الاستغراب لغة واصطلاحا

0

الاستغراب لغة :

»استغرب في الضحك وأغرب إذا أكثر منه...

الاستغراب اصطلاحا :
إن المعنى الاصطلاحي الذي طرأ على لفظ الاستغراب في العقود الأخيرة، بعيد كل البعد عن المعنى اللغوي والأصلي. بيد أنه لا مانع من الاجتهاد في هذا المجال، مادامت قواعد علمي الصرف والاشتقاق تسمح بذلك. وعلى هذا الأساس تمت الصياغة الاصطلاحية المعاصرة لهذه الكلمة، وتناقلتها أقلام بعض الباحثين كما سيتبين. لكن الذين استعملوا مصطلح الاستغراب، انقسموا من حيث المعنى المـراد به إلى فريقين، فريق أراد به علما، حيث دعا أصحابه إلى تأسيس "علم الاستغراب" في مقابل علم الاستشراق، وفريق قصد بالاستغراب طلب الغرب والميل إليه والتعلق بثقافته. وفي هذا المعنى الثاني يندرج بحثي.
وقبل الخلوص إلى تعريف مجمل لمفهوم الاستغراب بالمعنى الثاني المشار إليه، لامناص من عرض موجز لأقوال بعض الباحثين في الموضوع من كلا الفريقين. ففيما يتعلق بالاستعمال الأول، يقول أحمد سمايلوفيتش:    » وعلى هذا يمكن القول إن كلمة "الاستغراب" مأخوذة من كلمة "غرب"، وكلمة غرب تعني أصلا غروب الشمس، وبناء على هذا يكون الاستغراب هو علم الغرب، ومن هنا يمكن كذلك تحديد كلمة "المستغرب" وهو الذي تبحر من أهل الشرق في احدى لغات الغرب وآدابها وحضارتها«   [2] .
ويقول حسن حنفي :  » الاستغراب هو الوجه الآخر والمقابل بل والنقيض من"الاستشراق". فإذا كان الاستشراق هو رؤية الأنا (الشرق) من خلال الآخر (الغرب)، يهدف "علم الاستغراب" إذن إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر...
والقضاء على مركب العظمة لدى الآخر الغربي بتحويله من ذات دارس إلى موضوع مدروس، والقضاء على مركب النقص لدى الأنا بتحويله من موضوع مدروس إلى ذات دارس، مهمتـه القضاء علـى الإحساس بالنقص أمـام الغرب، لغة وثقافة وعلما «[3]. »مهمة هذا العلم الجديد هي إعادة الشعور الأوربي إلى وضعه الطبيعي، والقضاء على اغترابه، وإعادة ربطه بجذوره القديمة، وإعادة توجهه إلى واقعه الخاص (...) وإذا كان "الاستشراق " قد وقع في التحيز المقصود إلى درجة سوء النية الإراديـة والأهداف غير المعلنة، فـإن "الاستغراب" يعبر عن قدرة الأنا باعتبارها شعورا محايدا على رؤية الآخر ودراسته، وتحويله إلى موضوع     «[4].
» مهمة علم " الاستغراب "هو القضاء على المركزية الأوربية، بيان كيف أخذ الوعي الأوربي مركز الصدارة عبر التاريخ الحديث داخل بيئته الحضارية الخاصة.
مهمة هذا العلم الجديد، رد ثقافة الغرب إلى حدودها الطبيعية بعد أن انتشرت خارج حدودها ابان المد الاستعماري، من خلال سيطرة الغرب على أجهزة الإعلام وهيمنته على وكالات الأنباء، ودور النشر الكبرى، ومراكز الأبحاث العلمية، والاستخبارات العامة. مهمته القضاء على أسطورة الثقافة العالمية التي يتوحد بها الغرب، ويجعلها مرادفة لثقافته، وهي الثقافة التي على كل شعب أن يتبناها حتى ينتقل من التقليد إلى الحداثة . فالفن فنه، والثقافة ثقافته، والعلم علومه، والحياة أساليبه، والعمارة طـرازه، والعمران نمطه، والحقيقة رؤيته. مع أن الثقافات بطبيعتها متنوعة، ولاتوجد ثقافة أم، وثقافات أبناء وبنات. ومن هنا أتت عمليات المثاقفة التي تحدث عنها علماء الأنثروبولوجيا الثقافية؛ والتي يوهم الغرب بأنها تعني الحوار الثقافي أو التبادل الثقافي أو التثقيف، وهي في الحقيقة تعني القضاء على الثقافات المحلية من أجل انتشار الثقافة الغربية خارج حدودها، وهيمنتها على غيرها، واعتبار الغرب النمط الأوحد لكل تقدم حضاري، ولانمط سواه، وعلى كل الشعوب تقليده، والسير على منواله. وقد أدى ذلك إلى إلغاء خصوصيات الشعوب وتجاربها المستقلة، واحتكار الغرب وحده حق إبـداع التجارب الجديدة والأنماط الأخرى للتقدم    «[5].
بالرغم من أن سمايلوفتش سبق حنفي إلى الحديث عن علم الاستغراب بأكثر من عقدين من الزمـان، [6] فإنـه لم يبسط القول فيه، ولا اجتهد في وضع أسسه ومعالمه، في حين نلمس ذلك في كتـاب "مقدمة في علم الاستغراب" لحسن حنفي، وهـو كتاب ضخم تربو صفحاته على ثمانمائة صفحة، ولا غنى عنه لكل من يريد البحث في علم الاستغراب، كما أنه يشتمل على معلومات وأفكار ثمينة وقيمة في هذا المجال.
أمـا فيما يخص الاستعمال الثاني لكلمة الاستغراب، أي بمعنى طلب الغرب والشغف بثقافته، فيبدو أنه أقدم وأكثر انتشارا وشيوعا من الأول .
يقول أبو الأعلى المودودي :  » المستغربون : المائلون إلى الغرب المفتتنون بحضارتـه. هكذا استعمل هذه الكلمة الكاتب الكبير محمد البشير الابراهيمي في بعض مقالاته في مجلة "البصائر"، فاخترناها على غيرها من الكلمات في هذا المعنى كالمتغربين والمتفرنجين  « [7].
ويقـول مصطفى السباعـي في مقدمة كتاب: "الاستشراق والمستشرقون":
» هذا ولم يقتصر  اهتمام المستشرقين والمستغربين على دراسة التاريخ الإسلامي وتشويهه... « [8].
والجمع بين المستشرقين والمستغربين في غاية المنطق والصواب، إذ أصحاب "الثقافة" من المستغربين مدينون ـ في رؤاهم ودعاواهم واستنتاجاتهم ـ لأساتذتهم المستشرقين.
ويقول الدكتور عبد العظيم محمود الديب في فصل "إلى المستغربين" المتضمن في كتابـه : "المنهج في كتابـات الغربيين عن التاريخ الإسلامي": » ومن هنا من داخـل الموقع الفكري، والحصن الثقافي الذي مازال مهددا من داخله يجئ كلامنا موجها إلى (المستغربين) لا إلى المستشرقين، إلى جماعة مـن أبناء أمتنتا، ينطقون لغتنا، ويتكلمون بلساننا، ولهم ملامحنا وسماتنا، ولكن قلوبهم غير قلوبنا، فقد استلبوا حضاريا وثقافيا، وسقطـوا في أسر الحضارة الغازية.فإلى هؤلاء نتوجه بكلامنا. نؤكد ذلك حتى لايقول قائل : ألم تفرغوا من المستشرقين بعد ؟ أما زلتم مشغولين بسب وشتم المستشرقين ؟ إنكم مازلتم تبددون الجهود، وتضيعون الأوقات، في الحديث عن المستشرقين، والأولى أن تبذلوا جهودكم فيما ينفع من بحث مشكلات أمتكم وقضاياها… لايقولن ذلك قائل، فنحن لايعنينا أمر المستشرقين، وإنما مأساتنا في(المستغربين) الذين مازالوا ـ رغم كل ما انكشف من خبء المستشرقين ومستورهم ـ يحملون أفكارهم ويعيشون بمفاهيمهم، وهؤلاء (المستغربون) هم الذين ورثهم الاستعمارـ قبل أن يرحل عنا ـ  قيادة الفكر، والثتقيف، والإعلام، جيلا بعد جيل، ومكن لهم من وسائل القيادة وسلطانها. هؤلاء (المستغربون) هم مأساتنا، هؤلاء الذين دينهم (الاستخفاف) بتراث أمتنا، بتراث كامل متكامل، بلا سبب، وبـلا بحث وبلا نظر…وأبشع من ذلك هذا الإرهاب الثقافي الذي يمارسونه بلا هوادة ولا رحمة، هـذا الإرهاب الذي جعل ألفاظ (القديم) و (الجديد)، و(التقليد) و (التجديد)، و (التخلف) و (التقدم)، و(الجمود) و(التحرر)، و(ثقافة الماضي) و(ثقافة العصر) ـ سياطا ملهبة: بعضها سياط حث وتخويف لمن أطاع وأتى، وبعضها سياط عذاب لمن خالف وأبى«   [9].
ولعل المستشرق هـاملتون جيب يكون أسبق إلى الحديث عن الاستغراب من كثير من الباحثين المعاصرين في العالم الإسلامي . يقول هذا المستشرق":
» والتعليم أكبر العوامل الصحيحة التي تدعو إلى الاستغراب. ولسنا نستطيع الوقوف على مدى الاستغراب في العالم الإسلامي إلا بمقدار دراسته للفكر الغربي وللمبادئ والنظم الغربية، ولكن هذا التعليم ذو أنواع كثيرة تقوم بها جهات متعددة، وبالطبع لابد أن هناك بالفعل قليلا من التعليم على الأسلوب الأوربي في المدرسة، وفي الكليـة الفنية وفي الجامعة، وعلى هذا التعليم يتـوقف كـل ماعداه«  [10]. لقد صدق المستشرق جيب فيما ذهب إليه من كون التعليم "أكبر العوامل الصحيحة التي تدعو إلى الاستغراب".
وبعـد عـرض مـاسبق من النصوص والأقـوال المتعلقة بصميم المصطلح المذكـور، اقترح تعريفـا للاستغراب بالمعنى الثاني راجيا من الله أن يكون مستوفيا للغرض المقصود:
" الاستغراب ظاهرة نفسية واجتماعية وثقافية معاصرة، يتميز الأفراد الذين يجسدونها بالميل نحو الغرب والتعلق به ومحاكاته. نشأت في المجتمعات غير الغربية ـ سواء أكانت إسلامية أم لا-على إثر الصدمة الحضارية التي أصابتها قبيل الاستعمار وخلاله ".
ومن أجل استجلاء أكثر لمدلول الاستغراب لابأس من عقد مقارنة سريعة بينه وبين بعض المفاهيم القريبة منه، مثل تغريب واغتراب واستلاب.
فإذا كان التغريب عمل ثقافي وسياسي يتولاه المسؤولون في الغرب ومن والاهم من المستشرقين والمستغربين، يهدف إلى طمس معالم الحياة الدينية والثقافية للمجتمعات الإسلامية وغيرها، وإجبار هذه المجتمعات على تقليد الغرب والدوران في فلكه، فان الاستغراب مرتبط أساسا بالعامل الداخلي، أي بالمكونات الذاتية الاجتماعية والثقافية والسياسية لتلك المجتمعات، حيث أن هذه المكونات ـ بما تميزت به من انحطاط وتقهقر وجمود ـ ساعدت على إفراز ظاهرة الاستغراب. يقول أنوار الجندي متحدثا عن التغريب:» منذ أن طرح الاستشراق مصطلح "التغريب" في الثلاثينيات من هذا القرن، لفت الأنظار إلى إحدى الغايات الكبرى التي يستهدفها الغزو الثقافي الغربي للفكر الإسلامي، وهي صبغ الثقافة الإسلامية بصبغة غربية، واخراجها عن طابعـها الإسلامـي الخالص، واحتواؤهـا على النحـو الذي يجعلها تفقد ذاتيتها وكيانها« [11].
أما مفهوم الاغتراب فيقصد به "أن المرء يصبح غريبا تجاه شيء معين أو شخص معين كان يرتبط به على نحو وثيق...ويعرف الشخص المغترب سياسيا بأنه هو ذلك الشخص الذي يكون لديه شعور دائم بالغربة عن المؤسسات السياسية القائمة. وعن القيم السياسية الموجودة وعن القيادات التي تضطلع بأمر السلطة" [12].
ولفظ الاغتراب أصبح من المصطلحات التي يكثر شيوعها في وقتنا الراهن، لأن الإنسان بوجـه عـام مغترب في عصره، نتيجة لمجموعة العوامل المصاحبة لظروف التغيرات الثقافية والاجتماعية والتكنولوجية الحديثة في الحضارة الأوربية، التي ترتب عليها إهدار فرديته وقيمه التاريخية، وجعله مجرد مخلوق آلي. كما أن طغيان النزعة العلمانية على القيم الراسخة التي شكلها الدين يعتبر عاملا أساسيا فيبروز ظاهرة الاغتراب. ويمكن التعبيرعن حالة الاغتراب بما يتفق مع التصور لواقع ثقافتنا الإسلامية بأنه الحالة التي يكون فيها نشاط الإنسان منحرفا عن الوجهة التي شرعها الله لابن آدم، حيث يكون ذلك النشاط مفصولا عن الغايات السامية التي أمر بها الخالق عـز وجل. إذن فإن الاغتراب بهذا المفهوم يكون قد أصاب المجتمعات الغربية واللاغربية على حد سواء في حين أن الاستغراب لم يصب إلا الثانية.
وكما تتصدر العوامل الخارجية في بنـاء ظاهرة التغريب،  كذلك الشأن فيما يتعلق بظاهـرة الاستـلاب. ذلك أن الصدام الحضاري الذي حدث بين المجتمعات الإسلامية والغرب، نتج عنه استلاب المقدرات المادية والذهنية لهاته المجتمعات. وهكذا استطاع الأجنبي بواسطة الاستعمار والغزو الفكري أن يستلب العقل الإسلامي ويتحكم في توجيهه. وتبعا لهيمنة العامل الخارجي في مفهوم الاستلاب ـ مع عـدم نفي أهمية العامل الداخلي بطبيعة الحال ـ  فغالبا ما يستعمل لفظ مستلب في صيغة المبني للمجهول. في حين أن العامل الداخلي في الاستغراب أكثر هيمنة من العامل الخارجي، ومن هنا بات من المنطقي أن يكون لفظ مستغرب مبني للمعلوم باعتبار أن الاستغراب يعبر عن ظاهرة نفسية وعقلية واجتماعية تشكل الذات الواعية للمستغرب محورها الرئيس. وبالتالي فالإنسان المستغرب يعي استغرابه تمام الوعي، ويمارسه بكامل إرادته وشخصيته.


الدكتور عبد الله الشارف
من كتاب : الاستغراب في الفكر المغربي  المعاصر


[1] - ابن منظور :" لسان العرب" ،طبعة دار لسان العرب بيروت د . ت م 2،  ص967.
[2] - د. أحمد سمايلوفيتش:  "فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر"
دار المعارف مصر 1980 ص 37.
[3] - د. حسن حنفي: "مقدمة في علم الاستغراب" ،مطبعة الدار الفنية القاهرة 1991 ، ص 29 .
[4] - نفس المرجع ص 31 – 32 .
[5] - د. حسن صنفي "مقدمة في علم الاستغراب ، ص 36
[6] - أصل مؤلف سمايلوفتش (فلسفة الاستشراق) رسالة الدكتوراه نوقشت بكلية اللغة العربية بالأزهر سنة 1974.
[7] - أبو الأعلى المودودي :"الحجاب " دار المعرفة، د . ت ص 119 .
[8] - "مصطفى السباعي" "الاستشراق والمستشرقون" (مالهم وما عليهم) المكتب الإسلامي، بيروت ـ دمشق 1985 ، ص 4.
[9] - عبد العظيم محمود الديب: " المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي"
[10] - هاملتون جيب: "وجهة الإسلام" ، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، المطبعة الإسلامية، القاهرة 1934، ص 18.
[11] - أنوار الجندي:  "شبهات التغريب في الغزو الفكر الإسلامي" المكتب الإسلامي،
د . ت . ص 3.
[12] - محمد أحمد إسماعيل علي :"المثقف العربي وفعاليته الاجتماعية" ، مجلة الوحدة عدد92،  ص 157.

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق