كيف نحتفل بالرسـول صلوات الله وسلامه عليه

1

كيف نحتفل بالرسـول صلوات الله وسلامه عليه




 

إن الاحتفـال بالمولد النبـوي أمر استحسنه المسلمون بعد انصرام خير القرون الاسلاميـة، بيد أن الأوْلى، هو الاحتفال الدائم بالسنة النبوية، من خلال تعلمها، ونشرها، وممارستا، والدفاع عنها، ومحبتها.

إذ لا معنى لتخصيص يوم لتعظيم الرسول ﷺ من خلال ذكر أوصافه، وأخلاقه، وشمائله، ومدحه، وإقامة الندوات واللقاءات المتعلقة بالسيرة النبوية، أو الاجتماع لقراءة الأمداح النبوية، وممارسة السّماع، والاستمتاع بالطرب والايقاع... مع الإعراض عن سنته والعمل بما جاء به. إن هذا لعَمـري يدل على التناقض الصارخ في الوعي بحقيقة الاسـلام وتمثل شريعته.

إن حدث المولد النبوي يرمز إلى أن المسلمين يعظمون شخص النبي ﷺ ويحبونه ويفتخرون بأخلاقه، وأوصافه وسيرته، وهذا واجب شرعي، بل إن إيمان المسلم لا يكتمل ولا يصح إلا بذلك، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" (صحيح البخاري). لكن هل عظّم المسلمون المحتفلون بالمولد النبوي سنة نبيهم، وعملوا على تطبيقها ونشرها؟

فمن أوْلى بالوجوب؟ تعظيم سنة النبي صلوات الله عليه، والعمل بها على الدوام. أم تعظيم شخصه ومدحه، وذكر شمائله، في يوم واحد من الأيام؟

ثم كيف يزعم المسلم ويدعي محبة رسوله ﷺ وتعظيمه، من خلال الاحتفال بالمولد النبوي، وهو يخالف أمره وسنته؟ أليس من لوازم محبته طاعته؟ إن انتفاء الطاعة هنا، يثبت دعوى المحبة وزيفها.

والله لَيَتَبَرَّأَنّ رسول الله ﷺ يوم الورود على الحوض، ممن عظمه يوما واحدا في السنة، وأهمل سنته معـرضا عنها حياته كلها.

 

د.عبد الله الشـارف، كلية أصـول الدين، تطوان ربيع الأول 1439 / نوفمبر 2017

يا عبــــــــد الله، يا أمـــــة الله

1

يا عبد الله، ياأمـة الله


انتبهت من نومي وتلوت قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي رد علي روحي وعافاني في جسدي وأذن لي بذكره"، ثم طفقت أجول و أسيح في فضاء هذا الحديث، فاستفدت منه ثلاث  فوائد عظيمة: رد، معافاة، وإذن. أي رد الروح، ومعافاة الجسد، وإذن بالذكر. ولو شاء الله سبحانه ما رد علي روحي، أو أمرضني بعد ردها، أو حرمني من ذكره بسبب غفلتي وعصياني.. كل يوم هو سبحانه في شأن مع عباده.

لكن كم من الناس يقدر هذه النعم والمنح والعطايا، التي لولاها قد تضيع الدنيا والآخرة ويخسر الانسان نفسه؟

كم منا يستحضرها ويشكر الله عليها؟

انتبه يا عبد الله، انتبهي يا أمة الله، رد إليك روحك وعافاك في جسدك، أتدري لماذا؟؟ ليأذن لك بذكره. إنه قد أحبك، واختار لك المقام العلي؛ مقام الذكر والعبودية.

قال  الإمام القاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي المتوفى سنة 544 هـ:

ومما زادني شرفًا و تيهًا            وكدت بأخمصي أطأ الثريـا
دخولي تحت قولك يا عبادي       و أن صيَّرت أحمد لي نبيـا


يا عبد الله؛ أنت المتلقي وربك المرسل، والرسالة تصلك يوميا وأنت لا تقرأها. حذار أن يأتي يوم لا تصلك فيه تلك الرسالة، أي لا ترد عليك روحك. وقتئذ ستقرأها في قبرك وبرزخك !! وستندم ولات حين مندم !!

يا عبد الله؛ أنت عبد الله بالذكر، وعبد الهوى بالغفلة، والسجين المعذب بالإعراض.

يا عبد الله؛ شتان بين ذكرك له مع أنفاسك، وذكرك له مع زفراتك وآهاتك. وشتان بين ذكرك؛ يا حبيبي اشتقت لرؤيتك، فإذا بمركب بجانبك يحملك إلى مولاك، وبين ذكرك؛ “يا مالك ليقض علينا ربك”. فالبدار البدار، والتوبة التوبة، وما أراك تطيق رؤية مالك.

يا عبد الله؛ الله ربك، وأنت عبده طائعا أو آبقا. وقضت الربوبية بالعبودية، وسجد النجم والشجر، وكل في فلك يسبحون. فإن أعرضت عن الذكر وجهلت الرسالة، وأبيت السجود، حدت عن الناموس وغدوت لا فلك لك، وذلك عين التيه والزيغ والضلال.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطــوان المغـرب. صفر الخير 1439- أكتوبر 2017.

شهوة الكلام بين المباح والحرام

0

شهوة الكلام بين المباح والحرام


الشهوة إسم لشيء معنوي غريزي قائم في الإنسان والحيوان. وكما أن الإنسان مخلوق ناطق وعابد بالطبع (لربه أو لهواه)، فهو أيضا إنسان شهواني بالطبع، لا ينفك يشتهي؛ أي مجبول على طلب الشهوات المادية والمعنوية،النافعة والضارة، أو الطيبة والخبيثة.

ولقد أكرم الله الإنسان وميزه بكثير من الخصائص والهيئات والصفات، التي من بينها صفة الكلام. واقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن جعل الحواس طريقا أو أداة لتحقيق الشهوة أو الرغبة، اختبارا وابتلاء. ذلك أن الإنسان، مثلا، عندما يطلق بصره وينظر إلى شيء : جبل، سيارة، حيوان... يكون راغبا في ذلك أو مشتهيا له. وكذلك فيما يتعلق بالسمع. بل حتى التفكير والتأمل في الخواطر النفسية، لا يخلو من عامل الشهوة والرغبة، لا سيما إذا تعلق الأمر بالخواطر المرغوب فيها.

وبعبارة أخرى يمكن القول؛ إن عنصر الشهوة حاضر في الإنسان ومهيمن عليه. بل لعله من أقوى الدوافع النفسية لممارسة السلوك الإنساني، خاصة إذا طابقنا بين مفهومي الشهوة والرغبة. وما دام الأمر كذلك، أي هيمنة عنصر الشهوة وحضوره الدائم في كيان الإنسان، فإن المسلم ملزم باستحضار شريعة الله وأوامره ونواهيه، وبكبح جماح نفسه وتهذيبها، كي لا تمسي ضحية أو فريسة هذا العنصر الغريزي.

فالكلام، انطلاقا من شريعتنا الغراء؛ مباح ومندوب ومكروه وحرام. والشهوة، تلك الغريزة القوية، مخلوق غير عاقل لمخلوق عاقل ومسؤول هو الإنسان. إن المسلم إذا لم يتدخل بإرادته، مستعينا بالله، في أمر شهوة الكلام، ويضبطها ويقيدها ويسيجها بسياج الشريعة، ستكون وبالا عليه، وقد تهلكه وتلقي به في النار. وقديما قيل: "ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل"، وهو قول لابن تيمية، أي أنك، والسياق هو الكلام، إذا لم ترغب في الكلام الطيب وتشتهيه وتمارسه، فإن نفسك ستشغلك بالكلام الساقط أو المذموم أو الفاسد، وترغبك فيه، وتستميلك إليه حتى تشتهيه وتتلفظ به لا محالة. ولذا حثنا الله عز وجل على الإكثار من الذكر الذي من مقاصده؛ منع النفس الأمارة من السيطرة على القلب. قال تعالى: "ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا" (الأحزاب 41)

إن الإنسان من حيث أفعاله وسلوكه، مخير بين أمرين: إما أن يرغب في الخير ويشتهيه، أو يرغب في الشر ويشتهيه، إذ الشهوة غريزة وطاقة نشيطة ومتدفقة ملازمة لجوهر الإنسان ، والإنسان يستعملها كما يشاء، ويوجهها الوجهة التي يريد، وهو مكلف ومسؤول عن أفعاله ومحاسب عليها.

ومن لطف الله وعنايته بالإنسان، أن مكنه من ناصية هذه الغريزة الشهوية بحيث إذا عزم على سلوك طريق الخير، واجتهد في ذلك، وجاهد نفسه وأرغمها على الخضوع، انقادت له حتى تغدو الشهوات والرغبات الطيبة؛ المباحة والمندوبة، محبوبة لنفسه ومفضلة لديها. والعكس صحيح؛ أي إذا اختار الإنسان طريق الشر، واشتهى الذنوب والمعاصي ورغب فيها، استجابت نفسه لذلك،  وأضحت الرغبات والشهوات الخبيثة والمحرمة محبوبة لديها. قال تعالى: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" (الشمس 7-10).

إن الإنسان إذا عود نفسه على الكلام الطيب، وعلى ذكر الله، واجتنب الكلام الخبيث المذموم والمحرم؛ كالغيبة والكذب والنميمة، وما يتعلق بالعجب والكبر والغرور والرياء... أخضع شهوة كلامه لما يرغب فيه من الكلام الحسن المحمود، وملك ناصيتها، وغدا يتنعم ويتلذذ بألوان الكلام الطيب. بل تصبح شهوة الكلام خادمة ومعينة له على فعل الخيرات.

والخلاصة أن الإنسان المسلم مالك لشهوة الكلام وغيرها من الشهوات، مكيف لها وموجهها الوجهة التي يرغب فيها. فإذا كان مسلما عاقلا ذاكِرا، مريدا للخير، تقيا نقيا، تناول شهوته ومارسها موجها إياها الوجهة التي ترضي الله ورسوله. أما إذا كان مسلما غافلا عاصيا، بعيدا عن تقوى الله، تناول شهوته سالكا بها طريق الغي والضلالة.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، محرم 1439، شتمبر 2017.

قبس من مذكراتي في البلد الأمين

0

قبس من مذكراتي في البلد الأمين


بسم الله الرحمن الرحيم                مكة المكرمة، الأحد 3 صفر 1437


إلى الدكتور الفاضل محمد بن سعيد السرحاني عميد كلية الدعوة وأصول الدين بمكة المكرمة،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد؛

التواصل مع المسلمين الغربيين

قبل أسابيع مضت، جمعني بأحد الأساتذة الأفاضل مجلس في كلية الدعوة وأصول الدين جامعة أم القرى، وكان الحديث يتعلق بموضوع الحوار الحضاري والديني؛ ما له وما عليه.

وطرأت أشغال واهتمامات حالت دون المضي في دراسة الموضوع. وذات صباح شرعت أتأمل الموضوع ذاته، وأتدبره من جديد، فاستحضرت أفكارا وصورا  لبعض مظاهر الفشل التي خلصت إليها كثير من اللقاءات والندوات العالمية المرتبطة بالحوار الحضاري أو الديني، ولعل سبب ذلك الفشل يرجع إلى كون الغربيين يسعون إلى تأسيس حوار على شروطهم، وانطلاقا من منطق الاستعلاء والقوة والمركزية الغربية.

وفجأة همست إلى نفسي: لماذا لا نفكر في إقامة حوار وتواصل مع من دخل في الإسلام من مثقفي الغرب وعقلائه ؟ وذلك عن طريق دعوتهم إلى البلاد الإسلامية قصد الاجتماع بهم وإقامة التواصل معهم، وعقد لقاءات علمية يسهمون فيها بعرض أفكارهم وتجاربهم، قبل الإسلام وبعده، والاستماع إلى مطالبهم... ثم نخاطبهم باعتبارهم رسل الإسلام في بلدانهم، ونوضح لهم رسالة الإسلام والطرق والأساليب التي ينبغي الاعتماد عليها في نشر الإسلام بين أهاليهم من الغربيين.

إن الذين يتنصرون كل يوم في إفريقيا وآسيا من الوثنيين وغيرهم، يلقون من العناية والترحاب من طرف المؤسسات التنصيرية، والمؤسسات الاجتماعية في الغرب المسيحي، ما يعرفه الخاص والعام. وفي المقابل، هل قامت الجمعيات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية في بلادنا بواجبها تجاه من أسلم من الغربيين، أولئك الذين ينتظرون منا المساعدة والمؤازرة، لا سيما فيما يتعلق بدين الإسلام عقيدة وشريعة ؟

إذا تبينت فائدة وغاية هذا المشروع التواصلي الدعوي، فحري بنا أن نعمل على تأسيس لجنة أو مجموعة بحث تعكف على الموضوع وتقيم أسسه ودعائمه.

د. عبد الله محمد الشارف

كلام في النفس نفيس لأبي حيان التوحيدي

0

كلام في النفس نفيس لأبي حيان التوحيدي


"قال قائل: النفس طبيعةٌ دائمة الحركة. وقال قائل: النفس تمامٌ لجسمٍ طبيعيٍ ذي حياة. وقال قائل: النفس جوهرٌ ليس بجسمٍ محركٌ للبدن. وعلى هذا؛ ولعل آخرين يقولون في تحديدها ونعتها أقوالاً أخر، لأن الملحوظ بسيط، والمدروك بعيد، والناظرين كثيرون، والباحثين مختلفون، والكثرة فاتحة الاختلاف، والاختلاف جالبٌ للحيرة، والحيرة خانقةٌ للإنسان، والإنسان ضعيف الأسر، ..... غشاؤه كثيف، وباعه قصير، وفائته أكثر من مدركه، ودعواه أحضر من برهانه، وخطؤه أكثر من صوابه، وسؤاله أظهر من جوابه، فعلى هذا كله الاعتراف بها – أعني بالنفس وبوجدانها – أسهل من الفحص عن كنهها وبرهانها..

قال: وإنما صعب هذا لأن الإنسان يريد أن يعرف النفس وهو لا يعرف النفس إلا بالنفس، وهو محجوبٌ عن نفسه بنفسه؛ وإذا كان الأمر على هذا، فالأمر أن كل من كانت نفسه أصفى، ونوره أشع، ونظره أعلى، وفكره أثقب، ولحظه أبعد، كان من الشك أنجى، وعن الشبهة أنأى، وإلى اليقين أقرب؛ والإنسان ذو أشياء كثيرةٍ، من جملتها نفسه، فلكثرة ما هو به كثيرٌ يعجز عن إدراك ما هو به واحدٌ، أي إنسان"[1]

كلام نفيس وحكيم يتحدث فيه أبو حيان التوحيدي  عن النفس، حيث يشير إلى ما يكتنف البحث في هذا الموضوع من صعوبات جمة، مردها إلى طبيعة النفس وجوهرها المستعصي عن الفهم والإدراك. بل لما كان الإنسان، في هذا المجال من البحث، هو الدارس والمدروس، حيل بينه وبين الوصول إلى الحقيقة لأنه "محجوب عن نفسه بنفسه".

ويستفاد من هذه العبارة أو المقولة الأخيرة أن النفس حجاب وأي حجاب؛ وأنها كثيرا ما تغدو حجابا كثيفا وحائلا يمنع الإنسان من معرفة حقيقة الأمور، عندما يكون شديد التعصب لرأيه أو مذهبه أو توجهه السياسي، أو بسبب تقليده الأعمى، أو بسبب تكبره وعجبه وغروره، أو أسيرا لسلطان أهوائه وميولاته وشهواته.

وعندما يتجرد المسلم من التعصب والتقليد الأعمى ومن الأخلاق والصفات المذمومة من كبر وعجب وغرور ورياء ونفاق، ويتحرر من قيد أهوائه، تغدو  "نفسه أصفى، ونوره أشع، ونظره أعلى، وفكره أثقب، ولحظه أبعد،( و)كان من الشك أنجى، وعن الشبهة أنأى، وإلى اليقين أقرب". وقتئذ يفتح له باب العلم والمعرفة ويسهل عليه تربية نفسه وتزكيتها، ويلج فضاء الصلاح والإصلاح.

والإنسان خلق للعبادة، فإن خرج عنها بعبادة هواه والدنيا، خرج عن أصله وأصبح غريبا عنه وذلك عين التيه. احذر أن تكون غريبا عن أصلك وفطرتك، واحرص على أن تكون غريبا في الدنيا تفز بسعادة الدارين فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بدأ الإسلام غريبا ويعود غريبا فطوبى للغرباء".

ثم إن لذة البصر تكمن في النظر إلى المخلوقات وعجائب الدنيا، فإن أثمر تدبرا سهلت معرفة الخالق ورق الحجاب، وإلا كان المبصر من الذين لهم أعين لا يبصرون بها، لأنه وقف مع المخلوقات فحالت بينه وبين الخالق فعمي. لا تنظر إلى الدنيا بعين البصر، خشية أن تسحرك وانظر إليها بعين البصيرة لعلك ترى عجبا، وإن لم تفعل فلا عذر لك "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره".

 د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1438- موافق  مارس 2017.

 

[1] - أبو حيان التوحيدي: "الإمتاع والمؤانسة"  ج 3 ص 109، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت لبنان.

أهمية العنصر الوجداني والانفعالي في سلوك المسلم

0
        

 

إن الانسان وهو يشق طريق حياته، كثيرا ما تعترضه عقبات أو تقف في وجهه حواجز وأشياء تتحداه ولا يستطيع لها دفعا. بل قد يهتدي بعقله الى حل صحيح لمشكلة نفسية أو اجتماعية معينة، لكنه يعجز لأسباب ذاتية لا موضوعية، عن تحقيق هدفه؛ أي القضاء عن تلك المشكلة. والامثلة في هذا الشأن لا حصر لها بيد أنني سأقتصر على ذكر بعضها فيما يتعلق بالجانب النفسي والسلوكي.

فمن أمثلة الجانب النفسي: أنواع المخاوف التي تعتري الانسان في حياته وتكون سببا في قلقه وانزعاجه. مثل الخوف من الفقر، أو من الرسوب في الامتحان. أو خوف الانسان من أن يلحقه الأذى من بعض الناس، أو الخوف من كساد التجارة، أو خوف الانسان من أن يصاب بمرض ما، أو أن يموت بغتة، وهكذا....

وبالرغم من أن هذا الانسان قد يجتهد في إهمال عقله وإقناع نفسه بأن هذه المخاوف كلها مجرد خيالات أو وساوس وأوهام، إلا أنه قلما يفلح في ذلك وتظل نفسه تكتوي بنار تلك المخاوف وآلامها.

ومن أمثلة الجانب السلوكي : هناك الكثير من السلوكات التي يود الانسان القيام بها أو تجنبها بعد الاقتناع  بجدوى ممارستها أو عدم ممارستها، لكنه لا يستطيع إنجاز ما يرغب فيه لضعف الارادة والعزيمة، أو لوقوعه تحت هيمنة الشك والتردد، أو لاسباب أخرى..

ومثال السلوكات الايجابية الحميدة: سلوك الرحمة والرفق، وسلوك التواضع، وسلوك الحلم والكرم، وسلوك الشجاعة والمروءة.. والثقة بالنفس، الخ.... ومثال السلوكات السلبية المذمومة: سلوك الكبر، أو سلوك الغلظة والفظاظة، أو سلوك الشح والبخل، أو سلوك الجبن، أو سلوك الأنانية، أو السلوك العدواني، الخ....

فلماذا يا ترى يقف الانسان عاجزا مقهورا أمام التحديات النفسية والسلوكية المختلفة؟ مع اقتناعه عقليا ومنطقيا بإمكانية التغلب عليها؟

بعد تأمل وتدبر في الموضوع، تبين لي أن الانسان وهو يواجه تلك التحديات، قد غفل عن عامل نفسي أساسي، ألا وهو العامل الوجداني والانفعالي. ذلك أن استحضار عنصر الوجدان والانفعال خلال مواجهة النفس وإخضاعها لقبول أو نبذ فكرة معينة، أو حملها على محبة سلوك معين أو على رفض و كراهية سلوك آخر، أمر ضروري ولازم.

 

 

إن الاقتناع العقلي والمنطقي بصحة وجدوى فكرة نفسية أو سلوكية، أو عدم صحتها وجدواها، غير كاف على الاطلاق لتمثلها وتبنيها وممارستها أو تفاديها واجتنابها. وهذا أمر مستقرأ ومشاهد وملموس، إذ أن معظم الناس عاجزون عن الانتقال من مرحلة الاقتناع العقلي إلى مرحلة التمثل والممارسة، لخلو النفس من عنصر الوجدان والانفعال اللازم لعملية الانتقال .

وهكذا إذا أراد المسلم أن يتخلص من فكرة نفسية؛ مثل الخوف من شيء مادي أو معنوي، أو أراد التخلق بخلق محمود أو التخلص من خلق مذموم، فإنه يتوجب عليه لزاما استحضار العناصر الوجدانية والانفعالية اللازمة لتحقيق المراد.

إن الخوف من الفقر، أو كساد التجارة، أو الرسوب في الامتحان أو غير ذلك، يزال بقوة الايمان، وصحة العقيدة و،الخوف من الله باجتناب المعاصي وممارسة الطاعات وفعل الخيرات، وهذه الوسائل بشقيها  العقدي والعملي، هي التي توفر الشحنات الانفعالية والوجدانية الضرورية لمواجهة كل أنواع الخوف، وكذا فيما يتعلق باكتساب الأخلاق والسلوكات الحميدة، أو التجرد من الأخلاق والسلوكات الذميمة والقبيحة. فالمسلم يحتاج دوما إلى الشحنات الانفعالية الوجدانية المنورة بنور الايمان.

ولكي يتحقق المراد أيا كان نوعه، لا بد من وجود الارادة، والارادة مؤسسة وقائمة على عنصرين اثنين،  هما ؛الحالات العقلية كالادراك والتصور، والحالات الانفعالية والوجدانية كالحب والبغض. فهما بمثابة المحرك الدافع إلى بلوغ المراد وتحقيقه.

وبعبارة أخرى، لايمكن نفي العلاقة السببية بين الارادة من جهة والحالات العقلية والانفعالية والوجدانية من جهة أخرى. أي أن الارادة متوقفة في فاعليتها ونشاطها وحيويتها على دوافعها العقلية التصورية، ودوافعها الوجدانية الانفعالية.

ويشير العلامة أحمد بن تيمية إلى أهمية الباعث النفسي من الحب والكراهية في كل حركة إرادية:

"وهذا الحب والإحساس الذي خلقه الله في النفوس هو الأصل في كل حسن وقبح، وكل حمد وذم، فإنه لولا الإحساس الذي يعتدُّ به في حب حبيب وبغض بغيض لما وُجِدت حركة إرادية أصلاً تحرِّك شيئًا من الحيوان باختياره، ولما كان أمر ونهي وثواب وعقاب، فإن الثواب إنما هو بما تحبُّه النفوس وتتنعَّم به، والعقاب إنما هو ما تكره النفوس وتتعذَّب به، وذلك إنما يكون بعد الإحساس، فالإحساس والحب والبغض هو أصلُ ما يوجد في الدنيا والآخرة من أمور الحي، وبه حسن الأمر والنهي والوعد والوعيد."[1]

وإذا رجعنا إلى سيرة وحياة الأبطال والقادة واالعلماء الكبار، نجد أن ما أنجزوه وحققوه من أمور عظيمة له علاقة بالرصيد الانفعالي والوجداني الإيجابي، إلى جانب الذكاء والفطنة وقوة العقل.

والخلاصة أن الجانب العقلي في النفس البشرية ينبغي أن يستمد القوة اللازمة والمناسبة من الجانب أو الخزان الوجداني والانفعالي كي تتحرك الإرادة في اتجاه المراد.

 

د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1438- مارس 2017

 

 

[1] - رسالة فيما إذا كان في العبد محبة، لابن تيمية ص 445.

خاطرة اجتماعية من وحي القرآن

0

خاطرة اجتماعية من وحي القرآن


قال الله تعالى: "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب" (الرعد 29-30).

إن الآيتين الكريمتين تربطان بإحكام بين الجانب الروحي والاجتماعي في حياة المسلم. ذلك أن حصول الطمأنينة الحقيقية بذكر الله، يستلزم المبادرة والقيام بالأعمال الصالحة قدر الاستطاعة؛ إذ الإيمان ما وقر في الصدر وصدقه العمل كما جاء في الحديث النبوي الصحيح.

إن كثيرا من المسلمين لهم تصور سلبي وخاطئ فيما يخص هذا الموضوع؛ حيث يزعمون أن الدين ينحصر في العبادات المفروضة من صلاة وصوم وزكاة ... وذكر لله. أما العمل  الصالح مثل الإحسان إلى الناس؛ كالتصدق على الفقراء، وإسداء النصيحة والإصلاح بين المسلمين، وبذل الجهد في نفعهم، والدعوة إلى الله، إلى غير ذلك من أنواع البر وأعمال الخير. كل هذا ليس واجبا في زعمهم ولا مندوبا. بل يذهب كثير منهم إلى أن ممارسة هذه الأعمال قد تعرض صاحبها لعدة مشاكل !! ونسوا قوله عز وجل: "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" (سورة العصر).

كيف يا ترى يطمئن قلب مسلم يذكر الله وهو لا يفكر في نفع إخوانه المسلمين، مع توفر الإمكانيات المادية والمعنوية؛ من مال، أو قوة، أو وقت، أو علم،...؟

إن القطيعة التي يقيمها هؤلاء المسلمون بين الإيمان والعمل الصالح، تعود بالضرر على صاحبها ثم على المسلمين.

وهكذا فإن الإيمان لما انحسر وتقلص في الدائرة الشخصية والفردية، وأهمل المسلمون بعضهم البعض، وتلاشت علاقات وروابط المودة، والألفة، والتراحم، والتكافل الاجتماعي، وأصبح لسان حالهم: نفسي، نفسي، نزل بهم ما نرى ونسمع من أنواع المصائب، والكوارث، والبلايا والفتن. ولقد سئل نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه: "أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال نعم إذا كثر الخبث" (حديث صحيح). والعجيب أن السائل اللبيب لم يقل: أنهلك وفينا المصلحون لعلمه أن الصالح غير المصلح، وبينهما درجات عظيمة؛ ذلك أن المسلم الصالح قد لا يتعدى نفعه نفسه، في حين أن المسلم المصلح ينفع الناس ويهتم بأمورهم، ويسعى في رشدهم، وتوجيهم، وإصلاح أحوالهم؛ قال تعالى: "وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" ( هود 117 ).

فيا أيها الذاكر، والقارئ للقرآن، الغافل، والمعرض، والمقصر في حق أقاربه، وجيرانه، وإخوانه المسلمين؛ راجع نفسك واتهمها، فالعبادة أوسع وأشمل وأزكى مما تدرك وتتصور. وقد يكون في صدقتك على فقير، أو معسر، أو أرملة، أو نصحك لأخيك المسلم ونفعه ... من الحسنات ما يفوق أجر ذكرك لله سنة كاملة أو أكثر.

والأدهى والأمر أن تجد مسلما حريصا على صلاته في وقتها، ذاكرا لله، لا يضيع ورد يومه من القرآن، لكنه يغفل عن تربية أولاده وعن العناية بسلوكهم، حتى يفاجأ بانحراف بعضهم، فيرد ذلك إلى المدرسة، أو الحي، أو المجتمع، ويستثني نفسه ولا يتهمها لأنه راض عنها، وإذا رضي الإنسان عن نفسه وأعجب بها، عمي وحجب عن رؤية العيوب والحقائق. وقديما قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة         ولكن عين السخط تبدي المساوئ

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. جمادى الأولى 1438. فبراير 2017.