ثقافة الاستغراب

0

بسم الله الرحمن الرحيم


1- تمهيد


إن قراءة خاطفة في عناوين الإنتاج الأدبي، ومقالات الصحف والمجلات والدوريات، منذ مطلع الاستقلال إلى الآن، تمكننا من الإطلاع على ترعرع تيار الاستغراب الثقافي، ومسيرته التي قطعها، إلى أن اشتد عوده واستحكمت في الأرض جذوره. إن جيل ما قبل الاستقلال كان يؤمن بمبادئ وقيم ثقافية روحية، غير المبادئ والقيم التي آمن بها جيل الاستقلال. لقد كان الأول يؤمن بالحماس الوطني والمسؤولية والتضحية في سبيل الدين واللغة والأرض، بماله ودمه، وظل يكافح إلى أن طرد المستعمر عن أرضه. في حين نلمس في جيل ما بعد الاستقلال تحولا سلبيا وخطيرا في القيم الثقافية والروحية. تحول في اتجاه الاستلاب، والتبعية واللهاث وراء ثقافة فرنسا، وغيرها، مما أدى إلى ظهور كتابات وأعمال ثقافية تتمحور حول الإنسان الغربي، فكرا وسلوكا وثقافة وحضارة. وهكذا مدحت ومجدت الاختيارات السياسية والاقتصادية بشقيها الليبرالي والاشتراكي.
ولكم يطيب ويحلو لكثير من الدارسين تعليل وجود هذه الثقافة بعوامل خارجية، حيث يرون أن هذا النوع الجديد من الثقافة الذي أصبح سائدا، أي هذه القيم الجديدة التي نلاحظ وجودها في المجتمع المغربي الحديث، يمكن ردها في نظرهم إلى أسباب في مقدمتها هيمنة النظامين العالميين اللذين أصبحا مفروضين علينا؛ وهما النظام الاقتصادي والنظام الإعلامي.
فمن المعروف أن العالم الثالث كله أصبح الآن فريسة الرأسمالية المتوحشة، ووقع تحت سيطرة مباشرة أو غير مباشرة، لمشيئة الشركات العالمية الكبرى المتعددة الجنسية والعبارة للقارات، وتحت رحمة الأبناك ومؤسسات القروض العالمية (وعلى رأسها صندوق النقد الدولي)، التي ترهن مستقبل الشعوب المستضعفة وتفرض عليها وصايتها الدائمة، وكل هذه الشركات والمؤسسات التجارية والمالية تتنافس بشكل وحشي على أن يبقى هذا العالم الثالث سوقا مفتوحة، لترويج بضاعتها واستهلاك إنتاجها من كل شيء، تراهن على أن تظل شعوب العالم الثالث شعوبا متخلفة تابعة، حتى لا تتجاوز مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج التي تجعلها تستغني عن بضاعتها. ووظيفة الشركات الإعلامية العالمية الكبرى، كلها تؤول إلى أوروبا وأمريكا والصهيونية، حيث الدعاية للشركات التجارية والمؤسسات المالية المذكورة وترويج منتوجها من كل شيء وحماية وتدعيم النظام الاقتصادي المشار إليه، وهذا يتم بعدة طرق منها الإشهار المباشر والإعلان الواضح وخلق وسائل الإغراء بل خلق الحاجة إلى هذا الإنتاج لأجنبي والحافز إليه والرغبة فيه، والإعداد النفسي والثقافي لتقبله والتكيف معه وتغيير السلوك والعادات ونمط العيش والتفكير من أجله، وخلق مطامع وتطلعات جديدة مادية في الغالب، وأذواق مسايرة للبضاعة الرائجة، وبالجملة خلق الإنسان المستهلك وإعداده، الإنسان المترهل الكسول، الإنسان المهزوم والمستلب، الإنسان المتقبل لهذا النمط من الإنتاج.
هذا تعليل صحيح، لكنه يتضمن نصف الحقيقة، أما النصف الآخر والأهم فإنه مغيب؛ إنه العامل الداخلي المسؤول الأساسي عن التبعية والوقوع في قفص النظامين الاقتصادي والإعلامي وغيرهما. لقد غاب عن هؤلاء الدارسين العامل الداخلي المتجلي في الاستغراب والانبهار بالإنسان الغربي،  ذلك العامل الناتج عن الانحراف العقدي والثقافي، الذي أصاب المجتمع المغربي والأمة الإسلامية جمعاء، كما أن تحايلهم ينطوي على نوع من الاستغراب، عندما أغفلوا وأقصوا عامل الانحراف الديني والعقدي، اقتداء وأسوة بالكتاب والدارسين الغربيين الذين لا يعيرون للدين أي اهتمام. إن النظر في مشاكلنا الثقافية والبحث عن علاج لها انطلاقا من رؤية غربية وبواسطة أدوات منهجية أجنبية لا يمكن أن يحرك عجلة التقدم والتحرر من التبعية، كما يمنع مثقفينا من امتلاك الاستقلال الفكري والأدبي. وهكذا فإن "مظهر آخر من مظاهر أزمة الفكر المغربي يأتي من التخبط الثقافي الذي يعيش فيه مجتمع المثقفين في بلادنا. فمما لاشك فيه أن انفتاح أفق المثقفين على ثقافات مختلفة وعلى نظريات متباعدة يغني الفكر ويفتح أفقه ويضع أمامه كثيرا من الاختيارات الفكرية، في الفلسفة والاجتماع والفن وسبل الحياة عامة. ولكن المشكلة هي ترسب الدوامة التي تمنع المثقفين من الاختيار والتوجه، وتدفع بهم إلى محاولة التعلق بكل رأي وكل نظرية. حتى أننا لا نستطيع أن نحدد اتجاها معينا لمثقف من المثقفين، وبالتالي لا نستطيع أن نصف المثقفين بالمغرب حسب اتجاهاتهم الفكرية. الاختيارات غير واضحة. وكل ما هناك اجترار أفكار ومقولات مختلفة متباينة مضطربة. وإذا جاز هذا الخلط وهذه الحيرة ونحن في بداية نهضتنا الفكرية، فلا يجوز مطلقا أن تبقى ظاهرة تطبع الفكر المغربي حيث يفقد في غمرتها خصوصياته التي عرف بها التاريخ([1][1]).
ومن ناحية أخرى يمكن الحديث عن الثقافة السياحية كمظهر آخر من مظاهر الاستغراب الثقافي عندنا، إنها ثقافة تقوم أساسا على الميوعة والخلاعة من خلال الحفلات الفلكلورية والسهرات "الفنية"؛ حيث يكثر الرقص وما إلى ذلك. كما ينسب إلى هذه الثقافة ما يسمى بإحياء مواسم الأولياء، والاهتمام بأضرحة الأقطاب والصالحين، إلى غير ذلك من فنون الشعوذة والتدجيل والبلاهة وتنويم العقل وتخديره.
لماذا تقوم جهات مسؤولة بالإشراف على هذه الحفلات والمواسم؟ أليس الهدف الرئيسي من وراء ذلك شد أنظار السائح الأجنبي وتثبيت صورته الفلكلورية التي يحملها في ذهنه عن المغرب؟ ثم إرضاء رغبته في الاطلاع عن أنواع وعجائب العادات والتقاليد المنتشرة في الجبال والوديان عند أهالي البربر؟
أما كان لهذه الجهود أن تصرف في تشجيع وتنمية ثقافة ذاتية بدل بذلها في إنتاج ثقافة مائعة سخيفة ومبتذلة؟
ولعي لا أعدو الحقيقة إذا قلت بان الفلكلور بصورته الحالية يعبر عن المظهر الجامد والمشوه لجانب من تراثنا الثقافي. ذلك أن المستعمر عمل - بكل ما أوتى من دهاء ومكر - على مسخ تراثنا، كما حاولنا إقناعنا بأن التراث لا مصير له إلا متاحف التاريخ، وهكذا تم تحويله إلى مجرد إرث تاريخي نفتخر به ونغتني بأمجاده، ونختار منه النماذج الفلكلورية التي تكرس النظرة الغربية.
وفي هذا الصدد يمكن الاستشهاد بكلام عن الموسيقى الشعبية؛ كما جاء في محور محاور "المناظرة الوطنية الأولى حول الثقافة المغربية"؛  تمثل فنون الغناء والموسيقى والتعبير الجسدي في حياة الشعب المغربي عنصرا مؤثرا في حيويته وذوقه السمعي الحسي، مما يفرض علينا النظر في هذه الفنون وفي صيغتها وطرق ممارسته.
وأمام هذا الواقع المزري للتربية الموسيقية، ورغبة في تجذير انطلاقة سليمة لها تقترح اللجنة:
أولا: العناية بالموروث وحمايته
1- ضرورة القيام بمسح ميداني للتراث الموسيقي وفنون التعبير الجسدي المتداول في الممارسة الشعبية، واستدراك ما لم يزل محفوظا في الذاكرة.
2- تأسيس مركز للجرد والتوثيق والبحث والدراسة والتحليل والتصنيف متخصص في الأهازيج الشعبية، مع العمل على تزويده بالأطر المختصة.
3- وضع خارطة بأنماط الفنون المغربية الغنائية وفنون التعبير الجسدي تشمل سائر مناطق الوطن.
4- ضرورة المحافظة على التوثيق على المصطلحات والنعوت والمسميات الشعبية للأنماط الغنائية والتعبير الجسدي.
5- وضع جذاذات بأسماء الشيوخ والرواس والقبائل والدواوير والمناطق التي تحتضن فنون التعبير الجسدي والغنائي.
6- تسجيل وتدوين الأساطير والملاحم والمنظومات الشعبية المرتبطة بالغناء الشعبي.
7- استكمال تدوين وتسجيل النوبات الإحدى عشر وقصائد الملحون.
8- جمع الروايات الشفوية في وصف التقاليد والعادات المرتبطة بكل نمط غنائي أو تعبير جسدي شعبي.
9- تصوير وتدوين وتسجيل حلقات الذكر في الزوايا من عمارة وحلقات التصوف وأغاني وألعاب الأطفال القديمة والختان وما كان يلقنه المدرسون في الكتاتيب القرآنية.
ويكفي للتنبيه على مدى تغلغل الاستغراب الثقافي في بلادنا أن أثير بعض الأسئلة:
- ما هي نسبة المسلسلات والأشرطة الأجنبية إلى جملة ما يعرض على الشاشات التلفزية والسينمائية؟
- ما هي نسبة البرامج الأجنبية في قنوات الإذاعة والتلفزة، بالقياس إلى البرامج الوطنية؟
- ما هي نسبة حصص اللغة الأجنبية في برامج التعليم قياسا إلى حصص اللغة العربية؟ ... الخ؟
- ما هي نسبة مبيعات الكتب والصحف والمجلات الأجنبية إلى مبيعات الكتب والمجلات العربية؟
وبالنسبة للكتاب المغربي فإنه - إضافة إلى تأثره بتيار الاستغراب الثقافي - يعاني أزمة خانقة يعلمها كل من له علاقة بالثقافة المغربية. فالكتاب المغربي لا يوزع خارج المغرب إلا ناذرا، كما أن السوق الداخلية لا تكفي لاستهلاك النسخ المعروضة بالرغم من قلة عددها، إذ لا يزيد معدل النسخ التي تطبع من كل كتاب بالمغرب عن ألفي نسخة، ثم إن انخفاض نسبة القراء المغاربة في اطراد مستمر. في حين أن ما يطبع في المغرب باللغة الفرنسية يلقي الدعم المباشر أو غير المباشر، من السياسة الفرانكفونية في العالم كله! يقول الدكتور عابد الجابري وهو بصدد الرد على أحد المناقشين: «طيب، إذن ننتقل إلى الملاحظة التي أبداها أحد الزملاء فيما قال؛ إن الابستمولوجيا الفرنسية حاضرة أكثر فيما كتبت. فعلا هذا صحيح، وهو راجع إلى عدة أسباب، منها ذاتية... ومنا أسباب موضوعية. الأسباب الذاتية هي أننا في المغرب مرتبطون بالثقافة الفرنسية أكثر مما نحن مرتبطون بالثقافة الانغلوسكسونية، أو غيرها. أما الأسباب الموضوعية فتتخلص في كون الأبحاث الابستولوجية في فرنسا أكثر من غيرها اهتماما بالتحليل التكويني، وبالنقد الفلسفي العقلاني - إنها أقل إمعانا في الصورية ولذلك فهي، فيما يخيل إلي، أكثر ملاءمة لطبيعة الموضوع الذي أتعامل معه، موضوع التراث»([2][2]).
في هذا النص يصرح الجابري بكل اعتزاز وثقة "بأننا" أي مشعر المثقفين "مرتبطون بالثقافة الفرنسية"؟! ولعله استحيى أن يصف هذا الارتباط بقوله مثلا: ارتباط الابن بأمه. ولكن الليبيب تكفيه الإشارة، والمعنى أبلغ من المبنى. ثم هو يفتخر بالتحليل التاريخي التكويني، وبالنقد الفلسفي العقلاني كأدوات معرفية ومنهجية لدراسة التراث الإسلامي، وشتان ما بين طبيعة هذه الأدوات والمناهج كمن جهة، وبين التراث من جهة أخرى.

2- الاستجابة للمد الفرانكوفوني
يعتبر أونيسيم ريكلوس الجغرافي والجيولوجي الفرنسي، أول من نحت مصطلح الفرانكوفونية؛ وذلك في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، ثم أتى عليه حين من الدهر ظل خلاله مغمورا إلى أن ظهر من جديد على الساحة السياسية وذلك سنة 1962 على يد أشد الزعماء الأفارقة تحمسا للفكر الفرانكوفوني؛ وهو الرئيس السينغالي ليوبولد سنغور.
غير أن الحركة الفرانكوفونية عرفت انطلاقتها الحقيقية غداة استقلال الدول الإفريقية التي كانت تحت السيطرة الفرنسية، إذ ظهرت مع بداية الستينات كثير من المنظمات الفرنسية الإفريقية الهادفة إلى تقوية العلاقات الثقافية والاقتصادية بين الطرفين. وليس غريبا أن يعمل كثير من الزعماء السياسيين آنذاك؛ مثل بورقيبة وسنغور وحماني ديوري رئيس النيجر، على الدعوة إلى الفرانكفونية بمباركة خفية من الوزارة الخارجية للدولة الفرنسية وبتحفظ ظاهر من قصر الايلزي([3][3]).
وهناك من بين المنظمات والجمعيات المتعلقة بالفرانكوفونية ما يلي:
- جمعية الجامعات الناطقة جزئيا أو كليا باللغة الفرنسية (1961).
- المجلس العالمي للغة الفرنسية (1967).
- جمعية التعاون الثقافي والتقني (1970)
- لجنة الفرانكوفونية (1971).
اللجنة العالمية للشؤون الفرانكوفونية (1974).
وإذا كان المشروع الأساسي للفرانكوفونية قائما على تنظيم العلاقات التعاونية بين فرنسا ومستعمراتها القديمة، فإنه ينبغي التنبيه أيضا إلى أن الفرانكوفونية تستعمل كوسيلة للتخفيف من وطأة الانجلوفونية، إذ لا يخفى على أحد مدى ما تشعر به فرنسا من القلق والإزعاج، بسبب الانتصار الذي حققته وما تزال تحققه اللغة الإنجليزية في العالم. ومن ذلك يظل دافع السيطرة والهيمنة الاقتصادية والسياسية على كثير من الشعوب، أهم عامل وراء تطور واستمرار السياسة الفرانكوفونية. وقد شهد بذلك كتاب فرنسيون، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر جان لوي كالفي في كتاب "حرب اللغات والسياسات اللغوية"([4][4]).
ومن ناحية أخرى، إذا كانت اللغة العربية لا تتعلق بدولة معينة، فإن اللغة الفرنسية بالرغم مما تعكس من الامتداد والانتشار خارج فرنسا فإنها تظل - شاء أهلها أم أبوا - مرتبطة بدولة وثقافة بل وسياسة فرنسا. ومن هنا فإن الحركة الفرانكوفونية التي تتبجح بالانتساب إلى رقعة جغرافية أكبر وأوسع من البلد الفرنسي، تتغذى فكريا وايديولوجيا من المناخ الثقافي الفرنسي، كما تتجذر تاريخيا في طينة الدولة الفرنسية. ومن ثم فإن هذا المظهر يعتبر من أجلى المظاهر تعبيرا عن التناقضات الجوهرية للحركة الفرانكوفونية. ولعل هذا ما "استشعره الجنرال ديغول بحدسه الثاقب المعهود، بحيث أنه إبان رئاسته للجمهورية الخامسة لم يكن يخفي تحفظاته وشكوكه إزاء فرانكوفونية منظمة كاسحة خارج بلدان أوروبية والكبيك ومقاطعات الدوم - توم، وهي كلها تقليديا، ناطقة بالفرنسية".
وهذا ما يفسر إحجامه عن المصادقة على مشروع إيجاد "مجموعة فرانكوفونية"  تقدم إليه به الرئيس النيجري السابق حماني ديوري، سنة 1966، باسم "المنظمة الافريقية الملغاشية المشتركة OCAT" ونفس الموقف اتخذه ديغول حين عرضت عليه هذه المنظمة نفسها مشروعا آخر بخلق "وكالة التعاون الثقافي والتقني بين الدول المستعملة للفرنسية. ACCT" فهذا المشروع الثاني لم يوقع عليه في نيامي إلا في 1970، أي بعد تخلي الجنرال عن السلطة بأكثر من سنة.
وحتى بعض رواد الفرنكوفونية المتعصبين أخذوا بعد طول الاحتكاك بالتباسات المشروع وصعوبات الميدان، يقنطون مما هم فيه من المستقبل. فها هو جان مارك ليجي يكتب معترفا (وهو من صنف الوزن الكبير لأنه ألف الكثير حول المشروع، وكان اول سكرتير عام لوكالة التعاون الثقافي والتقني الآنفة الذكر): "أشعر وأنا اليوم أتحدث عن الفرانكوفونية بحرج متزايد وكذا بالاحباط. ويحدث بي أن أفكر أن الفرانكوفونية لو لم توجد لكان من الأجدر عدم وضعها"([5][5]).
لقد بات من المؤكد أن الدول الإفريقية الناطقة باللغة الفرنسية، وكذا دول المغرب العربي تشكل الأصل الوحيد لإنقاذ اللغة الفرنسية من الاندحار والانكماش"، أمام هذا الأفول المريع، تلتفت الفرانكوفونية إلى إفريقيا كمجال حيوي للافتراس اللغوي المنخفض التكلفة. ومن هذا دعوة شودنسور([6][6]). بمناسبة القمة الفرنكوفونية بالسينغال سنة 1989 إلى ثورة فرنكوفونية في حجم الثورة الفرنسية (1789) متوقفا عند هذا الجناس الدياكروني ليؤكد أن مصير الفرانكوفونية يتقرر في إفريقيا، ولن يكون للفرنسية، دون هذه الفرصة الوحيدة والأخيرة، إلا أن تنزوي مع اللغات المهمشة كالإيطالية واليونانية، خلال القرن القادم. ومن الطريف أن تجد هذه الدعوة إلى الافتراس اللغوي، من يرددها ويتحمس لها من بين الفرائس الإفريقية فيقول: إن مصير الفرنكوفونية يتقرر في إفريقيا باعتبار أن أكبر المجموعات البشرية المتكلمة كليا أو جزئيا بالفرنسية لا توجد في فرنسا، وإنما في إفريقيا ومنطقة المغرب العربي، مستهدفة للغزو الفرنكوفوني أكثر من غيرها لأسباب جيوستراتيجية وحضارية([7][7]).
وانطلاقا من هذا الاطار السياسي والإيديولوجي يمكن تحليل الأهمية القصوى التي يوليها المسؤولون عن الثقافة والتعليم ببلادنا للغة الفرنسية، وفهم الضغوط الاستعمارية الجديدة الرامية إلى تثبيت الوجود اللغوي الفرنسي ومنحه الشرعية والاستمرار سواء في المصالح العمومية أو في ميدان التعليم وتكوين الأطر. كما نستطيع أيضا الوقوف على أسباب انتكاس المعركة التي خاضت غمارها المؤسسات العلمية والثقافية والنقابية والأحزاب الوطنية غداة الاستقلال، ذلك الكفاح الذي توج سنة 1964 بالمناظرة التاريخية التي نظمتها الدولة حول التعليم بغابة معمورة، والتي تم خلالها وضع برنامج علمي وخطة سليمة تستهدف تعريب التعليم ومغربة أطره وتعميمه. "سياسة التعليم التي وضعتها فرنسا وطبقتها في عهد حمايتها للمغرب طيلة 44 سنة، والتي استمر العمل بها منذ استقلال المغرب حتى اليوم، لم تعرف أي مرحلة انتقالية، لا في عهد الحماية، ولا في عهد الاستقلال، كان هدفها ولا يزال، تحويل المغرب إلى بلاد ناطقة باللغة الفرنسية، مندمجة في الثقافة الفرنسية، فكرا وحضارة وذوقا، تدور في فلك رابطة الدول الفرنكوفونية، وتدين لها بالولاء السياسي، والتبعية الاقتصادية والاجتماعية"([8][8]).
"ولقد كان من المفروض أن يتم هذا التحويل منذ ثمانية أعوام، وأن يتحرر المغرب خلال هذه المدة من سيطرة الاستعمار اللغوي والفكري التي لا يزال المغرب يخضع لسلطانه الفعلي مند نصف قرن، ولكن شيئا من هذا لمن يحدث، الذي حدث، هو أن فرنسة البلاد بما فيها من إدارة، وتشريع، وتعليم، وصحافة، وتلفزيون، وأسماء شوارع، وعناوين، وبطائق استدعاء، لم تعم وتنتشر في عهد الحماية الطويل، مثلما انتشرت وعمت في عهد الاستقلال القصير، وقد برهنت الأحداث والنتائج التي تمخضت عن سلوك هذه السياسة، على أن انتشار الفرنسية وازدواجية اللغة تسبب في:
1- سقوط مستوى التعليم.
2- تعريض مصير اللغة العربية لأن تصبح كاللغة اللاتينية.
3- تمزيق الشخصية الوطنية.
4- انهيار القيم والمقدسات وفقدان الغيرة عيلها.
5- تشويه واحتقار التاريخ العربي الإسلامي.
6- خلق طبقة بورجوازية متفرنسة منعزلة عن الشعب.
7- تكوين عقد نقص لدى المواطنين عامة والمسؤولين خاصة([9][9]).
ومن ناحية أخرى تتجلى الاستجابة للغزو الفرانكوفوني في إقبال عشرات أو مئات الآلاف من الآباء والأمهات، على المدارس الفرنسية والإسبانية التابعة للبعثات الثقافية الأجنبية ببلادنا؛ حيث يقذفون فلذات أكبادهم لكي يتجرعوا سموم التغريب وينسلخوا عن شخصيتهم الإسلامية والوطنية. والأدهى والأمر أن أولئك الآباء والأمهات يتباهون بهذا العمل الشنيع ويعتبرونه جديرا بالافتخار والاعتزاز.
إن سكوت ورضا المسؤولين على مدارس البعثة الثقافية المنتشرة في ربوع المغرب، يعتبر ضربة قاصمة لمبدأ "توحيد التعليم"، الذي طالما نوهوا به وادعوا العمل على تحقيقه، ناهيك عما يسببه هذا التعليم من تأجيج الصراع الطبقي في مجتمعنا وإحداث الفجوات الخطيرة  في وحدتنا الثقافية والذاتية.
"وبدلا من تنقية برامج التعليم العصري ومناهجه من عناصر الفكر العلماني والمادي والأحادي، ومن التبعية الثقافية المتمثلة في ازدواجية لغة التعليم، وفرنسة الثقافة والتفكير والعواطف، بدلا من ذلك قام المسؤولون عن النظام التعليمي بإدماج التعليم الإسلامي الأصيل، والتعليم الوطني العربي الحر - الذي أنشأه الشعب المغربي في عهد الحماية ليقاوم به التعليم العصري المتفرنس - في التعليم العصري المذكور!، وهكذا طبق المسؤولون مبدأ التوحيد بطريقة عكسية لرغبة الشعب، تاركين مدارس البعثة الثقافية الفرنسية - بسلطتها المستقلة كدولة داخل الدولة - لتنشئ جيلا مغربيا متفرنسا مائة في المائة، ولتكون طبقة الحكام المستقبلين للبلاد، ولتزرع بذور التمزق الفكري، والصراع الطبقي والعقدي بين أبناء الشعب الواحد([10][10]).
وأخيرا لم تسلم حتى رياض الأطفال من أخطبوط الفرانكوفونية؛ حيث نجد الطفل المغربي ولما يبلغ عمره سن الرابعة قد أضحى فريسة للغزو، وأبواه يتلذذان باستماعهما إليه وهو يتلفظ ببعض الكلمات الفرنسية، إنها لجريمة نكراء ترتكب في حق هذا الطفل البريء؛ حيث يتم - في المهد - غرس بذور ازدواجية اللغة والشخصية، والصراع النفسي وأزمة الذات. وإذا  كان تعلم الطفل للغة أجنبية إلى جانب لغة الأم في سن مبكرة جدا ينمي قدراته العقلية واللغوية... كما يدعي المسؤولون التربويون عندنا، فلماذا لا ينصح المسؤولون في الغرب أبناءهم بذلك؟ وإني أتحدى كل من يقدم لي ولو اسما واحد لدولة غربية يتعلم أبناءها في رياض الأطفال لغة ثانية إلى جانب اللغة الوطنية، إذ لو لم يكن في الأمر خطر على عقلية ونفسية الطفل لسبقنا إليه الغربيون لأنهم، أعلم الناس ببيداغوجيتهم الحديثة، وأنى لمقلد أن يبتكر فيمتا قلد فيه غيره؟
إن الاستجابة للمد الفرنكفوني عبر ممارسة اللغة الفرنسية، وتمثل ثقافة الفرنسيين وتقمصها وذلك من خلال الصحافة والإذاعة المرئية والمسموعة ومن خلال التعليم، لدليل جلي على مدى تجذر الاستغراب فكرا وسلوكا في المجتمع المغربي.
"ذلك أن اللغة ليست أداة معرفة فحسب، ولكنها كيان ثقافي. ويوم تتخذ أمة أو يتخذ شعب ما لغة علمية له غير لغته الأساس، سيكون مستعدا لأن يطرح أسس ثقافته الأساسية وكل مقوماتها الحضارية، ليندمج في ثقافة اللغة التي اعتنقها. اللغة توحي، وأكثر من الإيحاء أنها تنقل من الفكر ومن الفعل ومن الممارسة ومن البعد الحضاري، كل ما اختلطت به، فأصبح مجموع ما يكون الثقافة القومية والوطنية. تنقل كل ذلك إلى الشعب الذي اقتبسها، وشيئا فشيئا يندمج من حيث يشعر أو لا يشعر، وشيئا فشيئا يلغي كل مقوماته وكيانه لتصبح له مقومات أخرى مستعارة وكيان آخر مستعارا"([11][11]).
ولعله لا مجال للمقارنة بين المغاربة الغيورين في عهد الاستعمار، الذين كابدوا حرب الفرنسة وعملوا على تأسيس المدارس والمعاهد الإسلامية الحرة، وعانوا من جراء التهميش الذي كان يلحق ويصيب خريجي تلك المدارس، وبين أبنائهم وأحفادهم من المستغربين المعاصرين الذين ينافحون عن اللغة الفرنسية وينتصرون لها أكثر مما يفعل الكثير من أبنائها إزاءها. لكن قد يقول قائل إنهم معذورون أو مجبرون على هذا الاختيار باعتبار المناخ السياسي والاقتصادي العالمي، والفترات الانتقالية التي تلت الاستقلال، وكذا العلاقة الثنائية بين المغرب وفرنسا، وما شاكل ذلك من الأسباب الواهية. والحقيقة كما سبقت الإشارة إليه في المقدمة، أن الاستغراب فعل إرادي تام، والمستغرب يمارس استغرابه بمحض إرادته ومن تلقاء نفسه، وإلا كان كل من عاش ويعيش وسيعيش الذل والهوان معذورا ولا ذنب عليه.

3- الازدواجية اللغوية
إن ازدواجية لغة التعليم أخطر عملية من عمليات الاختراق الأجنبي لمقومات الشعب المغربي وأصالته. وإذا كان المستعمر قد سهر بنفسه على نهج سياسة ازدواجية لغة التعليم، فإنه قد استراح من هذه المهمة بعد رحيله وأورثها من أعجب به من المغاربة غداة الاستقلال. إذ سرعان ما تلقف المنبهرون بالسياسة والمدنية الفرنسية الوظيفة المخلفة لهم ورعوها حق رعايتها!. لقد كان من المفروض ومن المنطقي أن يرفض المغاربة قاطبة كل ما خلفه الاستعمار من سياسات ومناهج تربوية، وأن يعملوا على محو كل الآثار التي خلفها وراءه، خصوصا وانه قد سامهم سوء العذاب ونكل بهم أيما تنكيل. لكنهم - ويا للعجب!- أبوا إلا أن يستبقوا روحه بعد غياب جسده، وكأني بهم متحسرين على مغادرته لأرضهم. وإذا كانوا أيام المحنة والذلة والاستعمار، قد استثقلوا وجوده بين ظهرانيهم، فإنهم الآن يستعذبون سمومه التي ينفثها في عقولهم وقلوبهم، وإلا كيف نفسر هذا اللهاث الشديد وراء كل ما يقبل علينا ويغزو ديارنا من فرنسا؛ من أزياء وعادات وأفكار وايديولوجيات وفلسفات، إنه الاستغراب وقد تمكن من قلوب المغاربة وخاصة منهم المسؤولين والمنتمين إلى النخبة المثقفة الدائرة في فلك الغرب، وكل الطبقة الأرستقراطية ومن حدا حدوها وحاول تقليدها من أسر الطبقة المتوسطة.
إن الإقبال على تعلم اللغة الفرنسية من قبل هذه الفئات المذكورة وحرصها على تعليمها لأبنائها في سن مبكرة، وفي مدارس خاصة متوفرة على أجود الوسائل التربوية لتعليم اللغات، وذلك قبل أن يتعلم أولئك الصغار المبادئ الأولى للقراءة والكتابة بلغتهم الأم، كل هذا يفسر لنا قوة الحرص والعض بالنواجد من قبل هؤلاء المستغربين على سنة أوليائهم ومستعبديهم. فأنى لازدواجية اللغة أن تنمحي وأمثال هؤلاء الضعفاء المقلدين يذودون عن تراث أساتذتهم، ويبذلون الجهد والمال في سبيل حياته واستمراريته؟!!
يقول جان عمروش «اعتقد بأن الازدواجية اللغوية شيء خطير جدا، لأنه إذا كنا نريد تربية الإنسان وتكوينه، فيجب أن نضع قواعده، أو يجب أن نقوي الأسس الانطلوجية لهذا الإنسان، أي نعمل على ضمان حقه في أن يتواصل مع تراثه بتمكينه من أداة التواصل وهي اللغة، لأن اللغة هي التي تشكل كينونتنا على مستوى الوعي وكذا على المستوى العميق الذي تشكله الذاكرة اللاواعية وعلى مستوى المثل والنماذج المتبعة.
يجب ألا تكون اللغة التي تشكل هذا الإنسان ويتشكل فيها مجرد مجموعة من الأشكال يستعملها حسب قواعد معينة ومعجم غني أو فقير، يجب أن يكون لمخارج حروف هذه اللغة إيقاع عميق في ذاته، أن يحس في أعماق روحه بمجموعة دلالاتها وأبعادها. يجب أن تتلبس الكلمات بكينونته، أن تكون مجرد ما ينتقيه ويستعمله عن وعي مسبق الفكر والذاكرة، وأعتقد أن لغة الكاتب يجب أن تكون هي لغته الوطنية ولغة جينيالوجيته الطبيعية، ويجب أن نتجنب زرع الازدواجية منذ البداية في هذا العمل الذي هو تـأسيس الإنسان»([12][12]).
3-1- أثر الازدواجية في التعليم
منذ عشرين سنة صرح وزير التعليم - آنذاك الدكتور عز الدين العراقي - بجريدة العلم قائلا: «... وقد أثبتت الدراسات التقنية أن أسباب انخفاض مستوى التعليم ترجع لازدواجية لغة التعليم»([13][13]).
قد يكون هذا أول اعتراف بالضرر الذي ألحقته الازدواجية اللغوية بالتعليم. ذلك أن الخطابات الرسمية والتوصيات المتعددة التي تتعلق بالتربية والتعليم إلى حدود منتصف السبعينيات، تخلو من صراحة مماثلة لما حدث به الوزير العراقي، وما ذلك إلا لأن الأمر أصبح واضحا للعيان، وغدا الشغل الشاغل لمن يغار على اللغة العربية والتربية الأصيلة الحرة.
«وقد شرحت معلمة فرنسية في مدارس البعثة الفرنسية، وفي مدارس حرة عربية، بكل بساطة، مشكل الازدواجية في نظام التعليم المغربي قائلة: إن التلميذ المغربي يطلب منه أن يدرس جميع المواد التي يدرسها التلميذ الفرنسي وباللغة الفرنسية، وفي نفس الوقت عليه أن يدرس المواد العربية والدينية باللغة العربية، وكلا اللغتان تختلفان عن لغة أمومته، وأحيانا، عن لهجتيه الإقليمية والوطنية، وهذا شيء إذا كان في مقدور الأذكياء جدا فإنه فوق طاقة التلميذ العادي بكل تأكيد»([14][14]).
صدقت هذه المعلمة الفرنسية في ملاحظتها الدقيقة، وحق لها أن تصدق وتصيب الهدف بهذا الرأي؛ لأنها أجنبية والأجنبي - كما هو معروف - يلاحظ ويدقق أكثر من المواطن المحلي. نعم إن إضافة اللغة الفرنسية إلى الفصحى والعامية واللهجات البربرية يسبب إرهاقا نفسيا وعقليا للتلميذ، ويكون ذلك من الأسباب الرئيسة في تأخره الدراسي وكثرة رسوبه. لا يمكنك أن تعثر على بلد غربي يتعلم أبناؤه لغة ثانية بعد لغة الأم، في السنوات الأولى من التعليم الأساسي بله مرحلة رياض الأطفال؟ لكننا أبينا إلا أن نشوش عقول فلذات أكبادنا ونفسد فطرتهم بتعليمنا إياهم لغة المستعمر، ولم يجتازوا بعد عتبة التعليم الأساسي، إنها لجريمة نرتكبها في حقهم.
«ولعل من المفيد أن نقوم بمقارنة علمية دامغة لنسبة التحاق التلاميذ بالتعليمين الثانوي والعالي سنة 74 - 1975، بين مجموعتين من الدول العربية، مقتبسة من جدول عام أعدته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في دراستها؛ "استراتيجية تطوير التربية العربية" ص 386، حسب ما يلي:



























نوعية لغة التعليمالقطرنسبة التحاق التلاميذ بالتعليم الثانويمعدل النسبةنسبة التحاقهم بالتعليم العاليمعدل النسبة
دول عربية

مزدوجة لغة التعليم
المغرب

الجزائر

تونس
14

16.2

20
16.702.42

2.66

3.03
2.70
دول عربية

موحدة لغة التعليم
مصر

ليبيا

سوريا

الأردن

العراق
38.5

44.5

47.7

14.6

32.6
40.512.95

11.11

9.86

9.92

7.87
10.30


إن إلقاء نظر ة علمية فاحصة على هذا الجدول تجعل أي باحث تربوي يندهش للفرق الكبير بين النتائج النوعية من التعليم، في مجموعتين من الدول العربية، إحداهما خضعت في نظامها التربوي لاستعمال لغة مستعمرها السابق، كلغة التعليم، ابتداء من تعليمها الابتدائي، بجانب لغتها الوطنية، والأخرى وحدت لغة التعليم التي هي اللغة العربية، وكانت النتيجة انخفاض نسبة النجاح والانتقال إلى الثانوي، ثم إلى العالي في مجموعة مزدوجة اللغة، إلى أقل أو أكثر من ثلث نظيرتها فقط في المجموعة الموحدة اللغة»([15][15]).


3-2- انعكاسات الازدواجية على المجتمع المغربي
الانعكاسات السياسية
وأخطر ما تتجلى هذه الانعكاسات في مجال العلاقات السياسية والدبلوماسية بين المغرب من جهة والأقطار العربية والإسلامية من جهة أخرى، ذلك أن الرؤية الموحدة والمصير المشترك ووحدة الدين والأهداف، كل هذه الأمور التي من المفروض أن تمثل الأرضية الصلبة للأقطار المذكورة، نجدها للأسف تعاني سياسيا من جراء عوامل كثيرة والتي من بينها وقوع الدول العربية والإسلامية تحت تأثير السياسة الغربية. وازدواجية اللغة كما هو الحال عندنا في التعليم والإدارة ومختلف المؤسسات، أوضح مؤشر على ذلك.
إن دولة صغيرة كدولة الدانمرك مثلا لا يمكن أن تستعمل لغة غير لغتها الأم في إدارتها ومؤسساتها المختلفة، كما أننا نستغرب إذا أخبرنا أحد بأن الشعب الدانمركي اختار اللغة الإيطالية، أو الروسية للتعبير عن هويته وشخصيته. إن الاستمرار في المحافظة على الفرنسية في المغرب، كأداة أولية من أدوات المعرفة والثقافة يجعل من المستحيل على بلدنا التخلص من الهيمنة السياسية التي تمارسها فرنسا ولو بطريقة غير مباشرة - على الدول الفرانكفونية.
- الانعكاسات الاقتصادية
لعله من المنطقي أن تؤدي التبعية اللغوية إلى التبعية الاقتصادية. إن اللغة الأساسية بالنسبة للمسؤولين الاقتصاديين، أو أصحاب الشركات الكبرى في المغرب هي اللغة الفرنسية. ومادام الأمر كذلك فإن العلاقات الاقتصادية والتجارية المفضلة لديهم هي التي تتم بين المغرب وفرنسا. ومن هنا أصبح من المألوف عندنا أن نرى أسواقنا مغمورة بالمنتوجات الفرنسية، وان نسمع بإنشاء شركات ومعامل تابعة للمشاريع والشركات الفرنسية.
والازدواجية من الناحية الاقتصادية لها تأثير كبير على ميزانية التعليم يقول احد الباحثين: «إن تكوين تلميذ واحد في التعليم الابتدائي يتطلب ما معدله ثمان سنوات ونصف بدل خمس سنوات المقرر، كما يتطلب في التعليم الثانوي عشر سنوات تقريبا عوض سبع سنوات المقررة. وهكذا فإن تكوين تلميذ في التعليمين الابتدائي والثانوي يتطلب ما معدله تسع عشرة سنة بدل اثني عشرة سنة المقرر، ويصبح معدل عمر التلاميذ في مستوى الباكالوريا هو خمس وعشرون سنة بدل ثماني عشر سنة الفعلية كما في أنظمة التعليم العالمي»([16][16]).
- الانعكاسات الاجتماعية
أثبت علماء النفس والاجتماع أن التعدد اللغوي كلما ازداد حدة ازدادت المشاكل النفسية والاجتماعية توترا، وتجذر الشقاق والتنافر بين الفئات الاجتماعية التي تتحدث اللغة الأجنبية والفئات التي لا تستعمل في كلامها إلا اللغة أو اللهجة المحلية. وما دامت اللغة تؤثر في الفكر، وهذا بدوره يؤثر في السلوك، فإن الفئة أو الطبقة الاجتماعية المغربية التي تمارس اللغة الفرنسية وتربي أبناءها على ذلك، يصطبع فكرها - مع الزمن - بفكر اللغة وبالتالي يشرع أفراد تلك الطبقة في تقمص سلوك وعادات الفرنسيين وينسجون حياتهم الأسرية على منوال حياة أسيادهم. ومن هنا تزداد الشقة اتساعا بين هذه الطبقة المستغربة والطبقات الأخرى.
ولقد كان المستعمر الفرنسي أول من بذر الصراع والعداوة بين هذه الطبقات بجعله اللغة الفرنسية اللغة الأساسية لتعليم المغاربة، وعمل على تهميش المؤسسات الدينية والوطنية التي كانت تحافظ على اللغة العربية وتعلي من شأنها. وكان من مكر المستعمر وكيده أن أسند إلى كل من يتقن الفرنسية من المغاربة الوظائف الهامة، وظل الآخرون خارج الحلبة لا يعبأ بهم. وللأسف الشديد أن هذه السياسة ظلت تؤثر في النظام الإداري والتعليمي بالمغرب إلى ما بعد الاستقلال. وفي هذا الصدد يقول الدكتور إدريس الكتاني: «سياسة التعليم التي وضعتها وطبقتها في عهد الحماية للمغرب طيلة 44 سنة، والتي استمر العمل بها منذ استقلال المغرب حتى اليوم لم تعرف أي مرحلة انتقالية، لا في عهد الحماية، ولا في عهد الاستقلال، كان هدفها ولا يزال، تحويل المغرب إلى بلاد ناطقة باللغة الفرنسية، مندمجة في الثقافة الفرنسية فكرا وحضارة وذوقا، تدور في فلك رابطة الدولة الفرانكفونية، وتدين لها بالولاء السياسي والتبعية الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما نجحت فيه سياسة التعليم الاستعمارية بالمغرب إلى حد بعيد»([17][17]).
- الانعكاسات الثقافية
«كيف يعقل في عهد الاستقلال أن يتمكن الغزو الثقافي الاستعماري من الانتشار والتوسع، وبالتالي من الهيمنة على كل أطر التعليم بدون استثناء حتى طبع جيلنا بتحول فكري وثقافي وعقائدي، إذ شوه إسلامه، وسلب دينه، وتركه ضالا مضلا، وجعل منه أخيرا عميلا للسياسة الاستعمارية الصليبية، واستمرارا للمكائد اليهودية، ومدا للشيوعية»([18][18]).
نعم لا يمكننا أن نتصدى للغزو الثقافي بالازدواجية اللغوية، بل نعمل من خلال هذه الازدواجية على تعبيد الطريق لذلك الغزو وتمكينه من نفوسنا وعقولنا. إن لمما يدعو للعجب، أن تسعى فئات اجتماعية إلى الانسلاخ عن ثقافتنا وهويتنا عبر تمسكها ودفاعها عن الازدواجية اللغوية. ولولا أن الاستغراب قد تمكن منن لبها وأخذ بناصيتها، لاستطاعت رؤية التناقض الصارخ بين ما تحلم به وتطمح إليه حرية في التفكير واستقلالية في الشخصية، وبين ما تلهث وراءه من بريق الثقافة المستعمرة الماكرة.
إن الخطر لا يكمن في اللغة بقدر ما يكمن في الفكر الذي تعكسه؛ بحيث أن اللغة تنقل الممارس لها، ناطقا أو كاتبا، على فضائها الثقافي والفكري، فالذين ألفوا استعمال اللغة الفرنسية ومالوا إلى التعبير بها، وقعوا في قبضة منطقها وبالتالي أصبح تفكيرهم مرتبطا إلى حد ما، بجوهر فكر أجنبي. إن اللغة توحي عبر حمولتها الثقافية والحضارية بمنطق أهلها، كما توحي بتاريخهم وتراثهم وعاداتهم وسلوكهم ونمط عيشهم.
إن الانعكاسات الثقافية لظاهرة الازدواجية اللغوية تشكل خطورة كبيرة على شخصية التلميذ والطالب وغيرهما، إذ يصبح الانتماء الثقافي نفسه مزدوجا فيتخيل الطالب أحيانا بأنه ينتمي إلى ثقافتين ينبغي الجمع والتوفيق بينهما، لكنه كثيرا ما يميل إلى الثقافة الأجنبية لقوة جذبها وبريقها.
د. عبد الله الشارف،
من كتاب: "أثر الاستغراب في التربية والتعليم بالمغرب"
ألطوبريس، طنجة 2000، من ص 43 إلى ص 62.


([1][1])- عبد الكريم غلاب "من اللغة إلى الفكر" مطبعة النجاح الدار البيضاء، ص188.
([1][2])- د. عابد الجابري "التراث والحداثة" (دراسات ومناقشات) المركزي الثقافي العربي / بيروت الدار البيضاء ط1، 1991 ص 293.
([1][3]) – M Chikh, M. Elmandjra, B. Touzani, Maghreb et francophonie. Ed. Economica Paris 1988. p.19.
([1][4])- صدر هذا الكتاب عن دار النشر بايو Payot، باريس 1987.
([1][5])- "لماذا الفرانكوفونية بضاعة عائبة ومردودة؟" مجلة الوحدة عدد 92 مايو 1992.
([1][6])- انظر كتابيه « vers une révolution francophone, « Ed, Hartman, Paris 1989.
([1][7])- مصطفى بنان "ملف التعريب في مواجهة التغريب" مجلة الفرقان / عدد 30 أكتوبر 1993 ص 19.
([1][8])- "واقع التعليم: شهادة حية في حوار مع الدكتور إدريس الكتاني" / مجلة المنعطف مطابع الصدى الدار البيضاء / عدد 2 صيف 1991 ص 125.
([1][9])- نفس المرجع ص 127.
([1][10])- د. إدريس الكتاني: النظام التربوي في المغرب (1956-1982) مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 1982 ص 9.
([1][11])- عبد الكريم غلاب "من اللغة إلى الفكر" المرجع السابق، ص 79.
([1][12])- Jean Amrouch « Colonisation et Langage » in Etudes Meditrraneenne, 23, en 12 2° Trimistre 1963 P19.
([1][13])- انظر جربدة العلم 20 دجنبر 1977.
([1][14])- د. إدريس الكتاني  "النظام التربوي في المغرب" (1956-1982) مطبعة النجاح الدار البيضاء 1982 ص 20.
([1][15])- المرجع السابق ص 28.
([1][16])- العلم  الثقافي عدد 824.
([1][17])- واقع التعليم: شهادة حية في حوار مع الدكتور إدريس الكتاني، مجلة المنعطف عدد 2  1991 ص 125.
([1][18])- عبد اللطيف جسوس "أزمة أمانة: المرجع السابق ص 83.


لا يوجد تعليقات

أضف تعليق