أغسطس
7
2016

الاضطرار مخ الدعاء

 الدعاء

 

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المبين: “أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض” (النمل 64). يتبين بعد التدبر أو الفهم الأولي لنص الآية الكريمة، أن الله أقرب ما يكون إلى عبده المضطر وهو يدعوه ويستغيث به، مما يجعل المتأمل في هذه الآية يخلص إلى وجود تلازم وارتباط وثيق بين حال الاضطرار وإجابة الدعاء.

ولعل الاضطرار مستويان أو نوعان:

المستوى أو النوع الأول يمكن نعته بالتلقائية؛ أي اضطرار تلقائي لا ينفك عنه المسلم. فالمسلم التقي، انطلاقا من حال الافتقار؛ “يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله” (فاطر15)، دائم الشعور بالاضطرار التلقائي الناتج عن إيمانه القوي بالله، وتعلقه بأسمائه وصفاته. وهذه الحال من أسمى الأحوال الإيمانية التي لها ارتباط وثيق بالعبودية لله. وهكذا تجد المسلم المتنعم بحال الاضطرار التلقائي، يرفع يديه ويدعو ربه سبحانه بقلب خاشع موقن بالإجابة. ولا يقلق إن تأخرت تلك الإجابة، كما لا يسخط لعدم وقوعها وتحققها لكونه يعلم أن الخير فيما يختاره الله لعباده.

إن حال الاضطرار التلقائي هذا هو حال إيماني روحي، يحياه المسلم التقي حيثما حل وارتحل، لأنه دائم الصلة بالله، محافظ على أوامره، مجتنب لنواهيه. ولما كان معظم المسلمين أهل غفلة وكسل وتهاون في الدين، حرموا نعمة الاضطرار التلقائي. ولذا تجدهم إذا دعوا الله دعوه بقلوب ساهية خربة، خالية من الصدق والإخلاص. بل لعل كثيرا منهم لا يقين لهم في الإجابة. وهذا حرمان وأي حرمان جره المسلم الغافل بكامل إرادته إلى نفسه، وتجرع مرارته سواء شعر أم لم يشعر.

والمستوى الثاني للإضطرار هو المشار إليه في قوله تعالى، “أمن يجيب المضطر إذا دعاه”. وهو الاضطرار المعبر عن الوضع النفسي المتأزم أو الخطير الذي يعتري الإنسان في كل زمان ومكان، أو بعبارة أخرى هو ذاك الاضطرار إلى الله الذي ينبعث من قلب الإنسان، وقد حلت به مصيبة أو داهمته قارعة، أو مشكلة كبيرة تهدد عقله وكيانه… قال تعالى: “فإذا  ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ليكفروا بما آتيناهم” (العنكبوت 65-66)… إلى غير ذلك من الآيات المشيرة إلى هذا الاضطرار.

ولا شك أن الإنسان، مسلما كان أم كافرا، وقد حلت به المصيبة حتى أيقن بالهلاك، يكون أقرب إلى الله بحيث يدعوه بكل كيانه، مستحضرا في قلبه ألا مخلص له سواه سبحانه. وهذا شعور فطري في الإنسان متجذر في باطنه بحيث لا يمكنه دفعه، بل يستغرق كيان المضطر اللهفان حال معاناته وتألمه، حتى فرعون نفسه الذي ادعى الألوهية، عبر عن هذا الشعور الفطري بقوله: “آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين” (يونس 90).

نحن إذن أمام أمر فطري ووجداني عميق في كيان الإنسان، يدل على عبودية هذا الإنسان وافتقاره المطلق إلى الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: “إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا” (مريم 94).

ومن ناحية أخرى قد لا أجانب الصواب إذا قلت: إن المؤمن الصادق التقي قد يعتريه حال من الخشية واليقين والقرب، يجعله يشعر بشيء من الاضطرار الثاني. ويكفي مثالا على ذلك ما تطفح به كتب التراجم والسير من أخبار متعلقة بزهد وعبادة وخشية كثير من العباد والعلماء والدعاة والمصلحين الربانيين، تشير إلى أحوالهم الإيمانية السامية أثناء تهجدهم وقيامهم الليل أو قراءتهم للقرآن، أو غير ذلك من ألوان الطاعات والقربات، وما حصل لبعضهم من الكرامات. وأخبار الصحابة والتابعين في هذا المعنى والسياق أكثر من أن تحصى. وهذه الأحوال لا تنقطع ما بقي الإسلام والمسلمون.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت أيضا؛ إن المسلم المجتهد في العبادة والتقرب إلى الله، يستطيع استدعاء واستحضار الاضطرار الثاني إذا أعد العدة وكان من أصحاب الهمم العليا. ولا تسل بعد ذلك عن الفوائد الإيمانية والمعرفية التي يجنيها وقد تفيأ ظلال حال الاضطرار المشار إليه.

إن المسلم الذي يجتهد مثلا في التهجد وقيام الليل والناس نيام، مرتلا في صلاته القرآن بخشوع وتدبر، قد يمر بآيات الوعد والوعيد، فيهتز كيانه، ويقشعر جلده، ثم يستغرقه مشهدا الجنة والنار، ويغدو كأنه ينظر إليهما، آنذاك قد يشعر لا محالة بالاضطرار الثاني، ولله في خلقه شؤون. ولا ريب أن هذا المسلم التقي وقد غمره الشعور بحال الاضطرار الثاني، يكون أقرب إلى الله سبحانه، فيتيسر له الدعاء النابع من أعماق قلبه، كما يصبح موقنا بالإجابة. ولذا فإن الاضطرار الأول والثاني، فيما يبدو، لهما علاقة وثيقة بمخ العبادة، والله تعالى أعلم. فما أحوج المسلم الذي يروم تربية نفسه وتزكيتها والسمو بروحه، إلى استدعاء واستحضار حال الاضطرار بنوعيه.

وأختم هذا المقال بنصين  رقائقيين لهما علاقة بالموضوع:

“إذا تمكن الخوف من قلبك ملكت التمييز، وتحركت الجوارح بالأمر، وسكنت بالنهي، وانمحى الاعتراض لضعف قوة النفس، وتلاشى الفرح إلا برحمة الله، والحزن إلا للتقصير في العبادة، ووقعت الإجابة بالطلب أو دونه لحصول الانسجام بين ذاتك والكون ولصدق اضطرارك؛ (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) والاضطرار إليه عين الخوف منه وحبلك الموصل إليه.”

“عليك بالاضطرار، فقد تقارب الزمان، وضاق الوقت، وأوشكت ساعة نفسك على التوقف ؛ (أمن يجيب المضطر إذا دعاه)، ولذ بالافتقار، فلا ملجأ لك إلا هو؛ (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله )، وبادر إلى الفرار فقد سعرت النار ولفحك لهيبها ولما تراها؛ (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين)، واستنجد بالعزيز الغفار قبل أن يطلع النهار، فيغشى ضوؤه الأبصار، وقتئذ تعنو (الوجوه للحي القيوم)، ويتميز الحق من الباطل والمؤمنون من الكفار.”

(من كتاب “في أدب الرقائق”، د. عبد الله الشارف،  ص 57 و 124 تطوان المغرب 2015)

 

د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة، ذو القعدة 1437- غشت 2016.

 




اترك تعليق



شارك


احصائيــات

تــــــابعني على الفايسبوك