فبراير
17
2018

“النسـاء الحَمَّـالات”

النساء الحمالات

لايختلف اثنان عاقلان في أن المغرب من بين أبرز البلدان في العالم الثالث، التي يمارس فيها الظلم، والاستغلال، والاستعباد، بموازاة مع الخطاب الديمقراطي، وحقوق الانسان، والحرية.

وإذا كان الرجل الفقير في المغرب، وباقي البلدان العربية والإسلامية المتخلفة، يعاني القهر والظلم والتهميش، فإن المرأة الفقيرة تعاني ضِعف ما يعانيه شقيقها الرجل. وإذا ما أجرينا مقارنة بين وضع المرأة النفسي والاجتماعي زمن الاستعمار، وخلال العقدين الأولين من الاستقلال، ووضعها بدءا من الثمانينيات وإلى الآن، نجد هناك فرقا هائلا وكبيرا.

إن الأسرة المغربية زمن الاستعمار، لم تكن تعاني التفكك، والأزمات، ومشاكل الطلاق، أو مشاكل تربية الأبناء، وغيرها من المشاكل، باستثناء قضية الأمية. وكان البيت المغربي بيتاً متماسكا، قوي الأركان مهما كان وضعه المادي. وكانت الثقافة والتقاليد المغربية المحافظة، تحفظ هذا البيت من الاضطراب والتصدع. وظل الوضع كذلك إلى حدود السبعينيات من القرن الماضي.

ومع حلول الثمانينيات، اشتد لهيب آلة التغريب، وذلك على يد المستغربين الذين تسلموا معاولها من المستعمرين، فتغيرت معالم المجتمع المغربي، وأصاب التغريب تدريجيا، كل النواحي الاجتماعية والثقافية. وفي هذا الإطار، بدأت مشاكل الأسرة المغربية في اطراد وتصاعد، وقويت الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن؛ وما أعقب ذلك من تفشي البطالة والجريمة، والتفكك الأسري، والفقر والجهل، مع انحسار القيم والأخلاق، وتدهور العوامل المسؤولة عن تماسك الأسرة وثباتها.

ومن ناحية أخرى، فإن جشع أصحاب المعامل، والشركات، والمقاولات، جعلهم يستغلون العمال والعاملات، استغلالا فاحشا، ويستخدمونهم في أشغال، جلها قاسية مقابل أجور زهيدة، مع حرمانهم من كثير من الحقوق.

ثم إن الثقافة الحديثة المستوردة من أوربا، والتي استهدف بها المستغربـون- من أعضاء الحكومات المتعاقبة، والمسؤولون السياسيون، والتربويون، والاعلاميون، والمثقفون الحداثيون- ثقافـة المغرب وهويته الدينية، والحضارية والتاريخية، أثرت سلبا في بنية الأسرة المغربية، وأرغمتها شيئا فشيئا، على تقبل القيم الغربية المادية المفكِّكة لأصول وثوابت الأسرة المحافظة.

ومع ذلك فإن الأسرة المغربية، كباقي الأسر في العالم الاسلامي، تتحمل بالدرجة الأولى مسؤولية تفككها وانحرافها عن القيم والمبادئ الأخلاقية والدينية، إذ لولا قابليتها للتفكك والانحراف لما أصابها ذلك. ومن هنا فإن من يمارس الفساد أويُسهم فيه، سواء كان قويا أم ضعيفا، يكون مريدا لذلك ومسؤولا عنه بغض النظرعن الظروف. وقد تكون الأسرة المغربية التي تحافظ على قيمها الدينية والأخلاقية، سابحة ضد التيار التغريبي، أشد معاناة من تلك التي آثرت التفسخ والانحراف.

إن المرأة المغربية “الحمّالة”، التي لجأت إلى هذا العمل القاسي اللإنساني، في مدينة سبتة السليبة، ليست بالضروري امرأة فقيرة؛ فقد صرح كثير من النسوة اللواتي يعملن منذ سنوات في تهريب السلع؛ من مواد غذائية وألبسة وغيرها، أن هؤلاء “الحمالات” يطمحن بشقائهن إلى الغنى السريع، لما في هذا العمل الحقير والدنيء من أرباح وفيرة. وهناك آلاف من النساء في إقليم تطوان، يقنعن بالعمل في الأشغال المتواضعة، وبالأجور الضعيفة في بلدهن، بدل المغامرة بأنفسهن في خطر العمل في التهريب، مع التعرض للإهانة، والسب، والضرب، من قبل الشرطة الإسبانية، وغيرها من الويلات والمصائب التي تحدث خلال التهريب.

إن هؤلاء النسوة “الحمالات” والمهربات، قد شاع خبرهن وانتشر في كل أوربا، وتناقلته الأخبار، لاسيما بعد موت بعضهن بسبب الأثقال والزحام والتدافع. إن هذه المناظر والمشاهد والصور اللإنسانية الأليمة، لتدمي قلب كل مغربي غيور على المرأة المغربية التي تهان كرامتها كل يوم.

إن النظام الرأسمالي الإمبريالي العولمي، الذي يمتص دماء الشعوب المستضعفة ويعتبر أبناءها عبيدا له وخولا،  ما كان ليقوم بأعماله الوحشية، لولا قابلية تلك الشعوب للاستعباد، ولولا تواطؤ المستكبرين والمسؤولين، في بلدان العالم الثالث مع رموز ذلك النظام الوحشي المدعي للديموقراطية والحرية.

إن كارثة “النساء الحمالات”، وغيرها من الكوارث اللإنسانية التي يشهدها العالم الاسلامي، المستهدف من قبل الصهيونية والإمبريالية الغربية، تدخل في إطار الزواج والتعاقد الحقير بين المستكبرين الرأسماليين الكبار، والمستكبريين الرأسماليين المحليين الصغار.

أما آن للمسؤولين، الذين ملأوا الأوراق والخطابات بالعدالة والتنمية، والديمقراطية وحقوق الإنسان، أن ينظروا في هذه الكارثة وغيرها من الكوارث، بعين العدالة والإنسانية والرحمة ؟!

أما آن لزمن الخطابات والشعارات أن يغيب وينمحي، ولزمن العدل والوعي والمساواة أن يُقبل ويسود؟!

 

د.عبد الله الشارف أستاذ علم الاجتمـاع بجامعة عبد المالك السعدي، تطوان / فبراير 2018




اترك تعليق



تــــــابعني على الفايسبوك

تــــــابعني علي اليــوتيـوب

حوار حول الاستغراب الثقافي بالمغرب

احصائيــات

شــارك


احصائيــات