باقة من الخواطر الإيمانية

0

 


ابتغ إليه الوسيلة

لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.

 

إقرأ  كتابك

أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص.


اختر خير الطلبين

الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق المؤمن باستعداده في كل وقت، وغيابك في الثاني هو وقوعك في أسر النفس الأمارة، وطلبك منه ما لا يرضاه لك، أو ما لست أهلا له، وليس من استعدادك، أو استعجالك الجواب؛ (خلق الإنسان من عجل)، ولما يحن استعدادك لقبوله، إذ أنك لا تنال إلا ما ينطق به استعدادك.


القصد المطلوب

صحح قصدك ولا تغفل عنه وأنت في شأن من شؤونك، واجمع مقاصدك في القصد المطلوب، فلا قصد لك إلا هو، ولا باب أنت داخل منه إلا بابه، واجعله أمام عينيك فتتوحد لك المقاصد؛ إذ شعورك بنظره إليك وإحساسك بالخوف والحياء إحساسا تلمسه في جوارحك، يجعل مقاصدك تفنى في القصد المطلوب، فتنال المرغوب. وبالخوف تموت حظوظ النفس، فينقشع الغمام، ويخلو لك السبيل، ويصبح الحبيب جليسك؛ "أنا جليس من ذكرني".


اختر خير الخاطرين

الخاطر خاطران : شيطاني وملائكي. والأول وهمي مجاله النفس الأمارة : (وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ). والثاني حقيقي مجاله النفس المطمئنة. وإذا كنت في قبضة الأول، أنهكك الاختيار، وتلاعبت بك الخواطر. وإن كنت في حضرة الثاني، نطقت عن استعدادك وتحققت بوقتك، وانطفأت نار الاختيار، وأصبت ببرد التسليم، ويكون الحق سبحانه سمعك وبصرك، وفي الحديث القدسي (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجلاه التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت ولا بد له منه، وأنا أكره مساءته).


سد باب الخواطر الباطلة

إذا صح إيمانك بالحق سبحانه، رأيت الحق والعدل في كل شيء، وانتفى الباطل من باطنك ومن الوجود. وآخر باب أنت مطالب بسده؛ باب الخواطر الباطلة. وإذا لم تفعل كنت على خطر، والتبس عليك الأمر، وفاتتك لذة القرب وأنت لا تشعر. واعلم أن المجاهدة خير لك من الانسياق مع الخواطر الباطلة، وأن القناعة من الله حرمان.


لا تكن من الغافلين

كل ما وقع عليه بصرك في الكون وما لم يقع عليه يُسَبِّحُ ويَسبَحُ في فلك محيطه قبضة جلالية. وإذا تجلت لك أنوار الجلال وكنت في موطنه، قوي يقينك فسمعت ذلك التسبيح، وحد بصرك بنور بصيرتك، وأحالتك آيات الكون على المكون، فشغلت بمحبوبك عما سواه، وطوي زمانك، وقصرت المسافات، وغدا الآجل عاجلا والعسير سهلا.


اجعل الصدق مقامك لا مقالك

إذا طرقت بابه وقيل لك ارجع، فما صحت نيتك، وما طهرت سريرتك. ولو صدقت الله، لخُرِقَت حجب نفسك، ولفتح لك الباب. فاغسل قلبك بماء الصدق، وأحيه برحيق الإخلاص، فرب صدق لحظة خير من عبادة سنة. واجعل الصدق مقامك لامقالك، لأن الله ينظر إلى قلبك. فلا تشغل عنه بالدنيا وتدعي محبته، وإلا فما استحييت منه وما صدقت في افتقارك إليه، وقد طبع على قلبك وأنت لا تشعر.[1]

 

ليكن مطلبك الفرقان

شرف العلم على قدر معلومه. والعلم علمان: علم تطلبه، وعلم يطلبك. والأول كسبي لا يخلو السعي وراءه من عناء، ولا تخلو طريقه من العثرات. وقد لا يشفي الغليل. والثاني وهبي (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا)، وطريقه مجاهدة النفس، ومحاسبتها، وثمرته الطمأنينة، لأنك قصدت معلومك وهو الله، بما يحب أن يقصد به (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).


دم على مخالفة أهوائك

إذا اشتهيت الكلام فاصمت، وإذا اشتهيت الصمت فتكلم. ودم على مخالفة أهوائك (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله). و "من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه". وإذا استوى عندك الفعل والترك، فاختر الثاني لأنه أسلم ومبطل للدعوى ومقو لخصلة الحياء. ولن تستحيي ما لم تتبرأ، فما ثم إلا مدبر واحد، فافتح قلبك له يكن تدبيرك به وإلا هلكت.


نجاتك في صلاح مركبك

جسدك مركب لروحك، إن سلم من الخرق نجا من الغرق، وعانقت روحك الساحل الأبدي، وإلا كسرته أمواج الغواية، وقذفت بأشلائه. وصلاح مركبك معلق بسلامة حواسك؛ إذ بها يحصل العروج، وعليها يتوقف السفر. ولن تعبد الله ولن تشاهد آياته، ما لم تستقم جوارحك وما لم يخشع قلبك ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله).


لا تأمن مكر الله

إذا ركبت البحر وطغت أمواجك وتراءى لك شبح الهلاك، ثم ردتك العناية إلى البر، لاتظنن أن الماء لم يعد محيطا بك، واعلم ألا بر لك؛ إذ الكل بحر، والتقسيم أو جدته غفلتك، والساحل مركبك إذا لم ترفع له شراعا. وإذا رفعته غرق (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون).


لا تكن عبد الحال وكن عبد الله

لا تطلب منه الكرامات ولا تتعلق بالكشف فتحجب عنه وتحرم عين الرضا فتكون كأحد المقربين أهدى إليه ملك هدية فشغلته عن رؤية الملك وخدمته، فطرد من الحاشية. ولن يحبك الله ما لم تزهد في الدنيا وفي الحديث: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس). واعلم أن طلب الأحوال والمقامات قدح في الإخلاص، فلا تكن عبد الحال لأنه لا يدوم، وإن دام فهو حجاب. وكن عبد الله ترفع عنك الحجب.


من الكون إلى اليقين

إذا أحالك الكون على المكون وخشعت ذاتك، كانت رؤيتك و استماعك بالحقيقة، وتحققت باليقين واطمأن قلبك. وإذا وقفت مع الكون، قوي ظمأك، وفقدت الخلافة، وحالت طينتك دون إدراك الحقيقة. واليقين يورث الحياء والخوف، وإلا فأنت تضرب في حديد بارد. ألم تر أن يوسف عليه السلام لما رأى برهان ربه خاف ولم يقدم على ما هم به. ولكل شيء ظاهر وباطن. ولن تدرك الباطن إلا بعينك الباطنة، فاجتهد أن تكون على بصيرة من ربك.



[1] "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" (رواه مسلم عن أبي هريرة)

أسباب إصرار بعض المواطنين على عدم ارتداء الكمامة وسخريتهم ممن يحتاط من فيروس كورونا

0


استكتبني قبل بضعة أيام منبر "هوية بريس" في موضوع مرتبط بوباء كورونا، فحررت مقالا مجيبا عن أسئلته الآتية:
"بالنسبة لك لماذا يصر بعض المواطنين على عدم الالتزام بالاحترازات الطبية التي تقي المواطن والمجتمع من خطر الفيروس؟! هل نحن نجني ثمار التعليم الذي لم نستثمر فيه بالشكل المطلوب؟ أم مخرجات الاعلام الذي ركز على السفاهة والتفاهة؟ أم ماذا بالضبط؟؟
فكان جوابي كما يلي:

من البديهي والمقرر عند علماء الاجتماع والتربية أن الخطاب والتواصل الصحيح والبناء بين فئات المجتمع وطبقاته من جهة وبين المسؤولين من جهة ثانية، أمر أساسي وضروري لقيام المجتمع القوي والصالح.

وإذا نظرنا إلى واقع المجتمع المغربي من هذه الزاوية وجدنا غياب التفاعل والتواصل البناء بين الطرفين، لكون البنية العقلية والثقافية لمعظم أبناء الشعب ولكثير من المسؤولين، يعتريها بعض الخلل، وكذا غياب عناصر الرؤية الإصلاحية الحقيقية، رغم الأعمال والمجهودات الكبيرة التي يضطلع بها المسؤولون في جميع القطاعات: الأمن والصحة وغيرهما.

وفيما يتعلق بعدم التزام كثير من المغاربة بالأساليب الوقائية والاحترازات الطبية بشأن فيروس كورونا، قال أستاذ علم الاجتماع في تصريح لمنبر “هوية بريس”، هناك أسباب كثيرة، لعل أهمها: الفقر والجهل.

إن عامل الفقر والهشاشة الاجتماعية لدى المجتمع المغربي، لا سيما الطبقة الفقيرة، يحول دون إدراك خطورة الأمر. ذلك أن المغاربة الفقراء أو من ذوي الأجور الضعيفة، يعتبرون الحياة معركة يومية من أجل البقاء. همهم الوحيد يتركز حول لقمة العيش. ولا يقيمون للفيروس وزنا، وقلما يخشون الأمراض، لأن ما يعانونه من فقر وتهميش أشد وطأة وألما على أنفسهم من خطر الفيروس وغيره من الأمراض. ولذا تجدهم أحيانا يستهزئون بمرض كورونا، ويسخرون ممن يهابونه ويخشون الموت بسببه.

وهناك من ناحية أخرى عامل الجهل الناتج عن “التجهيل الممنهج” الذي سلكته الحكومات المتعاقبة على السلطة، خاصة من خلال الإعلام والثقافة والتربية والتعليم. فما نراه اليوم من حالة اللا مبالاة التي يعيشها جل المغاربة هي نتيجة ضعف الحمولة التربوية سواء من خلال المؤسسات التعليمية أو الإعلامية أو الثقافية، وكذا ضعف التركيز على  عناصر الهوية الوطنية والقيمية والإسلامية.

إن التعليم في وطننا العزيز القائم على التبعية والاستيراد والاستغراب، أسهم إسهاما كبيرا في إعداد وتخريج عدد هائل من الشباب العاطلين، سواء أنهوا دراساتهم الثانوية والعليا، أو كانوا من أشقياء وتعساء الهدر المدرسي.

هؤلاء الشباب تكاثروا في المغرب واعتراهم اليأس والتذمر والإحباط، نتيجة التربية التعليمية المختلة، وضعف التنشئة الاجتماعية، وغياب القيم الدينية والأخلاقية الاجتماعية، التي هي أساس وروح المجتمع الصالح، وهيمنة كثير من القيم المنحرفة والداعية إلى الانحلال الأخلاقي والفساد، والتفكك الأسري والاجتماعي، والثورة على ثوابت الهوية المغربية (الدين، اللغة، التاريخ)، وذلك باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

كل هذه الأسباب والعوامل وغيرها مما لم يذكر من أمثالها ونظائرها، يدفع كثيرا من هؤلاء المغاربة التعساء والجهلة والمهمشين، إلى الاستهتار واللامبالاة بالتعليمات والتوجيهات، والمجهودات التي يقوم بها المسؤولون ويتعبون ساهرين على أدائها. لكن كما يقول المثل العربي: “إنك لن تجني من الشوك العنب”، أي لا يحصد الإنسان إلا ما زرعه.

إن المجتمع المغربي، مسؤولين ورعايا، يتحمل المسؤولية تجاه وباء كورونا وغيره من الظواهر المرضية والاجتماعية. وكما أن بعض المسؤولين لا يحسنون تدبير مسؤوليتهم فيسيئون إلى المجتمع، فكذلك المجتمع المغربي يكثر في أفراده من لا يتحمل المسؤولية أيا كان نوعها. والأمر مشترك بين الطرفين، وهذه الظاهرة تعبر عن قانون من القوانين والسنن الاجتماعية الثابتة والمطردة عبر التاريخ والمجتمعات والحضارات المتعاقبة إلى يوم الناس هذا.


سنة التفاعل والتجاذب بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية

0
لا يخفى على الإنسان العاقل وجود تفاعل دائم بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية، سواء تعلق الأمر بالمجال المادي الطبيعي أو المجال الاجتماعي. والمتأمل في الموضوع، يدرك أن سائر الأشياء الطبيعية المادية وكل الظواهر الاجتماعية، لديها مقومات وعناصر ذاتية تحدد ماهيتها وقوتها وخصائصها. كما يدرك من جهة أخرى، البيئة الطبيعية الخارجية؛ مجال الشيء أو الكائن المادي، والبيئة الاجتماعية الخارجية؛ حيث يوجد الإنسان ويتمحور. وهكذا فإن التفاعل والتجاذب بين الشيء المادي والبيئة الطبيعية، والتفاعل والتجاذب بين الإنسان والمحيط الاجتماعي؛ أمر منطقي ومسلم به.
وفيما يخص الإنسان باعتباره كائنا اجتماعيا، وعاقلا ومريدا ، تظل العوامل الذاتية والداخلية لديه ولدى مجتمعه قوية ومهيمنة، ما لم تضعف بتحوُّلِ بعض العوامل الخارجية الغازية والسلبية إلى عوامل داخلية؛ حيث تصطبغ بصبغتها وتأخذُ حُكْمَها. وسأبين ذلك بمثالين اثنين:
أولهما: حال الانتقال من الفرنسة إلى التفرنس.
إن الفرنسة عامل خارجي مارسه المستعمر الفرنسي في المغرب العربي والدول التي استعمرها وداس كرامتها. ثم تحول هذا العامل الخارجي مع مرور الزمن، وبتواطؤ بين السلطات الفرنسية والنخب السياسية الحداثية في الدول المستقلة، إلى عامل داخلي متجسد في التفرنس، وأخَذَ حُكمَ العوامل الذاتية الداخلية، وغدا الميل نحو الثقافة الفرنسية والإعجاب بها أمرا تلقائيا وطبيعيا، بل مكوِّناً أساسيا من مكونات شخصية الإنسان المتفرنس. والمظاهر الاجتماعية والثقافية الدالة على التفرنس في المغرب العربي وغيره من البلدان الإفريقية، لا حصر لها.
ولئن كان المستعمر الفرنسي قد عانى كثيرا، خلال عقود طويلة زمن الاستعمار، كي يُرسي قواعد وآليات وسياسة الفرنسة، فإنه الآن يجني ثمار عمله ومجهوداته، بعد أن سلَّم المَعاوِلَ لأبنائه المُتفرنسين.
وثانيهما: حال الانتقال من التغريب إلى الاستغراب.
"الاستغراب ظاهرة نفسية واجتماعية وثقافية معاصرة، يتميز الأفراد الذين يجسدونها بالميل نحو الغرب والتعلق به ومحاكاته. نشأت في المجتمعات غير الغربية، سواء أكانت إسلامية أم لا، على إثر الصدمة الحضارية التي أصابتها قبيل الاستعمار وخلاله.
وإذا كان التغريب عمل ثقافي وسياسي يتولاه المسؤولون في الغرب، ومن والاهم من المستشرقين والمستغربين، يهدف إلى طمس معالم الحياة الدينية والثقافية للمجتمعات الإسلامية وغيرها، وإجبار هذه المجتمعات على تقليد الغرب والدوران في فلكه، فإن الاستغراب مرتبط أساسا بالعامل الداخلي، أي بالمكونات الذاتية الاجتماعية والثقافية والسياسية لتلك المجتمعات، حيث أن هذه المكونات، بما تميزت به من انحطاط وتقهقر وجمود،ساعدت على إفراز ظاهرة الاستغراب. "[1]
إن العامل الداخلي في حدوث ونشأة الاستغراب أكثر هيمنة من العامل الخارجي، ومن هنا بات من المنطقي أن يكون لفظ مستغرِب مبني للمعلوم، باعتبار أن الاستغراب يعبر عن ظاهرة نفسية وعقلية واجتماعية، تُشكِّل الذات الواعية للمستغرِب محورها الرئيس، فالإنسان المستغرِب يعي استغرابه تمام الوعي، ويمارسه بكامل إرادته وشخصيته.
يقول المستشرق هاملتون جيب: "والتعليم أكبر العوامل الصحيحة التي تدعو إلى الاستغراب. ولسنا نستطيع الوقوف على مدى الاستغراب في العالم الإسلامي، إلا بمقدار دراسته للفكر الغربي وللمبادئ والنظم الغربية، ولكن هذا التعليم ذو أنواع كثيرة تقوم بها جهات متعددة، وبالطبع لابد أن هناك بالفعل قليلا من التعليم على الأسلوب الأوربي في المدرسة، وفي الكليـة الفنية وفي الجامعة، وعلى هذا التعليم يتـوقف كـل ماعداه"[2].
وهكذا استحال التغريب استغراباً، وانتقل من كونه عاملا خارجيا إلى عامل داخلي. وغدا المستغرِبون أشدَّ وأكثر حرصا على نشر ثقافة التغريب من المُغرِّبين أنفسهم. إن العوامل الذاتية والداخلية، لأمة أو مجتمع ما، عندما يصيبها الضعف والوهَن، لا تستطيع الصمود أمام تحديات العوامل الخارجية القوية، بل تستسلم لها. وهذا الذي يظهر جليا في مرآة العولمة المعاصرة؛ حيث أصبح العالم عبارة عن حلبة للصراع، والغَلَبةُ للأقوى علميا، وسياسيا، واقتصاديا.
وكما أن الجسم عندما يَسْقَمُ، وتضعف مناعته؛ تغزوه العلل والأمراض. كذلك المجتمع؛ عندما تضعف مقوماته الذاتية، وركائز هويته، وبنيته الاجتماعية والثقافية، يغدو مستهدفا من قبل مجتمع قوي يهدد كيانه، وقد يستعمره ويستعبده.
إن سيطرة وهيمنة المدنية الغربية في عصرنا الحالي، أمر طبيعي لأنها الأقوى. كما أن هذا الأمر يخضع في نشوئه وتطوره لسنن وقوانين اجتماعية ثابتة ومطردة. ولولا ضعف الأمة المسلمة وتقهقرها وتراجعها، لما شهِد العالم هيمنة تلك المدنية وتجبُّرها؛ إذ العامل الخارجي لا يقوى ولا يهيمن بعد صراعه مع العامل الداخلي، إلا عندما يضعف هذا الأخير، ويشرع في الاستسلام الذي من مظاهره؛ تقليد الضعيف للقوي الغالب، وتحويل آلياته ووسائله القهرية والاستذلالية و"التركيعية"، من عوامل خارجية إلى عوامل داخلية ذاتية، أي؛ بنيات ومكونات جديدة تدخل في إطار خلخلة البناء الداخلي، أو محاولة إعادة تشكيل الذات والهوية الحضارية للأمة الضعيفة والمستهدَفة.
أ.د. عبد الله الشارف، ذو القعدة 1441 / يونيو 2020، تطوان - المغرب



[1] - د. عبد الله الشارف؛ "الاستغراب في المغرب الأقصى، ظواهره وقضاياه"، مطبعة تطوان، تطوان المغرب، ط 1، 2017، ص 24.
[2] - هاملتون جيب؛ "وجهة الإسلام" ، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، المطبعة الإسلامية، القاهرة 1934، ص 18.

الإنسان ابن أفكاره

0

يقال إن الإنسان ابنُ أفكاره؛ فهي التي تقوده وتوجهه وتصوغ حياته. وإذا كان الأمر كذلك، فهل الإنسان مسير من قبلها ؟
هناك من يميل إلى هذا الرأي، وهم أصحاب العقائد والنظريات الجبرية في ميدان التحليل النفسي عند فرويد (اللاشعور، الهو، الأنا الأعلى، عقدة أوديب...)، أو السوسيولوجيا (غلبة العامل الاجتماعي على العامل الفردي، العقل الجمعي عند إميل دوركايم...)، وغيرهم من أنصار فكرة الحتمية في التاريخ والعلوم الإنسانية.
ومال آخرون إلى الرأي المقابل؛ وهو أن الإنسان مخير ومبدع لأفكاره، ومتحكم فيها، وهو الفاعل الاجتماعي المؤثر في حياته وسلوكه. وأبرز ممثل لهذا الاتجاه من الغربيين المحدثين؛ عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، فيلسوف الرأسمالية واللبيرالية.
لكن بغض النظر عن كون الإنسان صانعا لأفكاره ومتحكما فيها، أو مسيرا وموجها من قبلها، هناك سؤال يطلب جوابا:
ما مدى صلاحية تلك الأفكار ونفعها للإنسان؟ وهل تحتاج إلى عامل أو مصدر علوي مُقوِّمٍ ومُسدِّدٍ لها، أم التقويم والتسديد مفوض للإنسان ذاته ؟

أو بتعبير علماء الكلام؛ هل الحسن ما حسَّنه الشرع  والقبيح كذلك؟ أم الحسن ما حسّنه العقل والقبيح كذلك ؟ 


أ.د. عبد الله الشارف،  يونيو 2020، تطوان - المغرب

المعرفة نوعان

0


المعرفة من حيث المصدر والمنهج نوعان:

الأولى: معرفة أفقية كالتي عرفها ومارسها اليونان، ويعرفها ويمارسها الغربيون المعاصرون.
والثانية: معرفة أفقية عمودية متقاطعة، وهي التي تشكل العمود الفقري للفكر الإسلامي ولحضارة المسلمين.

إن المعرفة الأفقية تعتمد في بنائها وتصورها وممارستها، على أداتين اثنتين: الحواس والعقل.
والمعرفة الأفقية العمودية المتقاطعة تتأسس على أدوات ثلاث: الحواس، والعقل، والوحي.
ثم إن المعرفة الأفقية مادية حسية: أفقها ومجالها الأرض والمحسوسات المادية؛ "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون" (سورة الروم: 6).
بينما المعرفة الأفقية العمودية المتقاطعة، تربط في نقطة تقاطعها الأرض بالسماء، والمخلوقات بخالقها، فيحصل عند المسلم التطابق الكلي بين مشاهداته الحسية واستنتاجاته العقلية، وبين منطوق الوحي الصحيح.
ومن نتائج المعرفة الأولى؛ الشقاء، والحيرة، والتِّيه (موت الإله عند فريدريك نيتشه، والعبثية والعدمية عند ألبير كامو و جان بول سارتر، وموت الإنسان عند ميشال فوكو،...).
ومن نتائج المعرفة الثانية؛ السعادة، والطمأنينة، والهداية. والتاريخ الحضاري الإسلامي شاهد على ذلك. كما أن الصحوة الإسلامية المعاصرة، وإقبال غير المسلمين على الإسلام ودخولهم في حظيرته، لمن أعظم البراهين على صدق المعرفة الثانية وقوتها، وكونها سببا لحصول السعادة في الدنيا والآخرة.

أ.د. عبد الله الشارف،  يونيو 2020، تطوان – المغرب

إشراقات الحجر الصحي

0

إشراقات الحجر الصحي (1)؛ الحب الأول
حبُّكَ اللهََ فطري وأصلي، وسابق لحبك لدنياك؛ "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ" (الأعراف172).أي أن إيمانك وإقرارك بربوبية ربك في قولك: "بلى"، يدلان على حبك الأول وتوثيقه في "ميثاق الذر".
واستبدالك حب الدنيا بحب الله؛ غفلة منك وتيه وإعراض، وانتكاس لفطرتك ونقض ل"الميثاق"؛ "أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ" ". فحبك الأول؛ فطري وأصلي و"ميثاقي"، وأبدي إن حفظت العهد و"الميثاق". وحبك الثاني؛ دنيوي فانٍ، تذروه رياح الهوى فوق رُبى العدم وبِطاح الوهم. كما أن استحضارك لحبك الأول، والتزامك ببنود "ميثاق الذر"، يجعلك في مأمن من كل بلاء، أو راضياً به مُحتسِباً، إذا نزل بك وحلَّ القضاء.

إشراقات الحجر الصحي (2)؛ "الغنيمة الباردة"
الحجر الصحي غنيمة باردة، و"نعم صومعة الرجل بيته"؛ (أبو الدرداء).
الحجر الصحي؛ نقمة في طيها نعمة؛ "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" (البقرة 216).
"قد يُنعم الله بالبلوى وإن عَظُمت+++ويبتلي الله بعض القوم بالنِّعم" (أبو تمام).
الحجر الصحي؛ بلاء يستوجب الصبر ونعمة تستوجب الشكر.
الحجر الصحي؛ حمية للبدن وقيد للنفس وسراح للروح.
الحجر الصحي؛ مكاشفة النفس، ومحاورة الذات، وتفكر واعتبار.
الحجر الصحي؛ رفع حجاب النفس، ومخاطبة السر، ومجالسة الروح.
الحجر الصحي؛ موسم للمحاسبة والتوبة والأوبة. وجلاء القلوب؛ الاستغفار.
الحجر الصحي؛ سبيل إلى وصل الدنيا بالآخرة ورد الفرع إلى أصله.

إشراقات الحجر الصحي (3)؛ الساعة الكبرى والصغرى 
الساعة ساعتان؛ كبرى وصغرى. فالكبرى؛ ساعة القيامة. والصغرى؛ ساعة احتضار العبد وخروج روحه. وبين الساعتين اشتراك لفظي وتقارب معنوي. والساعة الصغرى تُفضي إلى الكبرى خارج الزمن المعهود؛ أي أن الروح في برزخها، تعاين ببصيرتها الساعة الكبرى وقد أشرفت على القيام؛ "وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (النحل 77).
وحياة الإنسان الدنيوية في وعي الروح البرزخية، ساعة من نهار، أو استراحة مسافر تحت ظل شجرة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَالي وَلَلدُّنْيَا؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ".(رواه الترمذي).
وإذا ضيع العبد ساعة نهاره في دنياه الفانية، سيتجرَّع غُصص الألم والحسرة، بدءا من الاحتضار وبلوغ الروح التراقي والحلقوم، ثم النظر في قبره إلى مقعده المشؤوم، ولات حين مناص.
إنها داهية الدواهي، ونائبة النوائب، بل هي الغاشية، والواقعة، والقارعة. فليبادر العبد إلى التوبة والإنابة؛ قال سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا" (التحريم 8). وليكثر من الطاعات وفعل الخيرات، حتى لا يصدق عليه قوله تعالى: "أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ" (الزمر 56).

إشراقات الحجر الصحي (4)؛ ما أحلى وأنفع الصبر في السراء والضراء
ذكر العلماء أن الإيمان نصفان؛ نصف صبر، ونصف شكر. فالسراء يستوجب الشكر، والضراء يستوجب الصبر. بل كلاهما يستلزم الصبر؛ إذ كيف يشكر من لا يصبر؟ أي لا يستطيع المسلم أن يشكر الله إذا لم يصبر على طاعته بفعل المأمورات واجتناب المنهيات.
وهكذا فإن الصبر في السراء على الطاعات وفعل الخيرات، يعين العبد على الصبر في الضراء؛ قال لقمان عليه السلام مخاطبا إبنَهُ :" يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" (لقمان 17). فالصلاة والأمر بالمعروف والنهي المنكر، كلها من أعمال الشكر، التي من نتائجها وثمراتها؛ صبر العبد المسلم في الضراء.
 يستفاد إذن من هذه الآية الكريمة، أن الشكر المتمثل في العبادة والطاعات وفعل الخيرات لازم لكسب الصبر على العبادة والرضا بقضاء الله وقت الشدة والضراء. كما يمكن القول أن الأمر دور بينهما؛ فلا شكر دون صبر، ولا صبر دون شكر، إذ كل واحد منهما يستلزم الآخر.

إشراقات الحجر الصحي (5)؛ العبد المسلم بين الحكم الشرعي والحكم الكوني
إن العبد المسلم لا ينفك، في دنياه، مبتلى بحكمين؛ أحدهما شرعي ديني، والآخر كوني قدري. وامتثاله للحكمين من لوازم العبوديه، ومن مقتضيات العهد والميثاق؛ "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ  شَهِدْنَا  (الأعراف 172).
والحكم الديني يتعلق بالمأمورات والمنهيات شرعا. والحكم الكوني يتعلق بما يقضيه الله ويقدره على عبده من المصائب والنوائب والابتلاءات التي لا دخل له فيها، ولا يستطيع ردها أو دفعها.
وكما أمر العبد بالصبر على القيام بما يقتضيه الحكم الشرعي، أُمِر أيضا بالصبر على نوازل الحكم الكوني؛ قال الله سبحانه: "الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" (البقرة 156).

إشراقات الحجر الصحي (6)؛ بين الحجر الصحي، والحجر الشرعي، والحجر النفسي
الحجر الصحي؛ منع الإنسان من مغادرة البيت مخافة أن يصاب بمرض معدي. والحجر الشرعي؛ منع المسلم من التصرف في ماله لأسباب أهمها: عدم البلوغ، أو الجنون، أو السفه، أو مرض الموت. وفي كلا الحجرين تعاني النفس معاناة معينة بسبب التضييق على حريتها وإرادتها. وإذا لم يحجر عليها قد تهلك وتضيع مصالحها. ولولا أن الله رحم عباده بالوحي والعقل، لضلوا وهلكوا.
والحجر الأول والثاني جبريان واضطراريان، بينما الحجر الثالث اختياري وتكليفي، ولهذا كان أشد على النفس وطأة وألما، من حيث أن النفس يشق عليها معاكسة هواها، ودفع شهواتها الضارة. ولا يمارس هذا الحجر الأخير ويصبر عليه، إلا ألوا العزم والإرادة والصدق من المؤمنين.
فإذا استعصت عليك نفسك، وأبت أن تذعن لأوامر الله، فاحجر عليها حجرا صحيحا ومتينا، وامنعها من التصرف في أهوائها ورغباتها المذمومة، كما يحجر على السفيه إلى أن يستقيم حاله، ويثبت رشده. فإن تابت نفسك وأنابت، فالتمس من قاضي العقل فسخ عقد الحجر، ثم احذرها وراقبها، فقد تحن إلى طيشها وتعود إلى سالف عهدها؛ " وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي" (يوسف 53).
أ.د. عبد الله الشارف، رمضان 1441 / ماي 2020، تطوان – المغرب

جواب عن سؤال في التزكية النفسية والتطهير الروحي

0


على إثر نشر تدوينة صغيرة في صفحتي التواصلية، هذا نصها:
"إن الابتلاءات والاختبارات الإلهية تستوجب مراجعة النفس ومحاسبتها؛ أي ممارسة التطهير الروحي والتزكية النفسية. والنفس عندما تئن تحت وطأة الخوف والقلق، تغدو مهيأةً لقبول المواعظ والنصائح، والرسائل الروحية المُطَمئِنة."، سألتني سائلة:
"ما معنى التطهير الروحي أستاذنا،... وإذا كان هذا التطهير بأيدينا فكيف السبيل؟"
فأجبت عن سؤالها بما يلي:
التطهير الروحي وتزكية النفس أمر واجب على المسلم، وفرض عين مسطر ومنصوص عليه في الكتاب والسنة. وإذا كان المسلم يمارس نشاطه وحياته الدنيوية في إطار برنامج عملي يستهدف به ومن خلاله، تحقيق مصالحه وغاياته، فمن باب أولى أن يكون له برنامج عملي متعلق بدينه وآخرته، لا سيما أنه عبد محاسَب ونفسه وديعة؛ فهي مسترجعة. كما أن حياة ما بعد الموت، باقية، خالدة وأبدية. بينما حياتنا هذه الدنيوية قصيرة وفانية، والعاقل يختار ما يبقى على ما يفنى.
وينبغي للمسلم أن يستحضر، على الدوام، الغاية من خلقه ووجوده. وتتجلى هذه الغاية في مظاهر وأمور أهمها:
1-  العبودية؛ لقوله تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات 56)
2-  الابتلاء؛ قال الله سبحانه: "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" (الملك 2)
3-  الاستخلاف لقوله سبحانه: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ"(النور55).
هذه الرسائل الثلاث التي يخاطبنا الله بها، لهي رسائل جليلة وثقيلة، بحيث لا يستطيع القيام بها وبمقتضياتها، إلا الصادقون من المؤمنين الذين تحملوا الأمانة، وأخذوا بأسباب الوظيفة الرسالية العظمى. ومن هنا سطَّر وبيَّن الحق سبحانه في كتابه العزيز، عناصر وبنود العمل التطهيري وتزكية النفس، لكي يستطيع المسلم القيام بأعباء تلك الرسالة.
ولما كان المسلمون، إلا من رحم الله، غافلين عن هذا الأمر الجلل؛ أي الغاية من خلقهم ووجودهم (العبودية، الابتلاء، الاستخلاف...)، وما ترتب عن تلك الغفلة من جهل بالشريعة الإسلامية ومقتضياتها، ضعُف لديهم عنصر التزكية النفسية، أو كاد ينعدم. ولهذا حُرِموا الفلاح لكونه مشروطا بتلك التزكية؛ قال تعالى: "قد أفلح من زكاها" (الشمس 9)، وضيعوا دنياهم، وقد يخسر كثير منهم أخراهم.
إن موضوع التطهير الروحي، وإصلاح النفس، وتربيتها، وتزكيتها، من الموضوعات القيمة التي حظيت باهتمام العلماء والمربين المسلمين قديما وحديثا. ولا غرو أن تجد التراث الإسلامي التربوي والأخلاقي، زاخرا بالكتب والرسائل العلمية التي تتناول موضوع النفس وأحوالها، وعلاقتها بالقلب، وأثرها في شخصية الإنسان وسلوكه، وأيضا من حيث كونها؛ أي النفس، محل التكليف، وهدف الخطاب الإلهي.
ولعل من أشهر من كتب وألف في هذا المضمار؛ أبو الفرج جمال الدين بن الجوزي، وتقي الدين أحمد بن تيمية، وتلميذه شمس الدين محمد بن قيم الجوزية رحمهم الله.
وبناء على أهمية هذا الأمر ووجوبه، ينبغي لكل مسلم، أن يلتزم بما أمر الله به، ويجتنب كل ما نهى عنه سيحانه؛ طاعة وامتثالا وعبودية، وسموا بالنفس وتطهيرا لها وتزكية. ويمكن تلخيص ذلك في عناصر أربعة:
العنصر الأول: ترسيخ عقيدة التوحيد في القلب، مع الاجتهاد في استحضار معاني أسماء الله وصفاته، والتحلي بها والتفاعل معها.
العنصر الثاني: القيام بالفرائض والأوامر، والواجبات الدينية، كما أمر الله وبين رسوله صلى الله عليه وسلم.
العنصر الثالث: اجتناب الكبائر، والمحرمات، والمنهيات، والذنوب والمعاصي المهلكة، والمفسدة للطاعات.
العنصر الرابع: الالتزام ببرنامج عملي؛ إيماني وإحساني. ويتضمن، على سبيل المثال، ما يلي:
1-  العزم على التوبة النصوح، ودوام الاستغفار، والتقرب إلى الله، والإقبال عليه.
2-  الحرص على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، والعمل بسنته.
3-  الاجتهاد في التخلي عن الرذائل، والتحلي بالفضائل.
4-  حب القرآن، وقراءته، وتدبره، والتخلق به، مع الالتزام بورد يومي منه.
5-  الاجتهاد في تحصيل العلم الشرعي، ونشره قدر المستطاع.
6-  صلاة الرواتب والنوافل، وقيام الليل ولو مرة في الأسبوع.
7-  ممارسة الذكر، والمحافظة على المأثور من أذكار الصباح والمساء.
8-  وصل الرحم، وترشيد المعاملات والعلاقات الأخوية والاجتماعية، والإسهام في أعمال الخير. والله أعلم.
وحرر يومه الخميس بعد الفجر 13 رمضان 1441 موافق 7 ماي بقرية بني صالح من ضواحي تطوان المحروسة.