التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ابتهالات

إلهي أسألك أن تلقي علي محبة منك، وتفتح لي من رحمة لاممسك لها، أصبح وأغدو وأمسي متفيئا ظلالها حتى ألقاك.إلهي أنت الذي هديتني، وأنت الذي أرشدتني، لكن من عساه يؤمنني مكرك، أو ينقذني منك يوم تبطش البطشة الكبرى. ألم يكن إبليس من الطائعين، أعوذ بك منك، لا ملجأ منك إلا إليك. لعلي أعمل في غير معمل، أو أحسب أني أحسن صنعا، إن لم تأخذ بناصيتي ضللت، وإن أوكلتني إلى نفسي هلكت. من علي بالطمأنينة، واربط على قلبي كما ربطت على قلب أم موسى، أو قلوب الفتية؛ "إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهها لقد قلنا إذا شططا"، حسبي أنت حسبي أنت حسبي أنت.


إلهي أسألك أن تعصمني في حركاتي وسكناتي وخطراتي، وأن تسبل علي كثيف سترك، حتى تغيب عيوبي عن عيون خلقك، كي أذكرك في نفسي فتذكرني في نفسك.
إلهي أسالك أن تعينني على اقتفاء أثر الرسول محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وأن تضئ جوانب قلبي بشعلة من نور سراجه الوهاج.  وأسالك أن تقذف في قلبي نورا من عندك، يزيح شبح الظلمات، ويبدد أستار الأوهام؛ كما تقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
إلهي أسألك أن تجعلني أعبدك كأني أراك، وإذا هممت بفعل سوء أو مسني طائف من الشيطان، تذكرتك فخفت مقامك. واملأ قلبي بخشيتك حتى لا يبقى فيه خاطر سوء قد يغضبك، وحتى لا تتحرك جوارحي إلا بما يرضيك، واجعل الوقار نابتا في أصل فؤادي، واجعل الصمت إلا عن ذكرك وفيما تحب أفضل شيمي.
إلهي أسألك أن تحبب إلي عبادتك، ومناجاتك والأنس بك. فإذا أظلم الليل ولمع النجم وسكنت النفوس؛ اجعلني ممن تتجافى جنوبهم عن المضاجع، وممن يهجرون الفراش متأسين بنبيك ومقبلين عليك، عسى أن ينفعني ذلك يوما يجعل الولدان شيبا.
إلهي أسألك أن تجعلني في زمرة الذين بايعوك، فعلمت ما في قلوبهم فأنزلت السكينة، عليهم فسكنت نفوسهم وهدأ عنهم الروع، وثبت إيمانهم ويقن حتى غدت كل حركاتهم وسكناتهم بك ومنك وإليك.
إلهي اشتقت إلى لقائك، وحيرني حنين الرجوع إليك. فاجعل سفري إليك سفر نوح في الجارية، ولجوئي إليك لجوء الفتية إلى الكهف، واجعل لي عندك زلفى وحسن مآب.
إلهي لطفك وعنايتك بي جعلاني أوقن بأن كل شئ في هذا الكون يسبح بحمدك، وكل حي وكل جامد له لسان يسبح به، وما من موجود إلا والتسبيح ساري في كيانه؛ إذ ليس في الوجود إلا معبود ومسبحون. فامنن علي بلسان لا يفتر عن تسبيحك، وقلب لا يسأم معلقا بك، لعلي بذلك أحقق عبوديتي لك.
إلهي أسألك سؤال من غشيه الموج  وظن ألا ملجأ منك إلا إليك؛ أن تجعلني أفر إليك قبل أن يفر مني أخي وولدي وأمي وأبي وكل عشيرتي، يوم مجيء الصاخة، يوم العرض، وقد خاب من حمل ظلما. إن لم تفك أسري من شهوات نفسي، ولم تنقذني من أوحال الدنيا، ولم تتغمدني برحمتك، فكيف لي أن أفر إليك وقد قلت (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ). كن بي رحيما ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
إلهي أعرضت عن أصنامهم التي هم لها عاكفون، وأقبلت بوجهي عليك فأقبل بوجهك العزيز علي، واجعلني أنظر إليه ببصيرتي، وأدم علي نورك حتى لا أضل وأشقى، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق.
إلهي طغى الماء أو كاد ولست خبيرا بصنع الجارية العاصمة، فألهمني بناءها وإلا كنت من المغرقين، وارزقني براءة مثل براءة هود أخي عاد، إذ قال لهم (واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه ). وامنن علي ببينة منك تطمئن بها نفسي، ويقوى بها عضدي. وبشرني يا وهاب بهبة من عندك تسرني، وترفعني بها، واجعلني ممن قلت فيهم ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ). آمين
إلهي إذا صح أن عبادا ممن ذاقوا حلاوة الانقطاع إليك، شق عليهم الاشتغال بأمور تتعلق بمعيشتهم ودنياهم، لا مفر لهم منها لما في ذلك من تشويش لصفو الأنس، فكيف ستكون حالتهم إن أنت أدخلتهم النار لأنك مقلب القلوب، وحرموا رؤيتك وقد تقطعت أوصالهم شوقا إليك ولما يروك.[1][1]أتوسل إليك بما تحب أن يتوسل به إليك، أن تثبتني وإياهم وتسكننا جنتك، وتقر أعيننا برؤية وجهك الجميل.
إلهي هما نظرتان لا ثالثة لهما؛ نظرة إلى الدنيا ونظرة إليك. فمن أسرته الأولى، تحسر على الثانية يوم يكشف عنه غطاؤه. ومن منحته البصيرة وكان على نور منك، كفي سحر الدنيا وعجل إليك لترضى. فيا من يجيب المضطر إذا دعاه أسألك بحق النور الذي أضأت به الكون، أن تجعلني أحيا على بصيرة حتى ألقاك آمنا يوم الفزع الأكبر .
عبد الله الشارف
"ابتهالات"؛ باريس 1983

[2][1] قال الشاعر : سبيت الورى طرا وأنت محجب   فكيف بمن يهواك إن زالت الحجب           وأصبحت معشوق القلوب بأسرها       ولا ذرة في الكون إلا لها قلب






































تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال