدف إلى ايصال رسالة القرآن إلى أكبر عدد من الفرنسيين" في ساحة "ايطاليا" بالدائرة 13 بباريس.

ونقلت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية عن موقع "التحول إلى الإسلام" تغريدة تقول "الله أكبر ..تشهد ساحة إيطاليا بباريس حملة توزيع مصاحف مجانية مترجمة تقوم بها جمعية اقرأ".

ونشر الموقع صورة لنحو 10 ملتحين يقفون خلف طاولة وضع عليها مصاحف يقومون بتوزيعها مجانا، بالإضافة إلى بعض الورود على المارة.

كما نقلت "لوفيغارو" عن متحدث باسم جمعية اقرأ قوله: "في هذه الساحة ومنذ أسبوع مرت مظاهرات ضخمة نرد عليها بأجمل هدية ممكن أن يتلقاها انسان وهي كلام الله"، في اشارة إلى المظاهرات الضخمة التي خرج فيها آلاف الفرنسيين تضامنا مع ضحايا "شارلي ابدو" الذين سقطوا في هجوم الشهر الجاري، على خلفية نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد.

وعن رأية في حملة توزيع المصاحف في ساحة "ايطاليا"على الفرنسيين، (والتي لم تتحدد مدتها)، قال عمدة الدائرة 13 في باريس "جيروم كوميه" : "علمانية دولتنا لا تمنع توزيع المصاحف، هناك أصحاب ديانات أخرى وطوائف يروج أعضاؤها للانضمام اليها في الشوارع عن طريق المطبوعات، كما تقوم الكنيسة في الدائرة 13 بمسيرات تبشيرية على مدى أعوام سابقة وهناك صلوات تقام في الشوارع".

"اقرأ" تمكنت منذ عام 2011 من توزيع أكثر من 1.6 مليون نسخة من القرآن باللغة الألمانية في ألمانيا وحدها.

ودشن أبو ناجي جمعية "اقرأ" في المانيا عام 2011 بهدف توزيع القرآن المترجم إلى الألمانية ولغات أخرى على غير المسلمين.

ولقى المشروع إقبالا كبيرا حتى بدأ يتوسع خارج ألمانيا بلغات أخرى في إسبانيا والنمسا وروسيا وأوكرانيا وتأمل الحملة في الوصول إلى دول أخرى.

ويقوم المشروع في أغلبه على التبرعات وتدعو الجمعية الراغبين في المساهمة لإنجاح مشروعها بتنظيم كشك لتوزيع القرآن المترجم أو بالتبرع بالمال لطبع نسخ جديدة للتوزيع.

وجاء في الموقع الإلكتروني الثاني "هسبريس" 30 يناير 2015 تحت عنوان:

"إقبال فرنسي كبير على المصاحف بعد استهداف شارلي إيبدو"

"في الوقت الذي كان فيه الملايين من قراء أسبوعية "شارلي إيبدو" يتدافعون لشراء نسخ عددها الجديد الذي أعقب صدورها ما تعرض لهه مقرها من هجوم إرهابي أودى بمنتمين لطاقمها، شهدت المكتبات الباريسية، على الخصوص، ارتفاعا في عدد نسخ المصاحف التي باعتها خلال الأسبوع الذي أعقب ذات الحادث الدامي.

وفي تصريح لإذاعة فرنسا الثقافية قال المسؤول عن رواق كتب الديانات بمكتبة "La procure" الباريسية إن "جميع النسخ التي كانت تتوفر عليها المكتبة من المصاحف قد نفذت خلال أسبوعين فقط من الهجوم على مجلة شارلي إيبدو".

ولم يقتصر الأمر على هذه المكتبة الباريسية لوحدها بل إن جريدة "ليكسبريس" الفرنسية نقلت تصريحا عن المسؤول عن رواق العلوم الإنسانية والديانات في المركز التجاري "فناك" في باريس، والذي أكد بدوره أن الكتب التي تتحدث عن الثقافية العربية والإسلامية، والجهاد والعنصرية "تعرف إقبالا كبيرا".. ونفس المتحدث قال إن "الكتب المرتبطة بالإسلام تم بيعها بالكامل بعد يوم واحد من الهجوم على مجلة شارلي، ومازال الأمر مستمرا إلى حدود الآن"، أما عن الكتب التي عرفت إقبالا متزايدا في الترويج تقترن بنسخ المصاحف ثم كتب المفكر الإسلامي طارق رمضان.

ولفت المسؤول عن رواق العلوم الإنسانية والديانات في المركز التجاري المذكور أن الزبناء الذين يقبلون على شراء المصاحف أو الكتب المقترنة بالإسلام "ليسوا بالضرورة أشخاصا متدينين بقدر ما يظهر أنهم ينتمون لأوساط مختلفة"، وزاد نفس المتحدث أن فئة الشباب هي الأكثر إقبالا على الكتب الدينية.

مكتبات في مدينة مارسيليا عرفت هي الأخرى ذات الظاهرة، حيث أكدت المسؤولة عن الكتب الدينية في المركز التجاري "فناك" بذات الحاضرة أن "الزبناء أصبحوا يسألون كثيرا عن المصاحف والكتب التي تفسر مضامينها"، مشيرة إلى أن البعض منهم لم يكن يهتم بالامر سابقا "لكن أحداث باريس ساهمت في تزايد الاهتمام بالإسلام".

وقد يكفي ما ورد في هذين المقالين دليلا على أن الوحي القرآني سيتجذر في أعماق القارة العجوز، وسيسري في عروق ودماء أهلها المتعطشين إلى الهداية والأمن والسكينة. "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعملون" (يوسف 21).

 

 

 

د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة، ربيع الثاني 1436- فبراير 2015.

شرف الإصلاح

0


إن موقع الصالحين والمصلحين في المجتمع شبيه إلى حد ما بموقع الجبال بالنسبة للأرض. فكما أن كوكبنا لا يستقر بغير الجبال "ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا" (النبأ 6-7)، فكذلك المجتمع، عند خلوه من الصالحين والمصلحين، يعتريه الاضطراب والفساد والظلم، ثم الخراب.

وإذا كانت منزلة الصالحين عظيمة الشأن، من حيث أن الله سبحانه وتعالى قد أثنى على كثير من أنبيائه واصفا إياهم بالصلاح، فإن هذه المنزلة تزداد سموا ورفعة عندما يجمع الإنسان بين الصلاح والإصلاح.

والمجتمع المسلم ، على كل حال، ينبغي أن يكثر فيه الصالحون والمصلحون، كي تحصل فيه الطهارة المادية والمعنوية، وتنتشر الفضائل ويعم العدل والخير والصلاح.

والإصلاح الذي لا ينطلق من إطار ديني صحيح لا يبلغ الهدف المنشود، ولا ينفع الإنسان بل قد يجلب له الويلات والمصائب. ومن هنا ضل الفلاسفة وأصحاب العقول المادية على مر العصور وهم يضعون الخطط  والبرامج المتعلقة بالإصلاح. ذلك أن كل فيلسوف أو صاحب فكر وضعي، ينظر إلى موضوع  الإصلاح من زاوية معينة، ويغفل عن جوانب كثيرة ذات أهمية قصوى. فالمدينة الفاضلة التي تصورها الفيلسوف اليوناني أفلاطون، كمثال في رأيه للمجتمع الانساني الفاضل، لم تتحقق ولم تر النور. والمجتمع الشيوعي الذي  نظر له ودعا إليه كارل ماركس، لم يكتب له العيش إلا بضعة عقود في روسيا وبعض البلدان، وذلك بعد استعمال السلطة الحاكمة كل أنواع الدكتاتورية والبطش والارهاب. ناهيك عن الدول الغربية المعاصرة التي تزعم الإصلاح والعدل من خلال أنظمتها الديمقراطية، في حين أنها تعاني من الأزمات والمشاكل النفسية والاجتماعية التي استعصى علاجها على الفلاسفة والمفكرين الغربيين، كما أنها استعمرت بلدان ما يسمى بالعالم الثالث ردحا من الزمن مع الاستعباد والاستغلال. وهي الآن تمارس الإرهاب على المسلمين بشكل واضح ورهيب.

ومعظم مشاريع الإصلاح التي نادت بها النخب السياسية في العالم الإسلامي بعد الاستقلال السياسي، آلت إلى الإخفاق والفشل الذريع بسبب  تبعيتها للأنظمة والسياسات الغربية.ولن يصلح الناس إلا خالقهم سبحانه عز وجل، وذلك اعتمادا على الكتاب والسنة  واجتهاد الفقهاء والعلماء.

إن مقياس الخير في الأمة مرتبط بوجود المصلحين؛ قال تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" (الأعراف 157). وكلما نقص المصلحون نقص الخير، إلى أن يفنى بفنائهم، حينئذ يعم الله المجتمع بعقاب من عنده؛ قال تعالى: "وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" (هود 117). مما يستفاد من هذه الآية أن الله يحفظ الأمة ولا يهلكها بوجود المصلحين. ولو وجد الصالحون لكنهم غير مصلحين، ووجد الظلم الفاحش لتعرضوا مع مجتمعهم للإبتلاء أو العقاب من الله سبحانه.

والدولة المسلمة العادلة لا تثبت وتدوم إلى بتمكينها للمصلحين وعدم إذايتهم؛ قال تعالى: "الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا  الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" (الحج 41).

وعلى المصلح وهو يفكر في الإصلاح أو يمارسه، أن يتسلح بالعلم والإيمان واليقين والصبر،  ويستعين بالحكمة والتدرج ومراعاة سلم الأولويات. وأن يتفرغ لوظيفته بالكلية، مقتديا في ذلك بالأنبياء والرسل الذين تفرغوا لرسالاتهم.

ومن هنا فإن المصلح الذي يروم الوصول بعمله الإصلاحي إلى الغاية المثلى، عليه أن يخفف عن قلبه أحمال الدنيا مما ليس ضروريا، لأن قلب المصلح إذا كان منشغلا بفضول الدنيا ومباحاتها منعه ذلك من ممارسة عمله وأداء رسالته. فلا بد أن يذهب شيء من لذة الدنيا ضريبة لرسالة الحق. والمصلح الفطن هو من يترك الدنيا قبل أن تتركه. وكم من مصلح انتكس في بداية الطريق بسبب حظ من حظوظ الدنيا شق عليه أن يرغب عنه أو يزهد فيه.

"أيها المصلح... إن الله أراد أن يحفظ  دينه بك، لا أن يحفظ  دنياك بدينه. فإن ضاع شيء من دنياك في سبيل دينك فهذا هو عقدك مع ربك، فقد اشترى نفسك منك؛ "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" (التوبة 111).

فالهمّة العالية هي التي تصل إلى الهدف المرجو ، وبدونها يستحيل تحقيق الغايات. ومن أبرز خصائص الشخص المؤثر الجذاب ، اللطف والخلق الرفيع ، ولاشك ان الشخص السيئ الخلق فرد منفرد إلى أبعد الحدود ، وما هو من  الصالحين فضلاً عن أن يكون من المصلحين ، ومن هنا فقد أكدت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أهمية الإلتزام بالسلوك الجذاب الموصوف بالألفة، وعلى تجنب السلوك والتصرف المنفِّر، قال تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (آل عمران:159 ). وقال أيضا "وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ { فصلت:34).

وهكذا بحسب عظمة الغاية في النفس يستسهل الطريق. فهناك أشخاص تؤثر فيهم الابتلاءات اليسيرة فيتراجعوا. وهناك آخرون يثبتون على المشاق العظيمة.

ورغم أن للباطل جولات ثم يضمحل ويفنى، فإن انتشاره واستفحاله يخلف نوعا من اليأس والإحباط في نفوس المسلمين، فتضعف أو تموت في قلوبهم نية الإصلاح. بل  كثير منهم يلزمون الصمت مع القدرة على الكلام والبيان، وهو خطأ جسيم تترتب عنه نتائج وخيمة. ذلك أن كتمان الحق عند حاجة الناس إليه مع توفر السبيل إلى إظهاره، من أعظم أنواع الظلم.
إن الإصلاح أمر من الله، فضياع أمره يجلب الإنتقام الإلهي، قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمرو حدثني عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه: " لما فتحت قبرص فرّق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت ابا الدرداء جالساً وحده يبكي: فقلت يا ابا الدرداء ما يبكيك في يوم أعزّ الله فيه الاسلام وأهله؟ فقال ويحك يا جبير: ما أهون الخلق على الله عزوجل إذا ضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة لهم الملك، تركوا أجر الله فصاروا إلى ما ترى "

ومن ناحية أخرى فإن كثيرا من المنكرات التي تنتشر في المجتمعات الإسلامية، قد ترسخ أحيانا بتشريعها؛ فقد يشرعها  العالم بفتواه، أو يسكت عنها فيحسب سكوته تشريعا وتسليما. إن العلماء عندما لا يقفون المواقف الشريفة أمام المنكرات المعلنة مع قدرتهم على إنكارها، يكونون بذلك قد خانوا الأمانة، وأسهموا في نشر الباطل والفساد؛ قال تعالى : "لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون" (المائدة 23).

وطريق الإصلاح ليس مفروشا بالزهور وإنما بالأشواك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" . كما أن رسائل الحق تستهدف من قبل الخصوم  من أهل الباطل. لكن بالصبر والثبات ينتصر أهل الحق والإصلاح. قا ل تعالى: "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا" (الأنعام 34). هذا وإن محبة الله لعبده الصالح المصلح تقتضي وجود الخصوم  والأعداء، فلم  يسلم من أذى المخالفين والمعترضين الأنبياء والرسل فكيف بالمصلحين. قال تعالى: "لتبلون  في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا" (آل عمران 186).

وعلى المصلحين أن يعملوا على إتقان فن الإصلاح والبناء، واجتناب التشكي وإلقاء اللوم على الناس، والتغلب على التشاؤم والأفكار المتعلقة بضعف وانقطاع الأمل والرجاء، أو تلك التي تحوم حول كثافة الظلام وعموم البلوى. كما على من تصبو نفسه إلى الإسهام في الإصلاح، أن يجسد القدوة في القول والعمل والسلوك والعطاء  مع  التسلح بالإخلاص والإحسان والصبر والمثابرة والإيثار وإنكار الذات.

د. عبد الله الشارف؛ مكة المكرمة، ربيع الثاني 1436- فبراير 2015.