السوسيولوجيا العربية وإشكالية التراث « مدونة الدكتور عبد الله الشارف
يناير
31
2018

السوسيولوجيا العربية وإشكالية التراث

السوسيولوجيا العربية وإشكالية التراث

يعتبر موضوع التراث العربي، من الموضوعات الفكرية التي شغلت بال السوسيولوجيين العرب ما يقرب من قرن من الزمان. ولعل هناك شبه إجماع بينهم حول الصورة الجامدة الميتة التي يتصف بها التراث العربي الإسلامي، والذي ينبغي التخلص منه لكونه يعرقل في رأيهم مشروع التحديث والحداثة.

يقول الدكتور عبد القادر عرابي: “علم الاجتماع العربي الراهن ما زال يعاني من الإشكالات عينها التي عانى منها الرواد، أما الإشكالية الأولى فتتمثل في العلاقة بين علم الاجتماع والتراث. وقد وضحنا أن الفكر العربي يخضع لوصاية التراث والمجتمع، ولم يتجرأ حتى الآن على خوض الصراع مع المرجعية التراثية، التي تأخذ طابع المقدس في المخيلة العربية”[1].

ويقول أيضا: “المعروف أن نظرية الدين تحتل مساحة واسعة من أعمال دوركايم و فيبر الكالفيني المستقيم و غيرهما، وأن كليهما يرى أن علاقة الفرد بالمجتمع متأثرة بالدين. إن الواقع الرمزي للدين عند دوركايم هو جوهر الوعي الجمعي،وهو شرط التماسك الاجتماعي واستمرار النظام الاجتماعي. إن التدين عند دوركايم هو التسامي الاجتماعي، فالدين هو جوهر الاجتماعي. العقل الجمعي هو في جوهره عقل ديني. التعبيرات الدينية و المعرفة الدينية هما معرفة يومية. الوظائف الدينية تقوم بها بنى غير دينية، بمعنى أن القيم الدينية منصهرة في الحياة الاجتماعية. ولعل هذا سر نجاح أوربا، وهوأنها صهرت قيمها الأخلاقية في الحياة الاجتماعية. القيم الدينية عند دوركايم، الذي درس دور المقدس في تكوين المجتمع، تشكل الضمير الجمعي، وعند فيبر مصدر  التحديث والعقلانية. وعندما أقول القيم الدينية فأقصد بذلك دور هذه القيم في الحياة اليومية. أوروبا النهضة عرفت بثورتها الفكرية وغناها المعرفي، وما تزال هذه المرحلة حتى اليوم تشكل المرجعية الفكرية والمجتمعية، إنها مرجعية إنسانية وثقافية متحركة وغير جامدة. من هنا نرى أن أوربا لم تقطع روابطها مع الماضي قدر ما عقلنته، واتخذت من العقل والانسان مرجعية أساسية. مثل هذه المرجعية تمثلها العلوم الانسانية التي تجدد الفكر في ضوء القراءة المجتمعية.”[2]

إن منطوق النص الأول ينقل الى القارئ معاناة السوسيولوجي العربي وهو يواجه عائق التراث الذي يشكل في نظره العامل الرئيس في إجهاض مشروع علم الاجتماع العربي، والحيلولة دون قيام مجتمع عربي متطور وحداثي. إن وطأة  التراث المقدس على نفسية وعقلية الانسان العربي لا يذيبها و لا يمحوها، إلا قوة التفكيك والنسف من الداخل، من خلال نشر ثقافة التحرر والنقد، ونزع القداسة عن التراث الديني.

وفي النص الثاني، يحاول الدكتور عبد القادر عرابي تقديم الصورة الحقيقية التي ينبغي أن يكون عليها الدين، مستلهما في ذلك نظرة إيميل دوركايم حول الدين. إن باحثنا السوسيولوجي يتبنى أسس النظرة الدوركيمية ،ويعتبرها النموذج الأمثل فيما يتعلق بالتفاعل بين القيم الدينية و البنية الاجتماعية بحيث تنصهر الأولى في الثانية،  وتذوب في العقل الجمعي. ومن هنا قوله: ” نرى أن أوربا لم تقطع روابطها مع الماضي قدرما عقلنته، واتخذت من العقل والانسان مرجعية أساسية”.

إن باحثنا السوسيولوجي يماثل أو يطابق بين الدين المسيحي والدين الاسلامي، أي يتصور الإسلام مثلما تصور الأوربيون العلمانيون المسيحية، والحالة أن الدين الاسلامي يختلف جوهريا عن الدين المسيحي دين. ذلك أن الإسلام دين عالمي، يحمل مشروعا إنسانيا متكاملا صالحا لكل زمان ومكان، و لا يتعارض مع العلم، بل يدعو إليه وينصره. واذا كانت فرضيات دوركايم وغيره قد وجدت آذانا صاغية، وأرضية ثقافية تتقبل مثل هذه الأفكار الشاذة، فإن ثقافة المسلمين المتجذرة في أرض الدين، والوحي الصحيح، والحضارة العريقة، تلفظها لامحالة.

إن التراث الاسلامي الممتزج بالدين، يشكل محور أساس هوية المسلمين، وأصالتهم وتميزهم، ولذا فإنهم يحترمونه ويقدسونه كل حسب وعيه،  ومستواه الثقافي والاجتماعي. وقد غاب عن عقول السوسيولوجيين العرب الحداثيين، أن الدين الاسلامي آخر رسالة الى الانسان من ربه وخالقه. فلا رسالة بعدها ولا نبي بعد رسولنا محمد صلوات الله وسلامه عليه. ولو تأمل الحداثيون بعقل متجرد من الهوى، مسألة الإقبال العالمي على الاسلام والدخول فيه، والإعجاب بقيمه، وقوانينه الاجتماعية، والاقتصادية، والتربوية، وشمولية رؤيته وتصوره للحياة، لتصدعت وانهارت تلك الافكار والرؤى الحداثية لديهم، والتي وقعوا ضحيتها بسبب الاستغراب الناتج عن الانبهار بالحضاره الغربية.

ويقول السوسيولوجي محمد جسوس:

“إن من أهم أسباب بروز العقلانية تضاؤل المقدس داخل المجتمع، هذا هو الشرط الأول. والشرط الثاني هو بروز قوى جديدة لها قدرة على الاكتساح، لها مشروع طبقي أو مشروع حضاري بعيد المدى، تستعمل العقلانية كأداة للمزيد من تحطيم ما تبقى من النظم السابقة، ومن رواسب المقدس … كي تبني التاريخ كما تريده هي، لا التاريخ كما كان يؤدى إليه نوع من الطروحات التقليدية أو نوع من الطروحات التراثية. (…)
… هذه الاستمرارية للماضي ولرموز الماضي معناه أن المقدس كأرضية عليا، كمنطلق لازال له تواجد في العالم العربي يفوق بكثير ما حدث في المجتمعات الأوربية الغربية عامة، وهذا بالفعل، يشكل إحدى أهم العوائق البنيوية نحو تحول العقلانية من مجرد فكرة إلى حركة اجتماعية وإلى صيرورة تاريخية فعلية”[3].
يتضح من كلام محمد جسوس أن العقلانية لا تتزامن ولا تتعايش مع التراث والمقدس والدين، لأن شرط إقامتها وسيادتها يكمن في طرح ونبذ هذه المكونات الدينية والثقافية، وإحلال ثقافة الحداثة الغربية محلها. ومن هنا نستنتج عقلية الاستنساخ وضعف المرونة الفكرية لدى هؤلاء السوسيولوجيين، الذين أصروا على إقامة القطيعة النهائية مع الماضي والتراث الديني والثقافي، معتقدين أن بناء ثقافة جديدة ينبغي أن ينطلق من الصفر فيما يتعلق بالهوية الذاتية والحضارية الضاربة في جذور التاريخ، ويعتمد على استيراد نماذج ثقافية جاهزة من الغرب.

هكذا تشكل عملية “استمرارية الماضي” في واقع الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الإسلامية، العامل الرئيس الذي يشد عربة التاريخ إلى الوراء في رأي العقلانيين المستغربين،  مما يجعلهم يستبعدون ـ رغم ما يبدونه من ترقب وانتظار تعلوه سمة من التفاؤل ـ “تضاؤل المقدس” وتراجعه داخل المجتمعات المعنية.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الأولى 1439-يناير2018.

 

 

[1]– آفاق علم اجتماع عربي معاصر،د.أبو بكر أحمد باقادر ود.عبد القادر عرابي، دار الفكر،سوريا،2006، ص 155.

[2]– المرجع نفسه، ص: 143-144

[3]– ثورة العقلانية العربية واقع وآفاق، محمد جسوس، مجلة الوحدة عدد 51، دجنبر 1988، ص: 36-37




اترك تعليق



شارك


احصائيــات

تــــــابعني على الفايسبوك