التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ذات المسلم وعلاقتها بالإيمان



 

إن مفهوم الذات كما يتصوره الإسلام، يتحدد انطلاقا من علاقة المسلم الذاتية بالشريعة السمحة، والعقيدة الصحيحة القائمة على التوحيد. فالشريعة هي المقياس للسلوك المقبول أو المرفوض، حيث أن المسلم الملتزم يحرص على ألا يكون سلوكه سلوكا عشوائيا أو غير موزون، وإنما يضبط كل أقواله وأفعاله وجميع معاملاته بضوابط الشريعة، كما يجتهد في التأدب والتأسي بآداب وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. كما يرتبط مفهوم الذات في ضوء التصور الإسلامي بعنصر التوازن، حيث لا يطغى على الذات التفكير المادي والانفعالات الحادة، والانحرافات السلوكية، وتغدو في اتساق متناغم مع الشرع، دون تضاد في الأبعاد العقلية والجسمية والروحية والاجتماعية.
ويتصف مفهوم الذات في الإسلام بالايجابية، من خلال تفاعل الفرد مع الأحداث والتأثير فيها، وتوجيهها بما يرضي الله تعالى ويخدم مصلحة المجتمع، كما يرتبط بالجدية في العمل والتفاعل مع أنشطة الحياة المختلفة بكل حماس ونشاط من غير تكاسل وفتور. ثم إن مفهوم الذات في الإسلام يعلي من قيمة الإرادة الحرة، التي هي من متطلبات التكليف الشرعي، ويشجع على استعمالها في أفعال الخير، تلك الأفعال التي يستفيد منها الناس في الدنيا ويجد صاحبها الجزاء الأوفى عند الله في الآخرة.
وأعظم ما في الدين الصحيح؛ الإيمان القوي، فهو سره وروحه وحيويته، وليس الإيمان مجرد معرفة ذهنية بحقائقه، أو مجرد قيام الإنسان بأعمال وشعائر؛ فكم من واحد عرف وجحد، وآخر صلى وصام وهو منافق. إن الإيمان في حقيقته عمل نفسي يبلغ أغوار النفس وأعماقها، ويحيط بجوانبها كلها من إدراك وإدارة ووجدان. كما لا بد أن يقترن بالمعرفة الإيمانية إذعان قلبي وانقياد إرادي، يتمثل في الخضوع والطاعة لله ورسوله.
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: " فالإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله، التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب، التصديق المطمئن الثابت المستقين الذي لا يتزعزع ولا يضطرب، ولا تهجس فيه الهواجس. ولا يتلجلج فيه القلب والشعور، والذي ينبثق منه الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله، فالقلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان، واطمأن إليه وثبت عليه، لابد مندفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب. في واقع الحياة في دنيا الناس، يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان، وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة، ولا يطيق الصبر على المفارقة بين الصورة الإيمانية التي في حسه، والصورة الواقعية من حوله، لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة، ومن هنا هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن. يريد به أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه، ليراها ممتلة في واقع الحياة والناس."

1- سيد قطب؛ "في ظلال القرآن"، ج6 ص3348، ط25، دار الشروق،بيروت 1417-1996.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1433-أبريل 2012.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وتباشيره. ومما لا ش…

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954.
الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016).
المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازنـة بيـن شيخ العلـم وشيخ التربيـة : سنة 2007. 5- تجـربتـي الصوفيــة …

لماذا تركت التصوف ؟

إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com

ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !!

وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر.

وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. وفي…