التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تطوان؛ صور ومشاهد من الطفولة


أرسل إلي البارحة صديق عزيز؛ الدكتور الطبيب السيد مصطفى محفوظ، صورا جميلة لمدينة تطوان زمن الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، فذكرتني بأيام الطفولة والفتوة الرائعة...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ذكرتني أخي العزيز بسنوات الخمسينيات والستينيات زمن طفولتنا البريئة. لقد كانت أحداثها وصورها ومشاهدها ووجدانياتها من أحلى ما يقدر للإنسان أن يعيشه ويحياه.
نعم لقد عشنا في حي العيون وغيره من أحياء مدينتنا الأندلسية الجميلة والوديعة، زمن الطفولة والصبا والفتوة حياة بريئة رومانسية ملؤها الصدق والمحبة والمودة والتكافل، حياة تتدفق حيوية وطموحا وآمالا.

حياة تنفست وتغذت في بيئة اجتماعية نظيفة طاهرة ومتدينة. تلك البيئة الاجتماعية والتربوية التي سهر على إنشائها ورعايتها وتوجيهها آباؤنا وأمهاتنا وأعمامنا وعماتنا وأخوالنا وخالاتنا وكل أقاربنا وجيراننا ومعلمينا وأساتذتنا وشيوخنا وعلمائنا الربانيين وعلى رأسهم صهرك وأستاذنا مربي الأجيال؛ العلامة أبو أويس محمد بوخبزة رحمه الله.

إيه! يا عزيزي يا صديق الطفولة والعمر! لقد كان الكل يربينا ويوجهنا ويحبنا؛ المساجد المفتوحة طوال النهار تقوم بوظيفتها الدينية والتربوية، والمدارس والثانويات الطاهرة غير الملوثة بالاختلاط النتن كما هي الآن. تلك المؤسسات التربوية التي كنا ننهل منها كؤوس العلم والتربية والأدب والحياء.
نعم، لا زلت تذكر وأنا أيضا كنا نحب زيارة أقاربنا ونسعد برؤيتهم والاستماع إلى حديثهم. لقد تنعمت أرواحنا بأوقات تلك الزيارات المباركة، وتزكت بها قلوبنا وتنورت عقولنا. إنه الإرث التربوي الديني الطاهر عندما ينتقل من الأجداد و الآباء والأمهات والأخوال والخالات... إلى الأبناء والأحفاد والحفيدات.
لقد كانت البيئة الاجتماعية الفردوسية التي أكرمنا الله بها كلها عبارة عن فضاءات ومؤسسات دينية وعلمية وأسرية وعملية وترفيهية مليئة، بل طافحة بالخير والبركات. لقد كان لكل الناس نصيب وافر من الأمن والسعادة والمودة رغم وجود جوانب وصور عديدة للفقر والمعاناة، خاصة لدى الأسر التي هاجرت بعد الاستقلال من القرى إلى المدن. بيد أن العامل الديني والإيماني، رغم الأمية، كان له أثر كبير في حياة الناس ومدهم بقوة الصبر والرضا بالقضاء والقدر.
نعم يا عزيزي صديق الطفولة والعمر، تلك سنوات عقدين من عمرنا، ما أجملها وأجمل بها من سنوات؛ شلال متدفق سعادة وأمنا وطموحا وآمالا، ماؤه العذب الزلال كان يسقي قلوبنا وينبت فيها نبات الخير والعلم والمحبة. لقد كان زادنا الإيماني والنفسي قويا نتغلب به على ما كان يعترض سبيلنا ونحن نشق طريق حياة العلم والأدب.
تلك بعض الصور ومظاهر الخير والنعم التي عرفها وطننا الحبيب خلال عقدين ونصف بعد الاستقلال. وكان من قضاء الله وقدره أن يبتلي الله مجتمعنا بفقدان معظم تلك النعم تدريجيا بدءا من مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، حيث طفق الناس ينبهرون بمظاهر الحضارة الغربية ويتخذون الإنسان الغربي قدوة لهم في السلوك والنظرة المادية للحياة. فتغيرت أخلاقهم ومعاملاتهم فيما بينهم، وضعف إيمانهم. وشيئا فشيئا بدأ الشقاء يحل محل السعادة والأمن.
كما أن آلة التغريب والغزو الفكري الرهيب انتشرت في ربوع البلاد تستهدف القيم الدينية والأخلاقية. وظهر جيل من المستغربين الفرنكوفونيين الذين اتخذوا الغرب قبلة لهم، وانطلقوا بمعاولهم التي تسلموها من أسيادهم وأساتذتهم الفرنسيين، يهدمون ويخربون كل ما له علاقة بالهوية المغربية من دين ولغة وتاريخ وأعراف وتقاليد.

ومع ذلك فإن الصحوة الإسلامية قد عمت بلاد المسلمين من جديد. وظهر جيل جديد من الشباب يحب دينه ويعمل على نشر السنة ونصرها. والسلام عليكم ورحمة الله.

أ.د. عبد الله الشارف، 24 أبريل 2020، تطوان - المغرب

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وتباشيره. ومما لا ش…

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954.
الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016).
المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازنـة بيـن شيخ العلـم وشيخ التربيـة : سنة 2007. 5- تجـربتـي الصوفيــة …

لماذا تركت التصوف ؟

إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com

ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !!

وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر.

وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. وفي…