أغسطس
22
2016

أنين البحر

838782162

 

البحر مخلوق من مخلوقات الله العظيمة، يضم في أحشائه كائنات حيوانية ونباتية وأصدافا ولآلئ وأنهارا من المياه الحلوة…

إنه يسبح الله؛ قال تعالى: “يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض” (الجمعة 1). وقال أيضا: “تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا” (الإسراء44). فكل المخلوقات التي تسكن البحر تسبح الله، بل كل قطرة ماء تسبح باسم ربها.

وإذا تأملت بقلبك ونظرت بعينيك طويلا إلى البحر، شعرت بالهدوء والطمأنينة. إنه على الفطرة؛ يهبك جماله؛ زرقته وحركات أمواجه وأفقه الكبير، وإذا اقتربت من ساحله ذاعبت أقدامك مياهه في لطف وعذوبة. يحملك على ظهره في الفلك والسفن، ويقدم لك ثمرته الطرية من أسماك مختلفة تأكلها هنيئا مريئا.

ورغم أن مخلوقات البحر تسبح الله بطريقة لا إرادية؛ أي أنها مجبولة على التسبيح، فإنها واعية بوعي وشعور يناسب خلقتها وطبيعتها. وإلا فكيف نفسر مثلا استماع النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أنين جذع النخلة عندما تركه ولم يعد يقف عليه أثناء الخطبة، أو كيف ندرك مخاطبته صلى الله عليه وسلم لجبل أحد لما تحرك والنبي صلى الله عليه وسلم فوقه صحبة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قائلا: “إهدأ أحد فإن فوقك نبي وصديق وشهيد”. فكذلك البحر له تواصل معين مع بني آدم وباقي المخلوقات. قد نخلص انطلاقا من هذه الحقائق  إلى أن البحر الذي يسبح الله، يملك كيانا روحيا ومعنويا وشعورا معينا.

إن هذا البحر، أيها القراء الأفاضل، قد عاش في سلم وأمن ووئام مع البشرية طوال آلاف السنين، إلى أن جاء بشر الحضارة الغربية، فآذوه ماديا ومعنويا. فمن حيث الجانب المادي؛ عمدوا إلى طرح نفايات المصانع والقاذورات البشرية في جوفه الطاهر، وتسببوا بذلك في قتل خلق عظيم من حيواناته ونباتاته.

ومن حيث الجانب المعنوي؛ فإنهم قد آذوه بعريهم ومنكراتهم وفواحشهم القذرة. فترى العراة وأشباه العراة يلطخون مياهه ويدنسونها بفسقهم وحيوانيتهم القذرة المقيتة. لذا فهو يتألم ويئن، لكن لا يحس بأنينه وشكواه إلا المؤمن. أما العراة المفسدون فهم في غمرة ساهون، وفي أوساخهم يتمرغون، وفي غيهم يعمهون. وإذا أردت أن تنصحهم بقولك لهم: إن عريكم وفحشكم يؤذي البحر كما يؤذي ذوي الحياء والمروءة من الناس، رموك بالتخلف والجمود، وربما قالوا لك: أخرجوهم من شاطئكم إنهم أناس يتطهرون ويستحيون !!

بل أكثر من هذا، إن هؤلاء الشياطين من الآدميين سخروا أبواقا إعلامية للدفاع عن منكراتهم وفواحشهم، وللسخرية من الذين يتطهرون ويسبحون بلباس يستر أبدانهم وعوراتهم. إن هؤلاء الشياطين من الآدميين الذين فسد معدنهم، وفسدت فطرتهم بسبب فحشهم وعريهم، لا يطيقون رؤية السباحين المستورين، وكذلك الشيطان لا يتحمل رؤية المؤمن التقي.

وكثيرا ما يأذن الله للبحر فيغضب يزمجر فيرعب الغافلين بالعواصف أو التسونامي فتكون الكارثة. ومع ذلك يقولون: هذا غضب الطبيعة. ومن أغضب الطبيعة ؟ قال تعالى: “فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج 46).

د. عبد الله الشـارف، مكـة المكرمـة، ذو القعدة 1437- غشت 2016.




اترك تعليق



شارك


احصائيــات

تــــــابعني على الفايسبوك