التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مأساة الطلاق عند المسلمين المقيمين في الغرب



 

لا شك أن المسلم المقيم في بلاد الغرب، يعاني معاناة كثيرة ومتنوعة. والسبب في ذلك كونه يحمل ثقافة تتعارض كليا مع ثقافة البلد الذي يقيم فيه.فإذا كانت ثقافة مهاجرنا تتجذر في تربة حضارة دينية، فإن ثقافة الإنسان الغربي موغلة في الحضارة العلمانية المادية. ومن هنا يصطدم المسلم المهاجر مع كل المظاهر الاجتماعية والثقافية والتربوية للمجتمع الغربي. فعلى مستوى الأسرة مثلا، هناك معاناة أليمة تولدت بسبب خضوع مهاجرنا للقوانين الوضعية المنظمة والموجهة لحياة الأسرة في الغرب، حيث لا قوامة للرجل في بيته ولا عصمة بيده، وليس له الحق في أن يتدخل في كثير من شؤون زوجته وأولاده، أو يأمرهم كي يلتزموا بمبادئ الدين والأخلاق الإسلامية، وبعبارة أخرى؛ فإنه عاجز عن النيل من حريتهم التي يخولها ويضمنها لهم القانون الوضعي، ولو تعارض ذلك مع الدين والقيم الإسلامية، مما يترتب عنه حدوث كثير من المشاكل والصراعات بين الآباء والأبناء، أو بين الآباء والأمهات، والتي كثيرا ما تؤدي إلى الطلاق على الطريقة الغربية. وهنا أسوق كلاما لأحد الكتاب المسلمين كي أستدل به على هول مأساة الطلاق عند المسلمين المقيمين في بلاد الغرب.
يقول د. سالم بن عبد الغني الرافعي:
"إن النفقة في القانون الألماني إنما تجب على الطرف الأقوى ماديا، سواء كان الرجل أم المرأة، اتباعا لمبدإ الاشتراك في المسؤولية. أي؛ إن كان الرجل يعمل والمرأة لا تعمل، وجبت النفقة على الرجل. وإذا كانت المرأة هي التي تعمل والرجل لا يعمل، وجبت النفقة على المرأة. وإذا كان الرجل والمرأة يعملان، نظر في الأقوى ماديا منهما فتفرض عليه نفقة الطرف الآخر، بما يضمن التساوي بينهما في مستوى المعيشة. وقدرت المحكمة العليا قيمة النفقة بنصف المدخول الحقيقي للطرفين، فيأخذ كل طرف نصف ما يأتيهما من مال. وهذا ما يعرف بمبدإ المناصفة.....
ومنذ شهر واحد حصل في برلين أن صاحب محل تجاري من المسلمين العرب انتحر بسبب الطلاق. إذ فرضت عليه المحكمة أن يدفع أكثر من نصف مدخوله الشهري لمطلقته وأولاده، كما فرضت عليه أن يتخلى عن محله التجاري حتى يباع وتأخذ مطلقته نصيبها. فأقدم على الانتحار.....
ومنهم من تورط في الزواج ثم أدرك مغبة الطلاق وما يجره عليه من خسارة في ماله وولده، فآثر الصبر على أخلاق الزوجة الغربية، وصار خادما عندها تسيره كيف تشاء، يتجرع كأس الذل والمهانة كل يوم.... ولقد رأيت من يرى ابنته تصاحب الألماني الكافر ولا يستطيع أن يتدخل في شأنها، ومن تأتي ابنته والصليب على رقبتها ولا يستطيع أن يتكلم، ومن تزوجت ابنته من كافر وليس له إلا أن يبارك هذا الزواج، ومن اتخذت زوجته عشيقا ولا يستطيع إلا أن يكرمه.
نعم يا إخواني إن ما أخذه الغرب من المسلمين المهاجرين، كان أكثر مما أعطاهم. وإن من ارتد وانحرف من أولاد المسلمين أكثر من الغربيين الذين دخلوا في الإسلام. وكان تأثيرهم فينا أكثر من تأثيرنا فيهم، وإن كان ديننا أعظم من دينهم. لأننا حملنا الدين من غير صدق، وهم صدقوا من غير دين."

-1-د. سالم الرافعي؛ "أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب"، دار ابن حزم، بيروت 1423-2002. ص 603وما بعدها.

د. عبد الله الشارف؛ جامعة القرويين كلية أصول الدين، تطوان المغرب،1433-2012.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال