نوفمبر
5
2012

الإيديولوجيا نتاج القطيعة الروحية والفكرية

 

 

يرى كارل مانهايم بأن ” الايديولوجيا هي الوعي الزائف بالذات”، ويلاحظ ريمون آرون الالتباس العميق المستخدم في كلمة ايديولوجية، فهي تـارة تكون ذات معنى حيادي بل اطرائي وطـورا بمعنى متبذل. فهو يرى: «أن هناك تذبذبا في استخدام تعبير ايديولوجيا يتراوح بين المعنى الحجاجي : الايديولوجيا هي الافكار المزورة، هي تبرير المصالح والأهواء، وبين المعنى المحايد : الصياغة الجدية لموقف معين اتجاه الواقع الاجتماعي أو السياسي» .1

ويذهب أندري لالند في قاموسه الفلسفي أن دستوت دوتراسي، هو واضع مصطلح الايديولوجيا، وذلك إبان فترة الثورة الفرنسية (1789)، وفي كتابه “مذكرة حول ملكية التفكير” ذهب دوتراسي إلى أن الايديولوجيا تمثل : “العلم الذي يدرس الأفكار بالمعنى الواسع لكلمة أفكار، وخصائصها وعلاقتها بالوعي الاجتماعي” 2. وبما أن ظهور هذا المصطلح تزامن مع الثورة الفرنسية، فقد كان يكتسي طابعا ثوريا. ولايخفى على احد مدى قوة الأفكار التي نادت بها البورجوازية الصاعدة، مثل العدالة والاخوة والحرية، وتأثيرها في الشعب الفرنسي الذي صنع الثورة.

لقد كانت مدرسة دستوت دوتراسي تسعى في البداية لأن تكون علما للمعاني والأفكار المجردة، يدرس نشأتها وتاريخ تطورها بدءا من الاحساسات الأولية التي اهتم بها عصــر العقل (القرن17م) خاصة؛ جون لوك وكوندياك. ولم تكن تلك الصياغات وقفا على القضايا المعرفية، فقط بل جاوزتها إلى الامور السياسية ايضا. فوقفت لذلك وراء قادة الثورة الفرنسية، واستعمل أولئك القادة أفكار مدرسة الايديولوجيا كسلاح لايستغنى عنه في الصراع ضد العقائد السياسية والدينية المتسلطة، التي اعتمد عليها النظام السابق في الحكم.

وبعدما كان الأوربي بالأمس القريب يقدس مبادئ الدين الكنسي، ويملأ قلبه بأفكار مصدرها السماء، إذا به يسقط فجأة في فراغ ويشعر بخواء رهيب إثر حدوث تلك القطيعة الفكريـة والروحية، وبعد نبذ كل أنواع التدين. لكن هذا الفراغ وهذا الخواء يجب ملؤهما والا تمزق الإنسان. ومن هنا كانت قوة الأفكار وقوة الايديولوجيات. فبقدر ماكانت هذه الافكار أساسا لروح الحضارة الصناعية، كانت أيضا بلسما لذلك التمزق الباطني الذي أحدثته القطيعة الروحية الفجائية. لابد للإنسان أن يقدس شيئا. والأوربي الذي أعرض عن تقديس مبادئ الكنسية وأعرض عن السماء، قدس الافكار وولى وجهه شطر الارض. فتقاذفته الأفكار والفلسفات ودحرجته الايديولوجيات؛ من ليبيرالية واشتراكية وديموقراطية إلى غير ذلك .
” تجلت هذه الايديولوجيات، التي ستحاول رد الثقة إلى نفوس الأوربيين المتأثرة بفعل القطيعة، في الفكر الليبيرالي والديموقراطين ومن جهة أخرى في الفكر الاشتراكي وكذلك في الفكر العلماني “3 .
ويمكن اعتبار الفكر البورجوازي، أول نسق فكري حديث تبلور في اطار فكر ايديولوجي. ذلك أن الطبقة البورجوازية الصاعدة قبيل اندلاع الثورة، كانت تدعو إلى تقويض المجتمع الإقطاعي وإقامة مجتمع جديد تسوده العدالة والحرية، غير أن حاجاتها إلى إطار فكري تستند إليه كانت ضرورية، ومن هنا تبنت البورجوازية فلسفة التنوير، واتخذت منها المرآة التي عكست فيها رؤيتها لنفسها وللعالم، وهي أيضا المرآة التي أسقطت عليها الصورة التي ينبغي للطبقات الأخرى ان تتعرف بها. وبما أن فلسفة التنوير فلسفة عقلانية فإن البرجوازية الناشئة نددت بكل سلطة لاتقوم على العقل، وبالتالي هاجمت سلطة الاقطاعيين التي تستمد مشروعيتها من تقاليد بالية وآراء ذاتية مناقضة للعقل.
ولما تبنى البورجوازيون المبادئ الإنسانية ومبادئ العقل، وواعدوا الشعب الفرنسي بإقامة العدالة والقضاء على الظلم والفساد وإرساء أسس العلم ، تم لهم الوصول إلى الحكم، بعد أن أذكوا نار الثورة الفرنسية بأفكارهم الاجتماعية ومواقفهم السياسية.

لكن ما أن استتب الأمر لصالح الطبقة البورجوازية هذه، حتى انطفأت الروح الثورية، وتحولت هذه الطبقة إلى أسرة محافظة وظهرت نياتها الأنانية، وعاد الفتك بالإنسان الفرنسي والأوربي عامة، وعاد الاستغلال من جديد. فظهر استخدام الأطفال والنساء في المصانع الأولى الناشئة، وما أشبه ذلك من ألوان الظلم والعذاب، وكان من نتائج ذلك ظهور الحركة اللاعقلانية أو الرومانسية، والتي قامت كرد فعل ضد الحركة العقلانية، وخصوصا العقلانية البورجوازية . ويذهب جان باكلير في كتابه : “ماهي الايديولوجيا” إلى أن:

” الطلب الايديولوجي ، أو الرغبة في التأدلج، حاد وقياسي لدى المجتمعات الغربية منذ القرن الثامن عشر، وكذا عند الشعوب البدائية، ويضيف من ناحية أخرى، بأن الايديولوجيا تعبير عن انحراف تدريجي للمعرفة… وهكذا يتضح التناقــض الــصارخ المتضمن في الحــداثة أو الثقافة العصرية. ذلك أن الاشخاص الأذكياء والمثقفين منهم في الوقت نفسه، أكثر الناس بلاهة وأشدهم غباء ، إن الأفـراد المثقفين أصبحوا ضحية الفصام النفسي والشخصي (الشيزوفرينيا) الناتج عـن كون تقـدم وتطور العلم والمعرفة، مصاحب بتطـور ونمـو موازي بالنسبـة لفقدان الواقع وضياع العقل السليم “4 .

1 – Raymond Aron (trois essais sur l’age industriel )
. Paris, Plon 1966, p 215
1 ـ André Lalande “Vocabulaire technique et critique de la philosophie” . Ed. PUF Paris 1976 p.458.
3 – Jean Baechler ;(Qu’est-ce que l’ideolegie)Ed . Callimard 1976 France . p .116
4- Jen Baechler , Qu’est-ce que l’ideolegie, Ed / Callimard 1976 France P394

د. عبد الله الشارف؛ “الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر”، ص 98…، طوب بريس، الرباط 2003.




تعليق واحد + أضف تعليق

  • شكرا للاستاذ المجدد – لكن يبقى العمل منبتا عقيما ،هامشيا لانه لم يصل مفهوم الاديولوجيا بما يعادله في ”ذكرنا ” الثري العميق القيم -
    الترجمة الحصرية للمفاهيم والمصطلحات هامة جدا لتثوير انجازات السلف الباهرة المحاصرة –
    يمكن ان نقارب مفهوم الاديولوجيا بمصطلح البدع ثم ”الضلال ”-
    تامل الآيات البينات من آخر سورة الكهف :”( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ( 103 ) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( 104 ) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ( 105 ) ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا ( 106 ) ”-
    تابع هذا الخط : حسبان ..ضلال ..خسران -
    والظن هو التصديق الراجح وإن لم يبلغ حد الجزم والقطع، وكذا الحسبان، غير أنّ الحسبان كأن استعماله في الإدراك الظني استعمال استعاري، كالعد بمعنى الظن وأصله من نحو قولنا: عد زيداً من الأبطال وحسبه منهم أي ألحقه بهم في العد والحساب.
    كذلك الغرور وهو سكون النفس إلى الهوى والباطل عن سبهة أو خدعة أو تلبيس
    والرحمان الرحيم ، اللطيف الخبير يهدي الفاني إلى التحررمن الضلال (الاديولوجيا): ”الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الطلمات إللى النور ”- أتى الله بالنور بصيغة المفرد والظلمات بصيغة الجمع لأن الظلمات متعددة : منها الضلال وكذلك الجهل والشرك …

    وأرشدنا إلى هذا الدعاء القيم الجامع :

    ”اهدنا الصراط المستقيم ………………..”
    الحمد لله رب العالمين -

اترك تعليق



شارك


احصائيــات

تــــــابعني على الفايسبوك