الفتح الإسلامي بالقرآن

0


لقد أتى على أوربا دهر كانت فيه القراءة والكتابة حكرا على أصحاب الكنيسة والحكام ومن في حاشيتهما. بل إن الاشتغال بالعلوم كان محرما باستثناء علم اللاهوت الذي هو من اختصاص القساوسة والرهبان.

وتاريخ الصراع بين دهاقنة الكنيسة والعلماء الأحرار المتمردين، تاريخ ملئ بالمآسي والمصائب؛ حيث ملئت السجون بكل من سولت له نفسه نشر أفكار أونظريات علمية لا ترضى الكنيسة عنها. وكثير من هؤلاء العلماء قتلوا أو عذبوا حتى الموت.

وعندما كانت الشعوب المسيحية تتخبط في ظلمات الجهل، كانت رايات العلم والمعرفة تخفق عالية في سماء البلاد الإسلامية وعلى ربوعها؛ من المشرق إلى المغرب والأندلس. ولقد ظلت الكنيسة قرونا طويلة وهي تحكم قبضتها على رعاياها المقهورين، وتمنع نور الحضارة الإسلامية من أن يتسرب إلى بلدانها، إلى أن بزغ ما سمي بحركة النهضة الأوربية التي استلهمت التراث اليوناني الأدبي والفلسفي، والتراث العلمي الإسلامي المترجم بعد استرجاع المسيحيين لصقلية والنصف الشمالي للأندلس؛ حيث طفقت مراكز الترجمة ونقل العلوم الإسلامية، تتأسس وتنتشر في كثير من المدن المسترجعة.

وكان القرآن الكريم من بين الكتب التي ترجمت إلى اللغة اللاتينية، إلا أن ترجمته لم تكن تخلو من التحريف المقصود، فضلا عن أن كل الترجمات كانت تزعم أن نبينا محمدا صلوات الله وسلامه عليه، هو الذي كتب القرآن، وذلك قصد الحيلولة دون إعجاب المسيحيين بالإسلام أو تصديقه.

وقد قام المستشرقون الأوربيون طوال أربعة قرون أو  أكثر، بأعمال الترجمة والبحث والتنقيب في كتب ومخطوطات التراث الإسلامي، بغية تشويه حقائق الإسلام الساطعة، وهم يخدمون بذلك سياسة الكنيسة الرامية إلى صد المسيحيين عن الإسلام.

لكن مع بداية عصر الاستعمار واحتكاك المستعمرين الاوربيين بالمسلمين واطلاعهم على عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم، بالإضافة إلى تراجع نفود الكنيسة وسلطانها لصالح العلم والعلمانية والحرية، بدأت الرؤية تتغير؛ حيث تبين لكثير من الغربيين أن الإسلام الذي اطلعوا عليه واحتكوا بأهله غير الإسلام الذي حدثتهم عنه الكنيسة خلال قرون من الزمن. بل إن بعضهم لم يخف  إعجابه بحضارة المسلمين وما قامت به من جهود في نشر العلم والمعرفة. وهكذا بدأت حقيقة الإسلام الناصعة تستولي على قلوب الباحثين الأوربيين، فأسلم كثير من العلماء والمستشرقين وغيرهم.

وبعد نهاية فترة الاستعمار وبداية هجرة المسلمين للعمل في أوربا، ازدادت معرفة الأوربيين بالإسلام من خلال احتكاكهم بالجاليات المسلمة وتفاعلهم معها. ثم أعقب ذلك أحداث الصحوة الإسلامية والثورة الإيرانية، وغيرها من الأحداث التي جعلت من الإسلام الحدث الثقافي والديني والسياسي الأكثر هيمنة على الإعلام وتحديا للثقافة الغربية.

ومن باب المعرفة وحب الاستطلاع، أو بحثا عن علاج للقلق والفراغ الروحي، وجد كثير من الغربيين أيضا ضالتهم في الإسلام وشرعوا يدخلون فيه أفواجا أفواجا.

هذا وإذا كان الفتح الإسلامي قديما، قد توقف عند حدود فرنسا والنمسا، فإن الفتح الإسلامي الجديد يشق الآن طريقة في البلدان الغربية المسيحية بالقرآن. إن هذا القرآن العظيم بدأ يقتحم قلوب وبيوت المسيحيين، ويتحداهم بقوته وعظمته وإعجازه. وما هي إلا عقود قليلة حتى يفرح المسلمون إن شاء الله، شرقا وغرب، بالفتح الإسلامي القرآني للبلاد الغربية.

وبالمناسبة أستشهد ببعض النصوص وردت في مقالين نشرا في موقعين إلكترونيين. جاء في الموقع الأول: "مفكرة الإسلام" تحت عنوان :

المصاحف والورود في باريس لمواجهة "الإسلاموفوبيا"

 الثلاثاء 27 يناير 2015

مفكره الإسلام: بدأت في العاصمة الفرنسية باريس حملة لتوزيع مصاحف القرآن الكريم المترجمة إلى الفرنسية والورود على المارة لمواجهة تصاعد موجة الإسلاموفوبيا في فرنسا منذ الاعتداء على أسبوعية "شارلي إبدو" الساخرة.

وفي موقعها على الإنترنت، أعلنت جمعية "اقرأ" الإسلامية التي تتخذ من المانيا مقرا لها أن مشروعها لتوزيع المصاحف المجانية المترجمة "شجع العديد على اعتناق الدين الإسلامي، واليوم نهدف إلى ايصال رسالة القرآن إلى أكبر عدد من الفرنسيين" في ساحة "ايطاليا" بالدائرة 13 بباريس.

ونقلت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية عن موقع "التحول إلى الإسلام" تغريدة تقول "الله أكبر ..تشهد ساحة إيطاليا بباريس حملة توزيع مصاحف مجانية مترجمة تقوم بها جمعية اقرأ".

ونشر الموقع صورة لنحو 10 ملتحين يقفون خلف طاولة وضع عليها مصاحف يقومون بتوزيعها مجانا، بالإضافة إلى بعض الورود على المارة.

كما نقلت "لوفيغارو" عن متحدث باسم جمعية اقرأ قوله: "في هذه الساحة ومنذ أسبوع مرت مظاهرات ضخمة نرد عليها بأجمل هدية ممكن أن يتلقاها انسان وهي كلام الله"، في اشارة إلى المظاهرات الضخمة التي خرج فيها آلاف الفرنسيين تضامنا مع ضحايا "شارلي ابدو" الذين سقطوا في هجوم الشهر الجاري، على خلفية نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد.

وعن رأية في حملة توزيع المصاحف في ساحة "ايطاليا"على الفرنسيين، (والتي لم تتحدد مدتها)، قال عمدة الدائرة 13 في باريس "جيروم كوميه" : "علمانية دولتنا لا تمنع توزيع المصاحف، هناك أصحاب ديانات أخرى وطوائف يروج أعضاؤها للانضمام اليها في الشوارع عن طريق المطبوعات، كما تقوم الكنيسة في الدائرة 13 بمسيرات تبشيرية على مدى أعوام سابقة وهناك صلوات تقام في الشوارع".

"اقرأ" تمكنت منذ عام 2011 من توزيع أكثر من 1.6 مليون نسخة من القرآن باللغة الألمانية في ألمانيا وحدها.

ودشن أبو ناجي جمعية "اقرأ" في المانيا عام 2011 بهدف توزيع القرآن المترجم إلى الألمانية ولغات أخرى على غير المسلمين.

ولقى المشروع إقبالا كبيرا حتى بدأ يتوسع خارج ألمانيا بلغات أخرى في إسبانيا والنمسا وروسيا وأوكرانيا وتأمل الحملة في الوصول إلى دول أخرى.

ويقوم المشروع في أغلبه على التبرعات وتدعو الجمعية الراغبين في المساهمة لإنجاح مشروعها بتنظيم كشك لتوزيع القرآن المترجم أو بالتبرع بالمال لطبع نسخ جديدة للتوزيع.

وجاء في الموقع الإلكتروني الثاني "هسبريس" 30 يناير 2015 تحت عنوان:

"إقبال فرنسي كبير على المصاحف بعد استهداف شارلي إيبدو"

"في الوقت الذي كان فيه الملايين من قراء أسبوعية "شارلي إيبدو" يتدافعون لشراء نسخ عددها الجديد الذي أعقب صدورها ما تعرض لهه مقرها من هجوم إرهابي أودى بمنتمين لطاقمها، شهدت المكتبات الباريسية، على الخصوص، ارتفاعا في عدد نسخ المصاحف التي باعتها خلال الأسبوع الذي أعقب ذات الحادث الدامي.

وفي تصريح لإذاعة فرنسا الثقافية قال المسؤول عن رواق كتب الديانات بمكتبة "La procure" الباريسية إن "جميع النسخ التي كانت تتوفر عليها المكتبة من المصاحف قد نفذت خلال أسبوعين فقط من الهجوم على مجلة شارلي إيبدو".

ولم يقتصر الأمر على هذه المكتبة الباريسية لوحدها بل إن جريدة "ليكسبريس" الفرنسية نقلت تصريحا عن المسؤول عن رواق العلوم الإنسانية والديانات في المركز التجاري "فناك" في باريس، والذي أكد بدوره أن الكتب التي تتحدث عن الثقافية العربية والإسلامية، والجهاد والعنصرية "تعرف إقبالا كبيرا".. ونفس المتحدث قال إن "الكتب المرتبطة بالإسلام تم بيعها بالكامل بعد يوم واحد من الهجوم على مجلة شارلي، ومازال الأمر مستمرا إلى حدود الآن"، أما عن الكتب التي عرفت إقبالا متزايدا في الترويج تقترن بنسخ المصاحف ثم كتب المفكر الإسلامي طارق رمضان.

ولفت المسؤول عن رواق العلوم الإنسانية والديانات في المركز التجاري المذكور أن الزبناء الذين يقبلون على شراء المصاحف أو الكتب المقترنة بالإسلام "ليسوا بالضرورة أشخاصا متدينين بقدر ما يظهر أنهم ينتمون لأوساط مختلفة"، وزاد نفس المتحدث أن فئة الشباب هي الأكثر إقبالا على الكتب الدينية.

مكتبات في مدينة مارسيليا عرفت هي الأخرى ذات الظاهرة، حيث أكدت المسؤولة عن الكتب الدينية في المركز التجاري "فناك" بذات الحاضرة أن "الزبناء أصبحوا يسألون كثيرا عن المصاحف والكتب التي تفسر مضامينها"، مشيرة إلى أن البعض منهم لم يكن يهتم بالامر سابقا "لكن أحداث باريس ساهمت في تزايد الاهتمام بالإسلام".

وقد يكفي ما ورد في هذين المقالين دليلا على أن الوحي القرآني سيتجذر في أعماق القارة العجوز، وسيسري في عروق ودماء أهلها المتعطشين إلى الهداية والأمن والسكينة. "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعملون" (يوسف 21).

 

 

 

د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة، ربيع الثاني 1436- فبراير 2015.

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق