قراءة في خواف الإسلام أو الإسلام فوبيا

0


بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة في خواف الإسلام أو الإسلام فوبيا

يعتبر مفهوم خواف الإسلام أو الإسلام فوبيا، من المفاهيم التي تولدت في الغرب وانتشرت في قواميسه، وتناقلتها الألسنة ووسائل الإعلام الغربية في الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي، بعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، مرور بجهاد طالبان في أفغانستان، ثم بالأحداث المتعلقة بما يسمى ب:"التفجيرات الإرهابية" في بعض مدن أوروبا، إلى غير ذلك من الأحداث والوقائع التي توحي بأن الشرق الإسلامي بدأ يتحرك في اتجاه إثبات الذات والهوية والرجوع إلى الأصل .كما أن الصحوة الإسلامية أثرت سلبا في نفوس الغربيين، مما جعلهم ينظرون إليها بعين الريبة والفزع.
ولفظ فوبيا؛ الخواف، أصله يوناني: "فوبوس" الذي يعني الخوف الشديد اللامبرر. وفي قاموس علم النفس الغربي، فان كلمة فوبيا تشير إلى حالة من الخوف القوي تجاه أمر ما أو ظاهرة معينة، أو الخوف من أشياء معينة، أو وضعيات و مواقف محددة، أو الخوف من الإتيان بأعمال و نشاطات معينة.
ومن أنواع الخواف؛ خواف الأجانب، خواف الأعماق؛ أي الخوف من الأماكن العميقة أو المنحدرة، خواف الأموات والجثث، خواف البرق والرعد، خواف البحار والمحيطات، خواف الجراثيم، خواف الحشرات، خواف السرطان...إلخ.
ويمكن القول إن ظاهرة خواف الإسلام ( الإسلام فوبيا )، اشتدت حدتها ووطأتها بعد حادثة انهيار برجي التجارة العالمية في نيويورك يوم 11 شتمبر 2001 . وكان من نتائج الحادثة المفتعلة، اعتداء سافرعلى الشعوب الإسلامية من خلال التدخل في دينها وثقافتها وسياستها، والضغط على حكامها بهدف التنسيق مع الإدارة الأمريكية من أجل محاربة ما يسمى بالإرهاب أو التطرف الإسلامي، مما ألحق الأذى وأنزل الظلم بأشخاص وأسر وجمعيات و مؤسسات خيرية ودينية لا علاقة لها بمسمى الإرهاب.
وفي الدول الغربية و أوربا وأمريكا الشمالية حيث تتواجد الأقليات الإسلامية المهاجرة، اشتدت العنصرية وكراهية الأجنبي المسلم، واعتدي على كثير من المسلمين هناك، و استهدفت مساجدهم و جمعياتهم، وضيق الخناق على أنشطتهم الدينية و الثقافية، كما اعتدي على كثير من النساء المحجبات، وأثير موضوع الحجاب من جديد بخطاب متوعد و شرس. وأساءت وسائل الإعلام إلى المقدسات الإسلامية و إلى النبي صلى الله عليه و سلم، حيث قامت صحف دانماركية ونرويجية و غيرها بنشر صور و رسوم تسيء إلى تلك المقدسات والى شخص نبينا عليه أفضل السلام و أزكى التحيات.و انطلقت الصحف والمجلات والقنوات الفضائية تنشر و تذيع أفكارا و رؤى حول الاسلام مليئة بالكذب و المغالطات وتزييف الحقائق و إطهار الاسلام بمظهر الإرهاب.
والأدهى والأمر أن كثيرا من المصطلحات و المفاهيم التي صاغها الغربيون عن الاسلام، تم قبولها وتبنيها من قبل المستغربين والمقلدين الببغاوات من أبناء جلدتنا. ومن بين هذه المصطلحات: الاسلام الراديكالي، الاسلام المتطرف، الاسلام المقاتل، الإسلام الأصولي....
إن هذه المصطلحات الدخيلة ومايشبهها، أصبحت تلوكها ألسنة المستغربين والمنحرفين عقديا،وكذا ضعاف الإيمان من المسلمين، وكثير من أفراد الطبقة الغنية المستغربة، وغيرهم ممن يقلد الغرب ويدور في فلكه. كما انتشرت كثير من مقالات ومؤلفات المستغربين في بلادنا الإسلامية، تطفح بالغمز واللمز والنقد الساقط و السخيف لمقدسات وثوابت الأمة الإسلامية مثل التجرؤ على كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام.
ذكر الاستاذ سعيد حوى رحمه الله في كتابه: "جند الله ثقافة وأخلاقا"، كلاما جاء في كلمة أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الفرنسية سنة 1953 . وهذا نصه:
"ليست الشيوعية خطرا على أوربا فيما يبدو لي. إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا هو الخطر الاسلامي. فالمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي، فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص ، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة، فهم جديرون بأن يقيموا قواعد عالم جديد دون الحاجة الى الاستغراب؛ أي دون حاجة الى إذابة شخصيتهم الحضارية و الروحية بصورة خاصة في الشخصية الحضارية الغربية.وفرصتهم في تحقيق أحلامهم هي في اكتساب التقدم الصناعي .وإذا تهيأ لهم ذلك انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الروح الغربية ويقذفون رسالتها إلى متاحف التاريخ.وقد حاولنا خلال حكمنا الطويل في الجزائر أن نتغلب على الشخصية التاريخية لشعب هذا البلد، فلم نأل جهدا في صوغ شخصية غربية له، فكان الإخفاق الكامل نتاج مجهودنا الضخم الكبير.
إن العالم الإسلامي يقعد اليوم فوق ثروة خيالية من الذهب الأسود والمواد الأولية الضرورية للصناعة الحديثة، ولكنه في حاجة إلى الاستقلال في استغلال هذه الإمكانيات الضخمة في بطون سهوله وجباله وصحاريه. إنه في عين التاريخ عملاق مقيد، عملاق لم يكتشف نفسه بعد اكتشافا تاما. فهو حائر وهو قلق وكاره لماضيه في عصر الانحطاط، راغب رغبة يخالطها شئ من الكسل أو بعبارة أخرى من الفوضى في مستقبل أحسن وحرية أوفر. فلنعط هذا العالم ما يشاء، ونقو في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني، فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخطة، وتحرر العملاق من قيود جهله، وعقدة الشعور بعجزه عن مجاراة الغرب في الإنتاج، فقد بؤنا بالإخفاق الذريع وأصبح العالم العربي وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة، خطرا داهما يتعرض به التراث الغربي لكارثة تاريخية ، ينتهي بها الغر ب، وتنتهي معه وظيفته القيادية".
إن هذا المسؤول السياسي الفرنسي قد أشار ضمنيا إلى العامل الأساسي في ظهور مفهوم خواف الإسلام أو الإسلام فوبيا، وهو عامل "خطر الإسلام القادم". والحقيقة أن خوف الغربيين من الإسلام يرجع الى ماض سخيف؛ أي الى زمن الفتوحات الاسلامية في الشرق والغرب والاندلس .مرورا بانتصارات الدولةالعثمانية وتوسعها.
وعندما انحسر نفود المسلمين وتقهقرت حضارتهم ومدنيتهم، تنفس المسيحيون الصعداء ولم يعد الخوف من الإسلام جاثما على صدورهم، بل استضعفوا المسلمين، وغزوا ديارهم واستعمروا مدنهم وقراهم وأراضهم، واعتدوا عليهم وأذاقوهم الذل والهوان.
لكن ما ان استقلت الشعوب الإسلامية وطردت المستعمرالغاشم، حتى شرعت في بناء واقع جديد واسترجعت قوتها وأيقظت عقيدتها وهويتها، ثم تمخض عن ذلك ظهور الصحوة الإسلامية التي خيمت على ربوع العالم الإسلامي، وأنارت عقول الشباب المسلم وألهبت قلوبهم فانطلقوا ينافحون عن الإسلام ويدعون إليه ويتحدون الصعاب. ثم كان الجهاد الإسلامي في فلسطين وأفغانستان إلى غير ذلك من الأحداث والوقائع التي كان لها وقع سيء في نفوس الغربيين، فانتشر بينهم من جديد الخوف من الإسلام، وطفقوا يكيدون للمسلمين، ويسخرون كل طاقاتهم المادية والمعنوية معلنين الحرب السافرة على ما يسمونه الإرهاب الإسلامي أو الأصولية الإسلامية. كما التجؤوا إلى أساليب وخطط ملتوية أو غير مباشرة؛ مثل خطة حوار الأديان والثقافات، أو ما يسمونه بالتسامح الديني.
والخلاصة أن خواف الإسلام أو الإسلام فوبيا، هو مرض نفسي قديم متجذر في نفوس النصارى واليهود، له علاقة بوجود الإسلام وقوته وعظمته وغايته التي هي التوحيد وإقامة الحق وإزهاق الباطل. والإسلام من طبيعته أنه يخيف الكفار والمشركين؛ قال تعالى: "لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله" (سورة الحشر13)، وقال أيضا؛ "ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم" (سورة الأنفال 60).
ان الإسلام يقف في وجه الباطل وكل أنواع الاستغلال والاستعباد، كما يتصدى للشرك والأهواء والسلوكات اللإنسانية. وإن الإسلام دين السلم والأمن لمن آمن به واستسلم له. أما من يعاديه أو يعلن الحرب عليه،أو يمارس الإرهاب الحقيقي على أهله، فانه يخسر، أو يهلك لا محالة، ويصاب بأمراض نفسية من بينها؛ مرض خواف الإسلام أو الإسلام فوبيا.
د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف،
تطوان جمادى الأولى 1433/أبريل 2012.

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق