بناء الذات بين الذكاء الوجداني والتربية الإيمانية

0

تمهيد:
يرجع قيام الفلسفة الحديثة في أوربا إلى حركتين تاريخيتين، الأولى: حركة النهضة الفكرية وإحياء العلوم وآثار اليونان، والثانية: حركة الإصلاح الديني. ففي منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، بدأت آثار اليونان وفلسفتهم تتسرب إلى عقول المثقفين والمفكرين الأوربيين، وانبعثت من إيطاليا لغة اليونان القدامى وفلسفتهم. ثم إن أسباب حركة النهضة الفكرية هاته ترجع حسب بعض المؤرخين إلى أيام الحروب الصليبية وأيام الاستيطان المسيحي  للقدس و ولغيرها من المدن والحصون والقرى، حيث استفاد المسيحيون من حضارة المسلمين ومدنيتهم وعلومهم، وكان التلاقح الثقافي بينهما لصالح الغزاة، أضف إلى هذا حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية التي انطلقت من صقلية في القرن الثالث عشر الميلادي، ثم انتشرت في بعض المدن والمراكز العلمية الإيطالية والإسبانية والفرنسية. أما فيما يخص الحركة الثانية أي حركة الإصلاح الديني، فإنها ساهمت بدور فاعل في تحرير العقول من العبودية التي فرضها اللاهوتيون والكنسيون. وقد تجلى ذلك في ظهور المذهب البروتستانتي على يد لوثر وكالفن، ذلك المذهب الذي دعا إلى التسلح بروح النقد وإخضاع النص الديني المسيحي للتحليل والنقد العقلي. ولقد أدى تضافر النهضة الفكرية والعلمية مع حركة الإصلاح الديني إلى إنتاج عامل ثالث هو ازدهار العلوم الطبيعية، الذي كان له الأثر الفعال والمباشر في تحويل فلسفة القرون الوسطى المسيحية إلى الفلسفة الحديثة.
لم تكن الفلسفة الأوربية الحديثة تدعو إلى تشجيع البحث في العلوم الطبيعية فحسب، وإنما جعلت من الإنسان الحر محور تفكيرها؛ حيث دعت إلى إعادة بناء الأوربي انطلاقا من أسس جديدة، وقيم إنسانية وضعية وفلسفية تقوم على تقديس العقل. وبذلك فشا الاعتقاد بأن العقل يستطيع حل كل ألغاز ومشاكل العالم. ثم إن هذا الميل إلى إخضاع كل شيء لبحث العقل وسلطته أدى إلى وضع العقل نفسه تحت المجهر وأخضع للبحث والتحليل؛ فتساءل الإنسان الأوربي عن أصول المعرفة وطبيعة الإدراك وأيهما الحكم في المعرفة العقل أم التجربة؟ فجا ء العقلانيون- ويمثلهم ديكارت- وردوا المعرفة إلى العقل، وردها التجريبيون بزعامة بيكون الإنجليزي إلى التجربة.

نشأة الذكاء الوجداني:
ظل العقل يشكل باستمرار محورا من المحاور الأساسية في الفلسفة الأوربية الحديثة، لكن عندما نشأ علم النفس الحديث مال بعض علمائه إلى دراسة العمليات العقلية من إدراك وتعلم وتخيل، ودراسة خصائص الدماغ، والجهاز العصبي، وتعزيز ذلك بعلم التشريح، فحدث على إثر ذلك اكتشاف الذكاء المعرفي في فرنسا سنة 1905 على يد ألفريد بيني؛ الذي قام بابتكار طريقة لتشخيص  المستويات العقلية لدى الأطفال الأسوياء وغير الأسوياء في المصحات والمدارس الابتدائية في باريس، وتواصلت الجهود في هذا المضمار على يد علماء بريطانيين وأمريكيين وألمانيين.
" أما الوجدان أو الانفعال، فقد نظر إليه السيكولوجيون على أنه متغير غير منظم ومشوش، ويصعب ضبطه أو السيطرة عليه، وأنه يتناقض مع التفكير المنطقي. وقد سادت هذه النظرة منذ القرن الثامن عشر، وسميت ب "حركة العقلنة"، التي لا ترى للوجدان دورا يذكر في نجاح الفرد، وأن حياته ستكون أفضل لو تم تحكيم عقله وعزل انفعالاته، حتى لا تشوش على التفكير السليم. وأن الانفعالات تعكس صورة غير حضارية للفرد.....
وتبعا لهذا الاتجاه، فقد اقتصر مفهوم الذكاء لدى معظم الباحثين، لفترة طويلة من الزمن، على الذكاء المعرفي فقط؛ الذي يشير إلى مجموعة من القدرات المعرفية كالتفكير المجرد، والاستدلال والحكم والذاكرة وغيرها. غير أن هذه النظرة أثارت حفيظة بعض السيكولوجيين الذين شعروا بالخوف من سيطرة المدرسة المعرفية على العوامل الأخرى التي تتحكم في السلوك البشري، وفي مقدمتها العامل الوجداني، مما قد يؤدي إلى اختلال النظرة المتزنة إلى الإنسان باعتباره كائنا يجمع بين العقل والوجدان".[1]
وفي بداية الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي طرأ تحول في علم النفس الحديث متعلق بموضوع الذكاء والقدرات العقلية والنفسية؛ حيث أعيد النظر في الجانب الوجداني والانفعالي عند الإنسان. وبدأ الحديث يكثر بين علماء النفس عن الذكاء الوجداني أو الانفعالي، وأهميته في وقتنا الراهن الذي تفشت فيه مظاهر الفشل والانحراف والعنف، وتصاعدت وتيرة الجرائم والنزاعات والحروب. وهكذا برزت أهمية الذكاء الوجداني كقوة مسيطرة على كل قدراتنا الأخرى إيجابا وسلبا؛ إنها قوة الوجدان. كما تجعل من هذا الذكاء فنا من فنون قيادة الانفعالات وإدارتها. وانتشرت في السنوات الأخيرة كثير من الأبحاث العلمية والتربوية تتمحور حول هندسة الانفعالات وبرمجتها، مرتبطة بالتفكير وتفعيل مهاراته للوصول إلى وعي حقيقي بالذات وإدارتها في المواقف الصعبة.
"وتسهم لغة الذكاء الانفعالي في هندسة الذات وتفعيل مسارات حيويتها في التوافق مع الذات والآخرين، واستثمار ذلك في تفعيل مسارات الطاقة اللامحدودة في مكنوناتها، لتبحر في عوالم التفكير الخلاق، والإبداع في الحياة، وهذه هي مكتسبات الاتجاهات السيكولوجية الحديثة، حيث أن حركة علم النفس في بداياتها؛ كانت ترفض كل ما يمت إلى الانفعالات بصلة، ولا تقدس إلا لغة العقل والمعرفة، ولكننا في عصر الحداثة التقنية وعالم الرقمية الممتدة الذي لا يتعامل إلا بلغة مواكبة العصر ومتطلباته، ومن هنا يجب أن نولي اهتمامنا بالاتجاهات السيكولوجية الحداثية التي تنادي بتعميم برامج هندسة الانفعالات وتفعيلها إيجابيا من خلال مهارات الذكاء الانفعالي، في الفرد والفكر والحياة، وبذلك يحفظ المجتمع من العدوانية، والتعجل في إصدار الأحكام، وأحداث العنف التي أخذت تعصف في العالم أجمع".[2]
وأكد أصحاب الذكاء الوجداني أو الانفعالي أن الوجدان يكتسي أهمية بالغة في حياة الإنسان وأنه ملازم للتفكير لزوم الشيء لظله، بل الوجدان والتفكير عمليتان متداخلتان ومتكاملتان. وقد أكدت الدراسات المتعلقة بسير الأبطال والعلماء والعباقرة وكبار الأدباء، أن نجاحهم لا يرجع لكونهم أذكياء فحسب، وإنما لأنهم يتصفون بذكاء وجداني زاخر وعميق، ذلك الذكاء الذي يتجسد في المثابرة وقوة الصبر والتحمل والتفاؤل والحماس وعلو الهمة...إلخ...
ويؤرخ لظهور مفهوم الذكاء الوجداني في علم النفس بتاريخين هما: عام 1989 حيث نشر  السيكولوجي الأمريكي ستانلي إ.غرينسبن مقالة بعنوان: الذكاء الانفعالي. وعام 1990 حيث نشر السيكولوجيان الأمريكيان بيتر سالوفي، وجون ماير مقالهما حول هذا المفهوم، إلا أنه عند فحصنا للتراث السيكولوجي، نجد أن هناك إشارات ضمنية إلى هذا المفهوم في الكتابات السيكولوجية السابقة، سواء ضمن الكتابات عن الذكاء المعرفي، أو ضمن أنواع أخرى من الذكاء، وخاصة الذكاء الاجتماعي.
وفي سنة 1995 ألف السيكولوجي الأمريكي دانييل جولمان كتابا حول "الذكاء الوجداني" عرف فيه هذا الذكاء بأنه مجموعة من المهارات  الانفعالية والاجتماعية التي يتمتع بها الفرد، واللازمة للنجاح المهني في كافة شؤون الحياة.  ويتضمن مفهوم الذكاء الوجداني لدى جولمان خمسة أبعاد: 1- الوعي بالذات أي معرفة انفعالات الذات 2- إدارة الذات أي التخلص من الانفعالات السلبية 3- حفز الذات أي تأجيل الإشباع 4- التعاطف أي استشعار انفعالات الآخرين 5- التعامل مع الآخرين أي المهارات الاجتماعية.
"يمثل مفهوم الذكاء الانفعالي مظلة تغطي مدى واسعا من المهارات والاستعدادات التي تقع خارج نطاق قدرات الذكاء التقليدية، والتي تتضمن بشكل أساسي الوعي بالمشاعر وبتأثيرها في الجوانب....مجموعة من القدرات والمهارات المتعلقة بالفرد وعلاقته بالآخرين والتي تلعب دورا مهما في نجاحه أو فشله في الحياة. فعلى مستوى الفرد يتضمن الذكاء الانفعالي قدرة الشخص على التعرف على مشاعره وانفعالاته، وعلى التمييز بينهما، وعلى التعامل مع المشاعر السلبية كالشعور بالإحباط وتراكم ضغوط الحياة. وهذه القدرة تمكن الفرد من استخدام أو توظيف مشاعره للوصول إلى قرارات صائبة في الحياة، وعلى المستوى الاجتماعي، فإن الذكاء الانفعالي يتضمن قدرة الفرد على فهم مشاعر الآخرين وتوقع ردود أفعالهم، وهو أيضا يتضمن المهارات الاجتماعية اللازمة لبناء علاقات جيدة بالآخرين وللتعامل مع النواحي الانفعالية في العلاقات على المستويين الشخصي والمهني، كما يتضمن كذلك القدرة على إقناع وقيادة الآخرين"[3].
وألف جولمان كتابا آخر تحت عنوان "العمل من خلال الذكاء الانفعالي" حيث تناول موضوع الكفاءة الانفعالية، وذهب إلى أن العامل الذكي انفعاليا يتفوق في مهارتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالكفاءة الشخصية وبقدرته على التعامل مع ذاته من حيث الوعي بقدراته وإمكاناته، وقدرته على التنظيم الذاتي لرغباته ونزعاته ودوافعه،  أما المهارة الثانية فتتعلق بالكفاءة الاجتماعية و بقدرته على الشعور باحتياجات ومشاعر الآخرين. وعلى هذا الأساس اتجهت البحوث إلى دراسة عوامل الذكاء الانفعالي لدى العاملين، في المؤسسات والإدارات، وبيئات العمل، بقصد تحسين المردودية والانتاج. كما تم توظيف وتفعيل مبادئ  الذكاء الانفعالي في مجال التربية والتعليم بهدف رفع مستوى التحصيل الدراسي وتحسيس سلوك الأطفال والتلاميذ. وفي هذا المجال ظهرت كتابات وأبحاث حول تربية الذكاء الانفعالي عند الطفل.
وفيما يتعلق بالمصطلحات الثلاثة: انفعال، وجدان وعاطفة هناك نوع من التداخل بين مدلولاتها، بل هناك من يميل إلى وجود ترادف بين الانفعال والوجدان. وقد أشار الدكتور محمد إبراهيم سعفان[4] إلى أن الانفعال جانب من جوانب الوجدان، كما أن السلوك الانفعالي استجابة مركبة، والاضطراب الانفعالي حالة تكون فيها الاستجابة الانفعالية غير مناسبة، أما الوجدان فهو تنظيم من الأحاسيس والمشاعر والانفعالات، وعن طريقه نستشعر الألم والسعادة. في حين أن العاطفة فكرة مركزية تتجمع حولها الانفعالات، وإذا كان الانفعال له خاصية واحدة مثل انفعال القلق أو الخوف أو الغضب، فإن العاطفة هي تنظيم من الانفعالات المتشابهة والمختلفة معا.








الذكاء الانفعالي وبناء الذات
تمهيد:
لم يكن مفهوم الذات متداولا بكثرة في أعمال وكتابات علماء النفس في النصف الأول من القرن العشرين، اللهم إذا استثنينا أعمال المحللين النفسيين، وعلى رأسهم فرويد ويونج وآدلر، لأن علماء النفس انطلاقا من العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر الميلادي، وإلى حدود العقد الخامس من القرن العشرين الميلادي، كانوا مغرمين بدراسة الجهاز العصبي، وإجراء التجارب على الدماغ والحواس، وابتكار مقاييس الذكاء الإنساني، ودراسة قوة الإدراك والذاكرة والتخيل، وغير ذلك من الموضوعات التي يمكن إخضاعها للتجارب والمقاييس الكمية. وبعبارة أخرى لم يحظ الجانب الشعوري والبعد الباطني باهتمام أولئك العلماء إلا قليلا. كما همش عالم العاطفة والوجدان والانفعالات، وذلك بسبب التوجه المادي للحضارة الغربية، وكذا بسبب تأثر علماء النفس بمنهج العلوم التجريبية وتبنيهم لتصور وفلسفة هذه العلوم، ذلك التصور الذي لا يعترف بالموضوعات التي يتعذر إخضاعها للتجربة والملاحظة.
"وفي سنة 1879م، أسس العالم الألماني "فونت" أول معمل لعلم النفس التجريبي بجامعة لييزج بألمانيا، وهو معمل مزود بأجهزة وأدوات خاصة لإجراء تجارب على الحواس من سمع، ولمس، و بصر، وأخرى على كيفية التذكر، والتعلم، والتفكير، والانتباه، وقياس سرعة النبض، والتنفس أثناء الانفعال...لقد كان المعتقد في ذلك الوقت أن العقل والشعور لا يمكن قياسهما، أما منذ هذا التاريخ القريب، فقد حق  لعلم النفس أن يتخذ مكانا إلى جانب العلوم الطبيعية التجريبية، وأن يصبح علما مستقلا عن الفلسفة العامة من حيث منهجه في البحث على الأقل".[5]
وفي مطلع القرن العشرين الميلادي، أسس واطسن الأمريكي مدرسته السلوكية التي تنظر إلى الكائن الحي نظرتها إلى آلة ميكانيكية معقدة، لا تحركه دوافع موجهة نحو غاية، بل مثيرات فيزيقية تصدر عنها استجابات عضلية وغدية مختلفة. لذا يجب أن يقتصر موضوع علم النفس على دراسة هذه الاستجابات الموضوعية الظاهرة، عن طريق الملاحظة الموضوعية البحثة أي دون الإشارة إلى ما يخبره الفرد من حالات شعورية أثناء ملاحظة أو إجراء التجارب عليه".[6]
ولما ظهرت مدرسة التحليل النفسي على يد سيجموند فرويد في النصف الأول من القرن العشرين، بدأ مفهوم الذات يؤسس مكانه في ميدان علم النفس المعاصر. ولقد انطلقت هذه المدرسة كطريقة لعلاج بعض الأمراض النفسية، ثم أصبحت نظرية ونظاما سيكولوجيا كان له أبلغ الأثر ليس فقط في علم النفس، بل في سائر العلوم والفنون الإنسانية كعلم الاجتماع، والتربية والسياسية، والأدب، والفن والتاريخ... واهتم علماء التحليل النفسي بالظواهر الباطنية لدى الإنسان مثل الشعور واللاشعور، كما  اهتموا بدراسة وتحليل  الغرائز عند الإنسان، وخاصة الغريزة الجنسية التي بالغوا في  أهميتها وجعلوا سلوك الإنسان خاضعا في كثير من جوانبه لسلطتها.
اهتمت مدرسة التحليل النفسي اهتماما كبيرا بموضوع الشخصية، وساهمت من خلال أدواتها ومفاهيمها في إرساء مبادئ وقواعد جديدة لفهم هذا الموضوع. ثم إن الأزمات والأمراض النفسية التي انتشرت في المجتمعات الغربية بين الحربين العالميتين، وفي أعقا ب الحرب العالمية الثانية، سواء كانت نتيجة لهاتين الحربين أو نتيجة للطبيعة المادية والآلية المعقدة للحضارة الغربية، أو بسبب غياب عامل الدين وعنصر القيم الإنسانية... هذه الأزمات دعت علماء النفس لكي يتجهوا نحو الشخصية مستهدفين تحليلها وفهمها، ثم البحث عن سبل علاجها، وكذا مساعدة الإنسان على التكيف داخل بيئته الاجتماعية والحضارية. وهكذا برز مفهوم الذات في قائمة المفاهيم النفسية التي تحضى باهتمام كبير من قبل علماء النفس المعاصرين. حتى أصبح هذا المفهوم في العقدين الأخيرين يحتل مكانة الصدارة في الإرشاد والتربية، والعلاج النفسي كما ظهر في السنوات الأخيرة ما يسمى بسيكولوجية الذات.
تعريف الذات:
" تنوعت الاتجاهات الفكرية في تناول مفهوم الذات، لأن جذور مفهوم الذات وأسسه قديمة جدا في أفكار الفلاسفة القدماء والتراث السيكولوجي، وهذا ما يؤكد التطور التاريخي للمفهوم عبر الأزمنة المتعاقبة، مما ترتب عليه تعدد التعريفات وتنوعها التي تناولت مفهوم الذات عند الباحثين. فهناك من يعتبرها الوصف الشامل والكلي الذي يستطيع الفرد أن يعطيه عن نفسه في أي وقت يطلب منه ذلك، في حين يخصها البعض بإدراك الفرد لاتجاهاته، ومشاعره، ومعلوماته عن قدراته ومهاراته ومظهره وتقلبه الاجتماعي. ويعتبرها آخرون بأنها مجموع الادراكات الكلية التي يكونها الفرد عن نفسه، واللغة التي يستخدمها لوصف ذاته.
ويراها آخرون بأنها تكوين معرفي منظم ومتعلم للمدركات الشعورية والتصورات والتعميمات الخاصة بالذات، وتتكون من أفكار الفرد الذاتية والمحددة الأبعاد من العناصر المختلفة لكينونته الداخلية والخارجية.
في حين يعتبرها السبيعي ما يبلوره الفرد تجاه خلفيته الفكرية وأهوائه وقدراته واتجاهاته ومشاعره، وما يتجمع لديه كقوة موجهة للسلوك، وهو يتكون نتيجة للتفاعلات الاجتماعية".[7]
يستخلص من هذه التصورات والرؤى والتعريفات المتعلقة بالذات، أن ذات الإنسان تشكل محور شخصيته بما تتميز به من أفكار ومشاعر، وتصورات، وطموحات، وقدرات على التكيف الاجتماعي، والتواصل مع الآخرين، كما أن الذات تختزن خبرات الفرد الماضية وتوقعاته وأفكاره المستقبلية. وتعتبر في حالة سلامتها وقوتها مصدرا أساسيا للانسجام السيكولوجي وتحقيق السعادة.

آليات الذكاء الوجداني أو الانفعالي وعلاقتها بالذات:

يذهب بعض علماء النفس المهتمين بمجال الذكاء الانفعالي إلى أن  هذا الذكاء  في علاقته بالذات يتجلى أو يتجسد في خمسة مستويات رئيسة:
المستوى الأول: الوعي  بالذات أي معرفة انفعالات الذات.
المستوى الثاني: إدارة الذات أي التخلص من الانفعالات السلبية.
المستوى الثالث: حفز الذات أي تأجيل الإشباع.
المستوى الرابع: التعاطف أي استشعار انفعالات الآخرين.
المستوى الخامس: التعامل مع الآخرين أي المهارات الاجتماعية.
1- الوعي بالذات:
"إن الوعي بالذات أو معرفة انفعالات الذات، هو الركيزة الأساسية للذكاء الوجداني عند جولمان. وفي هذا البعد، يورد جولمان المثال التالي: يحكى في التراث الياباني أن محاربا من الساموراي، أراد أن يتحدى أحد الرهبان ليشرح له مفهومي الجنة والنار. لكن الراهب أجابه بنبرة احتقار، قائلا له: "أنت تافه ومغفل، وأنا لن أضيع وقتي مع أمثالك". صرخ المحارب لإحساسه بالإهانة، واندفع في موجة من الغضب، ساحبا سيفه من غمده، يريد الانقضاض على الراهب، قائلا له: "سأقتلك لوقاحتك". فأجابه الراهب في هدوء وسماحة: "هذه تماما هي النار". فهدأ الساموراي وقد روعته الحقيقة التي أشار إليها الراهب حول موجة الغضب التي سيطرت عليه، ويعيد السيف إلى غمده، وينحني للراهب شاكرا له نافذ بصيرته. فيقول له الراهب: "وهذه هي الجنة".[8]
إن الموقف النهائي الذي اتخذه ذلك المحارب بعد أن خمدت نار غضبه يعبر تعبيرا جليا عن مدى وعيه بذاته، ومدى سيطرته على انفعال الغضب. فالوعي بالذات يعني مراقبة الانفعالات تلك المراقبة التي تساعد على التحكم أو الضبط الانفعالي.
2- إدارة الذات:
أما إدارة الذات، فالمراد بها قدرة الفرد على التحكم في الانفعالات السلبية وتحويلها إلى انفعالات إيجابية، وممارسة مهارات الحياة بفاعلية. وإدارة أفعاله وأفكاره ومشاعره بطريقة متوافقة ومرنة، عبر مواقف وبيئات اجتماعية مختلفة، وتعني إدارة الذات أيضا أن يكون الفرد سيد نفسه، حين يتعرض لمواقف انفعالية منبعثة من الحياة، فيديرها بكفاءة وذكاء، لا أن يكون عبدا لها.
" لأن سيطرة انفعال معين على الفرد، حتى يصير عبدا له، ويصعب التحكم فيه، ليصبح حالة ملحة ومتطرفة، يعتبر حالة مرضية، كما في حالات الاكتئاب والخوف والقلق والغضب والهيجان، إلا أن المطلوب، ليس هو تجنب المشاعر السلبية، كالحزن والاكتئاب ليتحقق الشعور بالسعادة؛ ولكن يجب الانتباه إليها ومحاولة فهمها، حتى لا تطغى على المشاعر الإيجابية وتدمرها. فهناك الكثير ممن يمرون بمشاعر الغضب والاكتئاب، ولكنهم مع ذلك يمكن أن يشعروا بالرضى وتحسن الحال، إذا استطاعوا أن يعوضوا تلك المشاعر السلبية بمشاعر أخرى إيجابية".[9]
إن الغضب مثلا، من الانفعالات التي قد تسبب للإنسان مشاكل نفسية وتجعله يحس بمشاعر سلبية خاصة إذا لم يحسن الفرد إدارة هذا الانفعال وتوجيهه أو على الأقل التخفيف من وطأته. وكثيرا ما تكون الطريق الى تهدئة ثورة الغضب أو إخماد ناره يسيرة جدا، ويكمن ذلك في أن يغير الإنسان الغضبان نظرته إلى الأفكار التي تهيج غضبه بحيث ينظر إليها بصورة أكثر إيجابية، فيتحول ما كان يراه قبل قليل سوادا قاتما إلى صفحة بيضاء ناصعة، وهذا ما يعبر عنه علماء الذكاء الانفعالي بإدارة الانفعالات وتوجيهها.
3- تحفيز الذات:
وفيما يتعلق بالمستوى الثالث وهو حفز وتحفيز الذات، فإنه يشير إلى  الدافعية الذاتية والتحكم في الانفعالات والقدرة على تأجيل الإشباع. وهي جوانب هامة للذكاء الوجداني. وتشير إلى القدرة على تنظيم الانفعالات والمشاعر وتوجيهها إلى تحقيق الإنجاز والتفوق، واستعمال المشاعر والانفعالات في صنع أفضل القرارات، وفهم كيف يتفاعل الآخرون مع الانفعالات المختلفة . وحفز الذات، هو البعد الثالث في الذكاء الوجداني عند دانييل جولمان.
فالانفعالات تؤثر على استخدام إمكاناتنا العقلية إلى الحد الذي يمكن أن يعوق قدراتنا على التفكير والتخطيط وعلى الفعل. ويقرر جولمان أنه بمقدار ما نكون مدفوعين بمشاعر الحماس و المتعة فيما نعمل، يكون اندفاعنا نحو الإنجاز. فالذكاء الوجداني استعداد قوي ورئيسي، وقدرة تؤثر بقوة في كل قدراتنا الأخرى.
إن الدافعية الذاتية في رأي علماء الذكاء الانفعالي هي حالة استشارة وتوتر داخلي تثير السلوك وتدفعه إلى تحقيق هدف معين. والمكون الأساسي في الدافعية هو الأمل، ويعني أن الإنسان لن يستسلم للقلق الغامر، والاتجاه الهازم للذات، والتحديات الصعبة. كما أن الدافعية هي استعداد الكائن الحي لبذل أقصى جهد لديه من أجل تحقيق هدف معين. ويشير جولمان إلى أن الدافعية تعني عدم استسلام الفرد للقلق الغامر، أو الاتجاه الهازم للذات، والاكتئاب والتحديات المختلفة، بمعنى أن يتوفر لدى الفرد هدف يسعى لتحقيقه، وأن يمتلك الحماسة والمثابرة واستمرار السعي من أجل تحقيق ذلك الهدف، ويؤكد جولمان على أن الأفراد الذين تتوفر لديهم درجات عالية من الأمل، يكونون أقل عرضة للاكتئاب من غيرهم، لأنهم يناضلون خلال الحياة في محاولة منهم للبحث عن تحقيق أهدافهم، وهم أقل شعورا بالقلق والمتاعب الانفعالية....
"ويضيف سنيدر المشار إليه عند جولمان، على أن الأمل هو اعتقاد الفرد بأنه يمتلك كلا من الإرادة والطريقة الصحيحة التي توصله إلى  تحقيق هدفه مهما كان ذلك الهدف، فالأفراد ذوو المستويات العليا من الأمل يمتلكون سمات معينة تميزهم عن غيرهم، ومن هذه السمات أنهم يستطعون إثارة أنفسهم، أي أنهم يملكون القدرة على رفع مستوى دافعيتهم، ولديهم شعور بقدرتهم على إيجاد الوسائل التي تساعدهم في تحقيق أهدافهم، وتتصف أساليبهم بالمرونة، وهو قادرون على تجزئة المهمات الصعبة إلى مهمات أصغر يمكن التعامل معها"[10].
4- التعاطف:
"يشير التعاطف إلى القدرة على إدراك ما يشعر به الآخر، وهو أمر يستلزم قدرتنا على فهم مشاعرنا أولا، أي القدرة على الوعي بالذات. والتعاطف مهم  في السياق الاجتماعي، بين الأزواج والأصدقاء، وفي المجال المهني، كما في علاقة الرئيس بالمرؤوسين، أو العامل بزملائه، فلا بد أن تكون للفرد القدرة والحساسية على قراءة الإشارات الانفعالية للآخر بدقة أولا، قبل أن تتم عملية التعاطف كاستجابة".[11]
إن آلية التعاطف من الآليات الأساسية التي يتوفر عليها الذكاء الانفعالي، والتي من خلال ممارستها يستطيع الفرد إرساء قواعد ثابتة لبنيته الذاتية. فإذا كانت مشاركة العاطفة في حياة الإنسان تفتح مجالا واسعا للاندماج في العلاقات الأخرى، والتكيف الإيجابي البناء، وتخطى العقبات والحواجز، والدخول في الحياة العملية الناجحة، فإنها تقدم للفرد المتعاطف قدرة هائلة على معرفة عواطفه ومشاعره الخاصة، ثم استخدامها في مصلحته ومصلحة الآخرين. وهكذا يقوم التعاطف على أساس الوعي بالذات، لأن الفرد كلما كان قادرا على تقبل مشاعره وإدراكها، كان قادرا أيضا على قراءة مشاعر الآخرين.
ومن ناحية أخرى تلعب التنشئة الاجتماعية وخبرات الطفولة المبكرة دورا هاما في نضج التعاطف، فالاتصالات المتبادلة المبكرة بين الأم وطفلها لها دورها في نمو سمة التعاطف.  كما أن التعاطف مع الآخرين له علاقة بالأخلاق؛ كالعطف على أولئك الذين تعرضوا للإيذاء وجرحت مشاعرهم فجرحت مشاعر المتعاطفين معهم كذلك. ولقد بينت البحوث، أنه بقدر ما يزيد التعاطف مع إنسان ما بقدر ما يزيد التدخل للمساعدة. ومستوى التعاطف الذي يشارك به الناس بعضهم مع البعض يكون له أثره في أحكام أخلاقية مع الآخرين.
5- إدارة العلاقات:
وتشير إلى تأثير الفرد القوي في الآخرين عن طريق إدراك انفعالاتهم ومشاعرهم.
وفي هذا الصدد كتب دانييل جولمان يقول: "معظم الأدلة تشهد على أن الناس الماهرين انفعاليا، الذين يعرفون كيف يتحكمون في مشاعرهم جيدا، والذين يقرؤون بكفاءة مشاعر الناس الآخرين ويحسنون التعامل معها، يكون لهم السبق والتفوق في أي مجال من مجالات الحياة، بدءا من مجال العلاقات العاطفية والحميمية إلى الالتزام بالقواعد غير المكتوبة التي تحكم النجاح في العمل في أي مؤسسة.
إن فن العلاقات بين البشر، هو في معظمه مهارة في تطويع عواطف الآخرين. ويتطلب ذلك كفاية اجتماعية وقدرات وفعالية في عقد الصلات مع الآخرين. ويجيد المتفوقون في هذه المهارات التأثير بمرونة في كل شيء يعتمد على التفاعل مع الناس......
وإدارة الانفعالات بشكل سليم مع الآخرين، هي أساس تناول العلاقات على نحو صحي وناجح. وهي مهارة أساسية في إقامة علاقات إيجابية مثمرة مع الآخرين. ولكي ينجح الفرد في التحكم في انفعالاته، يتطلب نضج مهارتين انفعاليتين هما: إدارة الذات والتعاطف، وهي ما يطلق عليه الذكاء الاجتماعي الذي حدده توماس هاتش، وهوارد جاردنر في أربع قدرات مكونة للذكاء المتفاعل بين الأفراد، وهي: 1- تنظيم المجموعات. 2- الحلول التفاوض. 3- العلاقات الشخصية. 4- التحليل الاجتماعي".[12]
الذكاء الانفعالي في مجال التربية:
يؤكد الباحثون في مجال الذكاء الانفعالي على أهمية تغلغل مهارات الذكاء الانفعالي في المناهج التدريسية اليومية، التي تساعد الطلبة على تطوير مهاراتهم لغايات تحقيق النجاح في الأداء الأكاديمي والحياة.
ولذلك يعنى الذكاء الانفعالي بطبيعة الأفراد والجماعات والمجتمع برمته. ويمكن للفرد من خلال تنمية مهارات الذكاء الانفعالي؛ أن يضع علاقة بين انفعالاته وتفكيره من ناحية، وبين تفكير الآخرين وانفعالاتهم من ناحية أخرى، بحيث يجعل تلك العلاقة بمثابة الجسر الذي يؤدي به إلى الوصول إلى النجاح في  المجالات المختلفة من الحياة، ويؤدي بالتالي من ناحية أخرى إلى تقوية الذكاء الانفعالي لدى ذلك الفرد، وهذه من أهم خصائص الذكاء الانفعالي، ومصدر الفائدة من دمج موضوعات الذكاء الانفعالي في المنهاج التربوي.
ولقد أكدت الدراسات والأبحاث العلمية في بداية علاقة الذكاء الوجداني بالتربية، أن التعلم الذي يحرك مشاعر التلاميذ ويثير انفعالاتهم نحو التعلم، هو أقوى أنواع التعلم لأن الانفعالات تحتل مكانة الصدارة في الدماغ، وتعمل على تنمية التفكير وتحفيزه، وتساعد على التعلم الفاعل، لذلك يدعو بعض علماء النفس إلى إدماج الانفعالات في العلمية التربوية.
"ومع الإدراك المتزايد لأهمية دور الذكاء الانفعالي في التربية والتحصيل الدراسي، فقد أصبح هناك اهتمام متزايد في الولايات المتحدة بتطوير ما يعرف بالبرامج ذات الأساس المدرسي لتطوير قدرات ومهارات الذكاء الانفعالي. ويقرر سالوفي وزملاؤه وجود أكثر من 300 برنامج من هذا النوع في الولايات المتحدة مع بدايات القرن الواحد والعشرين. وهي برامج تتراوح أهدافها بين تغيير جانب خاص من جوانب السلوك وإحداث تعديل جذري في شخصية المتدرب. ومن أمثلة هذه البرامج؛ برنامج يسمى علم الذات الذي تم تطويره في كاليفورنيا على يد ستون ماكون وزملائه في العام 1998. وهو برنامج مكون من 54 درسا تغطي 10 أهداف. ويهدف البرنامج بوجه عام إلى تشجيع الأطفال على التعرف على مشاعرهم واحتياجاتهم والحديث عنها، وإلى تدريبهم على وضع أولويات لأهدافهم، وعلى التعلم من الخبرات السالبة، وبالتالي فإن برنامج علم الحياة يهدف إلى تطوير الشخصية بوجه عام. ومن ناحية أخرى، فمن أمثلة البرامج ذات الأهداف الخاصة، برنامج حل النزاعات إبداعيا الذي بدأه لانتيري وباتي عام 1996 بالمدارس العامة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة، ويهدف إلى تدريب التلاميذ على الوعي بالبدائل المتاحة لحل النزاعات، وعلى احترام الخلفية الثقافية للآخرين، وعلى مقاومة التعصب. وبطبيعة الحال تحتاج هذه البرامج إلى العديد من الدراسات لتقييم نتائجها ومدى فعاليتها".[13]
يتبين مما سبق أن توظيف مهارات الذكاء الانفعالي وبرامجه في المناهج والسياسات التعليمية ولهذا غدا منتشرا انتشارا كبيرا في البلدان المتقدمة حيث أصبح المربون والمسؤولون في مجال التربية مقتنعين بأن العوامل الانفعالية تلعب دورا أساسيا في النجاح المدرسي، وفي تطوير وتنمية أشكال التعلم. كما أكدت كثير من الدراسات أن الأداء الابتكاري  يعتمد إلى حد ما على الخصائص الانفعالية، مما يؤكد أهمية الذكاء الانفعالي في تفعيل عملية التعلم، ومساعدة الطلبة على تحقيق ما ينشدونه من الإنجاز الأكاديمي والإبداع المدرسي.
خلاصة:
إن موضوع الذكاء الوجداني أو الانفعالي، من الموضوعات العلمية الراهنة التي يهتم بها علم النفس الحديث، والتي يسعى إلى توظيفها في فهم شخصية الإنسان وذاته، وتطوير سلوكه وتنمية قدراته التعليمية والإبداعية ورفع مستوى عمله وإنتاجه، كما يرغب علماء النفس في الوصول إلى طرق وأساليب جديدة مستخلصة من عالم الذكاء الوجداني، تساعد على إرساء قواعد وأسس متينة لتكيف الإنسان داخل بيئته الاجتماعية، ذلك الإنسان الذي لم يعد قادرا على تحمل ضغوط الحياة اليومية، خاصة في البلدان الصناعية المعقدة، حيت ينتشر العنف وتكثر الجرائم وحالات الانتحار، وتتطور الأمراض والأزمات النفسية، إلى غير ذلك من ألوان المشاكل والصراعات الاجتماعية والنفسية. معنى ذلك أن ذات الإنسان الغربي أصبحت تعاني معاناة شديدة مما يستلزم إيجاد الدواء والعلاج. ومن هنا اهتدى علماء النفس المتخصصون في الذكاء الانفعالي إلى استعمال هذا الذكاء في معالجة الذات. وذلك من خلال توظيف مهاراته الخمسة التي أشرت إليها، وهي: مهارة الوعي بالذات، ومهارة إدارة الذات، ومهارة تحفيز الذات، ومهارة التعاطف، ومهارة إدارة العلاقات.
فهل يا ترى يستطيع الذكاء الانفعالي حقا أن يعيد بناء ذات الإنسان الغربي وشخصيته، ويعمل على علاج الأزمات النفسية، ووضع أسس متينة لحياة اجتماعية ونفسية صحيحة وسليمة؟ ذلك ما سيتبين بعد عرض تصور التربية الإيمانية لموضوع بناء الذات.





التربية الإيمانية وبناء الذات
تمهيـد:
في القسم الأول من هذا البحث تناولت وجهة نظر علماء النفس الغربيين حول موضوع بناء الذات، وذلك من خلال ما يسمى بالذكاء الوجداني أو الانفعالي. وسأحاول في هذا القسم عرض التصور الإسلامي ورؤيته حول الموضوع.
إن مفهوم الذات كما يتصوره الإسلام، يتحدد انطلاقا من علاقة المسلم الذاتية بالشريعة السمحة، والعقيدة الصحيحة القائمة على التوحيد. فالشريعة هي المقياس للسلوك المقبول أو المرفوض، حيث أن المسلم الملتزم يحرص على ألا يكون سلوكه سلوكا عشوائيا أو غير موزون، وإنما يضبط كل أقواله وأفعاله وجميع معاملاته بضوابط الشريعة، كما يجتهد في التأدب والتأسي بآداب وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. كما يرتبط مفهوم الذات في ضوء التصور الإسلامي بعنصر التوازن، حيث لا يطغى على الذات التفكير المادي والانفعالات الحادة، والانحرافات السلوكية، وتغدو في اتساق متناغم مع الشرع، دون تضاد في الأبعاد العقلية والجسمية والروحية والاجتماعية.
ويتصف مفهوم الذات في الإسلام  بالايجابية، من خلال تفاعل الفرد مع الأحداث والتأثير فيها، وتوجيهها بما يرضي الله تعالى ويخدم مصلحة المجتمع، كما يرتبط بالجدية في العمل والتفاعل مع أنشطة الحياة المختلفة بكل حماس ونشاط من غير تكاسل وفتور. ثم إن مفهوم الذات في الإسلام يعلي من قيمة الإرادة الحرة، التي هي من متطلبات التكليف الشرعي، ويشجع على استعمالها في أفعال الخير، تلك الأفعال التي يستفيد منها الناس في الدنيا ويجد صاحبها الجزاء الأوفى عند الله في الآخرة.
وإذا كان المسؤلون والمفكرون والمربون في البلاد الغربية، لا يهتمون بالدين، ولا يعتبرون التدين عاملا أساسيا في بناء الذات، فإن المفكرين والمربين والعقلاء وكثيرا من المسؤولين في العالم الإسلامي، ينطلقون في تصورهم لشخصية الإنسان المسلم وذاته من الدين الإسلامي المتجسد في الوحي الإلهي كتابا وسنة. كما يستلهمون الأعمال والنظريات والمناهج التربوية والسلوكية التي تزخر بها كتب التراث.
وغني عن البيان كما أثبت علماء تاريخ الأديان ، أن ظاهرة التدين كانت، ولا زالت، موجودة لدى جميع الشعوب القديمة والحديثة، وأن من اليسير علينا أن نجد أمما بغير علوم وفنون وفلسفات، ولكن من الصعب أن نجد أمة بغير دين، بغض النظر عن طبيعة هذا الدين، ومدى انسجامه مع تعاليم الأديان السماوية، من حيث الإيمان بالله.
" لقد حفلت كتابات المفكرين قديما وحديثا بدراسة موضوعية لظاهرة التدين لدى الإنسان، واعتمدوا في دراسة هذه الظاهرة على رصد تاريخي لسلوك الإنسان، منذ أقدم العصور، ووصلوا إلى نتيجة وقناعة بأن الشعور الديني هو غريزة فطرية لدى الإنسان، ظهرت آثارها عليه منذ فجر التاريخ، وكان يعبر عنها بوسائل مختلفة، بعضها مما يرفضه العقل لسذاجته، وبعضها مما يقبله العقل و لا يرفضه على الأقل، لاحتمال الصدق فيه، ومن هنا كان  دور الأنبياء  هاما وضروريا لتوجيه ظاهرة التدين لدى الإنسان نحو المنهج الصحيح، بحيث لا تكون تلك الغريزة فريسة الأسطورة والخرافة، تقود صاحبها إلى التيه والضلال".[14] َ
وأعظم ما في الدين الصحيح؛ الإيمان القوي، فهو سره وروحه وحيويته، وليس الإيمان مجرد معرفة ذهنية بحقائقه، أو مجرد قيام الإنسان بأعمال وشعائر؛ فكم من واحد عرف وجحد، وآخر صلى وصام وهو منافق. إن الإيمان في حقيقته عمل نفسي يبلغ أغوار النفس وأعماقها، ويحيط بجوانبها كلها من إدراك وإدارة ووجدان. كما لا بد أن يقترن بالمعرفة الإيمانية إذعان قلبي وانقياد إرادي، يتمثل في الخضوع والطاعة لله ورسوله.
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: " فالإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله، التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب، التصديق المطمئن الثابت المستقين الذي لا يتزعزع ولا يضطرب، ولا تهجس فيه الهواجس. ولا يتلجلج فيه القلب والشعور، والذي  ينبثق منه الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله، فالقلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان، واطمأن  إليه وثبت عليه، لابد مندفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب. في واقع الحياة في دنيا الناس، يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان، وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة، ولا يطيق الصبر على المفارقة بين الصورة الإيمانية التي في حسه، والصورة الواقعية من حوله، لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة، ومن هنا هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن. يريد به أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه، ليراها ممتلة في واقع الحياة والناس."[15]
إن بناء الذات في التصور الإسلامي يقوم أساسا على الإيمان الصحيح المتدفق في قلب الإنسان المسلم والساري في كيانه ووجدانه، والذي يدفعه إلى تلبية أوامر الشريعة الإسلامية الغراء. وبعبارة أخرى فإن  بناء الذات في هذا التصور هو بناء للشخصية المسلمة المتكاملة في نموها من الناحية الروحية والبدنية والانفعالية والوجدانية والعقلية والاجتماعية، كما أنه بناء للمسلم الصالح المؤمن بربه المتمسك بتعاليم دينه، المتخلق بالأخلاق الفاضلة، المتزن في دوافعه وعواطفه ونزعاته، الذي يحسن التكيف مع نفسه ومع غيره، والذي يدرك حقوقه وواجباته، ويتحمل مسؤوليته نحو نفسه وأسرته ومجتمع وأمته البشرية جمعاء.
منهج الإسلام في تربية الانفعالات
لقد اشتمل القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الكثير من المظاهر التي يستدل بها على نوع الانفعال ومدى سيطرته. وهذه المظاهر في مجموعها، تشتمل على المظاهر الأساسية للانفعالات النفسية كمظاهر الفرح والسرور عند حصول ما ترغب النفس فيه. ومظاهر تدل على الإعراض أو الخوف عند حصول المكروه، أو ما لا ترتاح إليه النفس.
إن التربية الإسلامية جعلت من شخصية المسلم محورها الرئيس، حيث عملت على صياغتها صياغة متوازنة في الأبعاد العقلية والانفعالية والاجتماعية والإيمانية والجسدية، واستنبطت من النصوص الشرعية الطريقة التي تناول بها الوحي موضوع الانفعالات والمشاعر والعواطف الإنسانية من حب، وخوف، وغضب، وحسد، وكبر، وتواضع، إلى غير ذلك من الانفعالات التي تتضمنها القصص القرآنية، أو المشاهد المتعلقة بالحياة الدنيوية وما يكتنفها من أفراح وأقراح أو صور الحوارات بين الأنبياء وأقوامهم، أو مشاعر مرتبطة  بالوعد والوعيد. وبعبارة أخرى فإن القرآن أعظم كتاب يضم أصدق وأكمل وصف للانفعالات البشرية، كما يقدم أحسن علاج لأمراضها وانحرافاتها.
ومن هنا فإن منهج تربية الانفعالات في الإسلام "يعرف طريقه إلى النفس البشرية منذ اللمسة الأولى، ويعرف دروبها ومنحنياتها فيتسلل إليها بعطف، ويعرف مداخلها ومخارجها، ويعرف قواها ومقدرتها فلا يتجاوزها أبدا، ويعرف أشواقها وحاجاتها فيلبيها تماما، ويعرف طاقاتها الأصلية فيطلقها للعمل والبناء، ويتسم بالرفعة والسمو وهو نظام وجداني يأخذ في اعتباره فطرة هذا الإنسان بكل مقوماتها، وخصائص تكوينة وتركيبه بكل مقتضياتها" [16].
إن بناء الذات في التصور الإسلام يقوم على ركائز متينة، وينطلق من قواعد وثوابت قائمة في أرض الوحي، صالحة لكل زمان ومكان. فالمسلم المربي سواء كان أحد الأبوين أو كان معلما، أو مفكرا، أو مصلحا، أو داعية من الدعاة، أو كان شخصا مشغولا بتربية نفسه وإصلاح شأنها، هذا المسلم الذي يسعى إلى بناء ذاته وذوات غيره من أفراد مجتمعه وأمته، ما عليه إلا أن يقتدي  بالرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبصحابته رضوان الله عليهم، وبالعلماء الأجلاء والمصلحين قديما وحديثا، ويهتدي بهديهم في مجال بناء الذات وتربية النفس وإصلاحها وتزكيتها. وحري به أيضا أن ينظر في كتب التراث الإسلامي المتعلقة بموضوع الأخلاق والسلوك وتهذيب النفس.
ولقد دعت التربية الإسلامية إلى اللجوء إلى الله في السراء والضراء، وشواهد ذلك متعددة؛ منها خطاب القرآن الكريم للمشاعر، عند تأججها في مواقف الخوف والترقب، لتؤول إلى أمن وطمأنينة؛ بالركون إلى الله تعالى، وتفويض الأمر إليه ، وشاهد ذلك؛ قوله تعالى: (فرجعناك إلى أمك كي تقرعينها ولا تحزن)؛ (طه: 40). وفي شاهد آخر قوله تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين). (القصص: 10).
ومن ذلك فتية الكهف؛ الذين آووا إلى الكهف؛ يقول الله تعالى: (إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا ءاتنا من لذنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا) (الكهف: 10)، وتلك الثلة من الفتية، تعد قدوة للمؤمنين في اللجوء إلى الله تعالى والاستنجاد به، وطلب الرحمة منه، والاستعانة به في الاهتداء إلى الرشد في الأمور والحياة، عند اشتداد الخوف من العدو، حيث يرتفع مستوى الانفعال، وهنا يبرز الشاهد في أثر الدعاء، واللجوء إلى الله تعالى، في تهدئة الانفعالات، وتحقيق الأمن والطمأنينة في أعماق الفرد المسلم، وتوجيهه ربانيا نحو منصة الأمن في الحياة.
ومما يسهم في دفع الحزن، عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، لأن لها أثرا بالغا في تهدئة النفس، ولأن كل شيء بقضاء الله وقدره، ولا يقع شيء في الكون إلا بعلم الله وبإذنه وتقديره، قال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم  إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير). (الحديد: آية 22)، وقال تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) (البقرة: 155).
وهكذا فالأمور تجري بتقدير الله وحكمته، فمن هنا ينهزم الشعور باليأس والتشاؤم؛ لأنه ليس من شيم  المسلمين، مهما اشتدت المصاعب والتحديات التي يواجهها الفرد أو المجتمع في مسيرة الحياة على كافة الأصعدة.
" وقدمت التربية الإسلامية منهجا لمواجهة الابتلاءات في الحياة، إذ يعد الابتلاء من سنن ما يلاقيه الفرد في الحياة، حيث يتطلب الأمر تجاوزها وتعزيز الأمل، من خلال تحفيز الذات لمقاومة المصاعب والتحديات، ولقد وظفت التربية الإسلامية نصوصها، حيث يثمر البلاء نتائجه من خلال الصبر الجميل، والسيطرة على النفس، وتحمل المصاعب في الحياة، لغاية تحقيق الأهداف الأخروية والأهداف الدنيوية السامية، وهذه وظيفة الابتلاء البنائية للفرد والجماعة المسلمة، إذ يقول صلى الله عليه وآله وسلم : "مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء" .....
وحذرت التربية الإسلامية؛ من مغبة الانسياق للانفعالات؛ التي تؤججها الغيرة والأحقاد، لأنها تسهم في إغلاق القلب عن الاستجابة للحق، وتلغي كل محاولة للتفكير الهادئ، وتغلق كل باب للمراجعة الذاتية، وتسهم في الانسياق لأهواء النفس، ولعل قصة قابيل وهابيل تعطي دلالة على ذلك من خلال استحواذ الانفعالات السلبية على الأخ الحاقد وعناده الذي ملأ قلبه فترجمه من خلال زوال كل معاني الإنسانية من قلبه تجاه أخيه.
وهكذا فإن قيم ذلك المنهج التربوي الرباني تشكل حشدا للطاقات، وتقوية للهمم والعزائم، وتنشيطا للوسع والاحتمال، وترقية بالانفعالات نحو مواطن الاستقامة السلوكية.
واهتمت التربية الإسلامية أيضا بتعزيز المشاعر المتفائلة، لأن الخبرات التي يتلقاها الفرد في ظل إحساس الشؤم تنعكس سلبا عليه، فالأفكار المترسبة في الأعماق من خلالها تعمل آليا وتستجيب للأحداث والمثيرات استجابة آلية، مما يجعل هناك مساحة للتقاعس والانهزام، فيربط الأحداث في مجموعها في ظل تلك الانفعالات السلبية، وتنعكس سلبا على سلوكه، في حين ترتبط تهدئة النفس ودفع حافزيتها بالرؤية المتفائلة للأحداث، مما ينعكس إيجابيا  على سلوك الفرد وتعاطيه مع الآخرين.....
وعززت التربية الإسلامية أساليب الحوار الهادئة في الأسرة، وحضت على نبذ العنف في حل الأزمات الأسرية، وأكدت على عدم اعتماده في تربية الأبناء، ونوهت بضرورة خلق أجواء من الثقة بين الآباء والأبناء تؤهلهم إلى مناص الحوار الهادئ، وحل المشكلات في إطار التزاوج بين هدوء الانفعالات و منطقية الحوار.
ورسخت التربية الإسلامية أبعاد التواصل الاجتماعي؛ من خلال نبذ الانزواء والعزلة، التي تنشأ عن عدم التوفيق بين الفردية  والجماعية.[17]
ويزخر التراث الثقافي الإسلامي بكتابات وتآليف تربوية رائدة في ميدان معالجة الانفعالات وضبطها وتوجيهها؛ فنجد الإمام العالم عبد الرحمن من قدامى  المتوفي سنة 689 هـ، في كتابة "مختصر منهاج القاصدين"، قد عرض لهذا الموضوع من خلال طريقة اصطلح على تسميتها عند القدامى برياضة النفس، يقول هذا العالم:
"وقد زعم بعض من غلبت عليه البطالة فاستثقل الرياضة، أن الأخلاق لا يتصور تغييرها، كما لا يتصور تغيير صورة الظاهر.
والجواب: أنه لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لم يكن للمواعظ والوصايا معنى، وكيف تنكر تغيير الأخلاق ونحن نرى الصيد الوحشي يستأنس، والكلب يعلم ترك الأكل، والفرس تعلم حسن المشي وجودة الانقياد، إلا أن بعض الطباع سريعة القبول للصلاح، وبعضها مستصعبة.
وأما خيال من اعتقد أن ما في الجبلة لا يتغير، فاعلم أنه ليس المقصود قمع هذه الصفات بالكلية، وإنما المطلوب من الرياضة رد الشهوة إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط، وأما قمعها بالكلية فلا، كيف والشهوة إنما خلقت لفائدة ضرورية في الجبلة، ولو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان. أو شهوة الوقاع لا نقطع النسل، ولو انعدم الغضب بالكلية، لم يدفع الإنسان عن نفسه ما  يهلكه. وقد قال الله تعالى: (أشداء على الكفار)؛ (الفتح: 29) ولا تصدر الشدة إلا عن الغضب، ولو بطل الغضب لا متنع جهاد الكفار، وقال تعالى: (والكاظمين الغيظ). (آل عمران: 134)، ولم يقل: الفاقدين الغيظ"[18].
ويقول في معرض كلامه عن انفعال الغضب: واعلم: " أنه متى قويت نار الغضب والتهبت، أعمت صاحبها، وأصمته عن كل موعظة، لأن الغضب يرتفع إلى الدماغ، فيغطي على معادن الفكر، وربما تعدى إلى معادن الحس، فتظلم عينه حتى لا يرى بعينه، وتسود الدنيا في وجهه، ويكون دماغه على مثال كهف أضرمت فيه نار فاسود جوه، وحمي مستقره، وامتلأ بالدخان، وكان فيه سراج ضعيف فانطفأ، فلا يثبت فيه قدم، و لا تسمع  فيه كلمة، ولا ترى فيه صورة، ولا يقدر على إطفاء النار، فذلك يفعل بالقلب والدماغ، وربما زاد الغضب  فقتل صاحبه".[19]
ويتحدث عالمنا المقدسي عن انفعالات أخرى مثل الكبر، والعجب، والغرور، والخوف، والرجاء، والحب، كما بسط الكلام عن بعض الآليات النفسية التي يحتاج إليها المسلم عند ما يريد إصلاح انفعالاته وترشيدها، مثل المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والتذكر والتفكر.
وللعلامة الفقهية أبي محمد على بن حزم الأندلسي المتوفي سنة 457 هـ. كلام دقيق وعميق في علاج انفعال الحزن والقلق والهم:
"تطلبت غرضا يستوي الناس كلهم في استحسانه ، وفي طلبه، فلم أجده إلا واحدا، وهو طرد الهم، فلما تدبرته علمت أن الناس لم يستووا في استحسانه فقط، ولا في طلبه فقط، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم وتباين هممهم وإراداتهم، لا يتحركون حركة أصلا إلا فيما يرجون به طرد الهم، ولا ينطقون بكلمة أصلا إلا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم،.....
وليس في العالم- مذ كان إلى أن يتناهى- أحد يستحسن الهم ولا يريد طرده عن نفسه. فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع، وانكشف لي هذا السر العجيب، وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز  العظيم، بحثت عن سبيل موصلة- على الحقيقة- إلى طرد الهم الذي هو المطلوب للنفس الذي اتفق جميع أنواع الإنسان- الجاهل منهم والعالم، والصالح والطالح- على السعي له، فلم أجدها إلا التوجه إلى الله- عز وجل- بالعمل للآخرة"[20].
ويقول عن انفعال العجب: "من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه، فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه، فليعلم أن مصيبته إلى الأبد، وأنه أتم الناس نقصا، وأعظمهم عيوبا، وأضعفهم تمييزا. وأول ذلك أنه ضعيف العقل، جاهل، ولا عيب أشد من هذين، لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالبها وسعى في قمعها، والأحمق الذي يجهل عيوب نفسه، إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته، وإما لأنه يقدر أن عيوبه خصال وهذا أشد عيب في الأرض. وفي الناس كثير يفخرون بالزنا واللياطة والسرقة والظلم فيعجب بتأتي هذه النحوس له، وبقوته على هذه المخازي"[21].
وللإمام الفقيه محمد بن قيم الجوزية كلام لطيف جدا متعلق بضبط الإرادة وتمحيص العمل، وهو كلام وجداني نفسي له علاقة وطيدة ببناء الذات وإصلاح النفس. يقول هذا العالم:
" ومحاسبة النفس نوعان: نوع  قبل العمل ونوع بعده.
فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه.
قال الحسن رحمه الله: "رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر".
وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد، وقف أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم يكن مقدورا لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه، أو تركه خير له من فعله؟ فإن كان الثاني تركه ولم يقدر عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يقدم عليه، وإن أفضى به إلى مطلوبه، لئلا تعتاد النفس الشرك، ويخف عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى، حتى يصير أثقل شيء  عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى، ونظر: هل هو معان عليه، وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه؟  كما أمسك النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار. وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور، ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح"[22].
وللعلامة الصوفي أبي حامد الغزالي،[23] رحمه الله أفكار وإشارات قيمة، لها علاقة قوية برياضة النفس، وإدارة الذات وترشيد الانفعالات، منها قوله:
"اعلم أن المقصود من المجاهدة والرياضة بالأعمال الصالحة، تكميل النفس وتزكيتها وتصفيتها لتهذيب أخلاقها. وبين النفس وبين هذه القوى نوع من العلاقة تضيق العبارة عن تعريفه على وجه يتشكل في خزانة التخيل، لأن هذه العلاقة ليست محسوسة بل معقولة. وليس من غرضنا بيان تلك العلاقة، ولكن كل واحد من النفس والبدن متأثر بسبب صاحبه، فإن النفس إن كملت وكانت زاكية حسنت أفعال البدن وكانت جميلة. وكذا البدن إن جملت آثاره حدث منها في النفس هيئات حسنة وأخلاق مرضية.
والطريق إلى تزكية النفس اعتياد الأفعال الصادرة من النفوس الزاكية الكاملة، حتى إذا صار ذلك معتادا بالتكرر مع تقارب الزمان، حدث منها هيئة للنفس راسخة تقتضي تلك الأفعال، وتتقاضاها بحيث يصير ذلك له بالعادة كالطبع فيخف عليه ما كان يستثقله من الخير؛ فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود  فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد وهو بذل المال، ولا يزال يواظب عليه حتى يتيسر عليه، فيصير بنفسه جوادا. وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع، وغلب عليه التكبر، فطريقه في المجاهدة أن يواظب على أفعال المتواضعين مواظبة دائمة على التكرر مع تقارب الأوقات.
والعجب أن الأمر بين النفس والبدن دور، إذ بأفعال البدن تكلفا يحصل للنفس صفة، فإذا حصلت الصفة فاضت على البدن فاقتضت وقوع الفعل الذي تعوده طبعا بعد أن كان يتعاطاه تكلفا"[24].
وللفقيه العلامة أبي الحسن علي الماوردي المتوفى سنة 450 هـ أيضا كلام دقيق ونفيس في باب أدب النفس وإصلاحها وتزكيتها، ضمنه كتابه المشهور: "أدب الدنيا والدين"، حيث عالج فيه انفعال الكبر، وانفعال العجب، وانفعال الغضب، وانفعال الحلم. كما تناول فيه موضوع حسن الخلق. وهو عالم متميز في الميدان السلوكي والأخلاقي، ومطلع على الدروب والمسالك المؤدية إلى توجيه الإرادة، وترشيد الانفعالات النفسية، وضبطها وتوظيفها توظيفا متناغما مع الأهداف النبيلة، اقتطف من كتابه هذه الفقرة:
" اعلم أن النفس مجبولة على شيم مهملة، وأخلاق مرسلة، لا يستغني محمودها عن التأديب، ولا يكتفى بالمرضي  منها عن التهذيب، لأن لمحمودها أضدادا مقابلة، يسعدها هوى مطاع، وشهوة غالبة؛ فإن أغفل تأديبها تفويضا إلى العقل، أو توكلا على أن تنقاد إلى الأحسن بالطبع، أعدمه التفويض درك المجتهدين، وأعقبه التوكل ندم الخائبين، فصار من الأدب عاطلا، وفي صورة الجهل داخلا، لأن الأدب مكتسب بالتجربة، أو مستحسن بالعادة، ولكل قوم مواضعة، وكل ذلك لا ينال بتوقيف العقل، و لا بالانقياد للطبع، حتى يكتسب بالتجربة والمعاناة، ويستفاد بالدربة والمعاطاة، ثم يكون العقل عليه قيما، وزكي الطبع إليه مسلما، ولو كان العقل مغنيا عن الأدب، لكان أنبياء الله تعالى عن أدبه مستغنين، وبعقولهم مكتفين وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"[25].
يتبين من خلال هذه النصوص التربوية والسلوكية التي يزخر بها تراثنا الإسلامي، أن الإسلام يمتلك أسلوبا رائعا وفريدا في تربية وجدان الإنسان وانفعالاته. وذلك من خلال ما سماه هؤلاء العلماء برياضة النفس وتأديبها انطلاقا من قوله تعالى: (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها). إن انفعالات الإنسان وعواطفه وغرائزه عندما تنسجم  مع دواعي الفطرة السليمة، وتستجيب لنداء الإيمان الباطني المتجذر في أعماق النفس البشرية، يسهل عليها الانقياد لتوجيهات الحق وأوامره والإصغاء لخطاب الوحي الرباني فيحصل للنفس الأمن والطمأنينة، وتظفر بالسعادة الحقيقية، تلك السعادة التي خطب ودها الفلاسفة والمفكرون على مر العصور، فلم ينعموا بتذوقها ولا شموا رائحتها لكونهم كانوا معزولين عن الوحي الإلهي أو معرضين عنه.

تربية الذات والبعد الروحي
يعتبر البعد الروحي من أبرز العوامل والمؤثرات في تربية الذات على المنهج الإسلامي، ويعتبر هذا الجانب الركن الأهم في التربية والتوجيه والتمكين، لأنه يثير في النفس مشاعر وجدانية، ويوقظ في الشخصية الإنسانية معاني سامية. والتربية الروحية تخاطب القوى الكامنة في النفس وتغذيها بطاقات وقدرات لا حدود لها. ثم إن النفس بطبيعتها الفطرية تستجيب لهذا الخطاب وتتأثر به، لكنها عندما تكون تحت سيطرة الغريزة تعرض عنه. والغريزة قوة عمياء تدفع الحواس للانقياد لها، وتحرك الانفعالات السلبية وكل الطاقات الوجدانية نحو ممارسة كثير من السلوكات القبيحة المذمومة.
ومن الطبيعي، أمام هذا الموقف، أن يقع التجاذب والتدافع بين قوة النفس المرتبطة بالغريزة العمياء، وقوة العقل التي تنحو نحو التأمل والروية واستعمال المنطق، إلا أن العقل وحده لا يستطيع أن يمسك بزمام تلك الانفعالات السلبية التي هي عبارة عن أسود ضارية تسكن غابة الغرائز، ولا سبيل له كي يروضها ويجعلها طيعة أليفة ومنقادة، إلا إذا تسلح بالشرع واستعان بقوة الروح.
" ومن أبرز مقومات التربية الروحية ما يلي:
أولا: تنمية القدرة العقلية على أساس التنسيق بين هذه القدرة والقدرات الأخرى للإنسان التي لا يمكن تجاهلها، والقوة العقلية تحتاج إلى تهذيبها والسيطرة عليها، لكي تكون أداة لرقي الإنسان والنهوض بأمره، وإذا استخدمت القوة العقلية كقوة مسيطرة قادت صاحبها إلى استخدام هذه القدرة فيما يسيء لإنسانيته، فالمكر والدهاء لا يعتبران من الفضائل الأخلاقية، لأن القوة العقلية ليست منضبطة ومنقادة لقيم الفضيلة، وهنا يبرز دور التربية الروحية للتخفيف من الآثار السلبية لاستعمال القوى الإنسانية بحيث تبرز الحكمة كنتاج لتفاعل بين القوة العقلية والضوابط الأخلاقية والاجتماعية، وتكمن الحكمة في الاعتدال والوسطية في استخدام القوة العقلية.....
ثانيا: السيطرة على الغرائز الفطرية: وهذه خطوة ضرورية وحتمية ولا يمكن الاستغناء عنها في أي جهد تربوي، فالغرائز قوة ملحة ومندفعة ومؤثرة، وهي قادرة على السيطرة على القوة العقلية، ومن الطبيعي أن الحواس البشرية لا تستطيع مقاومة الإلحاح الغريزي في مجال السلوك، فتنقاد النفوس  صاغرة لتلبية المتطلبات الغريزية في مجال الشهوات وفي لحظات الغضب، وأبرز مهمة تواجه المربي في البيت والمدرسة، تتمثل في قدرته على تنمية قوة المقاومة في الشخصية الإنسانية، في مواجهة المتطلبات الغريزية....
وأداة السيطرة على الغرائز تتمثل في ثلاثة عوامل:
العامل الأول: تسليط القوة العقلية على القوة الغريزية، لكي يتمكن العقل من السيطرة على الحواس التي تعتبر كالجند والرعية التي تنقاد بسهولة ويسر للقوة المسيطرة، فإن كانت القوة الغريزية هي المسيطرة، انقادت الحواس لها صاغرة، وإذا استطاع العقل البشري أن يحكم سيطرته على الغريزة انصاعت الحواس له وانقادت لأوامره، ولا تتحرك اليد إلا بما تؤمر به، وهكذا تقع السيطرة على الحواس التي ترتبط بها السلوكية الإنسانية.
العامل الثاني: تنمية الوازع الديني كعامل مؤثر في السيطرة على الغرائز وفي تنمية القوى المواجهة لتلك الغرائز، فالعقل قد يضعف في لحظات المدافعة والمغالبة، وقد يستجيب لنداء الغريزة، وقد يتعاون معها ويتكاثف بحيث ينقاد العقل للقوة الغريزية، وبخاصة بالنسبة للأطفال والمراهقين الذين ما زالت إدراكاتهم العقلية قاصرة عن الفهم والتأمل، ويبرز الوازع الديني كمؤثر شديد الأهمية وكرادع قوي الأثر في ضبط السلوكية، وبخاصة وأن النفس بطبيعتها تأنف  من الانحراف في بداية الأمر ثم تنقاد له وتستسلم، وتألف ما كانت ترفضه من أنواع السلوكيات المذمومة....
العامل الثالث: تنمية القوة القلبية، والمراد بالقلب هو الخصوصية الإنسانية، ولذلك جاءت لفظة القلب في القرآن في موطن المخاطب والمعاقب والمحاسب والمكلف، وهو أداة  الفهم، والفهم غاية أوسع من مجرد الإدراك والتمييز، فالعقل يميز ويعقل الأشياء بطريقة رياضية، أما القلب فإنه أداة المعرفة الحقة، فإذا قام القلب بوظيفته في مجال المعرفة و الفهم فهو قلب سليم البنية صحيح الفطرة سديد الرؤية، وإذا لم يقم بوظيفته تلك فهو قلب مريض"[26].
يتضح مما سبق أن الجانب الروحي أهم جانب في الطبيعة الإنسانية، وهو الذي يدفع الإنسان إلى التضحية بالجانب المادي  من كيانه وحاجياته المادية في سبيل التسامي الروحي وفي سبيل الله وسبيل خير الأمة والإنسانية.
إن الحياة الروحية هي التي تضفي على الإنسان القوة والإشراق والبهجة في الدنيا والأمل السعيد في الآخرة. وهي التي تجعله يتحمل الصبر وتجعله يواجه الصعوبات بشجاعة وبسالة دون أن ينهزم أمامها ثم يصاب بالانهيارات العصبية وبأمراض نفسية.....
إن استحضار الجانب الروحي وممارسته في إطار الهدي القرآني يجلب للمسلم سكينة النفس التي هي ينبوع السعادة، ولا مصدر للسكينة إلا الإيمان بالله واليوم الآخر
" لقد علمتنا الحياة أن أكثر الناس قلقا وضيقا واضطرابا، وشعورا بالتفاهة والضياع هم المحرومون من نعمة الإيمان، وبرد اليقين.
إن حياتهم لا طعم لها ولا مذاق، وإن حفلت باللذائذ والمرفهات؛ لأنهم لا يدركون لها معنى، ولا يعرفون لها هدفا، ولا يفقهون لها سرا، فكيف يظفرون مع هذا بسكينة نفس، أو انشراح صدر؟
إن هذه السكينة ثمرة من ثمار دوحة الإيمان، وشجرة التوحيد الطيبة، التي تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها.
فهي نفحة من السماء ينزلها الله على قلوب المؤمنين من أهل الأرض، ليثبتوا إذا اضطرب الناس، ويرضوا إذا سخط الناس، ويوقنوا إذا شك الناس،  ويصبروا إذا جزع الناس، ويحملوا إذا طاش الناس.
هذه السكينة روح من الله، ونور؛ يسكن إليه الخائف، ويطمئن عنده القلق، ويتسلى به الحزين، ويستروح به المتعب، ويقوى به الضعيف، ويهتدي به الحيران.
هذه السكينة نافذة على الجنة يفتحها الله للمؤمنين من عباده: منها تهب عليهم نسماتها، وتشرق عليهم أنوارها، ويفوح شذاها وعطرها، ليذيقهم بعض ما قدموا من خير، ويريهم نموذجا صغيرا لما ينتظرهم من نعيم، فينعموا من هذه النسمات بالروح والريحان، والسلام والأمان"[27].
إن العامل الروحي عنصر أساسي في التربية الإيمانية ولا غنى عنه في ترشيد الانفعالات وتوجيهها وإدارة الذات وتحفيزها ودفعها إلى التعاطف وممارسة الحياة الاجتماعية الهادفة والمطمئنة.
بناء الذات والصحة النفسية
إن التربية الإسلامية التي اهتمت بالصحة الجسمية اهتمت أيضا بالصحة النفسية والنمو النفسي للمتعلم، وجعلت من بين أهدافها الرئيسة مساعدة المتعلم على تحقيق النضج الانفعالي المناسب وعلى تحقيق الصحة النفسية أو تحقيق الاستقرار النفسي المناسب، و تحقيق التكيف مع النفس ومع الغير. وقد شمل اهتمامها بصحة المتعلم النفسية وبنضجه الانفعالي كل الصفات والسمات التي تدخل تحت هذا النضج وتلك الصحة التي يمكن أن تعتبر أهدافا جزئية لهدف الصحة النفسية العام. ومما يدخل تحت مفهوم الصحة النفسية والنضج الانفعالي: الخلو النسبي من الأمراض والعقد النفسية المختلفة، والخلو النسبي من العادات والاتجاهات النفسية الضارة كعادة الخوف والغضب الزائدين عن الحد المعتاد، ورهافة الحس الزائدة عن اللازم، والاندفاع الانفعالي، والاتجاه العدواني الواضح، والشعور بالذلة والضعة أو التكبر، والخوف من مواقف الحياة ومن تحمل المسؤوليات ، وعدم الثقة في النفس في الناس، واليأس والتشاؤم في الحياة، والاستسلام للشكوك والأوهام، والشعور الدائم بالشقاء والضيق، والتردد في الرأى ، إلى غير ذلك من العادات والاتجاهات النفسية الشاذة والسلبية التي تدل على اضطراب النفس وسوء تكيفها وضعف مستوى نضجها.
وإذا ما نظرنا إلى الصحة النفسية والنضج الانفعالي في جانبهما الإيجابي، فإننا نجدهما يشملان كثيرا من الصفات والسمات الإيجابية، من بينها: الإقبال على الحياة والنظر إليها نظرة تفاؤل وأمل، والطموح في الحياة والتحلي بالصبر وروح الكفاح في مواجهة الصعاب والتحديات، والرغبة في تحمل المسئولية، والعمل والإنتاج في حدود القدرة والإمكانيات المتاحة، والثقة بالنفس وبالغير، وحب الخير للناس ومشاركتهم عاطفيا ووجدانيا، والقدرة على مسايرة الناس والعمل والتعاون معهم ومصادقتهم وبناء علاقات طيبة معهم، والقدرة على تقبل النقد وعلى تقبل الهزيمة بروح رياضية وعلى تفهم وجهات نظر الغير، والتسامح الديني والفكري والعرقي، والواقعية في المطالب والأهداف، والتكيف مع المواقف المتجددة والمتطورة في الحياة، وارتفاع الروح المعنوية، وتكامل الشخصية واستقرارها واتزانها، إلى غير ذلك من الصفات والسمات الإيجابية الدالة على حسن صحة النفس وحسن تكيفها وعلى النضج الانفعالي.[28]
إن من أخطر ما يعترض نفسية الفرد ذلك الشعور الحاد الخطير الذي يسيطر على الإنسان فيدفعه إلى اليأس حينا والحزن حينا آخر، وهذا الشعور الذي يمكن أن نسميه أحيانا من خلال ظواهره المعلنة، بالقلق ينتج في الأغلب عن انعدام التوازن في أعماق النفس البشرية، لعدم وضوح الرؤية  لدى الإنسان، ولعدم قدرته على التصدي التي تواجهه، سواء كانت مشكلات حقيقية أم مشكلات وهمية ناتجة عن عجزه عن تكوين رؤية فكرية مقنعة.
والتوازن النفسي مطلب ملح وحاجة ضرورية للفرد، وبخاصة في مرحلة الشباب حيث يعاني الشاب من مشكلات نفسية عميقة قد تؤثر في شخصيته وفي تكوين قدراته الذاتية، مما يجعل مهمة المختصين بالدراسات التربوية والنفسية جسمية، لأنهم مطالبون بتوفير الظروف التربوية الملائمة والمؤدية إلى التوازن النفسي في شخصية الأجيال التي يتولون مهمة إعدادها...
وإن الدين يلبي رغبة حقيقية لدى الفرد من خلال إشباعه لكل متطلبات النفس الروحية والوجدانية، ومن الصعب أن نتجاهل أهمية المطالب والنزاعات الروحية في النفس البشرية، ولهذا فقد فشلت النظريات المادية في إشباع تلك الرغبات، لأنها تجاهلتها في معالجتها لمطالب الإنسان.
إن هذه الصحة النفسية التي تسعى التربية الإيجابية إلى تحقيقها ومنحها للمسلم تقوم على ركائز متينة وسلوكيات نفسية وروحية سامية ولعل ركيزة العقيدة هي الركيزة الأولى التي توفر مناخ وفضاء الصحة النفسية، عند الفرد المسلم ذلك لأن الإيمان بالله وما يتبعه من الإيمان بأنبياء الله ورسله وكتبه وقضائه وقدره واليوم الآخر وما يشتمل عليه من بعث وحشر وحساب وجزاء- أحد الركائز الأساسية للمجتمع الإسلامي، بحيث لا يتحقق هذا المجتمع إلا بذلك الإيمان. فهو مجتمع الإيمان والتوحيد، أو هو مجتمع المؤمنين الذين يؤمنون بالله وحده ويفردونه بالألوهية والعبادة ويخلصون له الأعمال كلها.
ثم إن ركيزة العبادة لا تقل أهمية عن الركيزة الأولى ذلك أن القلب الإنساني دائم الشعور بالحاجة إلى الله، وهو شعور أصيل صادق لا يملأ فراغه شيء في الوجود إلا حسن الصلة برب الوجود، وهذا ما تقوم به العبادة إذا أديت على وجهها الصحيح. إن المؤمن ليجد في عبادة ربه في ساعة الشدة، سكينة النفس وأنسا لوحشته، وانشراحا لصدره.
قال الفقيه العلامة أحمد بن تيمية رحمه الله: "القلب فقير بالذات إلى الله من جهتين: من جهة العبادة.....ومن جهة الاستعانة والتوكل....فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر، ولا يلتذ ولا يطيب، ولا يسكن ولا يطمئن، إلا بعبادة ربه وحده وحبه والإنابة إليه. ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه (بالفطرة)، من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه. وبذلك يحصل له الفرح والسرور، واللذة والنعمة، والسكون والطمأنينة.
وهذا لا يحصل له إلا بإعانة الله له؛ فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله، فهو دائما مفتقر إلى حقيقة "إياك نعبد وإياك نستعين".
فإنه لو أعين على حصول كل ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده، ولم يحصل له عبادة الله، فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب، ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله بحيث يكون الله هو غاية مراده، ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول، وكل ما سواه إنما يحبه لأجله، لا يحب شيئا لذاته إلا الله".[29]
خاتمة:
حاولت في هذا البحث عرض تصورين مختلفين ومتباينين حول موضوع بناء الذات، ينتمي أحدهما إلى الثقافة الغربية المعاصرة، والآخر إلى الإسلام وتراثه، يعني أن التصور الأول ينطلق من نظرة أفقية للإنسان، متجذرة في أرض الفلسفة العقلانية ومستلهمة للتراث الفكري المتعلق بالعلوم الإنسانية خاصة علمي النفس والاجتماع، في حين أن التصور الثاني ينطلق من نظرة عمودية للإنسان، تلك النظرة التي تربط المخلوق بالخالق والأرض بالسماء، والتي تعتبر الوحي القرآني المصدر الأساسي والأول في قائمة مصادر بناء الذات، ولعلي لا أجانب الصواب إذا قلت بأن محاولة بناء الذات من خلال آليات الذكاء الانفعالي أو الوجداني، هي محاولة قاصرة، وذات نظرة جزئية ومختزلة للإنسان، أي تنظر إلى هذا الإنسان من زاوية واحدة ومعينة، كما أنها نظرة تهدف إلى إعادة تكييف الفرد الغربي داخل المنظومة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للغرب.
إن المشاكل والصراعات والأزمات، ومظاهر العنف والإرهاب، التي سادت المجتمعات الغربية في العقود الأخيرة، أثرث تأثيرا خطيرا وعميقا في نفسية الغربيين، الأمر الذي دعا المسؤولين في الدول الغربية للتفكير في إيجاد العلاج، ومعلوم أن العلوم الإنسانية كانت ولا تزال في خدمة المصالح السياسية والاقتصادية للحكومات الغربية، كما أن النظريات الجديدة التي تنبثق عن هذه العلوم تعكس بصورة واضحة طبيعية وأشكال التطورات الاجتماعية والثقافية في المجتمعات الغربية.
وهكذا تلبية لهذه المعطيات الاجتماعية والسياسية والثقافية الطارئة، وتمشيا مع روح التطور، اجتهد بعض علماء النفس الغربيين في تشريح هذا الموضوع وتحليله، ووصف العلاج الملائم، فكانت ولادة الذكاء الانفعالي بعد مخاض عسير، وصعد هذا الذكاء على حلبة علم النفس، بعد طول إهمال وتهميش، واقتنع الخبراء النفسيون والمختصون التربويون بأن الطاقات الوجدانية والانفعالية، قوى لازمة ضرورية لإعادة بناء الذات وسد الخلل الذي أحدثته المدارس النفسية والتربوية السابقة حينما انتقصت من أهمية الجانب الوجداني عند الإنسان ولم تحفل به....
لكن السؤال المطروح هو: إلى أي حد يمكن لآليات ومهارات الذكاء الانفعالي- المشار إليها- أن تنجح في مشروع بناء الذات؟ أو بعبارة أخرى كيف يستطيع برنامج نفسي تربوي قائم على استخدام آليات الذكاء الانفعالي أن يبني أو يعيد بناء شخصية الإنسان الغربي المنخورة والمفككة، ويمنحها القوة اللازمة لمواجهة صعوبات ومشاكل الحياة المعقدة، ويجعلها قادرة على كسب السعادة والأمن؟ وهل الإنسان الذي تغلب مرة على مشكلة معينة ووقف إزاءها موقفا مناسبا وعقلانيا، بفضل استعماله لآليات الذكاء الانفعالي، يستطيع بالطريقة نفسها التغلب على كل ما يعترض سبيله من مشاكل؟
أظن أن الحضارة الغربية، بما تنطوي عليه من تناقضات خطيرة ناجمة عن التصور المادي والفلسفة المعادية للبعد الديني والروحي عند الإنسان، لن تعالج مشاكلها الاجتماعية بواسطة آليات الذكاء الانفعالي، ولا غيرها من الآليات والبرامج المطبوخة، ذات الطابع الاختزالي.
إن تقديم برنامج الذكاء الانفعالي لعلاج وبناء الذات يذكرني بأعمال منتجي الأدوية، حيث أنهم لا يتوقفون عن اختراع أدوية جديدة عندما يشعرون بأن الأدوية القديمة قد ضعف مفعولها، أو ظهرت بعض عيوبها، فكما يجرب هؤلاء أقراصهم وسوائلهم الكيماوية في جسد الإنسان، يجرب علماء النفس نظرياتهم أو بالأحرى فرضياتهم على نفسه وشخصيته، وكذلك النظريات في ميدان التربية والتعليم...وقس على ذلك. فالإنسان الغربي أضحى مختبرا لفرضيات العلوم الإنسانية، ولأفكار الفلاسفة والسياسيين، ولكل من يملك السلطة المعرفية والسياسية في الغرب.
والقرآن الكريم يمد قلب الإنسان وكيانه الروحي والنفسي، بشحنات وطاقات روحية لا غنى له عنها مثلما لا يستغني بدنه عن الدم والماء والأوكسجين. ولعل قوله تعالى: " وترجون من الله ما لا يرجون". (سورة    آية  )، من الآيات التي توحي بمعاني الطاقة الروحية اللازمة للصبر، والتغلب على الصعاب، وتحمل الشدائد، ولإقامة التوازن النفسي.
إن الرجاء في المفهوم القرآني هو ذلك البلسم الذي يصير العسير سهلا، والبعيد قريبا، ويذلل الصعاب، ويفرج الكروب، ويذهب الأحزان، ويحمل أرواح وقلوب المؤمنين إلى عالم الطمأنينة والسكينة، على رفرف السكينة والأنس، والشوق والرضا.
إنه الرجاء، رجاء الآخرة، رجاء الجزاء والحسنى، رجاء اللقاء، رجاء النظر إلى الوجه الكريم. هذا البلسم، هذا الرجاء، هذا الدواء، خص الله به عباده وأولياءه المتقين. فكيف يشعر باليأس من نهل وارتوى من كأس الرجاء، بل وكيف يحس بالخوف من الحاضر والمستقبل من هذا حاله؟!.
إن قلبا ملئ رجاءا في الله  لا يسخط، وإن نفسا مفعمة بالرجاء في الله لا تقلق ولا تشقى ولا تعذب. إن قلبا هذا شأنه لقلب طافح بالطاقة الروحية التي بها يستعين المؤمن على مواجهة الشدائد، وعلى تقصير المسافات، وطي الزمان والمكان بغية الوصول إلى المكان المحمود.
إن نعمة الرجاء هاته، حرمها الله أعداءه الكفار، ومن تبعهم وقلدهم من الضالين الغافلين. لذا فإنهم يألمون ويشقون ويعذبون بدنياهم في دنياهم، وبالجحيم في أخراهم. فشتان ما بين من يتألم ويرجو من الله، ومن يتألم ولا يرجو من الله بل يرجو السراب. فرجاء الأول رجاء يقين ثمرته الصبر والرضا والسكينة واليقين، وما أشبه ذلك. ورجاء الثاني؛ رجاء سراب، ثمرته الشقاوة والحيرة، والحسرة والندامة.
والحقيقة أن الإنسان الذي يستطيع التحكم في انفعالاته والاستفادة منها وترشيدها ترشيدا حسنا ونافعا، وبالتالي يستطيع بناء ذاته بناء متوازنا ومتناغما، هو ذلك الإنسان المرتبط عقليا واجتماعيا وروحيا بخالقه جل وعلا، من خلال البرنامج الذي يقدمه الوحي القرآني...
إن المسلم عندما يتحلى بانفعال الحب، أو يستعمل انفعال الصبر، فإنه ينجح في ذلك لأنه يرجو الثواب من الله، فهذا الرجاء خير عون له على ذلك السلوك. وكذلك عندما يكظم غيظه، أو يتغلب على سلطان غضبه، أو يقهر هوى من أهوائه، أو يبادر إلى فعل من أفعال الخير والإحسان...إنما ينطلق من أرضية إيمانية صحيحة وصلبة ويستمد قوته الانفعالية الايجابية من مخزون الطاقة الروحية والنفسية، وهو في كل أعماله وسلوكاته الوجدانية منجذب نحو الهدف الأسمى الذي يتجلى في رضا الله والجنة.
فأنى لإنسان فاقد لتلك الطاقة الروحية ولا يقف على أرضية إيمانية صحيحة، أن يتحمل ما يتحمله المسلم في سبيل الله وابتغاء مرضاته؟ وأنى لهذا الإنسان المحروم من الوازع الإيماني الصادق، أن ينتصر على أهوائه ويحسن بناء ذاته وترشيد انفعالاته وضبطها ؟

:المراجع
[1] -  د. بشير معمرية؛ "الذكاء الوجداني مفهوم جديد في علم النفس"؛ مجلة علم التربية، عدد 16، 2005، ص 53/ الجديدة المغرب، مطبعة النجاح، الدار البيضاء.
2-  د. سعاد جبر سعيد؛ "الذكاء الانفعالي وسيكوليجية الطاقة اللا محدودة"، عالم الكتب الحديث، إربد الأردن، ص2، 1429-2008
[3] - د. محمد طه؛ "الذكاء الإنساني"، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد 330/ غشات 2006، ص 180-181.
[4] -  انظر د. إبراهيم سعفان؛ " دراسات في علم النفس والصحة النفسية: اضطراب انفعال الغضب"، ص 11،  دار الكتاب الحديث القاهرة.
[5] -  د. عزت راجح؛ "أصول علم النفس" ص 40-41،  المكتب المصري للطباعة والنشر، الأسكندرية، ط9، 1973.
[6] - الكتاب نفسه، ص 41-42.
[7] - الذكاء الانفعالي، المرجع السابق ، ص183-184.
[8] -  د. بشير معمرية؛ "الذكاء الوجداني، المرجع السابق، ص 64
[9] -  المرجع نفسه، ص 65
[10] - سعاد جبر، الذكاء الانفعالي، المرجع السابق ص، 64
[11] - د. بشير معمرية، المرجع السابق،  ص 69.
[12] -  - د. بشير معمرية، المرجع السابق،  ص 71.

[13] - د. محمد طه؛ "الذكاء الإنساني" عالم المعرفة، الكويت، عدد 330، غشت 2006 ص 187-188.
[14] - د. محمد فاروق النبهان؛ "أثر التربية الإسلامية في السلوك الاجتماعي"، كتاب "دعوة الحق"، ص 54، عدد 4، 1420-1999، المغرب.
[15]-  سيد قطب، "في ظلال القرآن"، ج 6، ص 3348، ط 25، دار الشروق، بيروت، 1417-1996.
[16]- سيد قطب "هذا الدين" ص 30 ط 7 . بيروت دار الشروق. 1982
[17] -  " الذكاء الانفعالي"... المرجع السابق ص  152، وما بعدها.
[18] - الإمام أحمد بن قدامة المقدسي؛ "مختصر منهاج القاصدين"؛ ص 142-143، دار الفكر ، بيروت 1422-2002.
[19] -  المرجع نفسه؛ ص 169.
[20] -  أبو محمد علي بن حزم الأندلسي؛ "الأخلاق والسير في مداواة النفوس" ، ص 14-15، دار اللكتب العلمية، بيروت.
[21] - الكتاب نفسه، ص 65.
[22] - محمد بن قيم الجوزية؛ "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان"،  تحقيق د. السيد الجميلي، ص 90، دار ابن زيدون، بيروت، د.ت.
[23] - إن كثيرا من تآليف أبي حامد الغزالي مليئة بالشطحات والأفكار الشاذة والمنحرفة؛ ( إحياء علوم الدين، معارج القدس، مشكاة الأنوار...)، بيد أن هذا لا يمنع الباحث المنصف من الاستشهاد بأقواله السديدة والبناءة.
[24] - أبو حام الغزالي؛ "ميزان العمل"، ص 64، دار الكتب العلمية بيروت.1409-1989.
[25] -  أبو الحسن على الماوردي؛ "أدب الدنيا والدين" ص 168، دار الفكر، 1415-1995.
[26] - د. محمد فاروق النبهان؛ "أثر التربية الإسلامية في السلوك الاجتماعي"، ... ص 84 وما بعدها.
[27] -  د. يوسف القرضاوي؛ "الإيمان والحياة"، ص 75-76، دار الذخائر، السعودية، 1471-1996.
[28] - د. عمر محمد التومي الشيباني؛ "فلسفة التربية الإسلامية" ، ص 325-326. المنشأة العمة للنشر ، طرابلس ليبيا.
[29] - الإمام أحمد ابن تيمية، " العبودية" ص 108-109، المكتب الإسلامي.


































لا يوجد تعليقات

أضف تعليق