في معرفة الله

0

بسم الله الرحمن الرحيم


إن من علامات جهل النفس وقصور رؤيتها؛ وقوفها مع المخلوقات والكائنات الدنيوية وإعراضها عن الله، ولو علمت أن لذة المناجاة والأنس بالله أعظم بكثير مما تشعر به عند وقوفها مع ما سوى الله،لأعرضت عن ذلك ولأقبلت على الله. وإذا كان جمال الموجودات من كائنات حية وغيرها، يسلب الألباب ويأسر القلوب، فكيف لا تنعم النفوس بالجمال الإلهي أصل كل جمال، وبالنور الرباني معدن كل نور.
عندما تقع عين إنسان على خلق من مخلوقات الله غاية في الإبداع والإتقان، ترتاح نفسه. والسبب في ذلك أن الخلق يجسد الإبداع الإلهي في صنع الكائنات. وبدل أن يتذكر ذلك الإنسان برؤيته تلك، جمال الله وعظمته، تجده يقف مع الصورة فتحجبه عن المصور، فيحرم لذة القرب. إن الذي أحدث ارتياح نفس الناظر إذن؛ هو النور الإلهي الذي تحمله صور تلك الكائنات والمخلوقات.  ولو كان ذلك الناظر على نور من ربه، لما حجب عن الخالق المبدع سبحانه.
افتح قلبك لنور الله واعتبر بما سوى نوره من الأنوار، ولا تقف مع نور منها فيستحيل ظلمة وأنت لا تشعر، فتعمى بصيرتك، واستعن على ذلك بالاستقامة وكثرة الذكر والتلاوة، وبدعاء مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم : "اللهم اجعل في  قلبي نورا وفي لساني نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، ومن فوقي نورا، ومن تحتي نورا، ومن أمامي نورا، ومن خلفي نورا، واجعل لي في نفسي نورا، وأعظم لي نورا".[1][1]
ورؤية الله عز وجل في الآخرة، هي ثمرة معرفته وعبادته في الدنيا؛ أي أنه لن يحظى بذلك إلا من عرف الله في الدنيا وعبده كما أمر في كتابه وعلى لسان نبيه صلوات الله وسلامه عليه. أما من لم يعرفه ولم يطعه، فيستحيل عليه رؤيته؛ لأن المرء لا يموت إلا على ما عاش عليه، ولا يبعث إلا على ما مات عليه. فالمعرفة التي صحبت العبد في الدنيا هي التي ترافقه في الآخرة، والفرق بينهما أن الثانية أكمل وأشد وضوحا ويقينا من الأولى . معنى ذلك؛ أنه عند كشف الغطاء تصبح المعرفة الأولى مشاهدة ومعاينة ويقينا.
ولنضرب مثالين على ذلك:
المثال الأول:  كثيرا ما يرى المؤمن في منامه رؤيا صالحة تبشره بخير ما. ثم بعد مدة قد تطول أو تقصر، يلمس أنها تتحقق في حياته. إن تلك الرؤيا لا بد وأن لها علاقة بمعرفة ذلك العبد بدينه وبربه. وعلى قدر همة هذه المعرفة، يكون شأن تلك الرؤيا. وإذا لم تكن له معرفة بدينه وبربه فليس مؤمنا؛ وقد يستحيل أن يرى رؤيا صالحة؛ لأن الحديث النبوي يقول إن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وأن المؤمن يراها أو ترى له.
إن هذا العبد وهو يشاهد تلك الرؤيا تتحقق في حياته، لا يشاهد في الحقيقة إلا معرفته أو ناحية منها، وقد اتخذت شكلها النهائي كما تتخذ معرفة العبد بالله شكلها النهائي عند كشف الغطاء، وفي علم الآخرة.
المثال الثاني: إن الله عز وجل لما خلق الجنة والنار، أمر جبريل عليه السلام أن ينظر فيهما. فشاهد في النار خلقا كثيرا، وشاهد في الجنة أهلها. ورب قائل يقول: كيف والناس لم يحشروا بعد؟ إن معرفة جبريل عليه السلام ليست كمعرفة أحدنا، كما أنه ليست له حواس مثل حواسنا تشغله عن إدراك أشياء لا يمكننا إدراكها. ثم إن عالم الملكوت هو عالم الحقائق النهائية، ولا يخضع لزماننا  ومكاننا، فالإنسان لا يمكنه أن يشاهد ببصره نفسه أو أحدا غيره في الجنة أو في النار، في حين أنه في عالم الحقائق وفي اللوح المحفوظ، من أهل الجنة أو من أهل النار. فلو كشف عنه غطاؤه، أو مات في اللحظة التي كان فيها يتساءل عن ذلك،  لشاهد مقامه ولانقلبت معرفته مشاهدة، ولاتخذت شكلها النهائي.
استعن على معرفة الله به، لأن ما خلا الله باطل، ولن تجد أحسن من الإكثار من الطاعات وسيلة للوصول. لأن حبك لأوامره وابتعادك عن نواهيه، يجعلك دائما معه، فتحس به في كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء. ومهما صح لك ذلك تكون قد استعنت على معرفته به.
وللوصول إلى معرفة متعلقة بالله؛ ليس هناك سوى طريقتان طريقة العقل المجرد وحده، وطريقة أساسها الوحي ونورالحق.
أما الأولى فلا يمكن لأحد أن يقدح فيها غير أنها ليست مأمونة؛ بمعنى أننا لا نأمن حين اعتمادنا عليها الوقوع في الزلل. فالعقل مثلا لا مفر له من الحس، إذ أن الحواس تمده بمعطيات مختلفة، من خلالها يصوغ أحكاما ونظريات. وبما أن الحواس كثيرا ما تخطئ أو تعجز، فإن العقل بدوره كثيرا ما ينحرف ويحيد عن الصواب. ولو لم يمن الله بالإيمان على العباد لتاهوا ولو استخدموا عقولهم؛ (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
ولطالما أدى، في كثير من العصور، تقديس العقل وتأليهه إلى الكفر والإلحاد، وبالتالي إلى فساد القيم والأخلاق. إن العقل وحده ليس في مقدوره أن يحفظ مجتمعا من الوقوع في الانحلال، أو أن يفهم أشياء خارجة عن حدوده لأنه من جملة الأشياء التي خلقها الله وبين لها طريق الهداية؛ ( الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى). لذا فإن هناك أمورا متعلقة بالله أو بعالم الغيب والملكوت بل بحقيقة العبد وبمصالحه الدنيوية، لا يستطيع العقل فهمها، أو الإحاطة بها.
أما الراسخون في العلم ممن يهتدون بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والذين هم على بصيرة من ربهم، فإن الله يقذف بالحق في قلوبهم، فيسطع فيها نور الحقيقة، فيفقهون أشياء، ويفهمون أمورا قد يجحدها العقل. وتكون معرفتهم بالله نتيجة الورع والاستقامة والمجاهدة (واتقوا الله ويعلمكم الله)،وهي معرفة قد لا يوصل إليها الاستدلال، ولا سبيل لمنطق أن يحيط بها؛ لكونه يستند إلى أسس كونية. في حين أن تلك المعرفة من أصل رباني لا تتقيد بكون من الأكوان.
إن افتقارك إلى الله في وجودك، وفي كل ما يتعلق بحياتك، سبيل آخر لمعرفة ربك، لأن الافتقار ملازم لك ملازمة الوجود لذاتك؛ ( يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله). ومعرفة صفات الله تزيد الإيمان يقينا، لأن شواهدها قد ظهرت جلية في الصبغة، وما من مخلوق إلا وقد بدت فيه آثار النعوت والصفات.
وكلما ازداد نور البصيرة توقدا، ازدادت المعرفة بالصفات تمكنا؛ وكان الإثبات أي إثبات الصفات من غير تشبيه، ونفي التشبيه من غير تعطيل، وتجلت عظمة الله في قلب العبد، فزادته خشية وصرفته عن تأويل الصفات والتطلع إلى إدراك  كنهها، وعرف أنه موصوف بالعبودية، ولا سبيل له إلى معرفة الذات الإلهية.
ولن يحصل ذلك ما لم تكن له معرفة   بالشرع وعلم بالأمر والنهي، فالإنس والجن لم يجبلا على عبادة الله بالطريقة التي جبلت عليها باقي الكائنات، مثل الشجر والدواب، وكذا الملائكة الذين يسبحون بالليل والنهار وهم لا يسأمون. لذا يتحتم على المسلم أن يكون على علم بشريعة الله سبحانه وتعالى، وسنة نبيه صلوات الله عليه،  كي يطهر قلبه وينال رضا الله سبحانه، ويحقق بذلك عبوديته الأصلية، التي هي حقيقة ذاته (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، ( إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا).


عبد الله الشارف؛  باريس 1983



[2][1]  انظر "صحيح الجامع الصغير"، ج  1، ص 270


لا يوجد تعليقات

أضف تعليق