التخطي إلى المحتوى الرئيسي

يا نفسي حذار من الكرسي !



 

ما أكثر الكراسي التي جنت على أصحابها فأهلكتهم. لا بل جنوا عليها واعتدوا، فأهلكوا أنفسهم، بعد أن جاروا وظلموا.

لا شك أن كثيرا من كراسي وعروش الموتى الظلمة، والطغاة والمسؤولين، والحكام المتجبرين والمتكبرين، لا زالت قائمة، إما في المتاحف أو في دور خاصة. ولو استنطقتها، أو سألتها، لقصت عليك قصصا يشيب لها الولدان.

إن هذه الكراسي والعروش المشؤومة، بدءا من عروش الفراعنة، وانتهاء بكرسي مسؤول في مؤسسة من مؤسسات الدولة، هي التي، انطلاقا من طبيعتها ودورها، ووظيفتها، وما تحمله من معاني الاستعلاء والتكبر والاستبداد...، تجعل أصحابها يحيون حياة، يتوهمون من خلالها أن طينتهم غير طينة غيرهم من البشر.
ولكأني بهم قد سحروا من قبل هذه الكراسي. ولذا تراهم يبالغون في العناية بها، ويمنعون غيرهم من الجلوس عليها. وبعبارة أدق؛ هناك علاقة معنوية أو نفسية حميمية، تنشأ وتترعرع بين الكراسي المشؤومة وأصحابها.

إن ذلك المناخ النفسي الملئ بالعجب والغرور، والكبر والأنانية، والاستعلاء والتسلط...، نتج عن تلك العلاقة الحميمية المنحرفة، التي نسجها صاحب الكرسي مع كرسيه. حيث غدا هذا الكرسي بعضا منه، أي؛ جزءا من لحمه و دمه !!. بل لا يتصور أن يحيا أو يتنفس بعيدا عنه. ومن هنا يتألم هذا الإنسان، عندما يتذكر أنه سيتقاعد، أو يتألم إذا كان يخشى أن يعزل أو يقال من منصبه، أو يحول بينهما مانع من الموانع.

وعلى قدر محبة هذا الإنسان لكرسيه وتعلقه به، تكون وطأة الفراق والتقاعد، أو صدمة العزل والإقالة. ولو قدر لك أيها القارئ اللبيب أن تطلع على نفسية هذا الإنسان الذي لم يحسن معاملة كرسيه أي؛ مسؤوليته، وقد أقيل أو عزل من منصبه، أو يعيش حياة التقاعد، لهالك الأمر، ولأصابك الفزع، ولكرهت نفسك الكراسي المشؤومة، ولففرت منها فرارك من الأسد.

دعني أحدثك عن بعض جوانب هذه النفسية؛ إنها نفسية مريضة شقية. هد كيانها وضعضع أركانها، كثرة الذنوب والظلم والاعتداء على حقوق الناس، ومخلفات ورواسب العجب والتكبر والغرور والاستبداد. إنها نفسية شقية، لأن صاحبها انسلخ وتجرد من الطاقة الوهمية والسحرية، التي كانت تنبعث من الكرسي المشؤوم، وتسري في كيانه فينتفخ ويتضخم ويزهو ويتكبر.

إنها نفسية شقية؛ لأن صاحبها فقد تلك القوة والمناعة والعزة، التي اكتسبها من علاقته المنحرفة والمريضة بكرسيه المشؤوم. وهكذا ضعف هذا المفلس بعد قوة، وذل بعد عز.

وأقل معاناته وآلامه النفسية، تلك التي تعتريه مثلا، عندما يلتقي بأحد مستخدميه، فينفر منه، أو ينظر إليه نظرة سخط وإهانة، مذكرا إياه بظلمه وغطرسته. أو ينتهي إلى سمعه أن سلوكه المشين وتجاوزاته أيام عمله، كل ذلك قد أصبح محور حديث كثير من المجالس. بل يكفيه تعاسة وحقارة وشقاء، أن لعنة الناس والتاريخ تلاحقه في حياته وبعد موته.

ولعمري، هل أفسد المجتمع إلا هذه الفئة من أصحاب الكراسي المشؤومة؟
فكم من المرضى في المستشفيات ازدادوا مرضا، أو قضوا نحبهم على أسرتهم، بسبب الإهمال الذي يتحمله المسؤولون عن الصحة، بما في ذلك كثير من الأطباء والممرضين.
وكم من مظلوم ملهوف بباب مكتب من مكاتب إداراتنا، يطلب حقه، و لا من يعبأ به، بل يطرد ؟
فمن يمنع مدير المستشفى، أو وكيل محكمة أو قاضيها، أو رئيس إدارة، أو عميد كلية،... أن يكون مسؤولا صالحا، قائما بواجباته ؟ من يمنعه من ذلك إلا نفسه الأمارة، وأنانيته وجشعه، وتكبره، وكراهيته للخير والصلاح ؟ أليس هذا ورما سرطانيا في جسد المجتمع ؟

والأدهى والأمر، أن تجد من بين هؤلاء المسؤولين، من كان يناضل من أجل الديمقراطية والعدالة والإصلاح، ثم لما ظفر بالكرسي المشؤوم، انقلب على عقبيه، وتنكر لكل المبادئ الإنسانية. أليس معدن هذا خسيسا ؟

وداهية الدواهي، أن تسمع بمسؤول في مؤسسة ذات طابع ديني؛ كمجلس علمي، أو كلية دينية، أو إدارة من إدارات وزارة الأوقاف، من يسلك سلوكا يتنافى مع جوهر وظيفته، ويسئ إلى الإسلام والمسلمين.
هذا ما تفعله الكراسي المشؤومة بأصحابها، لا بل ما يفعل بها أصحابها. فالكرسي حسا ومعنى برئ، والجالس عليه مسؤول ومكلف، ومحاسب إن عاجلا أو آجلا.
"وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"(سورة الشعراء، آية 225).

د. عبد الله الشارف؛ جامعة القرويين/كلية أصول الدين- تطوان. رمضان المبارك 1433- غشت 2012.

تعليقات

  1. مصطفى بويدان24 سبتمبر 2012 في 11:45 ص

    أصبت الداء أستاذي الكريم ففتنة هذا العصر بامتياز هي فتنة الكراسي

    ردحذف
  2. الجيلالي قدوري8 مارس 2013 في 6:48 ص

    فعلا استاذي الفاضل كم جنت الكراسي على المرضى بها المتعلقين بأهذابها ، وايامنا هذه شاهدة على هذا المرض ...فمن اطمآن الى الكرسي فهو مخلوع ومن اطمأن الى القوة فهو مغلوب .

    ردحذف
  3. But wanna tell that this is very beneficial , Thanks for taking your time to write this.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال