التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مودة وتعظيم المسلم المهاجر للغربيين





 

إن العامل المسلم المهاجر المقيم في بلاد الغرب، سلك بسبب إقامته هناك، سلوكا غير محمود في نظر الشريعة الإسلامية، ترتب عنه نوع من الضعف العقدي والإيماني، والانحراف الأخلاقي، وميل نحو التشبه بالنصارى في كثير من المعاملات والمظاهر الاجتماعية والسلوكية. قال الله تعالى {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} (113) سورة هود. قال الإمام القرطبي : “”الركون حقيقة هو الاستناد… قال قتادة وعكرمة معناه : ” لاتودوهم ولا تطيعوهم… قال ابن جريج : “لا تميلوا إليهم”. قال أبو العالية : “لا ترضوا أعمالهم”. وكله متقارب. وقال ابن زيد والسدي : “الركون هنا الادهان، أي لا تداهنوهم، ولا تصانعوهم، ولا تنافقوهم؛ وذلك بأن لا ينكر عليهم كفرهم، ويقول لهم ما يرضيهم … ، والظاهر أن ذلك مراد من الآية”.
وجاء في تفسير “الكشاف” لجار الله الزمخشري: ولا تركنوا متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم؛ أي بأن يخضع وينحط لهم ويجيئهم على ريحهم إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضى بأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم1".
وقال تعالى {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} (22) سورة المجادلة. قال ابن عطية : “نفت هذه الآية أن يوجد من يؤمن بالله تعالى حق الإيمان، ويلتزم شعبه على الكمال، أن يوادَّ كافرا أو منافقا. ومعنى يوادّ؛ يكون بينهما من اللطف بحيث يود كل واحد منهما صاحبه، وعلى هذا التأويل، قال بعض الصحابة : “اللهم لا تجعل لمشرك قِبَلِي يدا، فتكون سببا للمودة. “2.

ومودة النصارى وغيرهم من الكفار والمشركين، تؤدي إلى تعظيم شأنهم وإعلاء مكانتهم ومنزلتهم، وجعلها فوق منزلة المسلمين، وذلك بذكر قوتهم، ومدح حضارتهم وصناعتهم، ووصفهم بالعدالة والمروءة والشهامة، وغيرها من الأوصاف التي لا تنبغى إلا للمسلمين الأتقياء. ومن جهة أخرى، تؤدي تلك المودة إلى احتقار المسلم نفسه والمسلمين أجمعين، وإلى الحط من شأنهم ومنزلتهم، وهذا ما لا يجوز لمسلم أن يقدم عليه ويفعله مهما كان وضع المسلمين ومستواهم الحضاري والاجتماعي، لأن فعل ذلك خيانة، ونفاق، ودناءة، وجهل عظيم بنعمة الهداية والإسلام، رغم غربة الدين وأهله.
ولقد استمعت أكثر من مرة إلى كلام من هذا القبيل على لسان كثير من العمال المغاربة المقيمين في باريس وضواحيها، عندما كنت طالبا في هذه المدينة، أهيئ بحثا جامعيا حول الهجرة العمالية، وذلك في ثمانينيات القرن العشرين الميلادي. أعني أن تعظيم الغربيين النصارى والحط من شأن المسلمين، سلوك مألوف لدى أغلبية عمالنا المهاجرين في بلاد الغرب.

1-جعفر ابن ادريس الكتاني المغربي (المتوفى سنة1322 هـ)، “الدواهي المدهية للفرق المحمية، بحث في السياسة الشرعية”، تحقيق محمد حمزة الكتاني، منشورات دار الكتب العلمية بيروت، ط. 2، 1426 ـ2005 م، ص : 35.
2-الدواهي المدهية، المرجع نفسه، ص : 146

د. عبد الله الشارف/ كلية أصول الدين-تطوان المغرب. رجب 1433/ يونيو 2012.

تعليقات

  1. فعلا اصبنا بداء عضال ينخر عقول شبابنا الا وهو التقليد والانبهار بالغرب المتفسخ واصبحنا لا نعلم من نكون او الى ماذا نصبوا,يا امة الاسلام قد ان الاوان لك فقومي بالله بالقران و بالايمان

    ردحذف
  2. وجدير بنا أن نعتز بالاسلام والمسلمين ونهتم بأمور ديننا عوض الانبهار بقوتهم وتقليدهم اللهم اهد المسلمين

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وتباشيره. ومما لا ش…

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954.
الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016).
المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازنـة بيـن شيخ العلـم وشيخ التربيـة : سنة 2007. 5- تجـربتـي الصوفيــة …

لماذا تركت التصوف ؟

إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com

ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !!

وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر.

وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. وفي…