فبراير
3
2017

خاطرة اجتماعية من وحي القرآن

 

قال الله تعالى: “الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب” (الرعد 29-30).

إن الآيتين الكريمتين تربطان بإحكام بين الجانب الروحي والاجتماعي في حياة المسلم. ذلك أن حصول الطمأنينة الحقيقية بذكر الله، يستلزم المبادرة والقيام بالأعمال الصالحة قدر الاستطاعة؛ إذ الإيمان ما وقر في الصدر وصدقه العمل كما جاء في الحديث النبوي الصحيح.

إن كثيرا من المسلمين لهم تصور سلبي وخاطئ فيما يخص هذا الموضوع؛ حيث يزعمون أن الدين ينحصر في العبادات المفروضة من صلاة وصوم وزكاة … وذكر لله. أما العمل  الصالح مثل الإحسان إلى الناس؛ كالتصدق على الفقراء، وإسداء النصيحة والإصلاح بين المسلمين، وبذل الجهد في نفعهم، والدعوة إلى الله، إلى غير ذلك من أنواع البر وأعمال الخير. كل هذا ليس واجبا في زعمهم ولا مندوبا. بل يذهب كثير منهم إلى أن ممارسة هذه الأعمال قد تعرض صاحبها لعدة مشاكل !! ونسوا قوله عز وجل: “والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر” (سورة العصر).

كيف يا ترى يطمئن قلب مسلم يذكر الله وهو لا يفكر في نفع إخوانه المسلمين، مع توفر الإمكانيات المادية والمعنوية؛ من مال، أو قوة، أو وقت، أو علم،…؟

إن القطيعة التي يقيمها هؤلاء المسلمون بين الإيمان والعمل الصالح، تعود بالضرر على صاحبها ثم على المسلمين.

وهكذا فإن الإيمان لما انحسر وتقلص في الدائرة الشخصية والفردية، وأهمل المسلمون بعضهم البعض، وتلاشت علاقات وروابط المودة، والألفة، والتراحم، والتكافل الاجتماعي، وأصبح لسان حالهم: نفسي، نفسي، نزل بهم ما نرى ونسمع من أنواع المصائب، والكوارث، والبلايا والفتن. ولقد سئل نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه: “أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال نعم إذا كثر الخبث” (حديث صحيح). والعجيب أن السائل اللبيب لم يقل: أنهلك وفينا المصلحون لعلمه أن الصالح غير المصلح، وبينهما درجات عظيمة؛ ذلك أن المسلم الصالح قد لا يتعدى نفعه نفسه، في حين أن المسلم المصلح ينفع الناس ويهتم بأمورهم، ويسعى في رشدهم، وتوجيهم، وإصلاح أحوالهم؛ قال تعالى: “وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون” ( هود 117 ).

فيا أيها الذاكر، والقارئ للقرآن، الغافل، والمعرض، والمقصر في حق أقاربه، وجيرانه، وإخوانه المسلمين؛ راجع نفسك واتهمها، فالعبادة أوسع وأشمل وأزكى مما تدرك وتتصور. وقد يكون في صدقتك على فقير، أو معسر، أو أرملة، أو نصحك لأخيك المسلم ونفعه … من الحسنات ما يفوق أجر ذكرك لله سنة كاملة أو أكثر.

والأدهى والأمر أن تجد مسلما حريصا على صلاته في وقتها، ذاكرا لله، لا يضيع ورد يومه من القرآن، لكنه يغفل عن تربية أولاده وعن العناية بسلوكهم، حتى يفاجأ بانحراف بعضهم، فيرد ذلك إلى المدرسة، أو الحي، أو المجتمع، ويستثني نفسه ولا يتهمها لأنه راض عنها، وإذا رضي الإنسان عن نفسه وأعجب بها، عمي وحجب عن رؤية العيوب والحقائق. وقديما قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة    ولكن عين السخط تبدي المساوئ.

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. جمادى الأولى 1438. فبراير 2017.




اترك تعليق



شارك


احصائيــات

تــــــابعني على الفايسبوك