الاستغراب في فكر الدكتور عابد الجابري




1 ـ تمهيد:
ترجع الجذور التاريخية لقضية التراث والمعاصرة في العالم الإسلامي إلى حملة نابليون على مصر. ومع بزوغ فجر القرن التاسع عشرالميلادي، أخذت القضية تفرض نفسها ثقافيا وسياسيا في مختلف البلدان العربية والإسلامية. وما الاصلاحات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والبعثات الطلابية إلى أوربا، ومحاولات تحديث المجتمع الإسلامي إداريا وعسكريا، إلا صورة من الصور التي تعكس حدة تلك القضية وتجسد روحها. غير أن الشكل الذي تبلورت فيه هذه القضية والمسار التاريخي الذي عرفته، أثر فيهما عاملان أساسيان: أولهما داخلي والثاني خارجي.
فالأول يتلخص في عامل الانبهار الذي أصيب به العالم الإسلامي إثر الصدمة الحضارية التي انتابته بعد اطلاعه على قوة الأوربيين وتفوقهم، وذلك قبل مجيء الاستعمار ببضعة عقود. وقد نتج عن حالة الانبهار هذه، ظهور موقفين متقابلين : موقف يميل أصحابه إلى تقليد الحضارة الغربية ومحاكاتها والذوبان فيها عبر الانسلاخ التام عن التراث الإسلامي، وهذا الفريق يجسد الاستغراب بأدق أوصافه ومعانيه. وقد بلغ بهم الاستسلام وضعف الشخصية مبلغا أصبحوا معه موقنين بعدم جدوى  كل محاولة للإبداع والابتكار والاعتماد على الذات. وموقف مقابل له آثـر التقوقع على الـذات وأدار ظهره لكل ما يتعلق بالحضارة الغربية، ولاذ بالتراث يحمي به ذاته من سهام الغرب السامة. وطفق أصحابه يمجدون التراث الإسلامي ويعتزون بالآباء والأجداد، ويفتخرون بإسهاماتهم المشرقة في ميدان الفكر والحضارة. واستهدفوا بهذه الطريقة تجاوز حالة الشعور بالذل والهوان، بسبب الصدمة الحضارية.
والعامل الثاني الخارجي يتمثل في طبيعة الحضارة الغربية وجوهرها. فقد ورث الأوربيون عن أجدادهم الرومان حب السيطرة واستعمار الشعوب واستعبادها. إضافة إلى هذا استعملوا كل الوسائل لكي يقنعوا شعوب العالم بأن الحضارة الأوربيـة وقيمها هي المقياس الوحيد لكل نهوض وتقدم. وكانت البحوث والدراسات  العلمية  والاجتماعية على رأس هذه الوسائل. وكمثال على ذلك؛ ظهور وتطور الدراسات الاتنولوجية والانتربولوجية. والتاريخ يثبت بأن نشأة الاتنولوجيا والانتربولوجيا تزامنت مع بدايات التدخل الأوربي في العالم. ولعل (ليفي برويل ( الانتربولوجي الفرنسي كان من الأوائل الذين سعوا في إثبات تفوق الغربيين والجنس الآري عموما، وذلك في كتابه "عقلية ما قبل المنطق" حيث أثبت أن "الشعوب البدائية" ومن شابهها من الأمم المتخلفة مفطورة على التفكير اللامنطقي.
وخلاصة القول إن الثقافة الغربية تسودها نزعة مؤداها أن الإنسان الغربي هو النموذج الأمثل للإنسان، وبالتالي ينبغي الاقتداء به. ويسعى الغربيون ، حكاما ومثقفين ، مباشرة أو غير مباشرة ، لإقناع العالم بهذه الفرضية. وبما أن الموطن الأصلي لقضية التراث والمعاصرة هو الغرب، وأن هذه القضية التي عرفها الغرب منذ مطلع عصر النهضة تعتبر جزءا لا يتجـزأ من ثقافته، وأن ثقافته بطبيعتها تنزع إلى إلغاء غيرها من الثقافات والحلول محلها، كان من المنطقي أن تثار هذه القضية في البلاد الإسلامية التي خضعت للاستعمار. إذن لم تكن قضية التراث والمعاصرة لتثار في العالم الإسلامي ولتأخذ الشكل والمسار التاريخي المعروف لولا حدوث عاملي الانبهار وهيمنة الحضارة الغربية.  وفي رأيي أن هذه القضية بالشكل المعروف مفتعلة ومستوردة أكثر من كونها تعبير عن تطور طبيعي وذاتي للثقافة في المجتمعات الإسلامية.
غير أن هناك العديد من المثقفين المتشبعين بالتراث وروحه تخطوا هذا الطرح الهزيل لقضية التراث التي يرونها تتمثل في بعث روح حضارية تربط الحاضر بالماضي، وتؤكد عل الأصالة تأكيدها على المعاصرة. ورغم أنهم لا يؤمنون بشد العربة إلى الوراء ولا بالالتزام الحرفي بكل جوانب الماضي، بل يؤكدون على عوامل التقدم الحضارية، فإنهم يضعون إطارا عاما للتطور يحكمه الوحي الإلهي الذي ينبغي أن يشكل روح الحاضر ودستوره العام، كما كان في عصور الإسلام الذهبية. وهذا التيار يمثل الاتجاه السلفي الذي اشتدت قوته في العقود الأخيرة، وعبرت عنه وسائل الإعلام بـ "الصحوة الإسلامية". ومما لا شك فيه أن كثيرا من الكتاب المغاربة المعاصرين تناولوا موضوع التراث والمعاصرة انطلاقا من مذهبهم الفكري أو رؤيتهم الثقافية والسياسية. ويعتبر الدكتورمحمد عابد الجابري من بين أبرز الكتاب الذين اشتغلوا بهذا الموضوع، حتى أضحت كتاباته مادة للبحث والدراسة النقدية سواء في المغرب أم في المشرق.
وفيما يلي سيتم عرض وتحليل موقف الدكتورالجـابري من قضية التراث، مع محاولة استجلاء الطابع الاستغرابي المهيمن على ذلك الموقف.

2 ـ موقف الجابري من التراث .
يرى بعض الكتاب والنقاد أن الدكتورمحمد عابد الجابري ـ رغم تأثره بالأطروحة الماركسية وبالاتجاهـات العقلانية للفلسفة الأوربية ـ اهتم بمسألة التراث وأشاد بأهميتها وقيمتها، عندما أثار إشكالية تحديث العقل العربي. في حين نلمس في موقف الدكتورالعروي مثلا ميلا جليا إلى نبذ التراث وتجاوز كل ماله علاقة بالماضي. «وموقف الأستاذ العروي ـ كما نرى ـ موقف يغلب عليه الطابع المثالي سواء في تبنيه للماركسية على هذا النحو التجريدي، أو نقده للتراث وموقفه الانتقائي منه، أو رؤيته للواقع الاجتماعي والاقتصادي أو تحديده لطريق العصرية والثورة. إن ماركسيته تفتقد الجدل الموضوعي والادراك العيني لحقائق حركة الواقع العربي في تنويعاته المختلفة. ومن هذا الموقع التجريدي كانت نظرته إلى التراث ونظرته إلى العصرية».[1][1]
إن الدكتورالجابري يدعو إلى الاهتمام بالتراث العربي الإسلامي ويصفه بالعالمية والشمولية والتاريخية، ويعتبر إعادة قراءته واستيعابه وتمثله شرطا أساسيا لنهضة فكرية وحضارية صحيحة. كما يحمل على من يحـاول دراسة التراث اعتمادا على مناهج أجنبية ومستوردة تتنافر مع طبيعة الموضوع وخصوصياته «… إذن فالصورة "العصرية" الاستشراقوية الرائجة في الساحة الفكرية والعربية الراهنة عن التراث العربي الإسلامي: سواء منها ما كتب بأقلام المستشرقين أو ما صنف بأقلام من سار على نهجهم من الباحثين والكتاب العرب، صورة تابعة. إنها تعكس مظهرا من مظاهر التبعية الثقافية، على الأقل على صعيد المنهج والرؤية… ولكن ماذا يبقى بعد ذلك؟
هناك أخيرا صورة "عصرية" أخرى ماركساوية الإدعاء أخذت تزاحم، منذ بضع سنين، الصورة الاستشراقوية لتراثنا. هذه الصورة الماركساوية تتميز عن سابقتها بكونها تعي تبعيتها ل "الماركسية" وتفاخر بها. ولكنها لا تعي تبعيتها الضمنية لذات الإطار الذي تصدر عنه القراءة الاستشراقوية لتراثنا. إن "المادية التاريخية" التي تحاول هذه الصورة اعتمادها، كمنهج مطبق وليس كمنهج للتطبيق، مؤطرة هي الأخرى داخل إطار المركزية الأوربية: إطار "عالمية" تاريخ الفكر الأوربي، بل التاريخ الأوربي عامة، واحتوائه لكل ما عداه، إن لم يكن على صعيد المضمون والاتجاه فعلى الأقل، وهذا أكيد، على صعيد المفاهيم والمقولات الجاهزة. وهذا يكفي ليجعل الصورة الماركساوية لتراثنا العربي الإسلامي تقوم هي الأخرى على فهم "من خارج" لهذا التراث».[2][2]
«وأنا لا أوافق الأستاذ طيب تزيني على دراسته للفكر العربي في العصر الوسيط، تلك الدراسة التي اعتمد فيها بصورة ميكانيكية تصنيف آراء المفكرين المسلمين إلى مثالية ومادية».[3][3]
وفي الفصل الثاني من كتاب "الخطاب العربي المعاصر" انتقد الجابري موقف كل من السلفي والليبرالي والماركسي من التراث، وانتهى إلى أن الأصالة والمعاصرة تتلخص في التحرر مما أسماه "بالنموذج السلف"؛ أي من كل نظرة سلفية سواء كانت ليبرالية أو ماركسية أو سلفية «السلفي الليبرالي وجميع الأسماء الإيديولوجية العربـية الأخرى لا تستطيع ( …)، نحن العرب جميعا لا نستطيع  (…)، أن نفهم ولا أن نعي ولا أن نمارس الأصالة والمعاصرة، لا نستطيع أن نجدد فكرنا ولا أن نشيد حكما للنهضة "مطابقا"، مادمنا محكومين بسلطة النموذج السلف، سواء كان التراث أو الفكر المعاصر أو شيئا منهما.
نعم الإنسان بطبيعته يفكر من خلال نموذج، ولكن فرق بين نموذج يؤخذ كـ "رفيق" للاستئناس به، وبين نموذج يِؤخذ كـ "أصل" يقاس عليه. النموذج فيما يتخذ أصلا سلفا يصبح سلطة مرجعية ضاغطة قاهرة تحتوي الذات احتواء وتفقدها شخصيتها واستقلالها...وإذن، فما يجب البدء به هو معرفة الذات أولا، هو فك أسرها من قبضة النموذج -السلف، حتى تستطيع التعامل مع كل النماذج تعاملا نقديا. وذلك طريق الأصالة والمعاصرة معا».[4][4]
يتضح مما سبق أن الدكتورعابد الجابري يسعى إلى وضع ثوابت متينة لموقف جديد من التراث، موقف مؤسس على نوع من المرونة في التعامل معه عبر وسيلة نقدية فعالة، مع الحرص على إقامة مسافة أو فاصل معقول بين الدارس والمدروس: التراث، لتلافي صفة السلطة والهيمنة التي يملكها هذا الأخير تجاه ذواتنا وبالتالي العمل على "تشيئته" ، كما يقولون ، وتجريده مما يتمتع به من القداسة والتأثير. ومن هنا نلمس في كتاباته التراثية حملة قوية ضد النزعة السلفية التي يراها مؤسسة ابستمولوجيا على طريقة في التفكير نعتها بقياس الغائب (المستقبل) على الشاهد (الماضي). هذا القياس يعتبره الأستاذ الجابري العائق الأول في وجه النهوض بالفكر العربي الإسلامي، وبالتالي فإنه يدعو إلى إقامة قطيعة ابستمولوجية مع الفهم السلفي للتراث عبر إخضاع العقل العربي لعملية نقد وتفكيك صارمين، واستئصال الثابت البنيوي (قياس الغائب على الشاهد) من الجذور. لكن الجابري يرى أن هذا المشروع الطموح لن يتحقق إلا بالاستعانة بمنهج يقوم  على معالجة التراث معالجة بنيوية تاريخية وإيديولوجية.

2.1 ـ استغراب على مستوى المنهج.

إذا كان الأستاذ عابد الجابري لم يذخر جهدا في توجيه اللوم لأصحاب "النموذج السلف" في دراسة التراث، ونعتهم بالتقليد والتبعية والذوبان في شخصية الآخر، فلم، يا ترى، يسمح لنفسه باستخدام الطرق والأدوات المنهجية الغربية المستوردة من العالم الغربي الليبرالي في تحليل وفهم التراث العربي الإسلامي؟ ألا يعبرهذا عن تناقض صارخ؟
يقول الأستاذ عابد الجابري في كتابه "نحن والتراث":« كيف نتحرر من سلطة التراث علينا؟ كيف نمارس نحن سلطتنا عليه؟ تلك هي مهمة المنهج الذي نقترحه هنـا. إنه منهج تحليلي، ولكن لا بمعنى رد المركب إلى البسيط أو البسائط التي يتألف منها، كما يفعل العالم الكيميائي حين يحلل الماء، وهو مركب، إلى العنصرين البسيطين اللذين يتألف منهما: الأكسجين والهيدروجين، لا. إن التحليل في المنهج الذي نمارسه شيء آخر مختلف تماما: إنه ينطلق من النظر إلى موضوعاته لا بوصفها مجرد مركبات بل بوصفها بنى. وإذا كـان صحيحا أن لكل مركب بنية فإن تحليل المركب يختلف عن تحليل البنيـة: تحليل المركب يعني عزل العناصر التي يتألف منها وفرزها، في حين أن تحليل البنية معناه كشف الغطاء عن العلاقات القائمة بين عناصرها بوصفها منظومة من العلاقة الثابتة في إطار بعض التحولات. إن تحليل البنية معناه القضاء عليها بتحويل ثوابتها إلى تحولات ليس غير، وبالتالي التحرر من سلطتها وفتح المجال لممارسة سلطتنا عليها هذا النوع من التحليل هو ما أسميه هنا بـ "التفكيك": تفكيك العلاقات الثابتة في بنية ما بهـدف تحويلها إلى لا بنية، إلى مجرد تحولات. وهذا يندرج تحته، كما هو واضح، تحويل الثابت إلى متغير، والمطلق إلى نسبي، واللاتاريخي إلى تاريخي، واللازمني إلى زمني، وبالتالي الكشف عن المعقولية الثاوية وراء كثير من الأمور التي تقدم نفسها كسر مغلق، كميدان للامعقول مستغن عن المعقولية بفعل التقادم الذي يجعل التراث مقطوع الصلة عن زمانيته وأسباب نزوله»[5][5].
ويقول أيضا: «لابد من التمييز بين خطوات ثلاث في البحث،من أجل تحقيق الحد الأدنى من الموضوعية في دراسة التراث:
الخطوة الأولى قوامها المعالجة البنيوية، ونقصد الانطـلاق في دراسة التراث من النصوص كما هي معطاة لنا. إن هذا يعني ضرورة وضع جميع أنواع الفهم السابقة لقضايا التراث بين قوسين، والاقتصارعلى التعامل مع النصوص، كمدونة، ككل تتحكم فيه ثوابت يغتني بالتغيرات التي تجري عليه حول محور واحد. هذا يقتضي محورة فكرة صاحب النص (مؤلف، فرقة، تيار…) حول إشكالية واضحة قادرة على استيعاب جميع التحولات التي يتحرك بها ومن خلالها فكر صاحب النص، بحيث تجد كل فكرة من أفكاره مكانها الطبيعي (أي المبرر أو القابل للتبرير) داخل الكل. إن القاعدة الذهبية في هذه الخطوة الأولى هي تجنب قراءة المعنى قبل قراءة الألفاظ (الألفاظ كعناصر في شبكة من العلاقات وليس كمفردات مستقلة بمعناها): يجب التحرر من الفهم الذي تؤسسه المسبقات التراثية أو الرغبات الحاضرة… يجـب وضع كل ذلك القوسين والانصراف إلى مهمة واحدة هي استخلاص معنى النص من ذات النص نفسه، أي من خلال العلاقات القائمة بين أجزائه.
والخطوة الثانية هي التحليل التاريخي. ويتعلق الأمر أساسا بربط فكرة صاحب النص، الذي أعيد تنظيمه حين المعالجة البنيوية، بمجاله التاريخي بكل أبعاده الثقافية والسياسية والاجتماعية. إن هذا الربط ضروري من ناحيتين: ضروري لفهم تاريخية الفكر المدروس وجينيالوجيته، وضروري لاختبار صحة النموذج (البنيوي) الذي قدمته المعالجة السابقة. والمقصود بالصحة هنا ليس الصدق المنطقي، فذلك ما يجب الحرص عليه في المعالجة البنيوية، بل المقصود الإمكان التاريخي: الإمكان الذي يجعلنا نتعرف على ما يمكن أن يقوله النص وما لا يمكن أن يقوله، وما كان يمكن أن يقوله ولكن سكت عنه.
أما الخطوة الثالثة فهي الطرح الايديولوجي، ونقصد الكشف عن الوظيفة الايديولوجية، الاجتماعية والسياسية، التي أداها الفكر المعني، أو كان يطمح إلى أدائها داخل الحقل المعرفي العام الذي ينتمي إليه. إن الكشف عن المضمون الايديولوجي للنص التراثي هو، في نظرنا، الوسيلة الوحيدة لجعله معاصرا لنفسه، لإعادة التاريخية إليه»[6][6].
وجاء في كتابه "الخطاب العربي المعاصر": "سيلاحظ القارئ أننا نوظف مفاهيم تنتمي إلى فلسفات أو منهجيات أو "قراءات" مختلفة متباينة، مفاهيم يمكن الرجـوع ببعضها إلى "كانت" أو "فرويد" أو "باشلار" أو "التوسير" أو "فوكو"  بالإضافة إلى عدد من المقولات الماركسية التي أصبح الفكر المعاصر لا يتنفس بدونها»[7][7].
إذا ما تم إحصاء عدد الكلمات الواردة في كتاباته التراثية والمتعلقة بالبنيوية (بنية ـ بنيات ـ بنى ـ بنيوي ـ إلخ) نجدها تربو على المآت، لما يدل على أن كاتبنا أكثر ما يكون متأثرا بالمنهج البنيوي. ولعل من المناسب تقديم صورة عن البنيوية قبل الوقوف على بعض الأخطاء التي وقع فيها الكاتب من جراء تطبيقه للمنهج البنيوي على التراث العربي الإسلامي.
أكد (روجيه باستيد) في ندوة أقيمت سنة 1960 في المدرسة التطبيقية للدراسـات العليا بباريس تحت عنوان «مصطلح البنية واستعمالاته في العلوم الاجتماعية"،  بأن لفظ "بنية" استعير في البداية من الهندسة، وبقي حتى نهاية القرن السابع عشرالميلادي محتفظا بمعناه الاشتقاقي والذي يفيد حسب قاموس (ليتري): «الشكل أو الأسلوب الذي بنيت وفقه بناية معينة». ثم استخدمه النحويون وعلماء التشريح. وفي القرن التاسع عشرالميلادي حلل (هربرت سبنسر) النظام الاجتماعي بلغة البنيات والوظائف. وأثار (راد كليف براون) قضية التشابه بين البنية العضوية والبنية الاجتماعية. ومن ناحية أخرى تأثر (لويس موركان) في تحليله البنيوي لقبائل إيروكوا البدائية ببنيوية كل من (ماركس) و(انجلز). ولما شرع (كلود ليفي ستراوس) في صياغته لفكره البنيوي، كان مستلهما أعمال كل هؤلاء بالاضافة إلى علم اللغة وعلم النفس.
ومن "البنى الأولية للقرابة " إلى " الفكر المتوحش" ومن "المدارات الحزينة" إلى "المطبوخ والنيئ" ومن " أصل آداب المائدة" إلى "من العسل إلى الرمـاد" حقق ليفي سترواس تحويل النموذج الألسني، منتقلا من نظرية في اللغة إلى نظرية في القرابة إلى نظرية في العقل إلى نظرية في الاسطورة منتهيا إلى نظرية عامة في المجتمعات.
بل إن كتابا آخرين وسعوا تطبيق هذا النموذج حيث شمل النقد الأدبي والاقتصاد والسياسة والتاريخ. فقد استعمل الاديب الفرنسي (رولان بارت) المنهج البنيوي في كتاباته الأدبية والنقدية، ومال (جاك لاكان) إلى نفس الاتجاه في علم النفس والتحليل النفسي، كما اكتسحت البنيوية المجال البيداغوجي ومجال الهندسة المعمارية، وعلم الاجتماع، والفلسفة والانتروبولوجيا التى أثرت فيها تأثيرا عميقا.
ومن ناحية أخرى، فإن البنيوية نظرية تعتبر اللغة مجموعا مركبا تتمتع فيه العلاقات بين الالفاظ بأهمية كبيرة، كما انها نظرية تضع الكائن البشري في المرتبـة الثانية بعد البنيات الاقتصادية (التوسر)، أو الاجتماعية - الاتنولوجية (ليفي ستراوس) أو التحليلية النفسية (لاكان)، وهي في الأخير رد فعل ضد الوجودية من جهة وفلسفة التغيير الجذري من جهة أخرى.
«وتتميز البنيات بكونها تستطيع أن تضبط نفسها، هـذا الضبط الذاتي يؤدى إلى الحفاظ عليها، وإلى نوع من الانغلاق. وتعني هاتان الخاصيتان؛ أن التحويلات الملازمة لبنية معينة لا تؤدي إلى خارج حدودها ولكنها لا تولد إلا عناصر تنتمي دائما إلى البنية وتحافظ على قوانينها، وهكذا وبهذا المعنى تنطوي البنية على نفسها، ولكن هذا لا يعني أن البنية المعنية لا تستطيع الدخول في شبكة على شكل بنية فرعية ضمن بنية أخرى أوسع مجالا»[8][8]. ويرى (جان بياجيه) أيضا أن الحلم الأكبر لكثير من البنيويين هو تثبيت البنيات فوق دعائم لازمانية شبيهة بدعائم الانظمة المنطقية الرياضية.
إن المقولة الأساسية في المنظور البنيوي ليست هي مقولة الكينوية بل مقولة العلاقة. والاطروحة المركزية للبنيوية هي أسبقية العلاقة على الكينونة، وأولوية الكل على الاجزاء. فالعنصر لامعنى له إلا بعقدة العلاقات المكونة له، ولا سبيل إلى تعريف الوحدات الا بعلاقاتها فهي أشكال وليست جواهر، ولأجل هذا فإن ما يدخل في الاعتبار ليس الوقائع وإنما العلاقات بين الوقائع. وبما أنه واضح كـل الوضوح بأن الواقعة لها معناها وبدونه لا يمكن تحديد ما هيتها، فإن ليفي ستروس يتذرع بالألسنية من أجل الخروج من أسر اللامنطق الذي يقع فيه. ومن تعاليم الألسنية أن الأصوات لامعنى لها، والمعنى هو للكلمة المؤلفة من تمازجها. ويمكن أيضا فهم المعنى الذي أعطاه ليفي ستراوس لبنياته من خلال التفسير الانتروبولوجي التالي: «إذا كان النشاط اللاواعـي للذهن يشتمل على فرض الأشكال على المضمون، وإذا كانت هذه الأشكال هي نفسها أساسا لجميع الأذهان القديمة والحديثة، البدائية والمتمدنة ـ كما تبينه دراسة الوظيفة الرمزية بكثير من الوضوح في تعبيرها عن نفسها عبر الكلام ـ فيجب ويكفي الوصول إلى البنية غير المتوعية، الكامنة تحت كل مؤسسة وتحت كل تقليد وذلك للحصول على مبدأ للتفسير يصلح للمؤسسات أخرى وتقاليد أخرى، شرط أن ندفع بالتحليل بعيدا»[9][9]
إن البنية في نظر (ك.ل. ستروس) نظام آلي له آلياته الخاصة التي تعمل بطريقة رمزية لاشعورية، بحيث يمكن القول بأن كل بنية لابد أن تكون "بنية تحية" لأنها في صميمها آلية لاشعورية تكمن خلف العلاقات المدركة، وتعمل من وراء الوعي المباشر للافراد. وهذا يجعلنا نستنتج أن الأفراد يسلكون سلوكا جبريا.
لكن ماهي العلاقات بين البنيات والعقل؟ وهل تصدر البنيات عن العقل، بل كيف يتصور ك. ل. سترواس العقل في هذا الاطار؟
في هذا الصدد يقول ج. بياجيه: «إن البنيات ليست جواهر صورية ذلك أن ل. ستراوس ليس فينومينولوجيا ولا يؤمن بالمدلول الأولي ل "الأنا" أوالتجربة المعيشة". أما الصيغ التي تعاود بلا انقطاع فهي إنما تصدر عن  "العقل" أو عن عقل إنساني مماثل دوما لنفسه، ومن هنا أوليتها على العامل الاجتماعي -على عكس أولية العامل الاجتماعي على العقل الذي ينتقدها عند دور كايم- وعلى العامل العقلي؛ ومن هنا التسلسلات المنطقية التي تربط فيما بين العلاقات العقلية، وبالأحرى الجهاز العضوي الذي يفترض بحق تفسير الانفعال الشعـوري ولكنه ليس مصدر البنيات. غير أن المسألة تزداد حدة: ماهو نمط وجود العقل أو الذهن إن لم يكن اجتماعيا أو عقليا أو عضويا؟»[10][10].
ويتابع جان بياجيه معبرا عن رأي ل. ستراوس في هذه النقطة : «إذا أمكن القول بأن أي سياق حيوى هو سياق "معقل" فيمكن القول بأن الحياة، هي حياة هندسية… ونستطيع أن نذهب اليوم في التأكيد بأنه، أي العقل، يعمل في نقاط عديدة جدا مثل آلة احيائية،  أو "ذكاء صناعي". لكن من هذا المنظور ماذا يصبح العقل الإنساني المماثل لنفسه دائما؟ يقول ك. ل. ستراوس: ليكن البرهان استمرارية " الوظيفة الرمزية". ونعترف بأننا لم نفهم مبدأ ما الذي يبقى هذا «العقل معزرا إذا جعلنا منه مجموعة تصورات دائمة عوضا عن نتاج مستمر لبناء ذاتي متواصل»[11][11].
ويشكل مفهوم اللاشعور عنصرا أساسيا في المنظومة البنيوية. كما أن ليفي ستراوس كثيرا ما صرح بأنه مدين في فكرة لبعض أعمال فرويد المتعلقة بالتحليل النفسي. وركز على العلاقة القوية بين صفة الخفاء المميزة للبنيات الاجتماعية والجانب اللاشعوري في شخصية الفرد. إذا كان فرويد يعتبر مجال اللاشعور مستقلا عن الارادة الشعورية، فإن ليفي ستراوس يعتبر البنيات الاجتماعية مستقلة كذلك عن الوعي الذاتي يقول ل. س: «إننا مضطرون لأن نتصور البنيات الاجتماعية بوصفها مواضيع مستقلة عن وعي الناس لها، مع أنها هي الناظمة لوجودهم، وباعتبارها قابلة لأن تختلف عن الصورة التي يكونونها عنها اختلاف الواقع الفزيائي عن التمثيل الحي الذي تكونه عنه الفرضيات التي نصوغها بصدده».[12][12]
وانطلاقا من كونه يرى بأن اللاشعور هو أساس معقولية واتصال الظواهر الطبيعية، فإن بعض المفاهيم مثل "اجتماعى"، "رمزى"، "نسقي" و"لاشعوري" تتداخل فيما بينها وينطوي بعضها على البعض الآخر، بالإضافة إلى أن اللاشعور يظل القاعدة الأساسية ويلعب الدور المهين. «إن اللاشعور الذي يتكلم عنه ليفي ستراوس هو أساس تكوين العقل، ولا يوجد تحت سيطرة الشعور بالرغم من أن هذا الأخير يدرس ويبحث في اللاشعور. واللاشعور طبيعي لأنه عام وشامل»[13][13].
يقول ل. ستراوس بصدد تعريفه للاشعور في اطار فكره البنيوي وحيث يتجلى تأثره بمدرسة التحليل النفسي: «يشكل اللاشعور مجموعة القوانين الباطنية التي تشرف على الاتصال الرمـزي، ومن ناحية أخرى فإن وظيفة اللاشعور تتعين في فرض وإملاء قوانين بنيوية، وهذه القوانين تستمد قوتها من الغرائز والانفعالات والذكريات. وإذا كان الأنا الأعلى يمثل المعجم الفردي حيث تتراكم المفردات المتعلقة بالحياة الشخصية لكل واحد منا فإن هذه المفردات لا تكتسب أي معنى سواء بالنسبة لنا أولغيرنا إلا بعد أن يقوم اللاشعور بتنظيمها وصياغتها على شكل خطاب».[14][14]
إن القول بأن للبنيوية رسالة علمية: لأن النشاط الذي تقوم به يندرج تحت باب "النظر" أو "الابستمولوجيا " أكثر مما يندرج تحت باب "الفلسفة" أو "الايديولوجيا"، إنما هو في الحــقيقة قول ناقص لا يضع بيـن أيــدينا سوى "نصــف الحــقيقة "! والــسبب في ذلك أن البنيوية، كما لاحظ الكثيرون، تنطوي على منظور فكري خاص يحمل في طياته انقلابا فلسفيا حقيقيا، ويمثل ثورة كوبونيقية من نوع جديد: نظرا لأن من شأن هذا المنظور البنيوي أن يجعل من "الذات" مجرد "حامل" لا تتركز عليه "البنية" أو "البنيات"، كما أن من شأنه أيضا أن يحيل "التاريخ" إلى محض تعاقب اعتباطى لبعض "الصور" أو "الأشكال". ولعل هذا ما عبر عنه (ميشيل فوكو) نفسه حين ذهب إلى: أن النقطة التي شهدت هذه القطيعة إنما تقع ، على وجه التحديد ، يوم كشف لنا ليفي ستراوس ـ بالنسبة إلى المجتمعات ـ و(ج.لاكان) ـ بالنسبة إلى اللاشعورـ عن وجود احتمال كبير في أن يكون "المعنى" مجرد تأثير سطحي، وعندما بين لنا كل منهما أن ما قد وجد قبلنا، وأن ما يدعمنا في المكان والزمان، إن هو إلا "النسق" أو "النظام لاغير.
يقول محمود أمين العالم: «والكتاب {العقل السياسي العربي/ للجابري} في الحقيقة بتركيزه على المسار العام العربي الإسلامي وإغفاله لبعض الظواهر السياسية والاجتماعية .....يكاد يقلص هذا التاريخ ويفقده طابعه التاريخي، ويضفي عليه نوعا من الاستمرارية التاريخية. فهو يثبت طوال التاريخ بنى محددة مما يطبع التاريخ بطابع المماثلة والمقابلة والثبات......وهو ما يكشف عن استمرار غلبة التوجه البنيوي في منهج دراسته التاريخية»[15][15].
2.2 ـ الانتصار للعقلانية الغربية.
العقلانية مذهب فلسفي ينطلق من كون العالم بنوعيه الميتافيزيقي والمادي لا يمكن إدراكه إلا بالعقل وحده، باعتباره الأداة الرئيسة للمعرفة. والعقلانية أيضا مذهب قديم في البشرية، يبرز أشـد ما يبرز في الفلسفة اليونانية وخاصة عند سقراط وأرسطو. ولقد بقيت هذه الفلسفة مؤثرة في الفكر الأوربي زمنا ليس بالقصير، حتى ظهرت المسيحية فغيرت مجرى ذلك الفكر تغييرا جذريا حيث أبعد العقل وحل محله المنطق الكاثوليكي الكنسي بأغلاله وقيوده. وقد تمخض هذا المذهب في العصور الحديثة عن الصراعات الفكرية والعقدية التي رافقت تطور الفكر الأوربي منذ عصر النهضة. والعقلانية تمثل أحد الأسس التي قامت عليها الحضارة الأوروبية، كما شكلت الوقود الأساسي للثورات الصناعية والاجتماعية والسياسية.
وترتـبـط العقـلانية الأوربية تاريخيا بالفيلسوف الـفـرنـسي "ديكارت". وكان الفيلسوفان "سبينوزا" و"ليبنز" من أشد دعاتها المتحمسين لها، ولقد حاول الفيلسوف "كانت"التصدي لها وانتقدها في كتابه "نقد العقل الخالص"، إلا أنها انتعشت من جديد بفصل ازدهار "مدرسة هيجل"  في النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي.
«وإذا كان يمكن لنا أن نعتبر قول ديكارت سنة 1637 :"أنا أفكر، إذا أنا موجود" شعار هذه المدرسة، فإن هذه البداية، كانت بداية لتحويل العقل من سلطة الكنيسة والحجة، وسلطة أرسطو وتوما الأكويني، ومن سلطة السلطان السياسي والبابا الروحي. العقل صاحب الحكم، ولا حكم غيره. والعقل الذي يقرر بحث كل شيء ، يبحث في سلطة الكنيسة والدين، كما يبحث سلطة السلطان. وهنا وصل "ديفيد هيوم" في بريطانيا، وبول هولباخ في فرنسا إلى الإعلان "أن لا أساس في العقل بتاتا للإيمان بالله". وهنا وصل "لوك" (1632-1704) إلى "محاولة عن الحكومة المدنية" ومنتيسكيو( 1679-1755) إلى "روح القوانين"، وجان جاك روسو (1712-1778) إلى "في العقد الاجتماعي". وهكذا انتقلت العقلانية، من نقد الأفكار، إلى نقد المؤسسات التي تحمي هذه الأفكار، وأهمها الكنسية والدولة. وفي هذه المعركة ولدت فكرة العقد الاجتماعي، وإرادة الشعب، وأسقطت أطروحة الحق الالهي في السلطة، وحق السلطة المطلقة.
إن العقلانية لم تكن صراع أفكار فقط، ولا ولدت في عالم الأفكار. كان العالم القديم، عالم القرون الوسطى يسقط، وكان عالم جديد ينهض، وكانت قوى العالم الجديد، هذه تنطلق من عقالها. إن حركة الانطلاق هذه ولدت العقلانية. كان العالم القديم، عالم الإقطاع، والكنيسة، وتوما الأكويني، أما العالم الجديد فهو عالم اكتشاف رأس الرجاء الصالح والعالم الجديد ، وقيم الدولة القومية، واكتشاف الطباعة. ومع ولادة هذا العالم الجديد، كان الفكر العقلاني يزدهر، ويسقط أغلاله، ويسقط معها مخلفات العصور الوسطى المتراكمة.
إن ولادة القوى الاجتماعية الجديدة ولد معه هذه الأفكار الجديدة. ولقد رافق الصراع الفكري صراع سياسي حاد، وكسبت القوى الجديدة معارك فاصلة، مثل الإصلاح البروتستانتي في ألمانيا، والثورات في انجلترا حيث قطع رأس الملكة ، وقام أول برلمان حقيقي. ويجب أن ندرس هذه الفكرة جيدا، لأن العقلانية، تولد مع قواها، وتنتصر بانتصار قواها.
إن العقلانية، وهي بشكلها الذي نتحدث عنه، غريبة، ارتبطت بقيام الدولة الرأسمالية في الغرب. ثم انتقلت إلى العالم. ولكنها، بدأت مدارس واتجاهات، وانتهت كذلك. وإذا كانت في ميدان العلوم قد ظلت تتقدم، وبلا توقف، فإنها في ميدان الفلسفة والسياسة، شهدت تحولات وتقلبات كبيرة. ويعود هذا التقدم في العلوم، إلى أن البرجوازية، كانت بحاجة لامتلاك التفوق في كل ميادين، لتملك السلاح المتفوق، ولتطور آلية إنتاج السلع، فتبقى مسيطرة على الأسواق.
أما في الفلسفة، فإن مواصلة تطور الفكر العقلاني، كانت ستفقد القوى البورجوزاية الحاكمة القدرة على الاحتفاظ بالسطلة، ومقاومة أعدائها الجدد : البرولتاريا في البلدان الصناعية، والفلاحون الفقراء وحلفاؤهم في المستعمرات والبلدان التابعة. ولذلك ولدت الأفكار العرقية التي تفلسف حكم القوة والاستيلاء على المستعمرات، ومن ذلك النازية والفاشية والصهيونية.
وأما في السياسة، فإن العقلانية التي ولدت نظريات العقد الاجتماعي وفصل السلطات، وارادة الشعب، أباحت اتجاهات فيها احتلال المستعمرات، وتأييد القوى والأنظمة القمعية في "العالم الثالث"، ومحاربة القومية في البلدان النامية، وشن « الحروب المقدسة » على الشيوعية.»[16][16].
يتضح من هذا التمهيد أن العقلانية مذهب فلسفي وتصور للكون والحياة ظهر في أوربا الحديثة انطلاقا من عصر النهضة. وهو مذهب يجسد بالأساس منطق الأوربين ونظرتهم الفلسفية للوجود.
والآن أقتطف من كتابات الأستاذ عابد الجابري بعض النصوص التي يدعو فيها إلى العقلانية والتي لا تخلو من الروح الاستغرابية.
يقول الدكتورالجابري: «ينبغي إعادة كتابة تاريخنا الثقافي بصورة عقلانية وبروح نقدية... والتعامل العقلاني النقدي مع تراثنا يتوقف على مدى ما نوظفه بنجاح من المفاهيم والمناهج العلمية المعاصرة».[17][17]
ويقـول أيضا: «ونحن نعتقد أنه مالم نمارس العقلانية في تراثنا ومالم نفضح أصـول الاستـبداد ومظاهره في هذا التراث، فإننا لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا. حداثة ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة "العالمية" كفاعلين وليس كمجرد منفعلين»[18][18].
وجاء في حوار أجرته معه مجلة "الثقافة الجديدة" المغربية، قوله: «إذا نظرنا إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر من هذه الزاوية، نجد أنه يفتقد هذا العنصر الفلسفي الذي يجعل منه فكرا يتحدث عن الممكن في إطار شروط تحقيقه، إن الخطاب النهضوي العربي المعاصر (سواء كان سلفيا أو ليبراليا أو حتى ماركسيا) يفتقد ما يكفي به العقلانية، مما يعني أن ضرورة الفلسفة في الفكر العربي الراهن، في تقديري، تعادل ضرورة العقلانية، ضرورة العقلنة».[19][19]
يرى الأستاذ الجابري أن تاريخنا الثقافي لم يكتب بعد، وبتعبير أخر لم يدون بطريقة مفيدة وايجابية أي نقدية وعقلانية. ومن هنا فهو يرى أنه إذا أردنا أن نعيد كتابة تاريخنا الثقافي بصورة عقلانية وبروح نقدية، فلا سبيل إلى ذلك سوى استعمال وتوظيف المناهج والمفاهيم العلمية المعاصرة. معنى ذلك أنه يستحيل علينا فهم ذاتيتنا وتراثنا مالم نستعمل "نظارة" غيرنا.
بيــد أنـه إذا كانـت الـمناهـج الـعـلمـية المعاصرة قـد أفرزتها الحضــارة الغـربـية لتتخـذها ـ بالأساس ـ أداة لفهم وتحليل ثقافاتها الأوربية، أي أن هذه المناهج تم وضع هندستها وشكلها ليتناسب مع تلك الثقافات، فكيف يتأتى لنا استعمالها لتحليل ثقاقتنا الذاتية؟
قد يجيب الأستاذ الجابري بقوله: «إن مفاهيم العلوم الإنسانية في الغرب ترتبط بالمرجعيات التي تـؤسس الثقافة الغربية والفكر الغربي، ولكنها في ذات الوقت تعبر عن واقع انساني عام. فإذا استطعنا أن نربط هذه المفاهيم بمرجعياتنا أي أن نبيئها (من البيئة) في محيطنا وثقافتنا فإنها ستصبح ملكا لنا».[20][20]
هذه الإجابة وجيهة ومنطقية إلى حد ما، ولكن كيف السبيل إلى هذه "التبيئة" (إن صح التعبير)؟ وهل وضع لها كاتبنا إطارا نظريا أو خطة منهجية دقيقة ومناسبة. كلا إنما نجده في كتاباته يتبنى كل ما يجذبه ويستلبه ويأسره من مفاهيم وتصورات غربية ولا "يبييء" منها شيئا. من ذلك قوله «سيلاحظ القارئ أننا نوظف مفاهيم تنتمي إلى فلسفات أو منهجيات أو "قراءات" مختلفة متباينة، مفاهيم يمكن الرجوع ببعضها إلى "كانت" أو "فرويد" أو "التوسير" أو "باشلار" أو "فوكو" بالاضافة إلى عدد من المقولات الماركسية التي أصبح الفكر المعاصر لا يتنفس بدونها»[21][21]...{؟!!}
أو قوله: «استعرت عبارة الاستقلال التاريخي للذات من غرامشي».[22][22]  ويقول أيضا: «هيمنة النموذج  السلف، رسوخ آلية القياس الفقهي، التعامل مع الممكنات الذهنية كمعطيات واقعية، توظيف "الايديولوجي" في التغطية على جوانب النقص في "المعرفي"، جوانب النقص في المعرفة بالواقع…تلك هي الخصائص الأساسية للخطاب العربي الحديث والمعاصر أبرزناها منفصلة بين ثنايا الفصول السابقة. وعدنا فأكدنا على ترابطها البنيوي في هذه الخاتمة. وسواء اعتبرنا هذه الخصائص المترابطة سببا أو نتيجة فان هناك واقعة أساسية لابد من ربطها بها. ربط علة بمعلول أو معلول بعلة، هذه الواقعة هي افتقاد الذات العربية المعاصرة إلى ماعبر عنه غرامشي ب "الاستقلال التاريخي التام" أو بالأحرى عجزها عن تحقيق هذا الاستقلال.
إن الافتقاد إلى "الاستقلال التاريخي التام" يجعل الوعي ، وبالتالي الخطاب المعبر عنه، محكوما بنموذج-سلف، أو مشدودا إلى البحث عنه. والعكس صحيح أيضا: فهيمنة النموذج- السلف ورسوخ آلية القياس في الفكر يجعلان الذات عاجزة  عن تحقيق استقلالها التاريخي إزاء "الآخر".. مهما كان هذا الآخر من القوة أو الضعف. وإذن فالمهمة الأولى والأساسية المطروحة على الساحة العربية الراهنة هي تحقيق "الاستقلال التاريخي التام" للذات العربية، فبه، وبه وحده، تتحرر من الانسياق وراء أي نموذج، وبه، وبه وحده، تتحرر من آلية القياس التي تشدها دوما إلى نموذج ـ سلف، إلى "أصل" فكيف السبيل إذن، إلى تحقيق " الاستقلال التاريخي" للذات العربية؟سؤال لابد من إعادة  صياغته بالشكل الذي يتجه به إلى الواقع المعطى، وليس إلى الواقع المأمول وحده. إن البحث عن "السبيل" يجب أن يكون انطلاقا من واقع معين، واقع حاضر وليس من واقع غير معين، واقع "الحلم" والأمل. وإذن فالسؤال يجب أن يطرح أولا بالصيغة التالية :
ما الذي أفقد ويفقد الذات العربية استقلالها التارخي التام ؟
لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الجواب عن هذا السؤال قد تردد في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب، أي في كل فقرة من فقرات الخطاب العربي الحديث والمعاصر: إنه ال "نحن " و "الآخر". إنه النموذجان اللذان يتجاذبان الذات العربية منذ بدء يقظتها الحديثة : النموذج العربي الإسلامي والنموذج الأوربي. وإذن فسبيل تحقيق الاستقلال التاريخي للذات العربية هو التحرر من النموذجين معا، أعني التحرر من سلطتهما "السلفية" سلطتهما المرجعية»[23][23].{؟؟ !}
هكذا "يبييء" و"يستنبت" كاتبنا الدكتور عابد الجابري مفاهيم ومقولات العلوم الإنسانية والفلسفية ويستعملها كمعاول لهدم الثقافة الإسلامية.
والحقيقة أنه بدلا من موقف الاستغراب والذوبان الذي اتخذه الجابري إزاء هذاه المفاهيم والتصورات والمقولات، ينبغي التفكير بكل أناة وروية في رسم خطة حكيمة للاستفادة منها، خطة تأخذ بعين الاعتبار ـ بالدرجة الأولى ـ شروط وخصوصيات الثقافية  الإسلامية الاصيلة، وتعمل على صياغة ما يصلح لنا من تلك المفاهيم صياغة ملائمة ومنسجمة مع روح الحضارة الإسلامية. وبهذه المناسبة تجدر الإشارة إلى أن مشروع "أسلمة المعرفة" الذي يقوم به "المعهد العالمي للفكر الإسلامي"، محاولة رائدة وجادة في هذا المجال[24][24].
وفي النص الثاني يرى الجابري أن ممارسة العقلانية في تراثنا تقتضي "فضح أصول الاستبداد ومظاهر هذا التراث"، وكأن هذا الأخير عدو مستبد وقاهر ينبغي التخلص منه بالقضاء عليه. ولعل كاتبنا قد تقمص الروح النقدية التي نجدها عند بعض كتاب النهضة الأوربية، وكثير ممن أتوا بعدهم من الذين حملوا على المسيحية والكنيسة التي وصفوها بالاستبداد. فالتقارب والتماثـل بين الموقفين واضح وجلي وعندما يتسنى لنا "فضح الاستبداد ومظاهره" في تراثنـا ونجـرده من كـل قداسـة وتعـظيم، فإننـا سنضـع عنا أغـلال الماضي وقيوده وسنصبح قادرين على "تأسيس حداثة خاصة بنا" ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة. لكن هل نستطيع فعلا أن "نؤسس حداثة خاصة بنا منسجمة مع ذواتنا" والحال أننا تبرأنا واتهمنا وعادينا رصيدنا الثقافي والحضاري، بل رمز هويتنا أي تراثنا؟ ثم هذا "الانخـراط" -الذي يدعو إليه الجابري بعد أن نكون قد تجردنا من مقوماتنا التراتية- في الحداثة المعاصرة العالمية، ألا يعني الذوبان في الحضارة الغربية التي تتبجح بكونها حضارة عالمية؟.
ويتمحور النص الثالث حول أهمية العنصر الفلسفي والمزاوجة بين الفلسفة والعقلانية. ودعوة الجابري إلى الاهتمام القوي بالفلسفة تتلائم مع تفكيره الاستغرابي لكونه يعلم بأن الفلسفة الأوربية الحديثة انطلاقا من عصر النهضة، لعبت دورا أساسيا في إنزال الهزيمة بأنصار المسيحية والتراث الأوربي. ومن هنا فإن زرع مفاهيم هذه الفلسفة وأدواتها النقدية في المجتمعات الإسلامية سيساعد على تهميش التراث العربي الإسلامي واضعاف صورته المقدسة. كما أن تسليط الأضواء على الفلسفة الإسلامية والعمل على إحيائها، سيجعل منها أهم شيء يتميز بها تراثنا وبالتالي يعتبر أهلا للعناية والدراسة.
يقول الأستاذ الجابري:« "العقل السلفي"  إذن ،مكبوح الجماح مردود "الشطط"، لاينتج العلم، بل هو "صديق" له فقط، يبحث في "أسرار الكون" ولكن مع "احترام الحقائق الثابثتة.." إنه "عقـل الماضي". لا بل "العقل السني" الذي "ردع" و "كبح" مسيرة "نهضة" الماضي التي شيدها عقل المعتزلة والفلاسفة والعلماء.
وهكذا ف "تحرير الفكر" في المنظور السلفي عموما، لايعني الخروج به من الدائرة التي كان يتحرك داخلها أثناء عصر "الانحطاط"، عصر ما قبل النهضة، بل يعني فقط إعادة موضعته داخل هذه الدائرة نفسها. وبعبارة أخرى: لقد فكر الشيخ في "تحرير الفكر" داخل الحقل المعرفي - الإيديولوجي القديم وضمن اشكاليته. إن مفاهيم :"التقليد" و "طريقة سلف الأمة" ، و "ظهور الخلاف" و "الينابيع الأولى" و "موازين العقل البشري" و "شطط العقل...." كل هذه المفاهيم كانت، ولا تزال، عناصر أساسية في بنية فكرية ثقافية هي ذاتها تلك التي كانت سائدة من قبل، والتي كان من المفروض أن تنطلق النهضة من كسرها وتشيد أخرى مكانها. هنا أيضا، وفي مجال "الفكر" كذلك تصبح النهضة هي " بعث ما مضى، لا خلق شئ جديد". ليس هذا وحسب، بل إن عبارة "قبل ظهور الخلاف"، ذات دلالة في هذا الصدد. ذلك لأن "تحرير الفكر" بالرجوع به مرحلة ما قبل "ظهور الخلاف"  ـ في التاريخ العربي الإسلامي ـ معناه الرجوع به إلى مرحلة ما قبل "ظهور العقل" في الحياة الفكرية العربية الإسلامية. وتلك هي الدلالة العميقة لما ترمز إليه ـ على الصعيد الابستمولوجي ـ العبارة المتوارثة منذ الامام مالك :"لايصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، والتي كانت ولازالت شعار لكل رؤية إصلاحية سلفية»[25][25].
ومما يستنتج أيضا من مضمون النصوص الثلاثة، أن الدكتورالجابري يعاني فكريا وطأة قوة القداسة التي يتميز بها تراثنا العربي الإسلامي بالرغم من الوضع المتردي للثقافة العربية الإسلامية. وسبب هذه المعاناة والمكابدة يكمن في كونه يعي كل الوعـــي أن ثبات روح التراث ومبادئه في ذاكرة المسلمين يشكل العقبة الكؤود في وجه مشروع العقلانية كما يتصورها.
وفي هذا الصدد نستمع إلى كلام محمد جسوس في " ثورة العقلانية العربية واقع وآفاق": «إن الحركة العقلانية الأوربية كانت تعتمد على شروط. هذه الشروط كانت في انهيار مجالات المقدس، أو انهيار التجليات التاريخية والمجتمعية للمقدس... فالحركة العقلانية في أوربا برزت في ظروف أصبحت فيها الكنيسة عاجزة عن تسيير المجتمع وعن تأطير كل الديناميات وكل الفعاليات الجديدة التي أبرزها المجتمع....
إن من أهم أسباب بروز العقلانية تضاؤل المقدس داخل المجتمع، هذا هو الشرط الأول. والشرط الثاني هو بروز قوى جديدة لها قدرة على الاكتساح، لها مشروع طبقي أو مشروع حضاري بعيد المدى، تستعمل العقلانية كاداة للمزيد من تحطيم ما تبقى من النظم السابقة، ومن رواسب المقدس ... كي تبني التاريخ كما تريده هي، لا التاريخ كما كان يؤدى إليه نوع من الطروحات التقليدية أو نوع من الطروحات التراثية. أود أن أشير إلى أنه لا العنصر الأول ولا العنصر الثاني لم يتجليا بعد، أو لم يتجسدا بعد مما يكفي من الوضوح في الوطن العربي(...)
وفي رأيي أن المد التراثي الطاغي المسيطر على مختلف مجالات الفكر والسلوك، أصبح يفرض نوعا من الاسبقية على كل محاولات الاجتهاد الاخرى (...) فكما أشار الأستاذ الجابري في بعض طروحاته. يقول إن المسلم المعاصر أو العربي المعاصر لا يشعر بأي نوع من أنواع الغربة ولا بأي نوع من أنواع الاغتراب عندما يتعامل مع العديد من الانتاجات التراثية ... هذه الاستمرارية للماضي ولرموز الماضي معناه أن المقدس كأرضية عليا، كمنطلق لازال له تواجد في العالم العربي يفوق بكثير ما حدث في المجتمعات الأوربية الغربية عامة، وهذا بالفعل، ما دام الامر كذلك يشكل إحدى أهم العوائق البنيوية نحو تحول العقلانية من مجرد فكرة إلى حركة اجتماعية وإلى صيرورة تاريخية فعلية»[26][26].
هكذا تشكل عملية "استمرارية الماضي" في واقع الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الإسلامية العامل الرئيسي الذي يشد عربة التاريخ إلى الوراء في رأي العقلانيين المستغربين،  مما يجعلهم يستبعدون ـ رغم ما يبدونه من ترقب وانتظار تعلوه سمة من التفاؤل ـ "تضاؤل المقدس" وتراجعه داخل المجتمعات المعنية.
وفي هذا الإطار يرى الدكتور الجابري: «إننا نفقد الحس التاريخي عندما نترك الأزمنة الثقافية المتنوعة تعيش في داخلنا وعندما نجعل الماضي يزاحم الحاضر في نفوسنا».[27][27].
ومن شدة استغراب الجابري وذوبانه في العقلانية الغربية، أنه انتقد حتى العلماء والمفكرين المسلمين الذين وقفوا من الثقافة اليونانية موقفا عقليا ومنطقيا وأبوا أن يجعلوا من المنطق اليوناني حكما فيما يعرض لهم من القضايا والمسائل الفكرية، فلقد رماهم بالجمود العقلي وعدم الانفتاح. وكان أبو سعيد السيرافي النحوي المنطقي من زمرة الذين استهدفهم الجابري بذلك النقد. ويذكر أبو حيان التوحيدي في كتابه "الإمتاع والمؤانسة" أن أبا سعيد السيرافي ناظر أبا بشر متى المنطقي في مجلس علمي ـ عقده الوزير ابن الفرات وذلك في بغداد سنة 326 هـ  وانتصر عليه [28][28]. وقد تصدى أبو سعيد السيرافي وكان أحد الأعضاء البارزين في مدرسة بغداد النحوية التي كان على رأسها يوم ذاك ابن السراج أستاذ الفارابي في العربية وتلميذه في المنطق. تصدى السيرافي للمناظرة يعارض دعوى متى بن يونس القنائي مؤكدا استغناء اللغة العربية عن المنطق اليوناني، لأن لها منطقها الخاص هو نحوها، تماما مثلما أن منطق اليونان هو نحو لغتهم. وكما أن "لغة من اللغات لاتطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها في أسمائها وأفعالها وحروفها وتأليفها وتقديمها وتأخيرها واستعارتها وتحقيقها وتشديدها وتخفيفها وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها..."، فإن الميزان الذي يوزن به الكلام لابد أن يختلف من لغة إلى أخرى وإذن :"فإذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتـها، فاين يلزم الترك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه ويتخذوه قاضيا وحكما لهم وعليهم" [29][29].
إن السيرافي عندما قال :"إذن لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعونا إلى تعلم اللغة اليونانية" فهو يشير إلى أن منطق أرسطو هو نحو اللغة اليونانية مثلما أن النحو العربي هو منطق اللغة العربية. ومن هنا كان تطبيق المنطق الأرسطي على اللغة العربية بمثابة "إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها" وهذا كلام عميق وبديهي، إذ لكل لغة منطقها ولكل منطق لغته.
«ولقد أوضح "بنفنيست" صلـة المنطق بالنحو حينما برهن أن المقولات المنطقية كما ذكرها أرسطو هي نقل لمقولات اللغة الخاصة باليونانيين، مصطلحات فلسفية ليس إلا. ويقول سنة 1952م: "فتبين أن المقولات الذهنية وقوانين الفكر لاتقوم، وإلى حد بعيد، إلا حين تعكس تمضية المقولات اللسانية وتوزيعها".
إن كل الأبحاث اللسانية الحديثة، من دي سوسير إلى ريتشارد وأوغدن، وإلى شومسكي، تبين أن العلاقات النحوية في اللغات هي علاقات منطقية، أي تعكس في بنيتها التصور السببي في منظور أمة ما للعلاقة بين العلة والمعلول. وبذلك يكون الجرجاني على حق حين يقول في باب توخى معاني النحو:" ليس الغرض بنظم الكلم إن توالت ألفاظها في النطق. بل إن تناسبت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقـل" . أي معقول اللغة في ذاته. وهو مايشرحه بعد قليل في قوله إن "معاني النحو التي يقصدها ليست بمجرد رفع الفاعل ونصب المفعول- فذلك من ثوابت اللغة-" إنما الذي تقع الحاجة فيه إلى ذلك العلم بما يوجـب الفاعلية للشئ إذا كان إيجابها من طريق المجاز، كقوله تعالى :] فماربحت تجارتهم[...مما  يجعل الشـئ فيه فاعلا على تأويل يدق ومن طريق تلطف، وليس يكون هذا علما بالأعراض ولكن بالوصف الموجب للإعراب .فاسناد الربح إلى التجارة وليس إلى التاجر هو النقلة المجازية التي تحتاج إلى تأويـل، فيكون لدينا المعنى، ومعنى المعنى الذي نستخرجه بطريقة استدلالية»[30][30].
ومع كـل هذا فإن الأستاذ الجابري ينتقد السيرافي قائلا :"واضح أن السيرافي هنا يرفض "العقل الكوني" [31][31]. إن الدراسات المنطقية واللسانية الحديثة تؤكد على موقف السيرافي وتؤيد حدسه بوجود منطق داخلي في كل لغة يمكـن أن يؤسس منطقا عقليا منسجما معها، في حين أن الجابـري يقبل أن يكـون لليونانية منطقها ويجعله "منطقا كونيا " ويرفض أن يكون للعربية منطقها ويسميه "منطقا استدلاليا".
والخلاصة أن هـؤلاء المستغربين الذين يحاولون استنبات عقلانية على الطريقـة الغربية في أرض أجنبيـة عنها يضربون ـ كما يقال ـ في حديد بارد، ويعتبرون استيراد الأفكار والنظريات من قبيل استيراد التكنولوجيا وأدوات الانتاج. كما أنهم غدوا مأسورين بفكرة عالمية الحضارة الغربية وكون ثقافة الغربيين أصبحت ملكا للناس أجمع، والحداثة الغربية أعلى أنواع الحداثات الإنسانية، وبالتالي فإن تبني العقلانية أو الوجودية أو البنيوية من قبل مثقفي العالم ينبغي أن يعتبر أمرا بديهيا وطبيعيا .
إن هذا الموقف الارتجـالي يقـوم على خطأين رئيسين:
أولهما تجاهل الهويات الذاتية والخصوصـيات الثقافية للشعوب المختلفة والإسلامية منها خاصة، واعتبار ذوبان وانصهار تلك الهـويات في الهوية الغربية أمر حتمي يفرضه منطق التطور والتقدم.
وثانيهما عدم الإحاطة العميقة بالأسبـاب والشروط التي أفرزت العقلانية الغربية والآليات المنطقية المتحكمة فيها. ذلك أن التربـة التي أنبتت العقلانية الحديثة في الغرب كانت تتميز بظواهـر تنـدر مثيلاتها في التاريخ البشري، وعلى رأسها ظاهرة العداء بين الدين والعلم. لقد كان هذان العنصران ملتحمين ومنسجمين أيما التحام وانسجام على مدى التاريخ الإسلامي الزاهر، وكانت المعرفة الإسلامية منبثقة أساسا من العقيدة ومرتبطة بالنفحات الإلهية المنعم بها على المسلمين. وإذا كان اكتشاف علماء الإسلام للسنن الكونية والاجتماعية، واطلاعهم على شتى الأسباب الظاهرة والمباشرة التي تحكم حركة الكون والمجتمع لم يمنعهم من الاقتناع بأن هذه السنن مرتبطة بمشيئة الله وإرادته، فإن عملية اكتشافها مجددا من قبل الغربيين في العصر الحديث ـ بعد اطلاعهم على الإرث الفكري والحضارى للمسلمين ـ صاحبتها نزعة عدائية لكل ما يمت إلى الكنيسة والدين بصلة، مما أدى إلى الخروج عن الدين وتحطيم القيد الذي قيدت الكنيسة به العقل ومنعته من التفكير. وهكذا طفق المذهب العقلي رويدا رويدا يتجه نحو إبعاد الخالق وما فوق الطبيعة من الكون. ومن ثم حلت الاسباب والقوانين الطبيعية محل السبب الحقيقي وهو الله واصبحت بديلا عنه.
وإذا كانت عقلانية عصر النهضة وما بعدها قد أغلقت كل منافذ المعرفة إلا العقل الذي تركته يسرح حيث يشاء، فإن "العقلانية التجريبية" التي سيطرت على الفكر الأوربي منذ القرن التاسع عشرالميلادي، قد أغلقت كل منافذ العقل إلا التجربة والحس! وتلك هي اللعنة التي نجا منها الفكر الإسلامي الأصيل حين كان المسلمون مستقيمين على نهج الإسلام الصحيح.
يتضح مما سبق أن ولادة العقلانية الحديثة لم تكن ولادة طبيعية ومنطقية وسليمة، وإنما تمت في ظروف عصيبة أشد ما كان يميزها نقمة شرائـح عريضة من المجتمع الأوربي على الكنيسة والمسيحية المحرفة. إن موقف العقلانية الأوربية إزاء الدين وعلوم ماوراء الطبيعة وافق مسيرة تطور العقلانية خلال القرون الحديثة والمعاصرة، ومن ثم فإن المستغربين العرب من أنصار العقلانية استمدوا تصورهم مما انتهى إليه المذهب العقلاني الغربي، وتقمصوا شخصية أقطابه واستوحوا أفكارهم، وجعلوا يحاولون تطبيقها على التراث الإسلامي.
لقد ولدت الحداثة الفكرية في أوربا إلى حد كبير على قاعدة القيم والمفاهيم والمخيلة والأهداف والمطالب الروحية والاجتماعية التي حددتها من قبل الثقافـة المسيحية والغربية عامة، حتى أن بعض المحللين قد وصفوا فلسفة هيجل بأنها إعادة صياغة وتخريج في ثوب حديث وعلماني للمسيحية. وهذا يعني أخيرا أن للثقافة تاريخا لدى كل مجتمع، وأن من غير الممكن حذف هذا التاريخ بجرة قلم باسم عقلانية كونية قياسية، وأن العقلانية هي مسألة ثقافة لا مسألة علم. بل إن عقلانية كل جماعة أو بالأحرى كل حضارة هي التي تحدد للعلم مقامه ودوره وحدود عمله وآفاق تطوره. فالعلمانية وهي شكل أساسي من أشكال العقلانية السياسية في الغرب، تجد تاريخها في الصراع بين الكنيسة والمجتمع. وهو صـراع ناجم عن سياق تكون المسيحية وطبيعة تركيبها الايديولوجي والمؤسسي.

الدكتور عبد الله الشارف
من كتاب : الاستغراب في الفكر المغربي  المعاصر


[32][1] ـ محمد أمين العالم: "الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر"
مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، 1988، ص18.
[33][2] ـ د. محمد عابد الجابري: "التراث والحداثة(دراسات ومناقشات)، المركز الثقافي العربي، بيروت ـ  الدار البيضاء، 1991 ، ص 29.
[34][3] ـ د. محمد عابد الجابري "التراث والحداثة"،ص 112.
[35][4] ـ د. محمدعابد الجابري : "الخطاب العربي المعاصر"، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، 1982، ص56 ـ 57.
[36][5] ـ د. محمد الجابري : "التراث والحداثة" ... ص 47 ـ 48.
[37][6] ـ د. محمد عابد الجابري: "التراث والحداثة" ، ص 31 ـ 32.
[38][7] ـ د. محمد عابد الجابري: "الخطاب العربي المعاصر" ، ص12.
[39][8]ـ J. Piaget "le structuralisme" Ed. puf Paris 1968. p13
[40][9]ـ C.L. Strauss: "Anthropologie structurelle" Ed. Plon Paris 1976 p. 28
[41][10]ـ "le structuralisme"  ، ص 91  J. Piaget  .
[42][11]ـ  المرجع السابق ص 93. J. Piaget
[43][12]ـ C.L. Strauss.  "Anthropologie structurelle"  ، ص 40 .
[44][13]ـ Y. SIMONIS: Clande levi - strauss ou la passion de l'inceste", Aubier Montaigne 1968 p.44.
[45][14]ـ المرجع السابق ص 224: C.L. strauss
[46][15]ـ د. محمد عابد الجابري: "التراث والحداثة " ،القسم الثالث، مناقشات ص346.
[47][16] ـ ناجي علوش: "العقلانية في الممارسة السياسية العلمية" ، مجلة الوحدة ، عدد      51، دجنبر 1988 ، ص 146 ـ 147.
[48][17] ـ د. محمد عابد الجابري "اشكاليات الفكر العربي المعاصر" ، مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر ، الدار البيضاء ، 1989 ص 35.
[49][18]ـ "التراث والحداثة" المرجع السابق ص17.
[50][19] ـ نفس المرجع ص 242.
[51][20] ـ د. محمد عابد الجابري: "التراث والحداثة" ، ص 287.
[52][21] ـ د. محمد عابد الجابري:" الخطاب العربي المعاصر" ، المرجع السابق ص12.
[53][22] ـ د. محمد عابد الجابري: "التراث والحداثة" ،  ص282.
[54][23] ـ د.محمد عابد الجابري: " الخطاب العربي المعاصر" ،ص 188.
[55][24]ـ انظر على سبيل المثال والتعريف: " الوجيز في إسلامية المعرفة" المعهد  العالمي للفكر الإسلامي، دار الأمان للنشر والتوزيع، الرباط ،1988.
[56][25]ـ "الخطاب العربي المعاصر" ، ص 35 ـ 36.
[57][26]ـ محمد جسوس: "ثورة العقلانية العربية واقع وآفاق"، مجلة "الوحدة" ع51، دجنبر 1988. ص36 ـ 37 .
[58][27]ـ د. محمد عابد الجابري " تكوين العقل العربي"، المركز الثقافي العربي للطباعة بيروت ـ الدار البيضاء ، 1991 ص 47.
[59][28] -انظر ابو حيان التوحيدي:  "الامتاع والمؤانسة" ، منشورات مكتبة الحياة بيروت   د . ت من ص 108 إلى ص 124.
[60][29] - الدكتور محمد عابد الجابري : "تكوين العقل العربي" ص 257.
[61][30] -د. محيي الدين صبحي " أثر اللغة العربية في العقل العربي" (عند باتاي والجابري) ، مجلة دراسات شرقية (جمعية الدراسات الشرقية باريس)
عدد 817، 1990 ص 123.
[62][31] - الجابري: " تكوين العقل العربي" ، ص 257 .





















































إرسال تعليق

0 تعليقات