سبتمبر
25
2017

شهوة الكلام بين المباح والحرام

الشهوة إسم لشيء معنوي غريزي قائم في الإنسان والحيوان. وكما أن الإنسان مخلوق ناطق وعابد بالطبع (لربه أو لهواه)، فهو أيضا إنسان شهواني بالطبع، لا ينفك يشتهي؛ أي مجبول على طلب الشهوات المادية والمعنوية،النافعة والضارة، أو الطيبة والخبيثة.

ولقد أكرم الله الإنسان وميزه بكثير من الخصائص والهيئات والصفات، التي من بينها صفة الكلام. واقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن جعل الحواس طريقا أو أداة لتحقيق الشهوة أو الرغبة، اختبارا وابتلاء. ذلك أن الإنسان، مثلا، عندما يطلق بصره وينظر إلى شيء : جبل، سيارة، حيوان… يكون راغبا في ذلك أو مشتهيا له. وكذلك فيما يتعلق بالسمع. بل حتى التفكير والتأمل في الخواطر النفسية، لا يخلو من عامل الشهوة والرغبة، لا سيما إذا تعلق الأمر بالخواطر المرغوب فيها.

وبعبارة أخرى يمكن القول؛ إن عنصر الشهوة حاضر في الإنسان ومهيمن عليه. بل لعله من أقوى الدوافع النفسية لممارسة السلوك الإنساني، خاصة إذا طابقنا بين مفهومي الشهوة والرغبة. وما دام الأمر كذلك، أي هيمنة عنصر الشهوة وحضوره الدائم في كيان الإنسان، فإن المسلم ملزم باستحضار شريعة الله وأوامره ونواهيه، وبكبح جماح نفسه وتهذيبها، كي لا تمسي ضحية أو فريسة هذا العنصر الغريزي.

فالكلام، انطلاقا من شريعتنا الغراء؛ مباح ومندوب ومكروه وحرام. والشهوة، تلك الغريزة القوية، مخلوق غير عاقل لمخلوق عاقل ومسؤول هو الإنسان. إن المسلم إذا لم يتدخل بإرادته، مستعينا بالله، في أمر شهوة الكلام، ويضبطها ويقيدها ويسيجها بسياج الشريعة، ستكون وبالا عليه، وقد تهلكه وتلقي به في النار. وقديما قيل: “ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل”، وهو قول لابن تيمية، أي أنك، والسياق هو الكلام، إذا لم ترغب في الكلام الطيب وتشتهيه وتمارسه، فإن نفسك ستشغلك بالكلام الساقط أو المذموم أو الفاسد، وترغبك فيه، وتستميلك إليه حتى تشتهيه وتتلفظ به لا محالة. ولذا حثنا الله عز وجل على الإكثار من الذكر الذي من مقاصده؛ منع النفس الأمارة من السيطرة على القلب. قال تعالى: “ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا” (الأحزاب 41)

إن الإنسان من حيث أفعاله وسلوكه، مخير بين أمرين: إما أن يرغب في الخير ويشتهيه، أو يرغب في الشر ويشتهيه، إذ الشهوة غريزة وطاقة نشيطة ومتدفقة ملازمة لجوهر الإنسان ، والإنسان يستعملها كما يشاء، ويوجهها الوجهة التي يريد، وهو مكلف ومسؤول عن أفعاله ومحاسب عليها.

ومن لطف الله وعنايته بالإنسان، أن مكنه من ناصية هذه الغريزة الشهوية بحيث إذا عزم على سلوك طريق الخير، واجتهد في ذلك، وجاهد نفسه وأرغمها على الخضوع، انقادت له حتى تغدو الشهوات والرغبات الطيبة؛ المباحة والمندوبة، محبوبة لنفسه ومفضلة لديها. والعكس صحيح؛ أي إذا اختار الإنسان طريق الشر، واشتهى الذنوب والمعاصي ورغب فيها، استجابت نفسه لذلك،  وأضحت الرغبات والشهوات الخبيثة والمحرمة محبوبة لديها. قال تعالى: “ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها” (الشمس 7-8-9-10).

إن الإنسان إذا عود نفسه على الكلام الطيب، وعلى ذكر الله، واجتنب الكلام الخبيث المذموم والمحرم؛ كالغيبة والكذب والنميمة، وما يتعلق بالعجب والكبر والغرور والرياء… أخضع شهوة كلامه لما يرغب فيه من الكلام الحسن المحمود، وملك ناصيتها، وغدا يتنعم ويتلذذ بألوان الكلام الطيب. بل تصبح شهوة الكلام خادمة ومعينة له على فعل الخيرات.

والخلاصة أن الإنسان المسلم مالك لشهوة الكلام وغيرها من الشهوات، مكيف لها وموجهها الوجهة التي يرغب فيها. فإذا كان مسلما عاقلا ذاكرا، مريدا للخير، تقيا نقيا، تناول شهوته ومارسها موجها إياها الوجهة التي ترضي الله ورسوله. أما إذا كان مسلما غافلا عاصيا، بعيدا عن تقوى الله، تناول شهوته سالكا بها طريق الغي والضلالة.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، محرم 1439، شتمبر 2017.




اترك تعليق



شارك


احصائيــات

تــــــابعني على الفايسبوك